المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أمر التكوين وأمر التشريع


rss
04-02-2017, 10:41 PM
أمر التكوين وأمر التشريع
جميع المسبَّبات في هذا الكون إنما تَأْرِزُ إلى سبب أول يَتَقَدَّمُ فهو منشأ الأسباب جميعا وذلك كلم التكوين النافذ ، فـ : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، فعموم "شيئا" إذ ورد نكرة في سياق الشرط يستغرق كل مخلوق كائن من الأقوال والأعمال ، ما ظهر منها وما بطن ، فجاء الأمر الذي أطلق فاستغرق كل مأمور مفعول في الكون ، فدلالة "أمرنا" في نحو قوله تعالى : (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) ، دلالة التكوين النافذ ، في موضع جلال حسنت معه إضافة الأمر إلى ضمير الفاعلين في "أمرنا" مئنة من التعظيم ، وقد اسْتَغْرَقَ السياق شطري القسمة الزَّمَانِيَّةِ مَئِنَّةً من كمال القدرة ، والأمر ، من وجه آخر ، قد عم بدلالة الإضافة ، وذلك ما خصه السياق بأمر التكوين فذلك موضع جلال بالإهلاك ، فانصرف الأمر إلى أمر التكوين النافذ ، وهو أمر خاص في موضع بعينه ، وكذلك الشأن في الأمر في قوله تعالى : (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) ، فجاء الشرط الذي حُدَّ حَدَّ الكثرة فدلالة "إذا" مئنة من التكرار ، فأمره ، جل وعلا ، جاءٍ في كل وقت ، وهو ما رد به بعض المحققين قول من تأول المجيء في نحو قوله تعالى : (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) ، أنه مجيء الأمر ، فإن الأمر يَجِيئُ في كل وقت ، فلا وجه أن يخص مَجِيءُ الأمر بِيَوْمِ الحشر ، فَثَمَّ مجيء للأمر في كل وقت وبه يكون تدبير الكون ، فـ : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، وأما مَجِيءُ الرب ، جل وعلا ، يوم الحشر فهو مَجِيءٌ زائد على مَجِيءِ الأمر ، فمجيء الأمر عام يستغرق ظرف الزمان كله ، في الأولى والآخرة ، ومجيء الرب ، جل وعلا ، بذاته ووصفه مجيءَ الحقيقة ، هو مَجِيءٌ خاص ظرفه يوم الحشر ، وهو أمر ، كما يقول بعض المحققين ، له دلالة مطلقة في الذهن وتحققات في الخارج ، فمعنى المجيء معنى مطلق في الذهن تحصل تَحَقُّقَاتُهُ في الخارج بما يكون من أنواع المجيء ، فثم مجيء الخالق ، جل وعلا ، وثم مجيء المخلوق ولكلٍّ مجيء يليق بذاته ، فالكلام في الوصف فرع على الكلام في الذات ، إن في الكمال أو في النقصان ، فتوجه التكليف في باب الأخبار لا سيما الإلهيات ، توجه إلى المعاني المطلقة التي يطيق العقل دركها ، فهو يُثْبِتُهَا دون خوض في الماهية أو الكيف فذلك فَرْعٌ عَلَى الكلام في الذات القدسية ، ولم يشهدها أحد ، ولم يشهد لها نظيرا ، ولم يأته خبر صادق عنها ، بل لم يشهد الناس خلق بعض الكائنات كالأرض والسماوات فكيف بمن خلقها *** يشهدوا ذاته الأولى التي اتصفت بالكمال المطلق في الذات والاسم والوصف أزلا وأبدا ، فهو الأول والآخر ، *** يشهد العباد منها شيئا ليصح القياس ، فهو قياس مع الفارق ، إذ قِيسَ الغائب على الشاهد ، وذلك إنما يحظر في باب التحقق في الخارج لا في باب المعنى المطلق فذلك ما يثبت في الذهن مجردا على وجه لا يوجب التمثيل أو التشبيه ، فالمعنى المطلق يصح فيه الاشتراك ، فهو الاشتراك المعنوي الذي لا يمنع تصوره وقوع الشركة فيه ، ولا يوجب ذلك التمثيل أو التشبيه في الخارج بالنظر في التحقق الخارجي ، فإن ذلك قدر زائد على الحقيقة المطلقة في الذهن ، وثم ، من وجه آخر ، مجيء الأمر الكوني الذي يحدث في كل وقت ، فهو ، كما تقدم ، يدخل في عموم الشيء المنكَّر في قول الرب المعظَّم جل وعلا : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، وَمَجِيءُ الأمر الشرعي الذي يَنْزِلُ نجوما تَتْرَى وهو ما انقطع بانقطاع الوحي ، وإن بَقِيَ منه نجوم الاجتهاد الظني فدلالتها لا تبلغ بداهة دلالة الوحي المنزَّل ، وإن كانت حجة بما يصح من قياس الفروع على الأصول الرسالية الأولى في نوازل الاجتهاد في القضاء والسياسة والحرب ... إلخ مما يعقل معناه فيصح فيه الاجتهاد والنظر ، فتلك نجوم يحدث فيها من الاجتهاد ما يكشف حكم الرب الخالق ، جل وعلا ، فالاجتهاد يكشف الحكم لا أنه يشرع تَشْرِيعَ الوحي فليس ذلك لأحد من البشر ، وإن أَنْبِيَاءَ ، فهم يُبَلِّغُونَ الرسالات ، فهم أصحاب الشرائع تَبْلِيغًا وَتَبْيِينًا لا إنشاء من عند أنفسهم ، فلا ينشئ الأحكام إلا الرب الحكم المهيمن ، جل وعلا ، ولا يستقل من دون الأنبياء بذلك من باب أولى ، سواء أبلغ حد الاجتهاد أم لم يبلغ فكانت فتواه تقليدا أو نقلا لقول إمام في الدين ، فالاجتهاد يكشف الحكم الأول في علم الرب المهيمن ، جل وعلا ، فهو يُنْسَبُ إلى الشرع في الجملة ، فهو من شرع الاستنباط والاستدلال لا من شرع الأدلة التي يحتج بها مطلقا ، فالاجتهاد يفيد الظن ، وأدلة الوحي بالنظر في ثبوتها تفيد القطع ، وإن كانت ألفاظها في مواضع تفيد الظن الراجح فهي ظواهر تستصحب حتى يرد الدليل الناقل ، وذلك وجه التأويل ، ومنه تأويل صحيح مقبول ، وهو يكون في الخبر أن تَرِدَ قرينة لفظ ، إن في السِّيَاقِ نفسه أو في سياق آخر ، كما في تأويل العين وهي من وصف الذات ، فقد ورد ذكرها على حد الإفراد في وحي الكتاب ، كما في نحو قوله تعالى : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، وجاء ذكرها على حد الجمع في نحو قوله تعالى : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) ، فأضيفت إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، ولا تخلو من دلالة العموم ، وذلك من حسن الملاءمة أن أضيف الجمع إلى ضمير الفاعلين المجموع فأضيف جمع إلى مثله ، كما في إضافة الأيدي في قوله تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ) ، وقد أضيف المفرد إلى المعرَّف بـ : "أل" ، من وجه آخر ، في نحو قوله تعالى : (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، وذلك ، أيضا ، مئنة من العموم ، والعام ظني الدلالة ، كما يقول أهل الشأن ، فجاء الخاص في نحو قوله تعالى : (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ، فالتثنية نص يَقْضِي في الظاهر الذي يستفاد من لفظ الجمع في قول الرب جل وعلا : (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ، والإضافة في نحو قوله تعالى : (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، وكذلك الشأن في العام المجموع في قول الرب المعبود جل وعلا : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) ، والعام الذي استفيد من إضافة المفرد إلى الضمير المعرَّف في نحو قول الرب المعظَّم جل وعلا : (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) ، فدلالة النص في الخبر : "إن الله تبارك وتعالى ليس بأعور" ، هذه الدلالة النصية الخاصة تقضي في هذا العام في "بأعيننا" و "عيني" ، تقضي فيه قضاء النص في الظاهر ، أو الخاص في العام ، فدلالة القطع في الخاص أو النص الذي لا يحتمل تقضي في دلالة الظن في العام أو في الظاهر ، فنَفْيُ الْعَوَرِ ، وهو من وصف النقص الذي تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، نفيه يدل على لازمه من إِثْبَاتِ ضده وهو العينان دلالة مطلقة في الذهن مع تفويض العلم بالكيف والحقيقة في الخارج فليس ذلك مما يطيقه العقل ليكلف بالبحث فيه ، فوجب إثبات اليدين والعينين ، وإنما وَرَدَ الجمع في الموضعين : (مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا) ، و : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا) ، مئنة من التعظيم ، إذ قرينة السياق قد رجحت معنى هو من لوازم الأصل فرجحت في اليد معنى القدرة والنعمة على وجه لا يستوجب ما استوجبه المتأولة في هذا الباب أن صرفوا ظاهر اللفظ المتبادر إلى معنى آخر لشبهة في التحقق الخارجي ، *** يدركوا من تحقق الوصف في الخارج إلا ما يضاهيه في المخلوق مع حصول القدر الفارق بالقيد الوارد بالإضافة ، فَيَدُ الخالق ، جل وعلا ، وعينه ، قد قيدتا بالإضافة إليه ، فحصل القدر الفارق بينهما وبين يد المخلوق وعينه ، فالإضافة قيد يفرق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، بل ويفرق بَيْنَ المخلوق والمخلوق فالتحقق في الخارج قدر زائد على الدلالة الذهنية المطلقة ، فكان الجمع تعظيما وقرينة السياق قد رجحت ذلك على وجه لا يوجب إبطال الأصل ، فإن إثبات اللازم لا يستوجب نفي الملزوم بل ذلك في العقل ممنوع إذ لا يستنبط العقل علة أو معنى في فرع يفضي إلى إبطال الأصل فذلك يبطل الجميع فلا يبقى ثم دليل ولا مدلول ، إذ قد بطل اللازم والملزوم ! ، والجمع ، من وجه آخر ، قد يحمل على أقله ، وهو الاثنان في قول بعض أهل الأصول ، وهو ما جاءت النصوص به تشهد في مواضع أثبتت اليدين والعينين لرب المشرقين والمغربين ، جل وعلا ، على وجه يليق بجلاله ، فَثَمَّ ، كما تقدم ، فرقان بين الدلالة المجردة في الذهن وتحقق الوصف في الخارج فتلك ماهية تَزِيدُ على المعنى المطلق ، وبها يثبت القدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فلا يدرك العقل ماهية الذات والوصف في حق الرب ، جل وعلا ، ليقيسها على ماهية مخلوقة فيكون ذلك ذريعة إلى التشبيه أو التعطيل ، فمنشأ الشبهة واحد ، وذلك أصل في درك الحقائق ، وهو ، من وجه آخر ، أمر لا يقتصر على الأخبار الإلهية وإنما يعم الأحكام الشرعية ، فمعنى العدل ومعنى ا***ن والقبح ..... إلخ من المعاني الرَّئِيسَةِ في بَابِ الأحكام هي دلالات مطلقة في الذهن ، وأما تحققاتها في الخارج فهي تختلف باختلاف الشرائع ، وذلك أمر تَتَفَاوَتُ فيه الأحكام تَبَعًا لاختلاف الحاكم ، فالحاكم العالم يقضي بالعدل ما لا يقضي به الجاهل ، والحاكم الغني الذي سلم من شبهة النقص التي تحمل بعض الحكام أن يتأولوا تأويلا من *** تأويل المتكلمة في الإلهيات ! ، ف*** التأويل واحد وإن اختلفت مواضعه وغاياته ، فكلاهما مئنة من نقص المتأول أن لم يرض من الحقائق والأحكام إلا ما يوافق عقله فهو مناط الحكم بالقبول والرد مع قصوره أن يدرك حقائق الغيب وأن يدرك مناط الحكم في مواضع التوقيف فالحاكم الغني يقضي بالعدل ويضع من الشرع ما لا يكون من الحاكم الفقير ، فنظره ابتداء أن يسد فَاقَتَهُ وأن يضع من الشرع ما يحقق له المكاسب ويحفظ له المناصب فهو يُعَدِّلُ في الدساتير وينسخ من الأحكام والقوانين ما يخالف عن **الحه ، ويتأول لأجل ذلك أنه يريد الصالح العام سواء أمارس الاستبداد فَرْدٌ أم مارسته جماعةٌ تحكم بهوى مجموع يضع قيم التحسين والتقبيح بمعزل عن أي مرجع يجاوز من الخارج ، فيكون العقل هو الملهم ، وإن شئت الدقة فقل الموسوِس ! ، فذلك من *** الوسواس الأول ، إذ وسوس الشيطان لآدم ، عليه السلام ، فـ : (قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى) ، فزيف الحقيقة كما يزيفها أصحاب الشرائع المحدثة فلسان الحال : (إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) ، سواء أصدقوا فحصل لهم من الشبهة ما حملهم على معارضة النقل بالعقل ولا يخلو ذلك من تقصير في طلب الحق ، فإنهم لو تدبروا مقاصد الوحي الكلية وأحكامه الجزئية ما وجدوا حاجة في غَيْرِهِ إن في الأخبار أو في الأحكام ، وإنما حصل لهم من النقص بقدر ما حادوا عن جادة الوحي ، فزيف إبليس بوسواسه الأول فأفسد الصورة العلمية بخبر كاذب فوسم الشجرة بما ليس فيها من وصف الخير الذي تحبه النفس ، وذلك شأن أي محدث في الدين ، كما يقول بعض المحققين ، فالبدعة المحدثة قبيحة في جوهرها لو تدبر الناظر فلا بد أن تكسى بلحاء من الزيف الذي يجمل صورتها ويخفي قبحها وراء زينة من القول رائدها التأويل الذي وقع فيه متأولة الأحكام الشرعية ، فمن خصوم الرسالة من قبل ألفاظ الرواية مكرها لا بطلا ! ، فقد ثبتت بأصح إسناد فمجاهرته بالرد تفضح ما انطوت عليه نفسه من غل للوحي ، فخشي أن يظهره فاحتال أن يتأول الخبر الصحيح في نقله *** يحمله على الظاهر المتبادر بالنظر في حد اللفظ في المعجم ودلالة السياق المركب وما ينضم إليه من القرائن المعتبرة إن في العقل في مواضع يصح فيها الاستدلال بالعقل كما في الأحكام معقولة المعنى التي يجتهد العقل في تحرير مناطها وتحقيقه في آحاد النوازل الحادثة ، فاحتال من احتال أن يتأول اللفظ إذ اضطر أن يسلم بصحته ، ومنهم ، في المقابل ، من جحد مرجع الوحي صراحة فالأمر في نظره قطع لا ظن فيه ولا اشتباه ! ، فلا يقر إلا بوحي العقل الذي يضع من التصور والحكم ما يلائم أهواءه ، وثم من عظم الوحي ، ولو في الظاهر ، فاحتال أن يضعف من نصوصه ما يخالف عن أهوائه ، فوضع من معايير النقد في الرواية ما لا يوافق معيار الحق والعدل ، فقد ظلم في رد أخبار صحيحة تخالف عن هواه ، وقبول أخرى ضعيفة توافق أهواءه فاضطرب استدلاله بما كان من التحكم في القبول والرد ، فهو يكتم ما خالف عن قياسه ، وَيَتَكَلَّفَ من القول ما لم يُسْبَقْ إليه أو يُلْحَقْ ! ، حتى قال من قال بإنكار دلالة المتواتر فاحتمال الكذب فيه وارد إذ ليس إلا أخبار آحاد مجموعة ! ، فاحتمال الكذب فيها بالنظر في آحادها جائز فصار التجويز العقلي المحض في الآحاد ، ذريعة إلى تجويز أشد قبحا في القياس الصحيح ، أن تتواطأ الجماعة المخبِرَة التي بلغت من الكثرة حد التواتر الذي يفيد علم الضرورة فلا يفتقر إلى نظر ، أن تتواطأ هذه الجماعة على كتمان الحق والإخبار بخلافه ، فذلك ما لا يصح في أي خبر متواتر ، فكيف إن كان تواتره تواتر أمة زكاها الوحي فقد عصمت أن تجمع على باطل ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، أمر حتم لازم لإثبات كمال الوصف في حق الرب ، جل وعلا ، وصف العدل بإقامة الحجة الصحيحة الصريحة السالمة من المعارضة ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فتلك حجة الرسالة التي لا تثبت إلا بنقل صحيح به يستقيم الاستدلال في جميع مسائل الخلاف ، في التوحيد والتشريع ، فكيف يصح في الأذهان ما يستلزمه إنكار المتواتر من نسبة الرب ، جل وعلا ، إلى الظلم أن أقام الحجة على العباد بأخبار كاذبة تخالف عن الحق في نفس الأمر ؟! ، وجعل الأمة الخاتمة بما تواتر من كتابها وحفظ من أخبارها ، جعلها الشاهدة بذلك على سائر الأمم وهي ، في حقيقة أمرها ، قد كذبت فرائدها من الوحي قد ضُيِّعَ وَبُدِّلَ ، فكيف استقام في الأذهان أن تشهد وهي لم تبلغ حد العدالة في النقل فأخبارها مكذوبة ورجالاتها مطعونة ، وذلك لازم كل من قدح في عدالة النقلة لا سيما الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فجعل معياره في الجرح والتعديل الهوى المزايل لكل طريق صحيحة مرضية في الحكم على الأخبار الدينية ، فهو يجرح بأخبار واهية وَيُحَمِّلُ ما صح منها ما لا تحتمل ليجعلها ذريعة إلى الطعن في عدالة النقل والرواية فَيَتَتَبَّعُ ما تشابه من وقائع جرت بين رجالات الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، جرى فيها من البغي ما لا ينكر ، إذ لم يَدَّعِ أصحابها عصمة ، فكان التأويل الذي شابه في مواضع ، حظ نفس خفي لا يسلم منه آدمي إلا من عصم من أصحاب الرسالات والنبوات ، عليهم السلام ، كان هذا التأويل عذرا يقبل فضلا أن ذلك لا يوجب رد الرواية فليس طعنا في عدالة النقل وإنما هو من باب ما يقع بَيْنَ البشر من الاختلاف في تأويلات السياسة والحرب ، وفيها يكون من الزيادة ما يبلغ في أحيان حد البغي فلا يخرج أصحابه عن وصف الإيمان والعدالة في الرواية ، إذ لا يقدح في عدالة النقل لأخبار الوحي وأحكامه ، وهو أمر يتوجه إلى من يؤمن بوجود الإله ابتداء ، خلافا لمن جحد وسفسط فأنكر ما قد علم ضرورة بما ركز في الفطرة وجاء الوحي بما يفصل إجماله من أخبار الصدق وأحكام العدل التي لا يجد الناظر فيها إلا ما تطمئن به النفس أن واطأ مادة توحيد ضروري في كل جنان إلا ما خالف به أصحابه عن فطرة الخلق الأولى بما يكون من أديان التربية والعادة ، فالكلام مع هذا الصنف أن يثبت الأصل ابتداء بالنظر في أدلة الربوبية ، النفسانية والآفاقية ، وتزييف حجة من أسند هذا الكون المحكم في سننه إلى أول لا يعلم ولا يقدر ، كما يقول أصحاب المذاهب الطبائعية التي ردت الأمر إلى آلية محضة لا مدبر وراءها بأمر تكوين يَجِيئُ ليلَ نهار ، كما تقدم من دلالات العموم في نحو قوله تعالى : (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) ، فكل أولئك من الأوامر الخاصة إن في الجلال أو في الجمال فذكرها يجري مجرى المثال لعام وهو ما ورد في آية القمر ، فـ : (مَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) ، فدلالة العموم فِيهِ تَسْتَغْرِقُ أمر التكوين كله ، فهو يَجِيئُ في كل وقت ، ولا تخلو الدلالة أن تستغرق أمر التشريع فهو مما يحدث ، جل وعلا ، بالعلم والحكمة ، فيخبر بالصدق والعدل على وجه تحصل به السعادة والنجاة ، وهي ، كما تقدم مرارا ، الغاية العظمى عند كل ذي عقل صريح ولب صحيح قد سلم من آفات الهوى والجهل ، وأمر الرب المشرع ، جل وعلا ، يخالف عن أمر المشرع الأرضي ، وإن اشتركا جميعا في استحسان العدل كقيمة مطلقة ، فثم افتراق بالنظر في التحقق الخارجي فأمر الشرع المنزَّل يصدر عن العلم والحكمة والغنى ، وأمر الشرع المحدث يصدر عن الجهل والهوى والفقر الذي يحمل صاحبه أن يتأول من أحكام الوحي تارة ، ويحدث من أحكام الوضع أخرى ما يسد حاجته ويحفظ له ما اكتسب من الحظوظ فالهوى باعثه وإن زعم أن العدل رائده فلا تجزئ صورة العدل المجملة في الذهن **در تشريع محكم فكيف لو خالف الناظر فبلغ حد النسبية وإن في الحقائق الضرورية التي أجمع عليها العقلاء جميعا ، كما يرى الناظر في الطرائق الباطنية قديما ، والطرائق الحداثية وما بعدها في العصر الحاضر .

والشاهد أن مجيء الأمر الشرعي يشاطر مجيء الأمر الكوني قسمة ال*** الأعلى ، وهو المجيء المطلق ، فمنه مجيء أمر التكوين ، وهو ما يحدث ، جل وعلا ، منه ما شاء ، ويحمله الملك الذي يُبَلِّغُ الملائكة في الأرض أن تدبر الأمر ، ومنه مجيء أمر التشريع ، فهو نجوم تَتْرَى ، فالرسالات قد جاءت تَتْرَى حتى ختمت بالرسالة الجامعة المهيمنة ، فلا زال الله ، جل وعلا ، يظهر من إحكامها في اجتهاد علمائها الربانيين ما صح أن يلحق الشرع لا أنه منزل إنزال الآي والأخبار ، وإنما يلحق به إذ استنبط منه وَقِيسَ عليه قياس الفرع على الأصل على وجه صحيح في مواضع يعقل العقل معناها فيصح فيها القياس ، فذلك من الشرع المؤول التأويلَ الصحيح ، فالقياس يندرج في حد التأويل الصحيح المقبول ، والشرع ، كما تقدم في مواضع ، على أنحاء ثلاثة فَثَمَّ :
الشرع المنزَّل وهو الأصل من الآي والأخبار التي جاءت بها الرسالات فتفيد بالمبنى منطوقا والمعنى مفهوما .
وثم الشرع المبدل إما تبديل اللفظ وهو أظهر في الجناية وإما تبديل المعنى باستبدال الخفي بالظاهر ، والمرجوح بالراجح بلا قرينة صحيحة صريحة تشهد فليس إلا معارضة المحكم بالمتشابه على وجه يخالف البدائه ، وهو ، من وجه ، قد يندرج في النوع الثالث من أنواع الشرع وهو : الشرع المؤول فمنه المؤول التأويل الصحيح بالقرينة إن في الأخبار ولا تكون إلا قرينة اللفظ متصلة بالسياق أو منفصلة في موضع آخر ، أو في الأحكام معقولة المعنى فقرينة العقل فيها تعتبر تحريرا لمناط العلة وتحقيقا له في الفرع الحادث ، ومنه ، في المقابل ، المؤول التأويلَ المرجوح بلا قرينة وهو مما يتفاوت تبعا لتفاوت المخالفة فيه عن الظاهر المتبادر ، فثم من التأويل ما هو بعيد ، وثم ما هو باطل ، وثم ما اشتد بطلانه فهو من تأويل الرمز الباطن الذي يخالف عن دلائل الضرورة في اللسان والعقل كما يرى الناظر في تأويلات الباطنية القديمة وتأويل الحداثة وما بعدها في هذا العصر فليست إلا اجترارا لما تقدم من تأويلات الفلسفة وعلوم الباطن التي صيرت الحقائق وإن مطلقة صيرتها جميعا أمورا نسبية تَتَفَاوَتُ تَبَعًا لهوى المستدل ، فكل أولئك مما خالف عن الأمر الأول الذي جاء من عند الرب المهيمن ، جل وعلا ، فأشرك من أشرك في أمر التكوين ، وزاد من زاد فأشرك في أمر التشريع وحصل من ذلك الفساد العظيم في الدنيا والدين ، إذ الأمر الذي استغرقه عموم "أمرنا" في قوله تعالى : (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) ، وهو من نجم السماء قضاء تكوين أو آخر يضاهيه في التشريع ، ذلك الأمر هو مادة صلاح الأديان بالأمر والنهي والأبدان بالتدبير والرزق .

والله أعلى وأعلم .