rss
03-25-2017, 10:18 PM
البيعة
من فَقَرَاتِ الْبَيْعَةِ في حديث عبادة ، رضي الله عنه ، المشهور قول الرسول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا" : فتلك بَيْعَةٌ تَعُمُّ بدلالة ضمير المخاطب المجموع الذي اتصل بعامله في "أبايعكم" ، فَأُضْمِرَ الفاعل إيجابا فالألف مَئِنَّةً من المضارعة حال التكلم ، فاستتر الضمير إيجابا وتقديره قد دلت عليه الألف فهو ضمير المتكلم المفرد ، والمبايعة لا تخلو من المفاعلة إذ تكون البيعة بين اثنين كما في صفقات التجارة فكان العهد آنذاك أن تكون المبايعة بال**افحة وهو ما يعم في هذه الأعصار كل ما يصح به العهد كاقتراع أو مُرَاسَلَةٍ .... إلخ ، فالعبرة بالمعنى لا بالمبنى ، فبايع صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حضر آنذاك فهم من يعمهم خطاب المواجهة الأخص ، ودلالة العموم في التكليف تَسْتَغْرِق ُكل مؤمن فَفِي عنقه ذات البيعة وإن لم يشهدها بجسده ، فصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُبَايِعُ على أمر الدين ، والمبَايَع هو الله ، جل وعلا ، فالرسول يَنُوبُ عنه ، إذ المرسَل ينوب عن المرسِل ، فيكون توحيد القصد والطلب ، وتوحيد الاتباع والاقتداء ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فجاء التوكيد بالناسخ "إن" وَعَمَّ الموصول "الذين" من حضر آنذاك ، فتلك بَيْعَةٌ خاصة بدلالة العهد الخاص ، فَهِيَ بَيْعَةُ الرضوان ، وقد استعير الصفق في الأسواق للصفق حال البيعة فكانت أَوَّلَ ما كانت بال**افحة ، وذلك ما يجري مجرى المثال لعام فلا تشترط ال**افحة ، كما تقدم ، وإنما تجزئ كل بيعة صحيحة لا إكراه فيها ، سواء أصرح المبايع أم سكت في موضع البيان مع انتفاء شبهة الإكراه ، فالسكوت في موضع البيان بيان ، وفي البيعة العامة فِي خلافة الرَّاشِدِينَ ، رضي الله عنهم ، كانت جماعة المسجد هي جمهور من دعي إلى هذا الاقتراع ، وثم من لم يحضر فغاب كذوات الخدور في البيوت ، *** تحضرها النساء جميعا ، فكان سكوتهن رِضًى بما اختار أهل الشورى في البيعة الخاصة فيب السقيفة ، وما اختار جمهور الرجال في البيعة العامة في المسجد ، وكان رضى الجماعة أن يعلو الصديق ، رضي الله عنه ، المنبر ، فكان هذا السكوت في موضع البيان بَيَانًا بالموافقة ، مع ما قد علموا من الْبَيْعَةِ الخاصة في السقيفة التي تَدَاعَى الناس إليها *** يخالف أحد ، سواء أدخل سعد بن معاذ ، رضي الله عنه ، في أهل الإجماع ، وهو ما ثبت في الخبر الذي صححه بعض أهل العلم إذ بايع الصديق ، رضي الله عنه ، فأقر بإمامة المهاجرين من قريش ووزارة الأنصار من الأوس والخزرج ، أم لم يدخل فهو صورة الخلاف فلا تدخل في الإجماع إذ هي محل النزاع ، فكل أولئك مما يشهد ببيعة عامة رضي فيها الجميع أن يَتَوَلَّى الصديق ، رضي الله عنه ، الأمر ، وَالْبَيْعَةُ في الديانة أعم من الْبَيْعَةِ في السياسة ، فبيعة السياسة لا يشترط فيها الإحاطة ، بل العبرة ببيعة أهل الحل والعقد ، فانعقدت بيعة التأسيس في السقيفة ، واكتملت بِبَيْعَةِ المسجد فهي المؤكدة ، وأهل الحل والعقد ، وهو اصطلاح اشتهر في السياسة الشرعية ، أهل الحل والعقد هم نخبة تَتَفَاوَتُ حالها فَفِي أعصار الخير تكون أهل الدين والورع والعلم والعناية بأمر العامة والفقه بسياسة الأمم وإدارة الدول ، وكل أولئك مما استوعبه اسم الإسلام الجامع فهو الدين والدولة خلافا لمن قصره على أمر الديانة فجعله رسالة روحية كالنصرانية فلا سلطة زمانية لها ، والصحيح أنها استجمعت مادة الخير والصلاح في أمر العقد وفي أمر الشرع والحكم والسياسة ، والرياضة والزهادة ، فذلك أصل جامع استغرق نخبة الخير في الجماعة إن كانت على طريق متين في الديانة ، كما كانت الحال صدر الأمة ، فكان أهل الحل والعقد صورة المجتمع فلا يرضى الجمع الناصح أن تتصدره نخبة فاسدة عاطلة من الفضائل الدينية والدنيوية فلا يكون ذلك إلا في الأعصار الردية التي يندر فيها الخير ويعظم فيها الشر فلا تكون صدارة إلا لمن هو أحط وأفسد ، فهو الذي تُتَاحُ له فرص السياسة والرياسة وهو الذي يستأثر بدعاية الإعلام المضلل ، وأما أهل الخير فمآلهم الانزواء أو الاندثار ، كما يقول بعض أهل الشأن ، ولم يكن لخلفاء الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، أن يَتَوَلَّوا أمر أمة فَتِيَّةٍ ريحها مقبل وخيرها ظاهر إذ الوحي فيها يُعَظَّمُ ، والجهاد فيها يُقَوِّمُ ما اعوج من الأديان والمقالات بسيف العدل فلا يظلم ولا يكرِه ، وإنما يفتح الألباب والبلاد ، ويحكم بالوحي فهو مادة الصلاح وآكدها التوحيد ، فهو أول واجب على العبيد ، وَبَيْعَتُهُ أول بَيْعَةٍ ، فهي تسبق بَيْعَةُ السياسة والحكم ، فما كان لخليفة أو حاكم أن يتصدر أمة قد كمل دينها وعظم شأنها بما انتحلت من الكتاب كله إلا إذا كان على طريق من الخير عظيمة توافق منهاج الشريعة القويمة ، فالجماعة لَمْ تفاوت بَيْنَ أحكامها ، وإنما احتملت الجميع *** تفرق بين خبر وإنشاء ، ولم تخالف بين الأخبار فتثبت بعضا وتؤول آخر ، ولم تخالف بين الأحكام فتمتثل بعضا وتعطل آخر ، فذلك مما يخالف بدائه القياس الصريح الذي يَقْضِي بالتسوية بين المتماثلات ، فالشرع في العبادات يوجب ، وفي السياسة يوجب ، فلا يوجب في بَعْضٍ دون آخر ، على وجه يجعل الهوى في الوحي حكما ، فما استحسن الهوى فهو ا***ن ! ، وما استقبح فهو القبيح ! ، فضلا أن تعظم الجناية بتعطيل الوحي كله ، فيكون الوضع المحدَث هو الأصل ، فذلك ما ينحط حتما بالجماعة إذ رضيت بذلك ، وينحط بأهل الشورى فشتان أهل شورى دولة وحي ، وأهل شورى دولة وضع ، وينحط بأهل الحل والعقد ، فشتان أهل حل وعقد في دولة وحي تحكم بالشرع حقيقة لا دعوى فلا تفرق في بَيْعَتِهَا فهي واحدة إذ بايعت المرسِل ، جل وعلا ، بيعة التوحيد الأولى فهي أصل الأصول إذ لا يصح أصل ولا فرع إلا أن يصح التوحيد فهو في نفسه واجب ، وهو ، من وجه آخر ، شرط صحة في كل ما سواه ، فهو ركن الدين الأول ، وهو شرط الصحة الأول فاجتمع فيه وصف الركن ووصف الشرط ، فذلك ما قاله بعض المحققين في نِيَّةِ الصلاة فهي ركن باعتبار موضعها من كل عمل إذ تكون في المبدإ أو قبله بِزَمَنٍ يَسِيرٍ لا على وجه تُنْقَضُ فيه فلا يقطعها صاحبها وإن تَرَدَّدَ في القطع على خلاف في ذلك ، فثم من أَنْزَلَ التَّرَدُّدَ مَنْزِلَةَ النقض ، وثم من خالف بَيْنَهُمَا فالتردد لا يبطل النية ، فالنية ، من هذا الوجه ، ركن بالنظر في موضعها مبدأَ العمل ، وهي ، من وجه آخر ، شرط صحة في العمل إذ يجب استحضارها زمنَ العبادة وإن ذهل عنها يسيرا فذلك لا يضر ، إذ لا يخلو مكلَّف من سهو أو نسيان على وجه رُفِعَ فيه الحرج ما لم يكن ثَمَّ تَقَصَّدٌ أو تَسَاهُلٌ ، فذلك مما امتن به الرب ، جل وعلا ، على هذه الأمة كما في الخبر : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه" ، فجاء التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ، فضلا عن اسمية الجملة "الله تجاوز" وتكرار الإسناد فثم فاعل لفظ استتر جوازا في عامله "تجاوز" وثم فاعل معنى وهو المبتدأ ، اسم الله ، جل وعلا ، الأعظم ، فهو مرجع الضمير الذي ينزل منزلة الرابط بين جملة الخبر والمبتدأ فضلا عن إطناب آخر في الخبر أن حُدَّ حَدَّ الجملة فكل أولئك من المؤكدات ، والخطأ يعم السهو ، فلا ينقض النية الأولى ، على تفصيل في ذلك ، فالتوحيد ، وهو محل الشاهد ، أصل الأصول ، فهو أول ما يُبَايِعُ عليه المكلَّف إذ هو الركن الأول ، وهو ، من وجه آخر ، شرط الصحة الرئيس فيما وراءه من الأصول والفروع ، فكانت بيعة التوحيد أول بيعة وبايعت هذه الأمة بيعة الصدق ، فما كان لها أن تَرْضَى في فُتُوَّتِهَا أن تحكم باستبداد ولو كان ظاهره تعظيم الشرع ، فإن الشرع لا يجافي الشورى ، ولا يجافي حرية الاختيار في مواضع الاجتهاد في أمور السياسة والحرب على وجه لا يخالف صاحبه عن مقصد الشرع وأحكامه ، فكان أهل الشورى في خلافة الرشد أهل الأمانة والديانة والكفاية في أمور السياسة والحرب ، خلافا لما حدث بعد ذلك من نقص في أهل الشورى فانحصر معنى الدين والأمانة وَتَعَاظَمَ دور السياسة والحرب بعد أن بدت أمارات الاستبداد فصار أهل الحل والعقد هم أهل القوة ، وهو ما أنتج نخبا جديدة تحكم المجتمع ، فكان أهل الشورى أهل النصح والإرشاد ، ولم تَزَلِ الحال في نقصان بما قَضَى به سَنَنُ التكوين النافذ ، فكان الشرع حاكما في الجملة وكانت مادة الاستبداد تعظم في الملك العضوض ، ولكنه لم يجترئ أن يجاوز الحد ! فتبلغ الحال حد المضاهاة للوحي بل والإقصاء له والعزل ، كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار فذلك نقض صريح لبيعة التوحيد الأولى ، إذ أحدث من أحدث مرجعا في التصور والحكم يضاهي مرجع الوحي المنزل ، فآل الأمر أن انتقل الناس من بيعة الاختيار ، بيعة الخلافة الراشدة ، *** يتول خليفة من الأربعة ، رضي الله عنهم ، إلا بإجماع سواء أكان صريحا أم إجماع سكوت إلا ما كان من مخالفة أهل الشام في بيعة علي ، رضي الله عنه ، وهم ، عند التدبر والنظر ، لم يَنْقِمُوا على خلافته ، ولو في الجملة ، وإنما كان لهم من الشرط ما أنيطت به البيعة ، وهو استيفاء القصاص ، فضلا عن شبهة تعاظمت خشي فيها أهل الشام على دمائهم وحرماتهم أن يسلموا القياد لجيش اندس فيه قتلة عثمان ، رضي الله عنه ، وصار لهم فيه كلمة ، وعلي ، رضي الله عنهم ، يداريهم حتى تسكن ريح الفتنة العقيم ، فاستعجل أهل الشام الأمر وعظمت شبهتهم فامتنعوا أن يبايعوا حتى يُسْتَوْفَى القصاص ويقتل قتلة عثمان ، فيطهر الجيش من العناصر الفاسدة التي بلغت من القوة والجرأة أن صالت على منصب الخلافة ، فكان لهم من السلطان في التولية والعزل أن اعتذر علي ، رضي الله عنه ، إذ ما أصنع في قوم يَمْلِكُونَنَا ولا نملكهم ؟! ، فالنظر الصحيح في السياسة والحكم يقضي أن يهادن القوم حتى تَتَعَافَى الجماعة من آثار الفتنة ، فتنهض ، ولو في المآل ، أن تقتص من قتلة عثمان ، فَأَيُّ صلح فهو يَضُرُّهُم إذ يَتَصَالَحُ الفريقان عليهم ، فكان ما كان من إنشاب الفتنة مجددا في الجمل ، فَوَجَبَ دفع الصائل على منصب الخلافة على وجه لا تعظم فيه المفسدة ، فذلك محل إجماع ، وإنما كان الخلاف هل يكون ذلك حالا بقصاص عاجل أو يكون بعد زمان هدنة تسكن فيه النفوس ويصلب فيه عود الدولة ، فتسترجع الهيبة ، فكانت الخلافة الرابعة ، خلافة علي ، رضي الله عنه ، خلافة نبوة ، فهي صحيحة وإن لم يكن ثم إجماع ، فَقَدْ نقصت الحال زمانَها كما أُثِرَ عن علي ، رضي الله عنه ، فسنن التكوين النافذ قد قضى أن يكون نقص في الرعية وهو ما تظهر آثاره لزوما في أهل الحل والعقد ، فيكون النقص في أمر الحكم والسياسة ، وإن كانت الحال في الجملة حال خير ومحل اقتداء ، فهي خلافة الرشد ، ولكنها تَتَفَاوَتُ فما كان إلى زمان النبوة أقرب فالخير فيه أعظم ، فخلافة الرشد خير من الملك العضوض ، والملك العضوض خير من الملك الجبري ، والملك الذي يعظم فيه الوحي خير من الملْكِ الذي يحارب فيه الوحي وَيُنْبَزُ ، فالأول خير ولو طرأ عليه من النقص ما طرأ فهو مما يُنْكَرُ إذ ليس من الوحي في شيء فالاستبداد والجور ليس من دين النبوة وإن تأول له من تأول أن يجعله من الشرع فغايته أن يكون رخصة في حكم متغلب جائر فلا يكون عزيمة فضلا أن يكون فضيلة ، فذلك ما يكون ذريعة إلى الطعن في الوحي الذي أمر بالسمع والطاعة ، فـ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" ، فذلك أمر ضاع فيه الحق بَيْنَ غَالٍ وجاف كسائر ما وقع من انحراف في هذه الأمة إن في العقد أو في الشرع ، فإن المعطلة في الإلهيات قد جفوا فأبطلوا دلالات النصوص على الصفات حقيقةً فإما أن ينكروها صراحة فهي أكاذيب وأساطير اكتتبت وإن صح إسنادها إلى صاحب الشرع المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن أعياهم ذلك تَأَوَّلُوهَا فَأَفْرَغُوا الألفاظ من دلالاتها على المعاني ، والممثلة في المقابل غلوا في الإثبات حتى جعلوا حقائق الأوصاف الإلهية من *** الحقيقة البشرية ! ، وقل مثله في أمر السياسة والحكم وما أمر به الناس من السمع والطاعة ، فذلك مما قُيِّدَ ، فلا تجب الطاعة في عصيان إن كان الحاكم المتغلِّب يحكم بالشرع ، ولو في الجملة ، فإنه لا بد مخالف عنه إذ تَوَلِّيهِ جَبْرًا بسيف الجور ، ذلك في نفسه خروج عن أمر الشرع في السياسة والحكم ، ولكن حصول رياسته بالسيف مع إبقائه على حكم الشرع ، ولو في الجملة ، يجري الأمر مجرى التراجح بين ال**الح والمفاسد ، فالإنكار عليه باليد مع تخلف الشرط الرئيس في هذه النازلة التي عمت بها البلوى في كل عصر و**ر ، شرط : حصول المكنة وأمن المفسدة المعتبرة لا المتوهمة ، الإنكار عليه باليد مع تخلف هذا الشرط قد يفضي إلى مفسدة أعظم من **لحة الخروج ، وذلك ما لا يكون على محمل الرضى بالظلم ، وإنما يكون على محل الصبر مع بقاء جذوة الإنكار مُتَّقِدَةً ، فيكون الإنكار باليد ولو في مواضع يطيق فيها المنكِر فيكون له من الولاية وإن خاصة ، ويكون له من القدرة ما يطيق به الإنكار فالقدرة مناط التكليف ، فلا يكلف الله ، جل وعلا ، الناس ما لا يطيقون ، فذلك من الرحمة التي لا تُسَوِّغُ القعود ودناءة الهمة فلا يطيق صاحبها شيئا فهو أبدا يحتج بالعجز وإن كان يطيق ولو بعضا فما لا يدرك كله لا يُتْرَكُ كله ، ويكون الإنكار باللسان ولو نصحا ، فإن استبد العجز والقهر فلا يرضى الجنان أن يستحسن المنكر ، فضلا أن يكسو هذا المعنى الحقير لحاء الشرع الحنيف ، فيجعل ذلك من الدين المتين الذي أمر بالسمع والطاعة ، فذلك قَدْحٌ في الشرع يفتح الباب أن يشك الناس في الوحي فهو حليف الاستبداد إذ يأمر بالسمع والطاعة ، فلئن كان ذلك فهو الاستثناء لا الأصل فَلَوْ أطاق الناس أن يَأْطِرُوا الحاكم على الوحي ما وسعهم أن يتخلفوا فيتذرعوا أن له في الأعناق بيعة فإنها لا تُحْمَدُ إلا أن كانت كالبيعة الأولى التي بايعها أهل العقبة فإنهم ما بايعوا على دنيا إن أعطوا منها رضوا ، وإن منعوا سخطوا ! ، وإنما بَايَعُوا بَيْعَةَ التوحيد ، بيعة : "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا" ، فلا يخلو الخبر من دلالة إنشاء أن : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، أو : بايعوني على التوحيد فهو لازم النفي في الخبر ، وقد أطنب بال**در المؤول "أَنْ لَا تُشْرِكُوا" ، فضلا أن ذلك مما تستحضر به الصورة ويستغرق ظرف الزمان المستقبل فيكون التوحيد الأصل المستصحب في كل عبادة إذ هو شرط الصحة الأول في أي نسك باطن أو ظاهر ، خاص أو عام ، فبايعوا بيعة التوحيد ، كما تقدم ، وبايعوا بيعة الحرب فكان السيف آية التصديق وكان صفق اليمين أن تقاتل وإن ذَهَبَتِ النفوس ، كَمَا كانت الحال في بَيْعَةِ الرضوان ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فجاء التنويه بمن بايع ، وكان الختام بشطري القسمة : (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) ، و : (مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فذلك ما يجري مجرى الاستقراء ترهيبا ابتدأ به فهو يخلي المحل ، وترغيبا في الأجر العظيم بمن أوفى العهد فتلك تحلية المحل بمادة الوفاء بعد تخليته من مادة النكث ، فَثَمَّ مقابلة بين الشطرين وطباق إيجاب بالنظر في مواد الألفاظ "نكث" و "أوفى" .
فمن بَايَعَ المرسَل فقد بايع المرسِل ، فكانت البيعة على التوحيد مبدأ الدين ، وكانت على الحرب ، فالكتاب الهادي لا تظهر آثاره في الأرض إلا بالحديد الناصر ، فهو الذي يحوط الكتاب ، وهو الذي يسوس البلاد بالعدل ، وهو رسم الجلال الذي يشاطر رسم الجمال في كلم الهدى النازل ، الذي يشاطره قسمة الكمال المطلق ، رسم الكتاب المهيمن الذي جمع جلال الموسوية وجمال العيسوية ، فجاء القرآن يحوي جلال التوراة بشريعة الحرب ، وجمال الإنجيل بشريعة الصفح ، فمزج بينهما فكان الكمال المطلق الذي ختم به ، جل وعلا ، الوحي المنزَل ، فجاء التوكيد بالناسخ "إِنَّ" صدر الآية ، وجاء العموم في الموصول "الذين" فثم دلالة عهد خاص بالنظر في سبب النزول ، فالجمع فيها جمع مخصوص وهم أهل بيعة الرضوان ولهم في طبقات الصحابة قدم صدق ، كما ذكر ذلك من صنف في طبقات الصحابة ، ودلالة العموم ، من وجه آخر ، تستغرق كل من بايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيعة الدين ، كله ، فآمن بالكتاب كله إذ جعله رَائِدَهُ في العقد والشرع والحكم والسياسة والحرب والأخلاق والزهد ، فجعله المرجع الأول فهو أصل الأصول في نظرية التشريع ، وهو الحاكم المهيمن بأصوله الجامعة وَفُرُوعِهِ العادلة التي يدرك العقل في جمل كَثِيرَةٍ منها مناط التعليل فيدرك وجه الحكمة الأعم ومعنى التعليل الأخص على وجه يَصِحُّ فيه القياس وَيَصْرُحُ ، فتلك بيعة أعم يرجح فيها معنى التغليب في دلالة الاسم الموصول "الذين" الذي وضع لجماعة الذكور فتدخل الإناث لقرينة العموم في هذه البيعة العامة ، فقد بايعت النساء في العقبة كما بايع الرجال وإن اختص كُلٌّ بجملة أحكام فذلك استثناء لا أصل ، وقد جاء الخبر على حد القصر فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فـ : (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) ، فذلك جار على ما تقدم من توحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الشطر الثاني من قسمة التوحيد ، وهو ، من وجه آخر ، يدخل في حد الشهادة الأولى ، توحيد المرسِل ، جل وعلا ، فإن تصديقه يستوجب تصديق من أرسله ، فصاحب الشرع إنشاء هو الرب ، جل وعلا ، وصاحب الشرع بلاغا وبيانا هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن ثم جاء الاستئناف إطنابا في وصف البيعة ، فهو مما يُقَرِّرُ المعنى ويوثِّق العقد ، فـ : (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، وذلك ما تستحضر به معية الله ، جل وعلا ، وهو ، أيضا ، ما يَزِيدُ البيعة توثيقا ، فتلك معان صحيحة لا توجب تأويل الوصف الذاتي الخبري ، وصف اليد ، فهي من لوازمه وإثبات اللازم لا يستوجب في العقل نفي الملزوم ، فيد الله ، جل وعلا ، فوق أيديهم وذلك ما يزيد البيعة قوة ، فمعنى القوة في هذا السياق يظهر فثم قرينة فَسَّرَتِ الوصف بلازم من لوازمه فحمل على ظاهره المركب من دلالة اللفظ بالنظر في دلالة المعجم الإفرادية ، ودلالة السياق فهي قدر زائد يرجح في هذا السياق بعينه معنى الاستيثاق ، والقوةُ فيه تظهر ، فذلك تفسير باللازم لدلالة السياق المعتبرة في الإلهيات فليس تحكما بصرف اللفظ عن الظاهر إلى المؤول بلا قرينة صحيحة ، فثم قرينة السياق وهي أصل في دَرَكِ مراد المتكلم ، فلا يلزم من تفسير الوصف بلازمه لقرينة في السياق تشهد ، لا يلزم منه تعطيل الأصل ، فلا يكون إثبات الفرع واللازم ذريعة إلى نفي الأصل والملزوم ، بل يثبت الوصف ويثبت لازمه على وجه يواطئ دلالة السياق ويليق بذي الجلال والإكرام ، جل وعلا ، دون خوض في حقيقة أو كيف ، فضلا أن السياق ، لو تدبر الناظر ، لا يمنع الجمع بين الملزوم واللازم ، فإن الرب ، جل وعلا ، فوق عباده ، فوقية الذات وفوقية المعنى ، فهو فوقهم بذاته ووصفه سواء أكان وصف معنى أم وصف ذات كوصف اليد فصح من هذا الوجه أن يده ، جل وعلا ، فوق أيديهم ، دون خوض في حقيقة أو كيف ، فإثبات الوصف وإثبات لازمه على وجه يواطئ دلالة السياق ويليق بذي الجلال والإكرام ، تبارك وتعالى ، هذا الإثبات أصل جليل في باب الإلهيات ، سواء أكانت معنوية أم خبرية ، ذاتية أم فعلية ، وصفَ إثبات يراد لذاته مع ما يقتضيه من اللازم وهو نفي ما يضاده من وصف النقص الذي تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، فهو الحي إثباتا وهو الذي لا يموت نفيا ، فـ : (تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، فذلك من الإطناب باللازم عقيب الملزوم ، فأطنب بنفي الضد عقيب إثبات الأصل ، فضلا عن نفي الاحتمال إذ اسم الحي مما تقع فيه الشركة ، فقد يتوهم متوهم أنه حي كالبشر فهم يموتون فجاء الخبر ينفي احترازا ، كما في الأثر المشهور : "أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ" ، فذلك ما رشح في "أل" في "الحي" دلالة العهد الخاص فهو الرب ، جل وعلا ، وَرَشَّحَ ، أيضا ، دلالة الاستغراق المعنوي لمعاني الحياة الكاملة على وجه يعضد دلالة العهد إذ لا تكون هذه الحياة الكاملة إلا له وحده ، جل وعلا ، على وجه حصل فيه الافتراق في الحقيقة والكيف في الخارج ، وإن كان ثم اشتراك في المعنى المطلق في الذهن فتلك دلالة التكافؤ كما حدها أهل الشأن ، إذ يكون الاشتراك من وجه والافتراق من آخر فتلك دلالة العموم والخصوص الوجهي إذ يشتركان في المعنى المطلق في الذهن وإثباته لا يستوجب تمثيلا أو تشبيها ، ويفترقان في الحقيقة والكيف فالرب ، جل وعلا ، لا ند له ولا مثل ، وأما وصف النفي فإنه لا يراد لذاته وإنما يراد لغيره فلا بد أن يشفع بلازمه من إثبات كمال الضد على الوجه اللائق بجلال الرب ، جل وعلا ، كما أن أخذ البيعة في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا" ، كما أنه يجري ، أيضا ، مجرى ما يراد لغيره إذ نفي الإشراك لا يراد لذاته وإنما يراد لإثبات كمال التوحيد لله ، جل وعلا ، فلازمه نفي كل شريك إن في الذات أو في الاسم أو في الوصف أو في الفعل أو في الحكم ، وهو يعم ، من وجه آخر ، إذ أطلق الفعل في سياق نفي فتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "تشركوا" ، فضلا عن ورود النكرة "شيئا" في سياق النفي فذلك مئنة من عموم قياسي في اللسان ، كما قرر أهل الأصول ، فعم الشيء المحسوس في الخارج ، وعم الشيء المعقول في الذهن ، فَنَفَى الشريك المنحوت في الخارج من أوثان الحجر ، وَنَفَى الشريك المنحوت في الذهن من معبود الهوى والذوق الذي يحمل صاحبه أن يحدث في الديانة ما ليس فيها ، فيحكم بالجور تارة ، وتعظم الجناية ، كما تقدم ، أن ينسب ذلك إلى الشرع ، فيجعله من السمع والطاعة التي توسع فيها من توسع ! ، فجعلها مطلقة بلسان الحال وإن كان ثم بقية حياء تحول بينه وبين التصريح بذلك لئلا يخالف عن أصل آخر ، فـ : "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ، فلئن تسلط من تسلط من أئمة الجور والاستبداد فغلب بسيف الجور ، فلا تخلو حاله أن يحكم بالوحي ، ولو في الجملة ، كما كانت الحال في إمرة كإمرة عبد الملك بن مروان فيطاع في المعروف ويعصى في المنكر كما صنع سعيد بن المسيب ، رحمه الله ، إذ أبى أن يخالف عن نص الوحي الذي حرم بيعتين في بيعة ، فخالف عنه عبد الملك فأراد عقد البيعة لابنيه الوليد ومن بعده سليمان ، فذلك من المنكر الذي لا يطاع فيه الإمام إن جار في الحكم ، وإن كان حاكما بالوحي ، فكيف إن جمع السوأتين فجار في الحكم وعطل الوحي فهو يحكم بالوضع المحدث فَفَاتَتْهُ فضيلة الوحي وهو معدن العدل الكامل ، لا كما يروج الخصوم أنه يكرس الاستبداد والظلم باسم الدين فيكافئ شريعة الكهنوت وهو مما أسهم في رواجه ما كان من علماء سوء كرسوا استبداد الحاكم فجعلوه الأصل مع أنه استثناء ، فصاحبه محل اللعن ، فـ : "أَلَا وَإِنَّ شِرَارَ أُمَرَائِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ ، وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ ، وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، فليس إلا رخصة حال الاضطرار تضاهي رخصة الميتة فلا يتوسع فيها المضطر وإنما تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فيتعاطى من أحكامه ما وافق فيه الوحي دون ما خالف ، بل إن بيعة الحاكم المسلم الذي يحكم بالوحي المنزل مما يجب نقضه إن خرج عن وصف الإيمان كأن يعطل شرع الرحمن ، جل وعلا ، والكلام في سياق الحكم المطلق فالحكم على الأعيان مناط أخص ، فلئن كان ذلك ، فكان الكفر الْبَوَاحُ فهو محل الاستثناء في الخبر الصحيح : "«أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ»، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»" ، وقد أطنب بما ينفي شبهة الجهل والتأويل فثم برهان يقطع بالحكم ، فلئن كان ذلك فلا سمع ولا طاعة بل الإنكار حتم لازم إن ظهر الكفر البواح على وجه يقيد كما هي الحال في مثل هذه النَّوَازِلِ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع فلا بد من حصول مكنة معتبرة لا متوهمة وأمن المفسدة المعتبرة لا المتوهمة أيضا ، فإن قصر الْمُنْكِرُ وعجز أن يغير بيده فهو ينتقل إلى الإنكار بلسانه فإن استبد به العجز فلا أقل أن ينكر بالقلب لا أن يجعل طاعة من يعطل الشرع ويستبيح الدم والمال والعرض ، لا أن يجعل طاعة من تلك حاله دينا يعظم ! ، فذلك مما أساء به قائله إلى الوحي فَنَفَّرَ أصحاب النفوس الكبيرة منه أن جعله نسخة شائهة من الكهنوت فهو يتحالف مع ساسة الجور ويقتسم معهم غنيمة السياسة والمال ! ، والوحي الخاتم من ذلك براء على وجه يجعل طرح السؤال : الشريعة أم الحرية أيهما يقدم ؟! ، يجعله غير ذي معنى ، فإن الحرية الكاملة لا تنال إلا أن تكون الشريعة هي الحاكمة حقيقة لا دعوى زائفة ، وذلك ما تظهر آثاره النافعة في سياسة الملك شورى بلغت الذروة زمن النبوة ، فكان التأويل الصحيح الصريح للأمر أن : (شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ، فتلك حال من يُوحَى إليه فكيف بمن جاء بعده وليس له من الوحي المسدد لاجتهاده واجتهاد أهل شوراه ، فالشورى في حق من جاء بعده آكد ، والأمر ينصرف بدلالة الأصل الأول في اللسان إلى الإيجاب على خلاف هل هي شورى تلزم في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن مرد أمره إلى الوحي المنزَّل وفائدة الخلاف تظهر في أمور تَتَّسِعُ فيها دائرة الاجتهاد كأمور الحرب وتراتيب الإدارة والزراعة .... إلخ فهي تجري ، من وجه ، مجرى ما أرسله الشرع من ال**الح ، فيكون الاعتبار فيه أو الإلغاء على وجه لا يخالف صاحبه عن مقاصد الشريعة الكلية أو أحكامها الجزئية فكل ما خالف الشرع فهو هدر إن في الكليات أو في الجزئيات ، فالوحي هو مناط الحكم الأول ، فهو الحاكم المهيمن على الأقيسة والمواجيد ، فإليه يرد الأمر في كل دقيق وجليل ، وكان من شورى النبوة ما هو ، أيضا ، تأويل الوصف في قول الرب جل وعلا : (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ، فذلك خبر دلالته الإنشاء أن تشاوروا في الأمر ، ومن آكد ما يكون فيه التشاور ، مشاورة أهل الحل والعقد في أمر الولاية والعزل ، إن إمامة عظمى أو ما دونها من الولايات ، كما كان من شورى الصديق ، رضي الله عنه ، أهل الحل والعقد في استخلاف عمر ، رضي الله عنه ، وهي شورى أخص تَوَّجَتْهَا شورى الجماعة في البيعة العامة فكان إجماع الناس على خلافة الفاروق ، رضي الله عنه ، ولو إجماع سكوت فقد انتفت شبهة الإكراه فكان الناس ، كما تقدم في مواضع سابقة ، يراجعونه في ثيابه فكيف بأحكامه ؟! ، فتلك الحال الكاملة التي تواطئ الشرعة النازلة ، فكانت الشورى صورة محكمة حقا ، لا صورة ورسما باهتا *** تزل الحال في النقصان إذ نقصت حال الأمة فنقص لزوما حال أهل الحل والعقد فتراجع وصف الورع والديانة وتعاظم وصف السياسة والحرب ، فكان النقص الذي بدأت آثاره تظهر آخر الخلافة الراشدة ، أن كان لقتلة عثمان ، رضي الله عنه ، من الشورى قهرا ! ، بعد تملكهم الأمر في المدينة بسيف جائر بغى على أمير المؤمنين صاحب الولاية وإن خولف في أحكام أجراها فذلك ، بداهة ، لم يكن خلافا عن الأصل الأعم وهو الحكم بالوحي ، والوصف الأخص وهو خلافة الرشد وإن نقصت الحال عما كانت عليه في خلافة الشيخين ، رضي الله عنهما ، فتلك ، كما تقدم مرارا ، طبائع الأشياء بما قد قضى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، على وجه لا يُبَرِّرُ الخطأ في الاجتهاد والفتوى في أمر ديانة أو سياسة ، ولكنه في المقابل لا يستوجب ما صنع أولئك القتلة فقد عظموا السيئة وطاروا بها وكتموا ا***نات العظام في خلافة ذي النورين ، رضي الله عنه ، فما كان ذلك إلا من أَثَرِ الشبع والبطر ! ، كما أثر عن ا***ن رحمه الله ، وقياس العدل أن تغمر السيئات القليلة في بحار ا***نات العظيمة ، بحار من له سابقة الفضل وقدم الصدق في الديانة من عامة الأصحاب ، رضي الله عنهم ، فكيف بثالث الراشدين فذلك يجب له من باب أولى على وجه لا يكون ذريعة إلى إقرار ما اجتهد فيه من أمور الحكم والسياسة *** يصب الحق فكان أهل الشورى يراجعونه مراجعة من يروم الحق لا من يتذرع بالخطإ أن يبغي على صاحب الحق فيظلمه بل ويقتله فقد برأ الله ، جل وعلا ، الأصحاب من ذلك ، فتحمل وزر هذه الفتنة ، في الجملة ، قوم سوء تباينت مشاربهم وأهواءهم *** يجتمعوا إلا على باطل من الأمر عظيم ، وصار لهم بحكم الأمر الواقع دور في الشورى ولو قهرا ، فكان النقص في خلافة علي ، رضي الله عنه ، أعظم ، وإن كان الخير فيها أرجح فهي خلافة نبوة ورشد ، ولكن أهل شوراها دون أهل شورى ما تقدمها من خلافة عثمان ، رضي الله عنه ، فالناس آنذاك أنقص من الناس زمن عثمان وهو ما تظهر آثاره لزوما في أمور الحكم والسياسة ، فانعقدت بيعته صحيحة ملزمة على وجه خالف فيه أهل الشام إذ امتنعوا من البيعة فخالفوا الجمهور الأعظم وإن كان لهم تأويل يرفع الحكم والإثم في الجملة إلا أنه لا يصحح ما كان من الخطإ ، ولا يقدح في صحة البيعة كما قد وقع بعد ذلك في خلافة ابن ال**ير ، رضي الله عنهما ، إذ انعقدت له البيعة صحيحة ملزمة فجاءته من الأ**ار فلا يضر تخلف بني أمية وبعض أوليائهم في رقعة من الشام ضيقة فكان الْبَغْيُ منهم أن نصبوا الحرب لابن ال**ير وانتزعوا منه الخلافة جبرا وتغلبا بسيف جائر ، *** يزل الأمر في نقصان وإن كان الشرع في الجملة هو الحاكم المهيمن ، فحصل النقص في الشورى مجددا إذ نقصت حال أهلها ، فكان الملك العضوض باستخلاف يزيد ، ولم تزل الحال في نقصان حتى بلغ الأمر ببني العباس أن يأخذوا البيعة بيمين الطلاق ، فخالف عنهم مالك ، رحمه الله ، فكان يفتي ألا طلاق على مكره ، وامتحن فيها بالضرب حتى خلعت كتفه ، ثم كان النقص بتباعد الأعصار عن زمن النبوة حتى ابتلي الناس في هذه الأعصار بملك الجبر الذي بلغ الغاية في الظلم والاستبداد ، فعطل الوحي وكانت أعظم **يبة وإن كان الوحي قد فُرِّغَ من محتواه شيئا فشيئا *** يبق منه إلا الرسم الظاهر كما الخلافة آخر أيامها ، وهما مع ذلك أمر نافع ولو ناقصا عن الحقيقة الكاملة في خلافة نبوة تقيم الشرع في كافة أمرها فتلك هي الغاية من أمر الحكم والسياسة في الوحي ، ولا يكون ذلك إلا مشفوعا بحرية عظمى لا كما يروج خصوم الوحي فحرية بتحرير العباد من عبادة العباد وتخليص التوحيد لرب العباد ، جل وعلا ، وحرية اختيار في نظام شورى محكم لا يبلغ بالناس حد الفوضى في الترشح والانتخاب فتلك رَدَّةُ فعل الاستبداد ، وإنما اختيار يجعل الحكم ابتداء لمن خلق الأرض والسماء ، فالأمة تختار من ينوب عنها أن يحكمها بالوحي لا بالهوى والذوق سواء أكان هوى الفرد أم هوى الجماعة .
والله أعلى وأعلم .
من فَقَرَاتِ الْبَيْعَةِ في حديث عبادة ، رضي الله عنه ، المشهور قول الرسول المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا" : فتلك بَيْعَةٌ تَعُمُّ بدلالة ضمير المخاطب المجموع الذي اتصل بعامله في "أبايعكم" ، فَأُضْمِرَ الفاعل إيجابا فالألف مَئِنَّةً من المضارعة حال التكلم ، فاستتر الضمير إيجابا وتقديره قد دلت عليه الألف فهو ضمير المتكلم المفرد ، والمبايعة لا تخلو من المفاعلة إذ تكون البيعة بين اثنين كما في صفقات التجارة فكان العهد آنذاك أن تكون المبايعة بال**افحة وهو ما يعم في هذه الأعصار كل ما يصح به العهد كاقتراع أو مُرَاسَلَةٍ .... إلخ ، فالعبرة بالمعنى لا بالمبنى ، فبايع صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حضر آنذاك فهم من يعمهم خطاب المواجهة الأخص ، ودلالة العموم في التكليف تَسْتَغْرِق ُكل مؤمن فَفِي عنقه ذات البيعة وإن لم يشهدها بجسده ، فصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُبَايِعُ على أمر الدين ، والمبَايَع هو الله ، جل وعلا ، فالرسول يَنُوبُ عنه ، إذ المرسَل ينوب عن المرسِل ، فيكون توحيد القصد والطلب ، وتوحيد الاتباع والاقتداء ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فجاء التوكيد بالناسخ "إن" وَعَمَّ الموصول "الذين" من حضر آنذاك ، فتلك بَيْعَةٌ خاصة بدلالة العهد الخاص ، فَهِيَ بَيْعَةُ الرضوان ، وقد استعير الصفق في الأسواق للصفق حال البيعة فكانت أَوَّلَ ما كانت بال**افحة ، وذلك ما يجري مجرى المثال لعام فلا تشترط ال**افحة ، كما تقدم ، وإنما تجزئ كل بيعة صحيحة لا إكراه فيها ، سواء أصرح المبايع أم سكت في موضع البيان مع انتفاء شبهة الإكراه ، فالسكوت في موضع البيان بيان ، وفي البيعة العامة فِي خلافة الرَّاشِدِينَ ، رضي الله عنهم ، كانت جماعة المسجد هي جمهور من دعي إلى هذا الاقتراع ، وثم من لم يحضر فغاب كذوات الخدور في البيوت ، *** تحضرها النساء جميعا ، فكان سكوتهن رِضًى بما اختار أهل الشورى في البيعة الخاصة فيب السقيفة ، وما اختار جمهور الرجال في البيعة العامة في المسجد ، وكان رضى الجماعة أن يعلو الصديق ، رضي الله عنه ، المنبر ، فكان هذا السكوت في موضع البيان بَيَانًا بالموافقة ، مع ما قد علموا من الْبَيْعَةِ الخاصة في السقيفة التي تَدَاعَى الناس إليها *** يخالف أحد ، سواء أدخل سعد بن معاذ ، رضي الله عنه ، في أهل الإجماع ، وهو ما ثبت في الخبر الذي صححه بعض أهل العلم إذ بايع الصديق ، رضي الله عنه ، فأقر بإمامة المهاجرين من قريش ووزارة الأنصار من الأوس والخزرج ، أم لم يدخل فهو صورة الخلاف فلا تدخل في الإجماع إذ هي محل النزاع ، فكل أولئك مما يشهد ببيعة عامة رضي فيها الجميع أن يَتَوَلَّى الصديق ، رضي الله عنه ، الأمر ، وَالْبَيْعَةُ في الديانة أعم من الْبَيْعَةِ في السياسة ، فبيعة السياسة لا يشترط فيها الإحاطة ، بل العبرة ببيعة أهل الحل والعقد ، فانعقدت بيعة التأسيس في السقيفة ، واكتملت بِبَيْعَةِ المسجد فهي المؤكدة ، وأهل الحل والعقد ، وهو اصطلاح اشتهر في السياسة الشرعية ، أهل الحل والعقد هم نخبة تَتَفَاوَتُ حالها فَفِي أعصار الخير تكون أهل الدين والورع والعلم والعناية بأمر العامة والفقه بسياسة الأمم وإدارة الدول ، وكل أولئك مما استوعبه اسم الإسلام الجامع فهو الدين والدولة خلافا لمن قصره على أمر الديانة فجعله رسالة روحية كالنصرانية فلا سلطة زمانية لها ، والصحيح أنها استجمعت مادة الخير والصلاح في أمر العقد وفي أمر الشرع والحكم والسياسة ، والرياضة والزهادة ، فذلك أصل جامع استغرق نخبة الخير في الجماعة إن كانت على طريق متين في الديانة ، كما كانت الحال صدر الأمة ، فكان أهل الحل والعقد صورة المجتمع فلا يرضى الجمع الناصح أن تتصدره نخبة فاسدة عاطلة من الفضائل الدينية والدنيوية فلا يكون ذلك إلا في الأعصار الردية التي يندر فيها الخير ويعظم فيها الشر فلا تكون صدارة إلا لمن هو أحط وأفسد ، فهو الذي تُتَاحُ له فرص السياسة والرياسة وهو الذي يستأثر بدعاية الإعلام المضلل ، وأما أهل الخير فمآلهم الانزواء أو الاندثار ، كما يقول بعض أهل الشأن ، ولم يكن لخلفاء الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، أن يَتَوَلَّوا أمر أمة فَتِيَّةٍ ريحها مقبل وخيرها ظاهر إذ الوحي فيها يُعَظَّمُ ، والجهاد فيها يُقَوِّمُ ما اعوج من الأديان والمقالات بسيف العدل فلا يظلم ولا يكرِه ، وإنما يفتح الألباب والبلاد ، ويحكم بالوحي فهو مادة الصلاح وآكدها التوحيد ، فهو أول واجب على العبيد ، وَبَيْعَتُهُ أول بَيْعَةٍ ، فهي تسبق بَيْعَةُ السياسة والحكم ، فما كان لخليفة أو حاكم أن يتصدر أمة قد كمل دينها وعظم شأنها بما انتحلت من الكتاب كله إلا إذا كان على طريق من الخير عظيمة توافق منهاج الشريعة القويمة ، فالجماعة لَمْ تفاوت بَيْنَ أحكامها ، وإنما احتملت الجميع *** تفرق بين خبر وإنشاء ، ولم تخالف بين الأخبار فتثبت بعضا وتؤول آخر ، ولم تخالف بين الأحكام فتمتثل بعضا وتعطل آخر ، فذلك مما يخالف بدائه القياس الصريح الذي يَقْضِي بالتسوية بين المتماثلات ، فالشرع في العبادات يوجب ، وفي السياسة يوجب ، فلا يوجب في بَعْضٍ دون آخر ، على وجه يجعل الهوى في الوحي حكما ، فما استحسن الهوى فهو ا***ن ! ، وما استقبح فهو القبيح ! ، فضلا أن تعظم الجناية بتعطيل الوحي كله ، فيكون الوضع المحدَث هو الأصل ، فذلك ما ينحط حتما بالجماعة إذ رضيت بذلك ، وينحط بأهل الشورى فشتان أهل شورى دولة وحي ، وأهل شورى دولة وضع ، وينحط بأهل الحل والعقد ، فشتان أهل حل وعقد في دولة وحي تحكم بالشرع حقيقة لا دعوى فلا تفرق في بَيْعَتِهَا فهي واحدة إذ بايعت المرسِل ، جل وعلا ، بيعة التوحيد الأولى فهي أصل الأصول إذ لا يصح أصل ولا فرع إلا أن يصح التوحيد فهو في نفسه واجب ، وهو ، من وجه آخر ، شرط صحة في كل ما سواه ، فهو ركن الدين الأول ، وهو شرط الصحة الأول فاجتمع فيه وصف الركن ووصف الشرط ، فذلك ما قاله بعض المحققين في نِيَّةِ الصلاة فهي ركن باعتبار موضعها من كل عمل إذ تكون في المبدإ أو قبله بِزَمَنٍ يَسِيرٍ لا على وجه تُنْقَضُ فيه فلا يقطعها صاحبها وإن تَرَدَّدَ في القطع على خلاف في ذلك ، فثم من أَنْزَلَ التَّرَدُّدَ مَنْزِلَةَ النقض ، وثم من خالف بَيْنَهُمَا فالتردد لا يبطل النية ، فالنية ، من هذا الوجه ، ركن بالنظر في موضعها مبدأَ العمل ، وهي ، من وجه آخر ، شرط صحة في العمل إذ يجب استحضارها زمنَ العبادة وإن ذهل عنها يسيرا فذلك لا يضر ، إذ لا يخلو مكلَّف من سهو أو نسيان على وجه رُفِعَ فيه الحرج ما لم يكن ثَمَّ تَقَصَّدٌ أو تَسَاهُلٌ ، فذلك مما امتن به الرب ، جل وعلا ، على هذه الأمة كما في الخبر : "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه" ، فجاء التوكيد بالناسخ "إِنَّ" ، فضلا عن اسمية الجملة "الله تجاوز" وتكرار الإسناد فثم فاعل لفظ استتر جوازا في عامله "تجاوز" وثم فاعل معنى وهو المبتدأ ، اسم الله ، جل وعلا ، الأعظم ، فهو مرجع الضمير الذي ينزل منزلة الرابط بين جملة الخبر والمبتدأ فضلا عن إطناب آخر في الخبر أن حُدَّ حَدَّ الجملة فكل أولئك من المؤكدات ، والخطأ يعم السهو ، فلا ينقض النية الأولى ، على تفصيل في ذلك ، فالتوحيد ، وهو محل الشاهد ، أصل الأصول ، فهو أول ما يُبَايِعُ عليه المكلَّف إذ هو الركن الأول ، وهو ، من وجه آخر ، شرط الصحة الرئيس فيما وراءه من الأصول والفروع ، فكانت بيعة التوحيد أول بيعة وبايعت هذه الأمة بيعة الصدق ، فما كان لها أن تَرْضَى في فُتُوَّتِهَا أن تحكم باستبداد ولو كان ظاهره تعظيم الشرع ، فإن الشرع لا يجافي الشورى ، ولا يجافي حرية الاختيار في مواضع الاجتهاد في أمور السياسة والحرب على وجه لا يخالف صاحبه عن مقصد الشرع وأحكامه ، فكان أهل الشورى في خلافة الرشد أهل الأمانة والديانة والكفاية في أمور السياسة والحرب ، خلافا لما حدث بعد ذلك من نقص في أهل الشورى فانحصر معنى الدين والأمانة وَتَعَاظَمَ دور السياسة والحرب بعد أن بدت أمارات الاستبداد فصار أهل الحل والعقد هم أهل القوة ، وهو ما أنتج نخبا جديدة تحكم المجتمع ، فكان أهل الشورى أهل النصح والإرشاد ، ولم تَزَلِ الحال في نقصان بما قَضَى به سَنَنُ التكوين النافذ ، فكان الشرع حاكما في الجملة وكانت مادة الاستبداد تعظم في الملك العضوض ، ولكنه لم يجترئ أن يجاوز الحد ! فتبلغ الحال حد المضاهاة للوحي بل والإقصاء له والعزل ، كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار فذلك نقض صريح لبيعة التوحيد الأولى ، إذ أحدث من أحدث مرجعا في التصور والحكم يضاهي مرجع الوحي المنزل ، فآل الأمر أن انتقل الناس من بيعة الاختيار ، بيعة الخلافة الراشدة ، *** يتول خليفة من الأربعة ، رضي الله عنهم ، إلا بإجماع سواء أكان صريحا أم إجماع سكوت إلا ما كان من مخالفة أهل الشام في بيعة علي ، رضي الله عنه ، وهم ، عند التدبر والنظر ، لم يَنْقِمُوا على خلافته ، ولو في الجملة ، وإنما كان لهم من الشرط ما أنيطت به البيعة ، وهو استيفاء القصاص ، فضلا عن شبهة تعاظمت خشي فيها أهل الشام على دمائهم وحرماتهم أن يسلموا القياد لجيش اندس فيه قتلة عثمان ، رضي الله عنه ، وصار لهم فيه كلمة ، وعلي ، رضي الله عنهم ، يداريهم حتى تسكن ريح الفتنة العقيم ، فاستعجل أهل الشام الأمر وعظمت شبهتهم فامتنعوا أن يبايعوا حتى يُسْتَوْفَى القصاص ويقتل قتلة عثمان ، فيطهر الجيش من العناصر الفاسدة التي بلغت من القوة والجرأة أن صالت على منصب الخلافة ، فكان لهم من السلطان في التولية والعزل أن اعتذر علي ، رضي الله عنه ، إذ ما أصنع في قوم يَمْلِكُونَنَا ولا نملكهم ؟! ، فالنظر الصحيح في السياسة والحكم يقضي أن يهادن القوم حتى تَتَعَافَى الجماعة من آثار الفتنة ، فتنهض ، ولو في المآل ، أن تقتص من قتلة عثمان ، فَأَيُّ صلح فهو يَضُرُّهُم إذ يَتَصَالَحُ الفريقان عليهم ، فكان ما كان من إنشاب الفتنة مجددا في الجمل ، فَوَجَبَ دفع الصائل على منصب الخلافة على وجه لا تعظم فيه المفسدة ، فذلك محل إجماع ، وإنما كان الخلاف هل يكون ذلك حالا بقصاص عاجل أو يكون بعد زمان هدنة تسكن فيه النفوس ويصلب فيه عود الدولة ، فتسترجع الهيبة ، فكانت الخلافة الرابعة ، خلافة علي ، رضي الله عنه ، خلافة نبوة ، فهي صحيحة وإن لم يكن ثم إجماع ، فَقَدْ نقصت الحال زمانَها كما أُثِرَ عن علي ، رضي الله عنه ، فسنن التكوين النافذ قد قضى أن يكون نقص في الرعية وهو ما تظهر آثاره لزوما في أهل الحل والعقد ، فيكون النقص في أمر الحكم والسياسة ، وإن كانت الحال في الجملة حال خير ومحل اقتداء ، فهي خلافة الرشد ، ولكنها تَتَفَاوَتُ فما كان إلى زمان النبوة أقرب فالخير فيه أعظم ، فخلافة الرشد خير من الملك العضوض ، والملك العضوض خير من الملك الجبري ، والملك الذي يعظم فيه الوحي خير من الملْكِ الذي يحارب فيه الوحي وَيُنْبَزُ ، فالأول خير ولو طرأ عليه من النقص ما طرأ فهو مما يُنْكَرُ إذ ليس من الوحي في شيء فالاستبداد والجور ليس من دين النبوة وإن تأول له من تأول أن يجعله من الشرع فغايته أن يكون رخصة في حكم متغلب جائر فلا يكون عزيمة فضلا أن يكون فضيلة ، فذلك ما يكون ذريعة إلى الطعن في الوحي الذي أمر بالسمع والطاعة ، فـ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنْ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" ، فذلك أمر ضاع فيه الحق بَيْنَ غَالٍ وجاف كسائر ما وقع من انحراف في هذه الأمة إن في العقد أو في الشرع ، فإن المعطلة في الإلهيات قد جفوا فأبطلوا دلالات النصوص على الصفات حقيقةً فإما أن ينكروها صراحة فهي أكاذيب وأساطير اكتتبت وإن صح إسنادها إلى صاحب الشرع المنزَّل صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإن أعياهم ذلك تَأَوَّلُوهَا فَأَفْرَغُوا الألفاظ من دلالاتها على المعاني ، والممثلة في المقابل غلوا في الإثبات حتى جعلوا حقائق الأوصاف الإلهية من *** الحقيقة البشرية ! ، وقل مثله في أمر السياسة والحكم وما أمر به الناس من السمع والطاعة ، فذلك مما قُيِّدَ ، فلا تجب الطاعة في عصيان إن كان الحاكم المتغلِّب يحكم بالشرع ، ولو في الجملة ، فإنه لا بد مخالف عنه إذ تَوَلِّيهِ جَبْرًا بسيف الجور ، ذلك في نفسه خروج عن أمر الشرع في السياسة والحكم ، ولكن حصول رياسته بالسيف مع إبقائه على حكم الشرع ، ولو في الجملة ، يجري الأمر مجرى التراجح بين ال**الح والمفاسد ، فالإنكار عليه باليد مع تخلف الشرط الرئيس في هذه النازلة التي عمت بها البلوى في كل عصر و**ر ، شرط : حصول المكنة وأمن المفسدة المعتبرة لا المتوهمة ، الإنكار عليه باليد مع تخلف هذا الشرط قد يفضي إلى مفسدة أعظم من **لحة الخروج ، وذلك ما لا يكون على محمل الرضى بالظلم ، وإنما يكون على محل الصبر مع بقاء جذوة الإنكار مُتَّقِدَةً ، فيكون الإنكار باليد ولو في مواضع يطيق فيها المنكِر فيكون له من الولاية وإن خاصة ، ويكون له من القدرة ما يطيق به الإنكار فالقدرة مناط التكليف ، فلا يكلف الله ، جل وعلا ، الناس ما لا يطيقون ، فذلك من الرحمة التي لا تُسَوِّغُ القعود ودناءة الهمة فلا يطيق صاحبها شيئا فهو أبدا يحتج بالعجز وإن كان يطيق ولو بعضا فما لا يدرك كله لا يُتْرَكُ كله ، ويكون الإنكار باللسان ولو نصحا ، فإن استبد العجز والقهر فلا يرضى الجنان أن يستحسن المنكر ، فضلا أن يكسو هذا المعنى الحقير لحاء الشرع الحنيف ، فيجعل ذلك من الدين المتين الذي أمر بالسمع والطاعة ، فذلك قَدْحٌ في الشرع يفتح الباب أن يشك الناس في الوحي فهو حليف الاستبداد إذ يأمر بالسمع والطاعة ، فلئن كان ذلك فهو الاستثناء لا الأصل فَلَوْ أطاق الناس أن يَأْطِرُوا الحاكم على الوحي ما وسعهم أن يتخلفوا فيتذرعوا أن له في الأعناق بيعة فإنها لا تُحْمَدُ إلا أن كانت كالبيعة الأولى التي بايعها أهل العقبة فإنهم ما بايعوا على دنيا إن أعطوا منها رضوا ، وإن منعوا سخطوا ! ، وإنما بَايَعُوا بَيْعَةَ التوحيد ، بيعة : "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا" ، فلا يخلو الخبر من دلالة إنشاء أن : بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ، أو : بايعوني على التوحيد فهو لازم النفي في الخبر ، وقد أطنب بال**در المؤول "أَنْ لَا تُشْرِكُوا" ، فضلا أن ذلك مما تستحضر به الصورة ويستغرق ظرف الزمان المستقبل فيكون التوحيد الأصل المستصحب في كل عبادة إذ هو شرط الصحة الأول في أي نسك باطن أو ظاهر ، خاص أو عام ، فبايعوا بيعة التوحيد ، كما تقدم ، وبايعوا بيعة الحرب فكان السيف آية التصديق وكان صفق اليمين أن تقاتل وإن ذَهَبَتِ النفوس ، كَمَا كانت الحال في بَيْعَةِ الرضوان ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فجاء التنويه بمن بايع ، وكان الختام بشطري القسمة : (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ) ، و : (مَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) ، فذلك ما يجري مجرى الاستقراء ترهيبا ابتدأ به فهو يخلي المحل ، وترغيبا في الأجر العظيم بمن أوفى العهد فتلك تحلية المحل بمادة الوفاء بعد تخليته من مادة النكث ، فَثَمَّ مقابلة بين الشطرين وطباق إيجاب بالنظر في مواد الألفاظ "نكث" و "أوفى" .
فمن بَايَعَ المرسَل فقد بايع المرسِل ، فكانت البيعة على التوحيد مبدأ الدين ، وكانت على الحرب ، فالكتاب الهادي لا تظهر آثاره في الأرض إلا بالحديد الناصر ، فهو الذي يحوط الكتاب ، وهو الذي يسوس البلاد بالعدل ، وهو رسم الجلال الذي يشاطر رسم الجمال في كلم الهدى النازل ، الذي يشاطره قسمة الكمال المطلق ، رسم الكتاب المهيمن الذي جمع جلال الموسوية وجمال العيسوية ، فجاء القرآن يحوي جلال التوراة بشريعة الحرب ، وجمال الإنجيل بشريعة الصفح ، فمزج بينهما فكان الكمال المطلق الذي ختم به ، جل وعلا ، الوحي المنزَل ، فجاء التوكيد بالناسخ "إِنَّ" صدر الآية ، وجاء العموم في الموصول "الذين" فثم دلالة عهد خاص بالنظر في سبب النزول ، فالجمع فيها جمع مخصوص وهم أهل بيعة الرضوان ولهم في طبقات الصحابة قدم صدق ، كما ذكر ذلك من صنف في طبقات الصحابة ، ودلالة العموم ، من وجه آخر ، تستغرق كل من بايع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيعة الدين ، كله ، فآمن بالكتاب كله إذ جعله رَائِدَهُ في العقد والشرع والحكم والسياسة والحرب والأخلاق والزهد ، فجعله المرجع الأول فهو أصل الأصول في نظرية التشريع ، وهو الحاكم المهيمن بأصوله الجامعة وَفُرُوعِهِ العادلة التي يدرك العقل في جمل كَثِيرَةٍ منها مناط التعليل فيدرك وجه الحكمة الأعم ومعنى التعليل الأخص على وجه يَصِحُّ فيه القياس وَيَصْرُحُ ، فتلك بيعة أعم يرجح فيها معنى التغليب في دلالة الاسم الموصول "الذين" الذي وضع لجماعة الذكور فتدخل الإناث لقرينة العموم في هذه البيعة العامة ، فقد بايعت النساء في العقبة كما بايع الرجال وإن اختص كُلٌّ بجملة أحكام فذلك استثناء لا أصل ، وقد جاء الخبر على حد القصر فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فـ : (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) ، فذلك جار على ما تقدم من توحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو الشطر الثاني من قسمة التوحيد ، وهو ، من وجه آخر ، يدخل في حد الشهادة الأولى ، توحيد المرسِل ، جل وعلا ، فإن تصديقه يستوجب تصديق من أرسله ، فصاحب الشرع إنشاء هو الرب ، جل وعلا ، وصاحب الشرع بلاغا وبيانا هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومن ثم جاء الاستئناف إطنابا في وصف البيعة ، فهو مما يُقَرِّرُ المعنى ويوثِّق العقد ، فـ : (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) ، وذلك ما تستحضر به معية الله ، جل وعلا ، وهو ، أيضا ، ما يَزِيدُ البيعة توثيقا ، فتلك معان صحيحة لا توجب تأويل الوصف الذاتي الخبري ، وصف اليد ، فهي من لوازمه وإثبات اللازم لا يستوجب في العقل نفي الملزوم ، فيد الله ، جل وعلا ، فوق أيديهم وذلك ما يزيد البيعة قوة ، فمعنى القوة في هذا السياق يظهر فثم قرينة فَسَّرَتِ الوصف بلازم من لوازمه فحمل على ظاهره المركب من دلالة اللفظ بالنظر في دلالة المعجم الإفرادية ، ودلالة السياق فهي قدر زائد يرجح في هذا السياق بعينه معنى الاستيثاق ، والقوةُ فيه تظهر ، فذلك تفسير باللازم لدلالة السياق المعتبرة في الإلهيات فليس تحكما بصرف اللفظ عن الظاهر إلى المؤول بلا قرينة صحيحة ، فثم قرينة السياق وهي أصل في دَرَكِ مراد المتكلم ، فلا يلزم من تفسير الوصف بلازمه لقرينة في السياق تشهد ، لا يلزم منه تعطيل الأصل ، فلا يكون إثبات الفرع واللازم ذريعة إلى نفي الأصل والملزوم ، بل يثبت الوصف ويثبت لازمه على وجه يواطئ دلالة السياق ويليق بذي الجلال والإكرام ، جل وعلا ، دون خوض في حقيقة أو كيف ، فضلا أن السياق ، لو تدبر الناظر ، لا يمنع الجمع بين الملزوم واللازم ، فإن الرب ، جل وعلا ، فوق عباده ، فوقية الذات وفوقية المعنى ، فهو فوقهم بذاته ووصفه سواء أكان وصف معنى أم وصف ذات كوصف اليد فصح من هذا الوجه أن يده ، جل وعلا ، فوق أيديهم ، دون خوض في حقيقة أو كيف ، فإثبات الوصف وإثبات لازمه على وجه يواطئ دلالة السياق ويليق بذي الجلال والإكرام ، تبارك وتعالى ، هذا الإثبات أصل جليل في باب الإلهيات ، سواء أكانت معنوية أم خبرية ، ذاتية أم فعلية ، وصفَ إثبات يراد لذاته مع ما يقتضيه من اللازم وهو نفي ما يضاده من وصف النقص الذي تنزه عنه الرب ، جل وعلا ، فهو الحي إثباتا وهو الذي لا يموت نفيا ، فـ : (تَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، فذلك من الإطناب باللازم عقيب الملزوم ، فأطنب بنفي الضد عقيب إثبات الأصل ، فضلا عن نفي الاحتمال إذ اسم الحي مما تقع فيه الشركة ، فقد يتوهم متوهم أنه حي كالبشر فهم يموتون فجاء الخبر ينفي احترازا ، كما في الأثر المشهور : "أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ يَمُوتُونَ" ، فذلك ما رشح في "أل" في "الحي" دلالة العهد الخاص فهو الرب ، جل وعلا ، وَرَشَّحَ ، أيضا ، دلالة الاستغراق المعنوي لمعاني الحياة الكاملة على وجه يعضد دلالة العهد إذ لا تكون هذه الحياة الكاملة إلا له وحده ، جل وعلا ، على وجه حصل فيه الافتراق في الحقيقة والكيف في الخارج ، وإن كان ثم اشتراك في المعنى المطلق في الذهن فتلك دلالة التكافؤ كما حدها أهل الشأن ، إذ يكون الاشتراك من وجه والافتراق من آخر فتلك دلالة العموم والخصوص الوجهي إذ يشتركان في المعنى المطلق في الذهن وإثباته لا يستوجب تمثيلا أو تشبيها ، ويفترقان في الحقيقة والكيف فالرب ، جل وعلا ، لا ند له ولا مثل ، وأما وصف النفي فإنه لا يراد لذاته وإنما يراد لغيره فلا بد أن يشفع بلازمه من إثبات كمال الضد على الوجه اللائق بجلال الرب ، جل وعلا ، كما أن أخذ البيعة في قول صاحب الشرعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا" ، كما أنه يجري ، أيضا ، مجرى ما يراد لغيره إذ نفي الإشراك لا يراد لذاته وإنما يراد لإثبات كمال التوحيد لله ، جل وعلا ، فلازمه نفي كل شريك إن في الذات أو في الاسم أو في الوصف أو في الفعل أو في الحكم ، وهو يعم ، من وجه آخر ، إذ أطلق الفعل في سياق نفي فتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "تشركوا" ، فضلا عن ورود النكرة "شيئا" في سياق النفي فذلك مئنة من عموم قياسي في اللسان ، كما قرر أهل الأصول ، فعم الشيء المحسوس في الخارج ، وعم الشيء المعقول في الذهن ، فَنَفَى الشريك المنحوت في الخارج من أوثان الحجر ، وَنَفَى الشريك المنحوت في الذهن من معبود الهوى والذوق الذي يحمل صاحبه أن يحدث في الديانة ما ليس فيها ، فيحكم بالجور تارة ، وتعظم الجناية ، كما تقدم ، أن ينسب ذلك إلى الشرع ، فيجعله من السمع والطاعة التي توسع فيها من توسع ! ، فجعلها مطلقة بلسان الحال وإن كان ثم بقية حياء تحول بينه وبين التصريح بذلك لئلا يخالف عن أصل آخر ، فـ : "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" ، فلئن تسلط من تسلط من أئمة الجور والاستبداد فغلب بسيف الجور ، فلا تخلو حاله أن يحكم بالوحي ، ولو في الجملة ، كما كانت الحال في إمرة كإمرة عبد الملك بن مروان فيطاع في المعروف ويعصى في المنكر كما صنع سعيد بن المسيب ، رحمه الله ، إذ أبى أن يخالف عن نص الوحي الذي حرم بيعتين في بيعة ، فخالف عنه عبد الملك فأراد عقد البيعة لابنيه الوليد ومن بعده سليمان ، فذلك من المنكر الذي لا يطاع فيه الإمام إن جار في الحكم ، وإن كان حاكما بالوحي ، فكيف إن جمع السوأتين فجار في الحكم وعطل الوحي فهو يحكم بالوضع المحدث فَفَاتَتْهُ فضيلة الوحي وهو معدن العدل الكامل ، لا كما يروج الخصوم أنه يكرس الاستبداد والظلم باسم الدين فيكافئ شريعة الكهنوت وهو مما أسهم في رواجه ما كان من علماء سوء كرسوا استبداد الحاكم فجعلوه الأصل مع أنه استثناء ، فصاحبه محل اللعن ، فـ : "أَلَا وَإِنَّ شِرَارَ أُمَرَائِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ ، وَيُبْغِضُونَكُمْ ، وَتَلْعَنُونَهُمْ ، وَيَلْعَنُونَكُمْ" ، فليس إلا رخصة حال الاضطرار تضاهي رخصة الميتة فلا يتوسع فيها المضطر وإنما تجري مجرى الضرورة التي تقدر بقدرها ، فيتعاطى من أحكامه ما وافق فيه الوحي دون ما خالف ، بل إن بيعة الحاكم المسلم الذي يحكم بالوحي المنزل مما يجب نقضه إن خرج عن وصف الإيمان كأن يعطل شرع الرحمن ، جل وعلا ، والكلام في سياق الحكم المطلق فالحكم على الأعيان مناط أخص ، فلئن كان ذلك ، فكان الكفر الْبَوَاحُ فهو محل الاستثناء في الخبر الصحيح : "«أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ»، قَالَ: «إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»" ، وقد أطنب بما ينفي شبهة الجهل والتأويل فثم برهان يقطع بالحكم ، فلئن كان ذلك فلا سمع ولا طاعة بل الإنكار حتم لازم إن ظهر الكفر البواح على وجه يقيد كما هي الحال في مثل هذه النَّوَازِلِ باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع فلا بد من حصول مكنة معتبرة لا متوهمة وأمن المفسدة المعتبرة لا المتوهمة أيضا ، فإن قصر الْمُنْكِرُ وعجز أن يغير بيده فهو ينتقل إلى الإنكار بلسانه فإن استبد به العجز فلا أقل أن ينكر بالقلب لا أن يجعل طاعة من يعطل الشرع ويستبيح الدم والمال والعرض ، لا أن يجعل طاعة من تلك حاله دينا يعظم ! ، فذلك مما أساء به قائله إلى الوحي فَنَفَّرَ أصحاب النفوس الكبيرة منه أن جعله نسخة شائهة من الكهنوت فهو يتحالف مع ساسة الجور ويقتسم معهم غنيمة السياسة والمال ! ، والوحي الخاتم من ذلك براء على وجه يجعل طرح السؤال : الشريعة أم الحرية أيهما يقدم ؟! ، يجعله غير ذي معنى ، فإن الحرية الكاملة لا تنال إلا أن تكون الشريعة هي الحاكمة حقيقة لا دعوى زائفة ، وذلك ما تظهر آثاره النافعة في سياسة الملك شورى بلغت الذروة زمن النبوة ، فكان التأويل الصحيح الصريح للأمر أن : (شَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) ، فتلك حال من يُوحَى إليه فكيف بمن جاء بعده وليس له من الوحي المسدد لاجتهاده واجتهاد أهل شوراه ، فالشورى في حق من جاء بعده آكد ، والأمر ينصرف بدلالة الأصل الأول في اللسان إلى الإيجاب على خلاف هل هي شورى تلزم في حق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن مرد أمره إلى الوحي المنزَّل وفائدة الخلاف تظهر في أمور تَتَّسِعُ فيها دائرة الاجتهاد كأمور الحرب وتراتيب الإدارة والزراعة .... إلخ فهي تجري ، من وجه ، مجرى ما أرسله الشرع من ال**الح ، فيكون الاعتبار فيه أو الإلغاء على وجه لا يخالف صاحبه عن مقاصد الشريعة الكلية أو أحكامها الجزئية فكل ما خالف الشرع فهو هدر إن في الكليات أو في الجزئيات ، فالوحي هو مناط الحكم الأول ، فهو الحاكم المهيمن على الأقيسة والمواجيد ، فإليه يرد الأمر في كل دقيق وجليل ، وكان من شورى النبوة ما هو ، أيضا ، تأويل الوصف في قول الرب جل وعلا : (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) ، فذلك خبر دلالته الإنشاء أن تشاوروا في الأمر ، ومن آكد ما يكون فيه التشاور ، مشاورة أهل الحل والعقد في أمر الولاية والعزل ، إن إمامة عظمى أو ما دونها من الولايات ، كما كان من شورى الصديق ، رضي الله عنه ، أهل الحل والعقد في استخلاف عمر ، رضي الله عنه ، وهي شورى أخص تَوَّجَتْهَا شورى الجماعة في البيعة العامة فكان إجماع الناس على خلافة الفاروق ، رضي الله عنه ، ولو إجماع سكوت فقد انتفت شبهة الإكراه فكان الناس ، كما تقدم في مواضع سابقة ، يراجعونه في ثيابه فكيف بأحكامه ؟! ، فتلك الحال الكاملة التي تواطئ الشرعة النازلة ، فكانت الشورى صورة محكمة حقا ، لا صورة ورسما باهتا *** تزل الحال في النقصان إذ نقصت حال الأمة فنقص لزوما حال أهل الحل والعقد فتراجع وصف الورع والديانة وتعاظم وصف السياسة والحرب ، فكان النقص الذي بدأت آثاره تظهر آخر الخلافة الراشدة ، أن كان لقتلة عثمان ، رضي الله عنه ، من الشورى قهرا ! ، بعد تملكهم الأمر في المدينة بسيف جائر بغى على أمير المؤمنين صاحب الولاية وإن خولف في أحكام أجراها فذلك ، بداهة ، لم يكن خلافا عن الأصل الأعم وهو الحكم بالوحي ، والوصف الأخص وهو خلافة الرشد وإن نقصت الحال عما كانت عليه في خلافة الشيخين ، رضي الله عنهما ، فتلك ، كما تقدم مرارا ، طبائع الأشياء بما قد قضى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، على وجه لا يُبَرِّرُ الخطأ في الاجتهاد والفتوى في أمر ديانة أو سياسة ، ولكنه في المقابل لا يستوجب ما صنع أولئك القتلة فقد عظموا السيئة وطاروا بها وكتموا ا***نات العظام في خلافة ذي النورين ، رضي الله عنه ، فما كان ذلك إلا من أَثَرِ الشبع والبطر ! ، كما أثر عن ا***ن رحمه الله ، وقياس العدل أن تغمر السيئات القليلة في بحار ا***نات العظيمة ، بحار من له سابقة الفضل وقدم الصدق في الديانة من عامة الأصحاب ، رضي الله عنهم ، فكيف بثالث الراشدين فذلك يجب له من باب أولى على وجه لا يكون ذريعة إلى إقرار ما اجتهد فيه من أمور الحكم والسياسة *** يصب الحق فكان أهل الشورى يراجعونه مراجعة من يروم الحق لا من يتذرع بالخطإ أن يبغي على صاحب الحق فيظلمه بل ويقتله فقد برأ الله ، جل وعلا ، الأصحاب من ذلك ، فتحمل وزر هذه الفتنة ، في الجملة ، قوم سوء تباينت مشاربهم وأهواءهم *** يجتمعوا إلا على باطل من الأمر عظيم ، وصار لهم بحكم الأمر الواقع دور في الشورى ولو قهرا ، فكان النقص في خلافة علي ، رضي الله عنه ، أعظم ، وإن كان الخير فيها أرجح فهي خلافة نبوة ورشد ، ولكن أهل شوراها دون أهل شورى ما تقدمها من خلافة عثمان ، رضي الله عنه ، فالناس آنذاك أنقص من الناس زمن عثمان وهو ما تظهر آثاره لزوما في أمور الحكم والسياسة ، فانعقدت بيعته صحيحة ملزمة على وجه خالف فيه أهل الشام إذ امتنعوا من البيعة فخالفوا الجمهور الأعظم وإن كان لهم تأويل يرفع الحكم والإثم في الجملة إلا أنه لا يصحح ما كان من الخطإ ، ولا يقدح في صحة البيعة كما قد وقع بعد ذلك في خلافة ابن ال**ير ، رضي الله عنهما ، إذ انعقدت له البيعة صحيحة ملزمة فجاءته من الأ**ار فلا يضر تخلف بني أمية وبعض أوليائهم في رقعة من الشام ضيقة فكان الْبَغْيُ منهم أن نصبوا الحرب لابن ال**ير وانتزعوا منه الخلافة جبرا وتغلبا بسيف جائر ، *** يزل الأمر في نقصان وإن كان الشرع في الجملة هو الحاكم المهيمن ، فحصل النقص في الشورى مجددا إذ نقصت حال أهلها ، فكان الملك العضوض باستخلاف يزيد ، ولم تزل الحال في نقصان حتى بلغ الأمر ببني العباس أن يأخذوا البيعة بيمين الطلاق ، فخالف عنهم مالك ، رحمه الله ، فكان يفتي ألا طلاق على مكره ، وامتحن فيها بالضرب حتى خلعت كتفه ، ثم كان النقص بتباعد الأعصار عن زمن النبوة حتى ابتلي الناس في هذه الأعصار بملك الجبر الذي بلغ الغاية في الظلم والاستبداد ، فعطل الوحي وكانت أعظم **يبة وإن كان الوحي قد فُرِّغَ من محتواه شيئا فشيئا *** يبق منه إلا الرسم الظاهر كما الخلافة آخر أيامها ، وهما مع ذلك أمر نافع ولو ناقصا عن الحقيقة الكاملة في خلافة نبوة تقيم الشرع في كافة أمرها فتلك هي الغاية من أمر الحكم والسياسة في الوحي ، ولا يكون ذلك إلا مشفوعا بحرية عظمى لا كما يروج خصوم الوحي فحرية بتحرير العباد من عبادة العباد وتخليص التوحيد لرب العباد ، جل وعلا ، وحرية اختيار في نظام شورى محكم لا يبلغ بالناس حد الفوضى في الترشح والانتخاب فتلك رَدَّةُ فعل الاستبداد ، وإنما اختيار يجعل الحكم ابتداء لمن خلق الأرض والسماء ، فالأمة تختار من ينوب عنها أن يحكمها بالوحي لا بالهوى والذوق سواء أكان هوى الفرد أم هوى الجماعة .
والله أعلى وأعلم .