المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قصة وفاة الطبيب صلاح صلوحة بفيروس h1n1 ومعاناة إجراءات تحويله إلى العلاج بالخارج


rss
01-31-2013, 10:32 AM
قصة وفاة الطبيب صلاح صلوحة بفيروس h1n1 ومعاناة إجراءات تحويله إلى العلاج بالخارج
بداية النهاية بدأت حينما سارعت عقارب الساعة تعد سويعاتها الأخيرة قبل أن تتوقف معلنة ساعة الصفر لحياة طبيب كان بردائه الأبيض يخفف آلام مرضاه، ولكن المرض هذه المرة، وإجراءات الاحتلال (الإسرائيلي) عند الحاجز كان لهما نقطة الفصل في حياته؛ فتحول من طبيب معالج إلى مريض يعالج.

كعادته انطلق طبيب الأسنان صلاح صلوحة إلى عيادته ليستقبل مرضاه ضِمن "روتين" يومي، إذ يستقبل مرضى ويودع آخرين، لكن هذا "الروتين" توقف؛ نظرًا لخطأ وقع فيه حينما لم يضع "الكمامة" الواقية، فكان الطريق ممهدًا لينطلق فيروس "h1n1" إليه بالعدوى عن طريق أحد مرضاه.

رفض التحويلة

تدهورت حالة صلاح الصحية، وبدأ المرض ينهش في جهازه التنفسي بسرعة (...) تروي والدته أيام ابنها الأخيرة: "بعد أن ساءت حالة ابني الصحية وتدهورت بشكل مفاجئ، نقلناه إلى مستشفى الشفاء، فمكث في قسم الباطنة يومًا، قبل أن ننقله إلى مستشفى القدس، ولكن المستشفى رفض استقباله، وطلب نقله إلى غرفة العناية المركزة في مُستشفى الشفاء؛ لخطورة وضعه الصحي".

قضى صلاح (40 عامًا) في المستشفى ثمانية أيام، كل يوم منها كان ينذر له بالأسوأ، لذا استوجب نقله للعلاج خارج قطاع غزة؛ لضعف الإمكانات الصحية، والتدهور السريع في صحته.

سعت عائلته للحصول على تصريح له بالسفر للعلاج في مستشفى "الكرمل" في داخل فلسطين المحتلة؛ فرفض الاحتلال "تحويلته" أكثر من مرة، قبل أن يوافق في الرابع والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2013م على سفره للعلاج، وبدأت عائلته تتشبث ببصيص أمل جديد، ولكن الفرحة لم تتم؛ لأن حالة صلاح الصحية تدهورت بصورة كبيرة، وباتت عملية نقله من المستشفى عبر سيارة إسعاف قد تودي بحياته؛ فقرر الأطباء إبقاءه وعدم نقله.

وفي اليوم التالي، بذل الأطباء في مستشفى الشفاء كل جهدهم في معالجته، وتحسنت حالته قليلًا، فنقل صلاح في سيارة إسعاف مجهزة إلى حاجز بيت حانون (إيرز)، شمال القطاع، برفقة عمه والطبيب المشرف على حالته؛ لنقله لتلقى العلاج في مُستشفى "الكرمل".

هنا، لم تسمح سلطات الاحتلال بدخول المريض قبل أن يمر بعملية تفتيش، خاصة أن المرضى مشتبه فيهم ويفتشون.

"أوقف جنود الاحتلال سيارة إسعاف صلاح على بوابة بيت حانون؛ ليفتش هو ومرافقوه مدة ساعة وخمس دقائق قبل نقله إلى سيارة الإسعاف (الإسرائيلية)" هذا ما تحدثت به والدته التي كانت تنتظره خارج الحاجز برفقة زوجته وصديقه.

قلب توقف بكرامة

كل دقيقة كانت تمر على صلاح كانت كفيلة بأن تودي بحياته؛ فكيف يكون الحال بعد مرور 65 دقيقة تعمد فيها جنود الاحتلال تأخيره مع علمهم بمرضه؟!

في هذا الوقت نضب الأكسجين، وأصبح بحاجة إلى أسطوانة جديدة تمكن الطبيب الفلسطيني المرافق للمريض من توفيرها.

واستخفافًا بحياة صلاح؛ طلب جنود الاحتلال من مرافقيه نقله عبر سرير متحرك مسافة 700 متر مشيًا على الأقدام، لكن الطبيب أخبرهم بخطورة حالته الصحية، فوافقوا على جلب سيارة الإسعاف (الإسرائيلية) ونقله إليها مباشرة، ولكن _يا للأسف_ بعد صفارة الحكم.

لم يعد قلب صلاح يقوى على الصبر، بدأت دقاته تتناقص كأنها تعلن اقتراب الموت بكرامة بدل المضي في رحلة الإذلال (الإسرائيلية)، وتوقف القلب تمامًا فحاول الطبيب الفلسطيني إنعاشه مرتين، ومرت ساعة إضافية، ولكن إرادة الله كانت الأقوى وصعدت روح صلاح إلى بارئها، وكانت ساعتا التفتيش (الإسرائيلي) الضربة القاضية لحياته.

حالة الإذلال وامتهان الكرامة لم تنته بالمشاركة في عملية قتل صلاح، بل حتى بعد أن أصبح جثة هامدة، قام جنود الاحتلال بتفتيشه أيضًا، وكذلك مرافقوه، عندما عادوا إلى قطاع غزة؛ ليلقي أهله نظرة الوداع إليه، ويعانق جسده ثرى وطنه.

"لم يعانِ ابني من أية أمراض قبل مرضه بالفيروس" هذا ما أكدته أم صلاح، نافية ما يدعيه البعض، إذ إن نسبة السكر في دمه اكتشف ارتفاعها حتى 500 في أثناء الفحوصات المخبرية التي أجريت له، وقبل ستة أشهر أجرى فحصًا فظهرت نسبة السكر طبيعية في دمه في معدل 120.

"التفتيش" ليس السبب

دائرة التنسيق والارتباط التابعة لوزارة الصحة في "رام الله" هي الجهة المخولة بالتنسيق مع الاحتلال؛ لتحويل مرضى القطاع للعلاج في المستشفيات داخل فلسطين المحتلة.

وقال مديرها رفعت محيسن: "إن إجراءات التفتيش (الإسرائيلية) لم تكن السبب الرئيس في وفاة المريض صلوحة، ولكن بفعل تدهور حالته الصحية في أثناء نقله إلى سيارة الإسعاف (الإسرائيلية)".

وأشار إلى أن الإجراءات (الإسرائيلية) التفتيشية هي "روتين" يومي يمر به كل المرضى عند حاجز بيت حانون، مضيفًا: "الاحتلال يتعاون ويتجاوب مع الحالات المرضية الصعبة، ويسرع في تسهيل عملية نقلها إلى مستشفيات الداخل المحتل".

في المقابل، تؤكد والدة صلاح أن عملية التفتيش (الإسرائيلية) لابنها ومرافقيه التي استمرت ساعتين قبل نقله إلى سيارة الإسعاف (الإسرائيلية)؛ كانت سببًا في تدهور حالة ابنها الصحية بسبب طوال مدة الانتظار.

وذكرت إحصائية لدائرة التنسيق والارتباط صدرت العام الماضي أنه تم تقديم حوالي 9222 طلبًا للمرور عبر حاجز بيت حانون، مبينة أنه الاحتلال (الإسرائيلي) وافق على 8633، أي ما نسبته 93%، وأنه اعتقل 4 حالات من المرضى والمرافقين، وقابل 112 حالة بالتحقيق الأمني، ورفض 74 مرافقًا بحجج أمنية، وأشار بـ"غير مناسب" أمام أسماء 44 مرافقًا، ونسق لـ884 حالة إسعاف ذهابًا وعودة، وتشمل هذه الإحصائيات العلاج في مستشفيات الداخل المحتل والقدس والضفة الغربية خروجًا وعودة بواسطة الإسعاف.

وآخر انتهاكات الاحتلال بحق المرضى _حسب إحصائيات مركز الميزان لحقوق الإنسان_ اعتقال قوات الاحتلال المريض رفيق أبو هربيد، مطلع العام الجاري، بعد أن وصل إلى الحاجز لإجراء مقابلة أمنية بطلب من جهاز مخابرات الاحتلال.

وتواصل سلطات الاحتلال سياسة الاعتقال التعسفي للفلسطينيين المسافرين عند حاجز بيت حانون، سواء كانوا مرضى أم مرافقي مرضى، وتواصل استدعاء بعض المرضى ومرافقيهم للمقابلة الأمنية، وعدد المعتقلين بلغ خلال العام المنصرم 2012م 6 معتقلين، من بينهم 4 مرضى و2 من المرافقين.

ووثّق المركز اعتقال 22 مريضًا ومرافقًا عند الحاجز منذ بداية عام 2009م حتى تاريخه، بينهم 19 مريضًا، و3 مُرافقين.