المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفساد السياسي وعلاقته بعلماء الدين عند الشيخ محمد الغزالي


rss
03-25-2014, 03:00 PM
الفساد السياسي وعلاقته بعلماء الدين عند الشيخ محمد الغزالي
الشيخ محمد الغزالي من العلماء الربانيين القلائل الذين صدعوا بكلمة الحق في وقت كان الكثيرين يخشون البطش ويمالؤا الحكام وقد دفع ثمنا لمواقفه ضد بطش الحكام وظلمهم ومؤلفاته في هذا الشأن كثيرة وقلما يخلوا مؤلف من مؤلفاته من محاولة استنهاض العزائم والهمم لمواجهة الظلم الواقع علي الشعوب المستضعفة من حكامها المستبدين وهناك رسائل ماجستير ودكتوراة درست فكر هذا الرجل العظيم رحمة الله عليه الذي أثر في فكر الحركة الاسلامية جمعاء ولأننا نعاني من حالة عناق بين حكم ظالم طاغي وعلماء دين يؤيدونه ويباركونه فأردت أن أعرض نبذة علي استحياء من موقف الرجل من تلك العلاقة المشينة لرجال الدين الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا من اجل الفسدة من الحكام
" قد سبقتنا أوربا الي تقليم أظافر حكامها فقتلت بعضهم في ثورات حانقة ووضعت دساتير دقيقة لضبط مسالك الباقين حتي صار الحكم هناك خدمة عامة يختار لها الأكفأ ويراقب من خلال أجهزة يقظة ويطرد ولا كرامة ان بدا منه مايريب . أما الشرق الاسلامي فان الفساد السياسي بقي في اغلب ربوعه ومايثير الدهشة أكثر وأكثر هو موقف المشتغلين بالعلوم الدينية وفقه الشريعة .. كأن هؤلاء كونوا بطريقة خاصة ليكونوا حواشي للحاكمين . السقوط الخلقي وخلل التفكير الفقهي عند الجم الغفير من المتكلمين في الفقه آفة بعض رجال الدين

ثم يذكر الشيخ الغزالي حوارا دار بينه ويبن احد الفقهاء والذي انتهي بقول المتفقه له : هذه سياسة وأنا أكلمك في الفقه . فرد عليه الشيخ : انا اكلمك في الفقه وانت وامثالك صرعي سياسات محقورة شغلت الجماهير بالخلافات الصغيرة حتي يمضي الفجار في طريقهم دون عقبات ...ومضت سنة الله في أمتنا كما مضت في كل مجتمع مختل فتدحرجنا من مكان الصدارة الي ذنب القافلة الانسانية وأسأنا الي ديننا بقدر ما اسأنا الي انفسنا" ( الفساد السياسي في المجتمعات العربية والاسلامية : محمد الغزالي

ثم يربط الشيخ ماحدث لنا وماوقع فيه بنو اسرائيل وكيف أن سنن الله لاتتخلف فيقول : " لو اننا تأملنا في القصص القرآني واستفدنا منه أحكاما كما نستمد الأحكام من آية الوضوء أو الغسل واستفادة الأحكام من الواقع العملي في تاريخ البشرية أهم وأجدر لأنها عامة ولأنها تتصل بسنن حضارية لاتتخلف كانت الأمة الاسلامية لاتقبل دنية أبدا " (كيف نتعامل مع القرآن : محمد الغزالي ص 183)

وحين نتتبع خيوط تفسيره لقصة بني اسرائيل نجده يستخلص العبرة منها وفي كل موضع سقطوا فيه
(ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ......فما اختلفوا الا من بعد ماجآهم العلم بغيا بينهم ...)الجاثية : 16-17 يقول الشيخ محمد الغزالي في تفسيره لتلك الآيات : لعل علماء بني اسرائيل أول من ابطل نظرية سقراط (أن الفضيلة هي المعرفة ) فانهم لبسوا أردية العلم علي أجسام لوثها الهوي ..ان العلم الديني اذا لم يورث الصدق والانصاف فلا خير فيه ولاقيمة له ويوجد الآن علماء دينيون وعلماء كونيون ماتت ضمائرهم وكان في مقدورهم أن يسدوا للانسانية الخير الجزيل ( أفرأيت من اتخذ الهه هواه وأضله الله علي علم وختم علي سمعه وقلبه وجعل علي بصره غشاوة ....) الجاثية :23

(فما اختلفوا حتي جاءهم العلم ان ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ....) يونس : 93 بنو اسرائيل قد تاجروا بالوحي ولم ينتفعوا بما أوتوا من علم وعلي أتباع محمد ان يتجنبوا هذه المزالق فيحملوا الدعوة بتجرد ويتجهوا الي الله باخلاص وقد مزق الله شمل المتدينين من بني اسرائيل قديما وسلط عليهم عباد الأوثان لأن التدين الفاسد ليس جديرا بالنصر ( محمد الغزالي : نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم )
يقول الشيخ محمد الغزالي : لا حظت ان الرسول صلي الله عليه وسلم حذرنا من اتباع اليهود والنصاري ...لكن قال : " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع "...استطعنا ان نقلدهم بانهيارهم ولم نستطع ان نقلدهم بنهوضهم وانتقلت الينا علل التدين اعتقد ان ماحدث اليوم في الامة الاسلامية هو ماحدث اليوم في الامم الأخري تاريخيا ...والعقاب الالهي أن الله نزع قيادة البشرية من أيدي المتدينيين ووضعها في العلمانيين ( كيف نتعامل مع القرآن : 158)

(سل بني اسرائيل كم ىتيناهم من آية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ماجاءته فان الله شديد العقاب ) البقرة : 211
يقول الشيخ الغزالي : هذه الآيات تشير الي ماسلف من اليهود وكيف تكاثرت بينهم آيات الله فأهدروها فحقت عليهم كلمة ربك هذا التقرير من قبيل المثل المعروف (اياك اعني واسمعي ياجارة ) أحصت سورة البقرة بضعة عشر تذكيرا لعلهم يرعون وهيهات لكن هذا التذكير ان لم يثن اليهود عن عوجهم فهو تعليم للامة الاسلامية أن تستقيم وتستفيد وتتجنب مسالك المغضوب عليهم لقد قال لليهود من قبل (وأوفوا بعهدي أوفي بعهدكم ) البقرة : 40 وهاهو ذا يقول للمسلمين ( فاذكروني اذكركم واشكروا لي ولاتكفرون . يا ايها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ..) البقرة 152،153 واذا كان اليهود قد حرصوا علي الدين شكلا لاموضوعا وتشبسوا بالقشور ونسوا اللباب فاستمسكوا أنتم أيها المسلمون بالحق الأصيل وأركانه المنشودة ( ليس البر ان تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر......والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) البقرة : 177 الي آخر الأركان الستة التي تشرح حقيقة البر وترسي دعائم التقوي

ان الفساد والاستعلاء لايتصور في حكم يقوم علي الوحي ولذلك فان عقوبة أهله تكون شديدة استعمار أجنبي يقوم علي الاذلال والاضطهاد حتي اذا استقام المعوج وعاد الي أدبه واصطلح مع ربه عادت اليه مكانته وكرامته ( ثم رددنا لكم الكرة عليهم وامددناكم باموال وبنين وجعلناكم اكثر نفيرا ) الاسراء : 6 وعلي الشعوب أن تعي وترعوي ( ان أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وان أسأتم فلها )الاسراء :7 ثم شاء الله أن يقلد المسلمون اليهود وأن يفسدوا دولة الوحي بأهوائهم وكانت عقوبة القدر هذه المرة ان يقيم بنو اسرائيل دولة علي انقاض العرب الذين تخلوا عن القرآن وأخلدوا الي الأرض . علّ المسلمون يفقهون أن القرآن الذي صنع أمتهم قديما قدير علي أن يصبهم في قوالب السيادة والقيادة مرة أخري وعلي أن ينتزع من نفوسهم حب الدنيا وكراهية الموت ويهب لهم قلوبا شجاعة تفتدي الحق وتحرص علي لقاء الله . أحيانا يكون الجهل عذرا مخففا أما التجاهل والاستكبار علي الحق وايثار العمي علي الهدي فهو ذريعة غضب هائل وقديما سلط الله عبدة الأوثان علي بني اسرائيل لأنهم لم يقدروا كتابهم حق قدره فليس عجيبا ان يسلط الله علي المسلمين بعدما اهملوا القرآن من لايقيم لهم وزنا أو يعرف لهم حقا وطريق العودة واضح لابد من عقيدة وشريعة واخلاق ومعاملات تنفجر من ينابيع القرىن ويحيا بها المسلمون من جديد حياة تجعلهم أمة الوحي وصلة السماء بالارض

واختم بقول الشيخ الغزالي " من المستحيل أن تصلح الأوضاع السياسية للمسلمين اذا كان الدين في وعيهم يهتم بفقه الحيض والنفاس ولايكترث لفقه المال والحكم بل ان مستقبل المسلمين كله سيخضع للحديث الصحيح : " لا تقدس امة لايقضي فيها بالحق ، ولا ياخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع " ( الفساد السياسي في المجتمعات العربية والاسلامية : محمد الغزالي )