المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عقوبةٌ تليق


rss
06-15-2014, 08:12 PM
عقوبةٌ تليق
بسم الله الرّحمن الرّحيم

يوم عزّ عن تلمسان البيان، وأعياها الاستنجاد بالتّرجمان، لبدائع الأفكار، من دوحة الأشعار
توجّهت إلى النّثر؛لما فيه من بهاءٍ وسحر، وانطلاقة وطلاقة؛ فكانت هذه القصّة القصيرة،عن تلميذة صغيرة -كبيرة-
وهي من أولى محاولاتي تلمسان في هذا الميدان؛ متطلعةً لتليد آرائكم، وجميل نقودكم :)

عقوبةٌ تليق

وقفت المعلّمة محاذاة الطاولة وقالت: هل فكّرتِ في عقوبةٍ تليق يا فاطمة؟
أفصحت عيناها بدمعتين وهي تتمتِمُ بهدوء لتحكي سبب عجزها عن الحفظ ؛ وأردفت : احرميني من المطعم أسبوعا، من الفسحة شهرا، ممّا شئتِ ... ، فقط لا تمنعيني من المشاركة ، ولا تقاطعيني!
تردّدتِ المعلّمة، وبدا لها أن تتّصل بأمّ فاطمة أوّلا، فطلبت من الفتاة أن تبلّغ والدتها برغبتها في لقياها.
امتقع وجه الفتاة، وخيّمت غمامةٌ من الأسى على وجهها الطفوليّ البريء .
- ها هو يومٌ دراسيٌّ جديد يلوح لفاطمة ، ولكنّه يومٌ مثقل بآمالٍ مجهضة، ونفسٍ منكسرة، ورهبة من ذلك السّؤال الّذي لازال يقوّضُ مضجعها.
كانت المعلّمة قد سهرت وهي تنسّق طاقةً من الأزهار لأمّ فاطمة، وصندوقًا ضمّ أصنافًا من الحلوى لطالبتها النّجيبة.
ورغم بعد المسافة، كانت فاطمة تشعر بالطّريق ينساب من تحت سيّارة أبيها بسرعةٍ فائقةٍ.
لم تملك فاطمة إلا البوح لجليستها "نسرين" بحقيقة حالها، طالبةً منها المشورة والنّصح ... قالت - والصّوت يتحشرج في حلقها - وما عساي أقول...؟ وكيف لي أن أعتذر؟ لقد قالت لي الآنسة بالأمس بأنّني قد خيّبت أملها، وهي ترفض سماعي، ولا حتّى النّظر إليّ حال إجابتي!
على غير عادتها، دخلت الآنسة المدرسة ومعها من يعاونها على حمل الهدايا، ولجت باب الصّف، فانهالت عليها التعليقات الخافتة، وعلى حملةِ الجوائز معها.
شعّت وجوه التلميذات بالبِشرِ، بيد أنّ وجه فاطمة ظلّ ممتقعًا كالحًا.
سمعت فاطمة قرع نِعالٍ في الممرّ المجاور للفصل، لم تتمالك الفتاة نفسها، وأجهشت بالبكاء، لم يكن بكاؤها إلا ردّ فعلٍ لذلك الصّوت؛ فقد اعتادت أن تدخل المديرة لتأنيب إحدى الطالبات.
بينما كان بقيّة التلاميذ يتحرّقون شوقًا لمعرفة أصحاب الهدايا، كان نسرين تحتضن صديقتها، وتواسيها، محاولة للتخفيف من حدّة أساها بالقول: لا تخافي، سأحدّث الآنسة في شأنك، وسأطلب منها أن تحوّل بعض علاماتي في إليك ... واثقةٌ من أنّها لن تردّني، فأبشري، فلن تتعرّضي للعقوبة.
ابتسمت المعلّمة وهي تفتح الباب المطروق، وكم كانت تلك الابتسامة ثقيلة على نفس فاطمة ووجدانها .
برق وجه أمّ فاطمة في مدخل الصفّ.
استسمحت المعلّمة أمّ فاطمة في التوجّه إلى مكانٍ أفسح للمحادثة ، وفي يدها شيء ما.
وفي تلك الأثناء كانت الظنون تفترس فاطمة وتتجاذبها من كلّ ناحية ، تلامعت عيناها وشعرت بأنّ سهام التأنيب ستنهال عليها من قبل والدتها قبل أمّها.
بعد مدّة عادت المعلّمة أدراجها نحو الفصل، وتقاسيم وجهها يعلوها السرور،لتبدأ بتوزيع الجوائز بترتيب تنازليّ، كانت قد أتت عليها كلّها باستثناء واحدةٍ ظنّتها فاطمة من نصيب " التّلميذ المثالي" خلقًا.
بعد لحظاتٍ من الصّمت، نادت المعلّمة على اسمها ، لكنّ فاطمة أمعنت في الصدّ، والامتناع عن الردّ، فاقتربت الآنسة من مجلسها وقالت: مابال صغيرتي لا ترد؟
لتفاجئ بصوتِ نشيجٍ هالها وقعه، ربتت على كتفيها وقالت: هلا هدأتِ يا طيّبة!
بيد أنّ الأسى كان قد بلغ منها مبلغا لم تقوى على كبته، فرأت المعلّمة أن ترجئ تكريمها إلى غدٍ سيحمل معه بوارق سعدٍ لها.
في اليوم التّالي، وبعد نهاية حصّة الرّياضيات، طلبت الآنسة من نسرين أن توافيها بورقةٍ كانت موضوعة على سطح المكتب قائلةً: هاتِي الكشف يا طيّبة، وأبقه مقلوبًا!
ثمّ خاطبت تلميذتها بالقول: هل فكّرتِ في عقوبةٍ تليق يا فاطمة ؟
طأطأت الصغيرة رأسها، ولم تنبس ببنتِ شفة!
طلبت منها المعلّمة أن تتقدّم إليها لتستلم كشف نقاطها، فرفضت التلميذة ذلك قائلةً: لا أريد أن أره ... لا أريد!
تقدّمت الآنسة بنفسها ثمّ ربّتت على كتفي أميرتها الصغيرة، وطلبت منها القيام
تململتِ الفتاة، لتقف أخيرا على قدميها وهي تقول: لا أريد أن أراه يا آنسة ... لا أريد!
احتضنت المعلّمة التلميذة، وقالت لها: امسحي عي***، وانظري إلى الكشف جيّدًا.
كان الكشف يحكي نتائج ممتازة، كُلّلت بمعدلٍ جميل يُنسي المرء ما لاقاه من وصبٍ وتّعب
تهلّلت عيناها بالفرح ، وأشرقت في وجهها ابتسامة بديعة ، لتأمرتها برفع الكشف عاليًا لتراه زميلاتها، ويغدو الفرح مضاعفًا
بدا الاستغراب واضحًا في أعين البعض، لكن الكثيرين أدركوا بأنّ ما جرى لم يكن إلا مزاحًا " ثقيلا" من لدن المعلّمة.
استمرّ التصفيق طويلا، يُصاحبه التّعليق، لتطلب المعلّمة من الطّالبات أن يهدأن ، فقد آن أوان تقديم الجائزة
طلبت الآنسة من فاطمة أن تتّجه صوب المنصّة، ثمّ سألتها: هي ذي جائزتك ، فمن تريدين أن يُقدّمها لك؟
صمتت الفتاة هنيهية وقالت: أنتِ يا آنسة.
ابتسمت الآنسة وهي تتقدّم منها قائلة : لله انتِ يا فاطمة ...لله أنت
وسلّمتها جائزةً زيّنتها عبارة: جائزة غاليتي "فاطمة"