المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفاصيل أول عملية لزراعة الكلى في قطاع غزة .. يرويها الجراح عبد القادر حماد


rss
01-31-2013, 11:45 AM
تفاصيل أول عملية لزراعة الكلى في قطاع غزة .. يرويها الجراح عبد القادر حماد
الخامسة من مساء يوم الخميس الموافق الرابع والعشرين من يناير، وبعد ثماني ساعات كاملة من الجهد المضني كان قطاع غزة على موعد مع الأمل، بعد نجاح أول عملية زراعة لـ "الكلى"، ليتوج اليوم التالي بالعملية الثانية ويكون حظها كسابقتها، وتكرم وزارة الصحة الوفد الطبي القائم على العملية.

هذه السابقة كانت بمثابة القشة التي استنجد بها كل من يعاني من الفشل الكلوي في غزة، واشتدت عليه آلامه في كل مرة انقطع فيها الدواء، ولعلك تتساءل ? عزيزي القارئ - من هو "الطبيب الفارس" صاحب "المشرط المغوار" الذي رسم من خلال تلك العملية خريطة الأمل لكل مريض منهم؟

الفارس التقته "فلسطين" هو رئيس وحدة زراعة الأعضاء في مستشفى "ليفربول" الجامعي في مدينة "ليفربول" في المملكة المتحدة البريطانية، إنه استشاري جراحة الأعضاء د.عبد القادر حمّاد، فلسطيني الأصل من مدينة يافا.

ولد د.حماد عام 1955م في دولة العراق، ونال شهادة "الطب العام" من جامعة عين شمس ال**رية في العام 1981م، انتقل بعدها للعمل في الأردن حيث استقر هناك ثماني سنوات قبل أن يغادرها إلى بريطانيا في عام 1988م ليخوض مجال الجراحة العامة، ثم ينتقل للتخصص في جراحة زراعة الأعضاء "الكلى والكبد والبنكرياس".

مخطط من شقين

يقول د. حمّاد: "بدأت القصة عندما حدثني رئيس الفرع البريطاني عن "تجمع الأطباء الفلسطينيين بأوروبا" د. طارق هبوب عن المعاناة التي يمر بها مرضى الفشل الكلوي في قطاع غزة ليتم إجراء عمليات غسيل الكلى لهم، فأخبرته أن الحل يمكن في زراعة كلية جديدة"، مشيرًا إلى أن د. هبوب أخبره بالأمر عقب زيارته لغزة بعد حرب 2008 واكتشافه عدم وجود زراعة للكلى فيها.

وتابع: "لم أكن قبل الزيارة الأولى لغزة عضوًا في تجمع الأطباء، ولكن بعد حديثي مع د. هبوب وانتهاء زيارتي الأولى وعودتي لبريطانيا قررت الانضمام للتجمع بهدف العمل على تقديم ما يمكنني من خدمات لمرضى الكلى في غزة وفق الجهود المتاحة"، مبينًا أنه قبل تسعة أشهر زار غزة ليطّلع عن كثب على أصول المعاناة.

فمرضى الفشل الكلوي ? وفق قوله ? يعتمدون طوال حياتهم على غسيل الكلى دون وجود أمل في الشفاء إلا بالحل الوحيد وهو زراعة كلية جديدة، وبما أن القطاع الصحي في غزة غير قادر على تلبية الحاجة للزراعة فإن بعض المرضى يلجأ للعلاج في الخارج وهو ما يسبب إرهاقًا معنويًا لنفسية المريض وماديًا يؤثر على وضعه الاقتصادي نظرًا للتكاليف المالية العالية التي تنتج عن السفر للعلاج بالخارج.

وأضاف: "بعد اجتماعي مع المسئولين في شهر أيار من العام الماضي اتفقنا على وضع مخطط كامل لآلية زراعة الكلى وهو ينقسم إلى شقين، الجزء الأول منه آني التعامل، أم الآخر طويل الأمد"، لافتًا النظر إلى أن الشق الآني يتمثل في مجيء الوفود الطبية إلى غزة بين الحين والآخر لإجراء عمليات زراعة كلى، و"طويل الأمد" يعتمد على تدريب الكوادر المطلوبة وتأهيلها لتتولى هي "دفة" العمل بشكل مستقل بعد مدة من الزمن.

الطريق للزراعة

ونوه د. حمّاد إلى أنه بعد التواصل مع وزارة الصحة تم حصر الاحتياجات اللازمة لعمليات الزراعة من معدات طبية وأدوات جراحية والأدوية المطلوبة ومدى توفرها في غزة ليتم إحضاره مع الوفد الطبي القادم، مضيفاً: "بعض الأجهزة الطبية طلبت من مستشفى "ليفربول" الجامعي أن يشتريها على أن يتم تسديد ثمنها لاحقًا، وأحضرتها لغزة على ضمانتي الشخصية".

وأشار إلى أن زراعة الكلية تعتمد على فريق متكامل "فالعبرة ليست بالجراح وحده فقط"، فهي تتطلب - وفق د.حماد- لأخصائي كلى، وجراح زراعة أعضاء، ومسئول مختبر تطابق الأنسجة، والشخص المسئول عن قراءة العينات، وفني أشعة متخصص في قراءة أشعة الكلى، وفني تغذية، وأخصائي اجتماعي لتأهيل مرضى الكلى والمتبرعين، "فتكاتف أجزاء الفريق كلها يعمل على إنجاح العملية للمريض"، على حد تعبيره.

وذهب إلى القول:"في زيارتي الأولى قابلت عددًا من المرضى، وأجرينا بعض الفحوصات اللازمة، وبعد الانتقال إلى بريطانيا ولأسباب خاصة تبين أن أولئك المرضى غير مناسبين لإجراء عملية الزراعة"، مبيناً أنه تم التواصل مع المسئولين في غزة لإحضار عينات أخرى لأشخاص راغبين بالزراعة وبعد ثلاث محاولات باءت بالفشل وصلت عينات الدم في المحاولة الرابعة للمستشفى لإجراء الفحوصات المخبرية المطلوبة.

ولم يخل الأمر من معيقات حيث واجه الفريق الطبي عدم توفر مختبر لتطابق الأنسجة في قطاع غزة "لذا كان يلزم إنجاح محاولات نقل عينات الدم إلى ليفربول"، يقول د.حماد.

ورافق الطبيب الفلسطيني في زيارته رئيس مختبر تطابق الأنسجة في مستشفى "ليفربول" "د.ديريك ميدلتون" والذي يعكف حاليًا على مقابلة عدد من المتخصصين في غزة ليختار منهم من يلتحق للتدريب في بريطانيا على اختبارات تطابق الأنسجة بهدف إنشاء المختبر الأول لتطابق الأنسجة في قطاع غزة.

ولفت جراح زراعة الكلى النظر إلى أنه عقب وصول الوفد الطبي لغزة في الثاني والعشرين من يناير 2013 اجتمع مع أعضاء وزارة الصحة وتمت مناقشة الحالات مرة أخرى والتأكد من الفحوصات الطبية ومقابلة المرضى وشرح إجراءات العملية والمخاطر المترتبة عليها والنتائج المتوقعة منها.

وأفاد د.حماد أن المخاطر التي قد تنتج عن العملية تتمثل في "تعرض المتبرع لنزيف أو التهابات، أما بالنسبة للمستقبل فإن جسمه قد يرفض العضو الجديد أو يتعرض لنقص المناعة والقابلية أكثر للإصابة بأي عدوى نظرًا لتناول أدوية مضادات المناعة والتي يكون تناولها لإيقاف هجوم أجهزة الجسم على العضو الدخيل الجديد".

عملية ناجحة

وأما عن إجراء العملية ذاتها - والراوية لـ د. حمّاد - ففي التاسعة من صباح الخميس الموافق الرابع والعشرين من يناير 2013 بدأت أولى مراحل العملية باستئصال الكلية من المتبرع وبعدها إجراء العملية الثانية بزرع الكلية في جسد المتلقي، ليكون نهاية الأمر مع حلول الساعة الخامسة من مساء اليوم، وانتهاء التوتر والقلق الذي شعر به أعضاء الفريق كونها الجراحة الأولى لهم في غزة رغم إتقانهم لها منذ وقت طويل.

ويقول الطبيب الفلسطيني: "كنت أود أن تبقى العملية بعيدة عن أنظار وسائل الإعلام إلى حين التأكد تمامًا من نتائج العملية ولكني وجدت أن الجميع يعلم بتفاصيل الخبر". مشيراً إلى أن أول ما فعله بعد انتهاء العملية ونجاحها قيامه بزيارة المريضين والاطمئنان على صحتهما وشكر زملاءه في الفريق المرافق ومن ساعدهم من غزة.

مختبر تطابق الأنسجة

وينتقل جراح زراعة الكلى للحديث عن الشق طويل الأمد من المخطط الذي عرضه على وزارة الصحة، والمتمثل بإنشاء مختبر تطابق الأنسجة ? سابق الذكر ? وتدريب الكوادر التمريضية على العناية بالمريض قبل وبعد زراعة الكلى وكيفية المتابعة، وتدريب كوادر التغذية، وتأهيل منسق خاص بعمليات زراعة الكلى مهمته تعنى بمتابعة البروتوكول المعتمد لإجراءات زراعة الكلى.

وقال:" سيتم تدريب الجراحين ليكونوا قادرين على إتقان عمليات الزراعة بكفاءة وقد تصل مدة تدريبهم إلى ما يقارب من سنتين إلى ثلاث، ومعهم تدريب أخصائي الكلية وتأهيله ليكون متابعًا عن كثب للتطورات في المجال الطبي"، منبهاً على أنه تم تنفيذ الشق "طويل الأمد" من المخطط فسيتخلل تلك المدة التدريبية استمرار انتقال الوفد الطبي بين الحين والآخر لغزة لعمل عمليات زراعة ضمن "الشق الآني" من المخطط.

وشدد على أن الدعم الطبي للكوادر التي تم تأهيلها سيستمر فور بدئها في العمل ولمدة من الوقت إلى حين اعتمادهم الكامل على أنفسهم، خاتمًا حديثه لـ "فلسطين" بقوله: "بعض أعضاء الوفد كان متخوفًا من زيارته لغزة على أساس أنها منطقة حرب، لكن مشاعرهم تغيرت لأنهم وجدوا غزة منطقة جميلة ولو أتيحت لها الفرصة في مناح كثيرة لغدت من أفضل المناطق".