المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ال**ابرة


rss
03-03-2017, 06:00 PM
ال**ابرة
تغاير الرؤى يوجب ، لا محالة ، صراعا بين المختلفين ، سواء أكان صراع الأفكار أم صراع الأبدان على وجه يستلزم الصبر وال**ابرة والرباط على ثغور المبدأ في حرب الأفكار ، وثغور الأرض في حرب الأبدان ، فجاء الأمر في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ،فتوجه النداء نداءَ البعيد مئنة من تعظيمِ من ينادي وهو الرب ، جل وعلا ، واستحضارا للأذهان في موضع الأمر والنهي ، وقد أطنب في حد المنادي على وجه استفاد الناظر فيه معنى التعليل فذلك أمر توجه إلى ح** الإيمان ابتداء ، وإن عم غيرهم لقرينة العموم في التكليف فخوطبوا بالأوامر مواجهة ودخل غيرهم تبعا فالشرع الخاتم شرع عام لجميع البشر ، فالصراع يَحْتَدِمُ في جَوْلَاتٍ تَتْرَى بين أهل الإيمان وخصوم الوحي ، ومن أعظم جبهات هذا الصراع ما يكون من إيمان باليوم الآخر في مقابل الفردوس الأرضي الذي ينكر ما وراء هذا العالم من الغيب فصار الفردوس الأرضي هو غاية السؤل وذلك أمر غلب على اليهودية وهي ديانة جلال جاء فيها الشرع الصارم الذي يقمع نفوسا غليظة لا تقيم وزنا إلا لما تدرك بحواسها وهو ما يضر الروح وينحط بالإنسانية إلى دركة الحيوانية أن تنكر الماورائية الغيبية فالإيمان بها يلامس الجوهر اللطيف جوهر الروح ، فغذاؤها الغيب لا على وجه يخرج بها إلى فضاء الخرافة ، فَلَا يَنْحَطُّ الإنسان إلى دركة ا*** فمداركه محدودة ، ولا يحلق عاليا في فضاء الخرافة ، وإنما تحصل السلامة بإقامة التوازن المحكم بين الطبيعة والماوراءها ، فالأبدان تحيى بأسباب الطبيعة ، والروح تحيى بأسباب الشريعة ، وهي مما جاء به الوحي ، وذلك الغيب الذي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، فالرسالة هي غذاء الروح الناصح وهو ما تنكره المذاهب الأرضية فالعمل الصالح فيها ليس العمل الصالح في الوحي وإن كانت الصورة واحدة ، فإن تعاليم الدين المنزل قد تواطئ أغراض الوضع المحدث فتكون النتيجة في الخارج واحدة ، وشتان الباعث ، باعث الدين السماوي ، وباعث المذهب الأرضي ،كما يُنَوِّهُ بَعْضُ المفكرين ، بِبَعْضِ قِيَمِ النصرانية من أقوال مأثورة تُنْسَبُ إلى المسيح عليه السلام فهي من التعاليم الإنجيلية ، فمن كان له ثوبان فليعط واحدا لمن لا ثوب له ، فهي قيم قد توافق ، بادي الرأي ، قيم الاشتراكية ، وهو أمر استنسخه بعض مفكري الشرق المعاصر في إطار الترويج للإشتراكية ، فصار الإسلام اشتراكية فهو يدعو إلى العدالة الاجتماعية ، وهذا حق يراد به باطل فشتان عطاء الوحي فهو عطاء وإن حصل به صلاح الدنيا فتحققت به ال**لحة العاجلة إلا أنه لا يقيم الحياة على أساس المنفعة المتبادلة التي تغلب فيها أخلاق النفعية ، وأما عطاء الشيوعية فهو عطاء المنفعة التي تعظم قيمة الإنتاج وتكرس طغيان الدولة المركزية في مقابل سحق الفرد فلا إرادة له ! ، فَقُلِّصَتِ الحريات العامة والخاصة وَسُحِبَ البساط من تحت أقدام الناس فلا يَنْبُغُ فِي هذه المنظومات إلا المداهن وإن لم يكن ذا كفاءة ، بل إن الكفاءة التي تخرج عن سيطرة الدولة ! ، فهي كفاءة منبوذة فالمنظومات البيروقراطية لا تطيق التغيير أو التجديد فهي تعظم قيم الرُّوتِينِ الرَّتِيبِ فالإنسان قد اختزلت إنسانيته ومنها إنسانية الفكر وإن في إطار المادة ، فضلا عن الفكر الأسمى فكر القيم والمبادئ ، وهو محل الشاهد ، فقد يكون العطاء في ظاهره واحدا ولكن اختلاف الباعث والمبدأ يجعل الفارق عظيما بَيْنَ وحي يروم الجزاء الأوفى في دار أخرى غير هذه الدار ، ومذهب لا يقيم وزنا إلا للجزاء العاجل في هذه الدار ، فالجنة في الأرض ، وتلك نظرية العقل اليهودي ، كما يضرب بعض المفكرين المثل بـ : "كتاب أيوب" فهو حلم العدالة التي لا بد أن تتحقق في هذا العالم لا في عالم آخر وراءه فلا بد أن تَتَحَقَّقَ هنا والآن ناجزة فانتظار الأجر في دار أخرى ضرب من العبث ! فذلك حديث الخرافة ، ولا يُسَوِّغُ ذلك ما ذهبت إليه المذاهب الروحانية التي عطلت الأسباب وأخرجت الدين من دائرة الفعل والتأثير إلى دائرة الخمول والكسل والرضى بخطة الخسف على وجه يُزْرِي بالإنسان الحر الكامل بحجة الإيمان بالقدر مع إهمال الأخذ بالأسباب فانقلب جبرا يُذَمُّ ، فهو يعطل الشرع إذ يعطل الأسباب ويقصر الدين على جمل من الرياضات والتأملات كما صنعت الرهبانية النصرانية التي شطرت الحياة ، كما يُنَوِّهُ بعض المفكرين ، إلى شطرين يتناقضان فلا يمكن الجمع بينهما ، فشطر الأرض يغاير شطر السماء ، كما يقول بعض المفكرين ، فلا تستطيع خدمة الله ، جل وعلا ، وخدمة المال والشهوة وهي الفكرة الروحانية التي بسطها بعض الأدباء كتولستوي ، فلا يمكن أن يُعْنَى الإنسان بروحه وبدنه معا ، فإما أن يُعْنَى بالروح فيهمل أسباب البدن على وجه يوقع صاحبه في الحرج ، أي حرج ! ، وإما أن يعنى بالجسد ، فثم من يروم الحرية أن يستجمع أسباب القوة والثراء واللذة فهو يظن أن بها تحرير النفس ، وهي ، عند التدبر والنظر ، تقيد الحرية ، فهي تجعل الإنسان أسيرا في قيد الشهوة ، وثم من غلا في الطرف الآخر ، فجعل حرية الروح أن تتجرد من علائق البدن على وجه لا يخلو من الشطط إذ يخرج عن حد الجبلة الربانية للحقيقة الإنسانية ، الحقيقة المركبة من الروح والبدن ، فلا تحصل السلامة بالانحياز إلى أحدهما دون الآخر ، فانحازت النصرانية إلى جانب الروح وعظمت قيم الميتافيزيقا فلاحظت الكنيسة ، كما يقول بعض المفكرين ، التناقض بين روح العهد الجديد وهو روح وعظ يغلب عليها الزهد ، وروح العهد القديم ، وهي روح تشريع تُعْنَى بأحكام الدنيا ، فالعهد القديم أو التوراة يروم الفردوس في هذه الأرض ، وهو ، في الجملة يَزْدَرِي الغيب ، على وجه يواطئ ، عند التدبر والنظر ، مبادئ العلمانية اللادينية ، بل قد يبلغ في أحيان حد المضادة للدين ، وذلك بداهة العهد المبدَّل لا العهد المنزَّل من الرب المعظَّم ، جل وعلا ، فهو كتاب هداية وحكمة جاء بشرعة الجلال التي تلائم الشعبَ صَلْبَ الرَّقَبَةِ فلا بد من الشدة في معالجة هذه النفوس الكثيفة ، فظهرت آيات الحكمة في التشريع ، فتلك توراة الكليم ، عليه السلام ، التي كَتَبَهَا الرب ، جل وعلا ، فـ : (كَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ) ، فذلك كَتْبُ الشرع المعظَّم وهو موضع تعظم فيه المنة على الأمة اليهودية فحسن أن يسند إلى ضمير الفاعلين في العامل "كَتَبْنَا" ، مئنة من التعظيم ، فَعِظَمُ المنة من عِظَمِ من امتن بها ، جل وعلا ، وحسن ، أيضا ، في هذا السياق إيراد لام الاختصاص في "له" ، فخصه الرب ، جل وعلا ، بهذه المنة ، وهذا الاختصاص لا يخلو من دلالة الفضل العظيم من الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، فأعظم ما يختص به البشر من الرحمات ، رحمة النبوة ، فهي أول ما يدخل في عموم قوله تعالى : (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، فجاء النفي الذي عم إذ تسلط على ال**در الكامن في الفعل "يود" فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، وذلك آكد في تقرير العداوة على وجه يوجب المفاصلة وال**ابرة التي تعم ، كما تقدم ، **ابرة الأفكار و**ابرة الأبدان ، وقد أطنب في حَدِّ الفاعل "الذين كفروا من أهل الكتاب" ، ودلالة "مِنْ" دلالة بيان لل*** فلا يظهر فيها معنى التبعيض إذ أهل الكتاب جميعا بعد نزول الرسالة الخاتمة إما أن يؤمنوا بها فيكونوا من أهلها أو يكفروا بها فلا يوجد منهم من يوصف بالإيمان مع بقائه على وصف أهل الكتاب دون أن يضم إليه الإيمان بالرسالة الخاتمة ، فاستغرق شطري القسمة : "أهل الكتاب" و "المشركين" ، فذلك من الإطناب بأجزاء القسمة على حد البيان للأجناس الدنيا بعد ذكر ال*** الأعلى مجملا ، وَوَرَدَ الفاعل على حد الوصل "الذين" ، فلا يخلو ، أيضا ، من إطناب بمجمل بَيَّنَهُ ما بعده ، فضلا أنه قد ضُمِّنَ معنى التعليل ، فالكفر والشرك ، أو الكفر العام الذي يستغرق كفر أهل الكتاب وكفر المشركين ، هذا الكفر سبب أن يَرُومَ أولئك امتناع الخير في حق من آمن لاختلاف الوصف على حد الطباق إيجابا بين المؤمن والكافر ، فذلك ما يستوجب الاختلاف في الحكم على وجه يوجب العداوة أبدا ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) ، فَثَمَّ نَفْيٌ آخر تسلط على ال**در الكامن في الفعل "تَرْضَى" فهو يفيد العموم وهو مما يُحْمَلُ على التأبيد لقرينة السياق فالعداوة بين أهل الإيمان وأهل الكفر مؤبدة مستحكمة حتى يَتَحَوَّلَ أحدهما عن دينه إلى دين الآخر ، فذكر اليهود والنصارى على حد التوكيد بالإطناب إذ كَرَّرَ أداة النفي "لا" ، وذكر اليهود والنصارى في هذا السياق يجري مجرى التمثيل لعام وهو *** الكافر فلن يرضى الكافر عن المؤمن لاختلاف الوصف بل وتضاده على وجه لا يحصل به تلاؤم فغايته أن يكون ثم تهادن فَلَنْ يَرْضَى اليهود ولا النصارى على وجه تضع به الحرب أوزارها ، فـ : (لَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ، فثم مضارعة في "يزالون" استحضرت بها الصورة فضلا عن دلالة الديمومة والاستمرار فتلك دلالة المضارعة ابتداء ، فضلا أن الفعل في نفسه مئنة من ديمومة اتصاف فهو يضاهي الكينونة ، وهي أم الباب في النواسخ ، والمقاتلة مئنة من المفاعلة التي لا تكون إلا بَيْنَ اثنين ، فثم فريقان يختصمان فهما يَقْتَتِلَانِ فتكون ال**ابرة بين قبيل الحق وقبيل الباطل ، فذلك ما ورد الأمر به آخر آل عمران ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فالصبر في النفس ، وال**ابرة لغيرها ، فحصل جناس الاشتقاق بين مادتي الصبر وال**ابرة ، وزيادة الألف مفاعلة قد قَوَّى الفعل في العمل فتعدى بعد أن كان لازما ، فالصبر لازم في النفس ، وال**ابرة متعدية ، فَتَتَعَدَّى إلى مفعول واحد قد حذف في هذا السياق ، فذلك يجري مجرى إيجاز الحذف إذ حذف المعمول المفعول الذي قد علم بداهة فال**ابرة لا تكون إلا لخصم ، وخصم المؤمن هو الكافر ، فذكر طرف ال**ابرة الأول صدرَ الآية وحذف الطرف الثاني للعلم به ، بداهة ، فحصل طباق الإيجاب بين المذكور والمحذوف على وجه يوجب التخالف بل والتقاتل الذي يَسْتَلْزِمُ الصبر ، فقدم بالسبب العاضد الذي يستعين به ال**ابر ، فلا يصابر إلا بصبر أول يتحلى به فيكون من توفيق الرب ، جل وعلا ، وإلهامه أن يصبره إذا أخذ بأسباب الصبر فهو يَتَصَبَّرُ فَيَتَكَلَّفُ من أسباب الصبر ما هو مر فحلاوة العاقبة تُنْسِي مرارة المبدأ ، ولا يكون ذلك إلا أن يلهمه الرب ، جل وعلا ، أسباب الصبر فيخلق المحل القابل لأسباب الصبر ، ويخلق فيه قوة التصبر ويمده بأسبابه التي يعالجها على وجه يحصل به الفعل في الخارج ، فتظهر آثاره في رضى الصابر وتحمله فلا يجزع وإن تألم ، فإن الألم مما جبل عليه الإنسان فبه يظهر ضعف الجبلة على وجه يدرك به المخلوق عظم الخالق الكامل ، جل وعلا ، إذ بضدها تتمايز الأشياء وتتغاير بل وتتطابق على وجه تحصل به المباينة بل والمفارقة التامة بين شطري القسمة ، الخالق جل وعلا ، والمخلوق ، فإذا اسْتَبَانَ للمخلوق وجوه الضعف في جبلته فهو يضعف ويمرض ويتألم وينام ويذهل ويغيب عقله بل ويفنى جسده آخر أمره فإذا استبان للمخلوق ذلك فإنه يدرك بالقياس الصريح الذي يستوجب التفريق بين المختلفين ، الخالق والمخلوق ، فإنه يدرك كمال الخالق ، جل وعلا ، في مقابل نقصه على وجه يجعل افتئاته على حق الرب الخالق ، جل وعلا ، في الحكم والتشريع ، أعظم الظلم إذ كيف لناقص أن ينازع الكامل وصفا من أخص أوصافه بل قد بلغت به الحال أن يُنْكِرَ وجوده ، جل وعلا ، فكان من مخالفة العقل والفطرة وا*** ما بَعَثَهُ في النفس الكبرُ ، كبر العقل الذي رام احتكار روح التشريع فأعطى لنفسه من الحق أن يضع القانون وهو يجهل وخالف عن قانون السببية الذي يزعم أنه ينتحله ، فالأسباب عنده تقتصر على أسباب ا*** ، وهي طريق من العقلانية يعارض بها الوحي الذي صار خرافة ميتافيزيقية فكانت الروح الدنيوية أو الروح المدنية اللادينية في المناهج العلمانية التي صرفت عنايتها إلى هذه الدار فلا دار تجاوزها على وجه يعظم أسباب ا*** ويزدري أسباب الغيب فهو يجحدها إذ يقيم بنيانه على نَزْعِ المقدس عن العالم ، كما يُنَوِّهُ بعض الفضلاء بتعريف بعض منظري الغرب للعلمانية فهو يَرُومُ نَزْعَ كل قداسة في هذا العالم فالوحي ليس معصوما فهو كأي نص في الفكر أو الأدب أو السياسة فلا بد أن يخضع لمعيار النقد البشري ! فلا مقدس في عالم اللامطلق ، فلا مطلقات ثابتة وإنما النسبية تهيمن على العقل لا سيما في طور ما بعد الحداثة فهو طور يفخر بإلحاده وإنكاره للحقائق الإلهية فليست مطلقات فإثبات المطلق ولو مجردا أصولية متطرفة ودوجماتية يتسم صاحبها بالتعصب فلا يكون الإنسان مُتَنَوِّرًا مواكبا لطور الحداثة وما بعدها فهو آخر ما أنتج العقل البشري ! ، لا يكون كذلك إلا أن يضاد الوحي في المرجعية ، فيقيم العقل ندا يضاهي بل ويعارض ويناقض ، على تفاوت في العلمانيات المتداولة في محيط البحث فثم علمانية لادينية تطرح الدين جزءا من الهوية في إطار الدولة الوطنية الحديثة فلا مانع أن يكون دينها الإسلام أو النصرانية ..... إلخ ، ولا مانع أن يكون أحد **ادر إلهامها في التشريع روح الوحي بل ولا مانع أن يشارك الوحي بقدر فاعل في صياغة الدستور فهو العقد الفكري والتشريعي الرئيس الذي يخط خطوطا عريضة هي المحكمات التي ترد إليها كل المتشابهات ولو كانت أحكاما للوحي صحيحة صريحة فتتحايل العلمانية اللادينية أن تتأول النص ليوافق الدستور في إطار عملية تفكيك للنص الديني ، والمدرسة التفكيكية مدرسة تدعو إلى فك الارتباط بين اللغة والنص ! ، فاللغة لا تحيل الناظر إلى معنى يمكن الوثوق به ! ، وذلك ما يفتح الباب على **راعيه لنظرية التأويل الذي يغادر قانون اللغة دون حرج فيضع للألفاظ معان جديدة تغاير معاني الألفاظ بالنظر في أصل الوضع في اللسان ، وذلك ما يفضي إلى نزع القداسة عن الوحي فليس إلا نصا قد مات مؤلفه فلا بد من تجريده من السياق التاريخي الذي كتب فيه أو نَزَلَ فيه إن كان وحيا ، فتقطع العلائق مع المؤلف أو القائل ، فلغة النص لا تحيل على معنى يمكن الركون إليه ، وتلك نظرية ما بعد البنيوية التي تروم الخروج عن قانون اللسان فلا بد من قطع العلائق مع تاريخ ورود النص وإبطال عُرْفِ اللسان آنذاك واستحداث قانون جديد لتفسير النص على وجه لا مطلق فيه فكل شيء يخضع لقانون النسبية وبذا فقط تحسم مادة الراديكالية التي صارت تكافئ المطلق فمن يثبت مطلقا ثابتا ، ولو مجردا في العقل فهو غال متعصب يروم الرجوع إلى أعصار الخرافة والدين التي جاوزتها الحداثة وما بعدها فهي تروم الانتقال بالعقل من خرافة الأديان إلى السببية المطلقة التي تنكر ما وراء ا*** من أسباب الغيب على وجه ينقض قياس العقل الصريح فإن الضرورة العقلية تقضي بسبب غيب وراء أسباب ا*** ، فإن تسلسلها يفضي آخر أمرها إلى سبب غيب وراءها ، وإلا ناقض المستدل ضرورة لا ينكرها إلا جاحد أو مسفسط إذ التسلسل في المؤثرين يمتنع ، فلا بد أن تبلغ أسباب الشهادة حدا تنقطع فيه فَتُرَدُّ إلى سبب غيب ، وهو ما يقر به من ينكر الغيب فإن ثم من أسباب الدنيا ما لا يدركه بحسه الظاهر وإن وجد آثاره فتيار الكهرباء الذي يسري في الأسلاك والدوائر مما يجد الإنسان آثاره في الإنارة والتشغيل لماكينات الإنتاج ولكنه لا يحده با*** الظاهر فهو تيار غيب من دقائق هي جسيمات سالبة قد بلغت من الدقة ما لا يدرك با*** الظاهر ، ولو زمن اكتشافه قبل أن يطور الإنسان من آلات البحث ما به يدرك حركة هذه الدقائق ، فكانت آنذاك غَيْبًا وقد آمن بها من لا يؤمن إلا بمخرجات ال**نع والمعمل ، ومع دَرَكِ ا*** لبعض خصائص هذه الجسيمات وما يحصل من انتقالها في المدارات في تفاعلات الكيمياء إلا أن ميكا***ية التفاعل وهي مادة يدرسها أهل الشأن لا تنفك تقترن بجمل من الافتراضات النظرية لحركة الجسيمات وانتقالها من ذرة إلى أخرى نظرا لاختلاف الخصائص فثم اختلاف في القطبية يوجب انحياز الجسيم السالب من ذرة إلى أخرى فتجتذبه الذرة الأعلى قطبية ، في روابط تَتَعَدَّدُ أنواعها وتتفاوت في القوة والاستقرار ، والغاية منها أن تبلغ المتفاعلات حد الاستقرار ، وتتبع هذه العلميات الدقيقة لا بد أن يفضي آخر أمره إلى سبب يعجز العقل عن تبريره بمعطيات ا*** ، فثم تسلسل في العقل يوجب رد الأمر آخر البحث إلى سبب لا سبب وراءه فإن الجسيمات في هذا الكون لا تَتَحَرَّكُ في الكون خبط عشواء وإنما تَتَحَرَّكُ وفق قانون محكم فتلك سنة ربانية ، ومن ردها إلى الطبيعة فهو يخالف عن قياس العقل إذ الطبيعة جاهلة عاجزة أن تَرُدَّ عدوان الإنسان عليها فكيف تكون هي الخالقة المبدعة بهذا السنن المحكم فلا يطمئن الفؤاد إلا أن يراجع وحي السماء الذي أجاب عن هذا السؤال : من خلق هذا الكون بهذا السنن المحكم ؟! ، ومن خلق الإنسان على هذا الوجه المتقن ؟! ، وكيف خلقه ، ولا يقتصر الوحي ، مع ذلك ، على النظر في العلل الصورية وإنما يجاوز الأمر إلى العلل الغائية الشريفة ، *** يخلق الإنسان ويصطفى أن يخلف بعضه بعضا في الأرض إلا ليحقق الغاية العظمى ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، وذلك ، بداهة ، ما لا يرد أمره إلى الأهواء والأذواق ، فذلك ما تروم المناهج الأرضية التي تقطع الصلة مع الوحي ، فلا ترضاه حكما في الحياة فإن كان له تأثير فهو التابع لا القائد ، فالوحي ، كما تقدم ، قد يكون رافدا من روافد الدستور السياسي ولكنه لا يصلح أصلا يحكم ، فَيُرَدُّ إليه غيره ، بل هو الذي يُرَدُّ إلى الدستور فإن خالفه فهو رد ، فالدستور هو العقد الجامع العاصم في مقابل حبل الله ، جل وعلا ، الذي أُمِرَ أتباع الوحي أن يعتصموا به ، فصار قانون الحياة والسياسة يستند إلى علائق اجتماعية أرضية ، ونزعت القداسة عن الشريعة السماوية ، مع أن العقل لا يستقل بدرك الأسباب على حد اليقين الجازم فضلا أنه يعجز آخر الأمر عن تفسير ظواهر في الكون وإن بلغ ما بلغ من تَقَدُّمٍ في العلوم التجريبية ، فلا بد أن يصل إلى شاطئ ا*** فلا يجاوزه إلى بحور الغيب التي ينكرها فهي الخرافة الدينية ، وهو ، مع ذلك ، يوقن أنه لا بد من سبب فِي الغيب لا يدركه بحسه ، فهو الذي يفسر الظاهرة التي يعجز عن دركها فا*** قاصر وإن بَلَغَ ما بَلَغَ من القدرة والقوة فهو مُتَنَاهٍ والعلم غير متناه فما أوتي منه إلا القليل فإما أن يسلم بجهله ويرد الأمر إلى غيب لا يدركه فلا يقتصر على مدارك حسه في التعليل والتشريع ، وإما أن تحمله المكابرة أن يجحد بظاهره ما استيقن بباطنه فلا بد له من إيمان بغيب ، ولو حدا أدنى يحفظ له ما تَبَقَّى من إنسانيته ، فما أوتي من العلم إلا القليل ، كما تقدم ، إذ ما يخفى عليه أكثر مما يعلم ، في مقابل من وصفه : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، فجاء التوكيد بالناسخ المؤكد "إن" فضلا عن اسمية الجملة والإطناب في الخبر "لا يخفى" ، فقد حُدَّ حَدَّ الجملة الفعلية وفعلها مضارع فذلك مئنة من استمرار النفي لوصف النقص ، فضلا عن دلالة العموم إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يخفى" ، وثم عموم آخر إذ وردت النكرة "شيء" في سياق النفي فأفادت عموما قياسيا ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، فلا يخفى عليه أي خفاء ، لا يخفى عليه أي شي ، وقد أطنب إذ استغرق شطري القسمة في باب الظرف على حد الطباق إيجابا ، ما سفل في الأرض وما علا في السماء ، ودلالة "أل" في "الأرض" و "السماء" ، مئنة من العموم المستغرق ، وزيد في الدلالة بالإطناب في النفي بتكرار أداته "لا" ، وذلك ما دعا به الخليل ، عليه السلام ، دعاء الثناء في قوله تعالى : (رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) ، فكان الطباق إيجابا بين الخفاء والعلن ، على حد العموم المستغرق لما ظهر وما بطن فتلك دلالة الموصول "ما" الذي كرر إطنابا في المبنى فذلك مما يستفاد به تقرير المعنى وتوكيده ، ومن ثم جاء النفي ، كما في آية آل عمران ، فَعَمَّ بتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يخفى" ، وَوُرُودِ النكرة "شيء" في سياق النفي ، واستوفى السياق ، أيضا ، شطري القسمة طباق إيجاب ثَانٍ في الآية بين الأرض والسماء مع الإطناب في النفي بتكرار أداته "لا" , وكذلك الشأن في قوله تعالى : (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) ، فثم توكيد بالناسخ لخبر حُدَّ حَدَّ الاسمية فذلك توكيد ثان للمعنى لما تحمله الاسمية من دلالة الثبوت والاستمرار فضلا عن تكرار الإسناد فالضمير المستكن في عامله "يعلم" جوازا ، وهو فاعل في اللفظ ، مرجعه المبتدأ أو اسم الناسخ اسم الله ، جل وعلا ، الأعظم ، اسم "الله" ، وهو فاعل في المعنى ، فضلا عن دلالة المضارعة في "يعلم" ، فهو مئنة من ديمومة الوصف واتصال زمانه فيعلم علم التقدير الأول ، وعلم الإحصاء الثاني ، فضلا أن وصف العلم من وصف الذات الذي يلازم الذات القدسية فلا يفارقها ، فحسنت المضارعة في "يعلم" ديمومة واستمرارا من هذا الوجه ، وكان الطباق إيجابا على وجه استغرق شطري القسمة وقد حدا حد العموم المستغرق في المحلى بـ : "أل" وهو "الجهر" ، والموصول في "وما يخفى" فهو ، كما تقدم مرارا ، نص قياسي في العموم كما قرر أهل الأصول .

وذلك ما يعم الدارين فلا يخفى عليه شيء لا في الأولى ، ولا في الآخرة : (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) ، فثم ، ما تقدم ، من تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يخفى" ، فضلا عن ورود النكرة "شيء" في سياق النفي ، فهو ، جل وعلا ، العليم في الأولى وفي الآخرة ، فأحاط بكل شيء علما ، في الكون ، في مقابل جهل المخلوق ، فما يجهل أكثر مما يعلم ، كما تقدم ، فإذا سلم الناظر بهذا القدر الفارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فعلم عجزه أن يحيط بكل شيء علما فلا بد من مرجع يجاوزه في التعليم فذلك يستلزم الإقرار بمرجع آخر يجاوزه في التشريع ، فإنه لا يستقل بدرك الحقائق على حد اليقين الجازم ، فلا بد من **در آخر به يحصل اليقين فهو يحكم بَيْنَ العقول الفردية والجمعية ، الدستورية والتشريعية ، فيما فيه تختلف بل وَتَتَنَاقَضُ على وجه يوجب الاضطراب بتعدد المرجعيات العقلية والذوقية ، الفردية والجماعية ، إذ لكل فَرْدٍ عقل وذوق ، ولكل أمة دستور وشرع على وجه يحصل به التعارض في ال**الح فيفضي إلى وقوع التنازع إن في أروقة السياسة أو ساحات الحرب فلا يحسم هذه المادة المسعِّرة للخلافات على وجه يجاوز فيه الخصوم كل منقول ومعقول ، فيقع من البغي والعدوان ما يستقبحه العقل ضرورة إلا العقل الذي اضطرب معياره فصار يحكم با***ن والقبح على ما يباشر بحسه من اللذة والألم ، فصار معيار الفضيلة معيار الحيوان الذي اقتصرت مدراكه على حواس الظاهر فلا يكون باعثه في الفعل والترك الفضائل والأخلاق ، ومادتها الناصحة مادة الوحي النازلة ، وإنما يكون باعثه ال**لحة العاجلة ، فردوس الأرض ، فلا يعنى بداهة بالدار الآخرة بل يعتبرها ، كما تقدم ، حديث الخرافة فهو خدعة من جملة خدع محكمة روجتها طبقة الملاك إن من رجالات الإقطاع الكبار أو من البرجوازية الصغار فصاحب الملك الخاص ، كبر أو صغر ، عدو أول للتقدمية الاشتراكية ! ، وعدو لكل من رام الحرية وإن بالخروج عن منهاج الوحي ومنهاج الأخلاق والفضائل ، فجرد الإنسان من المشاعر وكثف طبعه فلا يطيق الإيمان بدار أخرى تجاوز هذه الدار ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مبدأ مبكر لنظرية العلمانية فإن يهود قد جردوا العهد القديم من ذكر الآخرة ، كما يقول بعض نقاد العقد القديم ، فليس إلا هذا العالم فتكون النسبة إليه نسبة زمانية أو دنيوية أو تُرَابِيَةً ..... إلخ ، فهي تخلو من النسبة إلى الدين ، كما يقرر بعض الفضلاء ، إذ ليس الدين إلا خرافة في العلمانيات ضد الدينية التي بلغت الغاية في الجحود ، أو هو سلطة لا عمل لها في هذا العالم الذي اقتسم الساسة فيه الغنائم ! ، مع رجال الكهنوت ، فالأولون لهم السلطة الزمانية والآخرون لهم السلطة الروحية ، فَثَمَّ من العلمانيات ما يهادن الدين فيعطيه سلطة الروح الدينية دون سلطة الحكم السياسية ، فيرجح جانب الدنيا فلا تجد ذكر الآخرة حاضرا بل هو غائب كغيابه في العهد القديم ، فهو ، كما تقدم ، لا يذكر الآخرة في مقابل التنويه بالفردوس الأرضي أو مملكة الرب فهي على الأرض وقائدها المخلص المنتقم الذي يأتي لتحقيق العدالة بالانتقام من أعداء الشعب المختار ، وتلك نظرية ، كما ذُكِرَ في مواضع سابقة ، تسللت إلى عقد الإمامية الاثني عشرية ، فالمخلص هو الغائب المنتظر ، والشعب المختار هو شيعة آل البيت ، رضي الله عنهم ، فيأتي الإمام المخلص لينتقم من أعداء آل البيت وينصر شيعته بحد السيف ويحقق العدالة بعد قرون من المظلومية فكل هذه الأقوال تكرس نظرية الفردوس الأرضي وتجعل الكلام في الآخرة فضول قول لا ينفع ! فقد تحقق العدل الكامل في هذه الدار فما الحاجة إلى دار أخرى أو مملكة أخرى غير مملكة الرب في هذا العالم ؟! فيحسن بسكانها أن يشتغلوا بِتَثْمِيرِهَا لا عجب ، كما ينقل بعض الفضلاء ، أن انصبت عناية يهود على أمور المال والتجارة لتحصيل أسباب السيادة في هذه المملكة الأرضية فالسعي في تحصيل أسبابها هو قياس العقل الصريح فلا باق وراءها فهي آخر الأمر ونهاية الوجود فلا خلود بعدها في أية دار أخرى ! ، فصار تاريخ يهود هو تاريخ التطور التجاري في العالم فذلك تطور مادي آخر يضاهي تطور الأجساد من الخلايا البدائية ! ، فمبدأ التطور يهيمن على هذا العقل المادي ، فكان حرص يهود على استجماع أسباب القوة الأرضية في هذه المملكة الربانية فكان إسهامهم ، كما يقول بعض المفكرين ، في جانب الحضارة المادية لا الثقافة الإنسانية ، فعنايتهم بالمادة أعظم وما أتقنوا من العلوم والصنائع فهو صنائع المادة لا سيما أسباب القوة فالعلم النووي عُرِفَ مبدأ الأمر بالعلم اليهودي فأقطابه من يهود ، وكذا الشأن في أقطاب الاقتصاد ونظريات السياسة والإعلام ..... إلخ من أسباب القوة الناعمة والصلبة ، فكان يهود دوما يهاجرون من الحضارة الآفلة إلى الحضارة الوليدة فرأس المال يهاجر إلى فضاءات جديدة ليحقق أكبر قدر من المكاسب ويسيطر على المجتمع وإن أقلية فكانت الأقلية اليهودية ، كما يرصد بعض المفكرين ، كانت تشكل مستعمرات في كل مدينة رئيسة على طول التاريخ من صور وصيدا وأنطاكية والقدس والإسكندرية وكان لها تأثير في اللاهوت اليهودي إذ مازجت الحضارة الإغريقية ، وقرطاجة وروما ومدن الأندلس إبان ازدهارها كما كانت الحال في قرطبة وغرناطة وطليطلة وإشبيلية فصاروا نخبة تَتَّجِرُ في رقيق الحروب بين المسلمين والنصارى ، وذلك ما حقق لهم ثروات هائلة ، وكانوا مع ذلك مضطهدين في أوساط الكاثوليك فصدرت ضدهم ، كما يذكر بعض الفضلاء ، تشريعات تقيد حريتهم كتحريم زواجهم من المسيحيات أو اقتناء عبيد مسيحيين وقد أجبروا في أحيان أن يعتنقوا النصرانية وكانوا أيضا من ضحايا دواوين التحقيق أو محاكم التفتيش فَقُتِلَ منهم من قُتِلَ وَفَرَّ منهم من فَرَّ وإن لم تكن ضحاياهم ، بداهة ، كضحايا المسلمين الباقين في الأندلس بعد زوال حكم الإسلام من آخر قلاع الأندلس في مملكة غرناطة جنوب الجزيرة ، وفي بداية عصر النهضة كان ليهود النفوذ في أمستردام الهولندية وفينيسيا الإيطالية ومارسيليا الفرنسية ، واليوم لهم القوة الفاعلة في كل مدن العالم الكبرى لا سيما مدن أمريكا ، فقد نجحوا في السيطرة على أمريكا مبكرا فَمَوَّلُوا رحلات كولومبس الذي اكتشف الأرض الجديدة وكأنهم ، كما يقول بعض الفضلاء ، قد وضعوا حجر أساس مبكر للنظام الدولي المعاصر ، فشرعوا في بناء حضارة جديدة بعيدا عن مركز العالم القديم ، فكان صراعهم مع المحيط الكاثوليكي مما يصعب مهمتهم في أوروبا ولعل القدر قد ساعدهم في حروب الثلاثين عاما التي عمقت الهوة بين الكاثوليك والبروتستانت مع تأثر البروتستانت بعقائدهم لا سيما نظرية الفردوس الأرضي أو مملكة الرب فيكاد الناظر يجد التطابق على وجه استوجب التحالف ، فعقيدة الملك الألفي التي يؤمن بها البروتستانت هي ، عند التدبر والنظر ، نسخة معدلة من مملكة الرب اليهودية ، فحصل التحالف وإن شئت الدقة فَقُلْ إِنَّ يهود قد نجحوا في امتطاء ظهر النصارى توسلا إلى مآربهم في السيطرة على العالم عبر مركز جديد في أرض جديدة فكانت سيطرة الحركات السرية التي نجحت في ****** دوائر صنع القرار في أوروبا ولكنها لم تبلغ ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن تصنع حكومة كاملة من الألف إلى الياء ! ، كما هي الحال في أمريكا عبر منظومة سرية لها نسبة وثيقة باليهودية ، فنجحوا في ****** المحيط الأمريكي الناشئ من مبدأ الأمر بل ولعلهم ساهموا بشكل رئيس في صناعته استثمارا لصراع الكاثوليك والبروتستانت ، ولو أفرط العقل في نظرية المؤامرة ! ، لوجد رابطا بين ما أثير عن أصول رائد الإصلاح البروتستانتي مارتن لوثر اليهودية ، وما حصل من حرب الثلاثين عاما ويهود خير من يشعل الحروب على وجه يضمن لهم رواج بضاعتهم من ال**** ويضمن لهم السيطرة على الأحداث باستنزاف أطراف الصراع ، كما كانت الحال في المدينة بين الأوس والخزرج قبل دخولهم في الإسلام الذي سبب حالا من الكساد عظيمة في أسواق يهود لا سيما بعد توقف صفقات الأسلحة واستقلال المسلمين اقتصاديا بإنشاء سوقهم الخاصة فسعوا في إثارة النعرات واستحضار الثارات القديمة كما في الآثار المشهورة فلا بقاء لهم إذ اصطلحت الجماعة وصارت على قلب رجل واحد فلا يحكمون ويسيطرون إلا إذا كان الناس أشتاتا فهم دعاة الفتن والحرب في كل زمان فتلك سوقهم الرائجة مع أنهم دوما الأقلية ولكنها الأقلية المتنفذة التي استجمعت أسباب القوة ، كما تقدم ، فقوة المال والإعلام لا زالت في أيديهم إلى يوم الناس هذا ، وهو ما يسهم بطريق ماكرة ناعمة في صناعة الأحداث على وجه لا يخرج عن تقدير رب الأرباب ، جل وعلا ، فتنضج المؤامرات وتشعل الحروب في وسائل الإعلام عبر سلسلة محكمة من الأفكار تبث في العقول كما يبث سم الأفعى في الجسد ، فالإلحاد والانحلال والنعرات العنصرية والدعوات التحريضية ...... إلخ على وجه يكرس هيمنتهم في مملكة الرب وفردوس الأرض الذي عظمه يهود ، فكان هذا تكريسا أول للعلمانية إذ صارت الدنيا أو العالم هو أصل الحكاية وخاتمتها فلا دار تجاوزها ، فكان الإفراط في المادية على وجه روج مبكرا لنظرية العلمانية ، وفي مقابلها كانت نظرة النصارى التي أفرطت في الروحانية فمملكة المسيح عليه السلام ليست في هذه الأرض فكانت الدعوة إلى هجرها وعدم الاشتغال بأسبابها على وزان : أعط ما لله لله وأعط ما لقيصر لقيصر ! ، فكانت تلك النظرة الروحانية سببا آخر في اقتسام السلطة مبكرا بين السلطة الدينية والسلطة المدنية وذلك حد العلمانية في صورتها الناعمة إذ أقرت بالدين بل وأدخلته في الدساتير وأعطته في أحيان دورا في التشريع والأخلاق كما هي الحال في العلمانيات الجزئية ولكن العلمانيات جميعا قد اتفقت على سلب الوحي روح التشريع السياسي فذلك خط أحمر قَانٍ في جميع العلمانيات وإن تسامحت ما تسامحت مع الدين فَلِصَبْرِهَا حدود ، فكان ذلك الانصراف إلى المملكة الآخرة في مقابل انصراف يهود ومن تأثر بهم من البروتستانت إلى مملكة الرب في الدنيا إذ لم يَتَقَبَّلُوا ، كما يقول بعض المفكرين ، مبدأ الخلود ، كما أثر عن الصدوقيين ، وهم كما يقول بعض أهل الشأن ، نخبة دينية سياسية تمثل قلب الأرستقراطية الكهنوتية في ظل التمايز الطبقي في مجتمعات نجم فيها الطغيان وازدهر أن احتكر من احتكر أسباب المعرفة *** تكن العلوم حقائق مبذولة بل هي أسرار مكتومة ! ، لا يعلمها إلا رجال الكهنوت فهي أدوات السيطرة والتحكم في الشعب الذي يقدس رجالات الكهنوت حتى اعتقد فيهم روح تشريع حلولية فروح التشريع الإلهي قد حلت في الحاخام أو رجل الدين فبها يشرع للجماعة ولا يطيق أحد رد حكمه إذ يَرُدُّ على السماء حكمها ، فالكهنوت ، عند التدبر والنظر ، لا يقتصر على النصرانية وإن ازدهر في ظل حكومة الإكليروس ! ، وإنما الكهنوت ظاهرة إنسانية باعثها الطغيان الذي جُبِلَ عليه الإنسان والذي لا يحسم مادته إلا الوحي فهو المرجع المجاوز للعقل والذوق وسائر رغبات النفس أن تسيطر وَتَتَحَكَّمَ في غيرها فتلك شهوة استبداد قد جبلت عليها النفوس لا سيما إن امتلكت الأسباب ، فلعل نفوسا كثيرة لا تظلم لا أنها تعف مع القدرة ، بل لِعِلَّةٍ لا تظلم ، فيصدق فيها قول أبي الطيب :
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ******* ذا عفة فَلِعِلَّةٍ لا يظلم .

فإذا طغت النفس فإنها تنكر مرجع الوحي المجاوز ، وهو ، عند التدبر والنظر ، مرجع محكم قد سلم من وصف الطغيان وَانْتَفَتْ في حقه جناية التحيز فلا يظلم أحدا إذ لا يفتقر إلى سبب ليسعى في تحصيله على وجه يلجئه في أحيان كثيرة أن يظلم غيره وَيَبْغِي عليه وإن تأول لذلك ما تأول أن يخرج هذا الظلم على أصول العدل ! ، فذلك فعل التأويل الباطل الذي يبلغ في أحيان حد التأويل الباطن في ظل ما تقدم من نظريات غلت في التأويل في القديم وفي الحديث فأعادت حد الفضائل والرذائل على وجه يخالف أحكام الشرائع بل وأحكام العقول الصريحة والنفوس الشريفة التي تستنكف أن تجعل مناط أمرها لذة حس تنحط بها إلى دركة الحيوان الأعجم فتكون اللذة هي الثابت المقدس في باب التحسين ، ويكون الألم ، في المقابل ، هو الثابت المقدس في باب التقبيح ! ، فما خلق الإنسان إلا ليأكل ويشرب وينكح فهو يضاهي الحيوان وذلك ما بشرت به نظرية التطور فقد أعطت الذريعة لكافة المذاهب الأرضية أن تستلب من الإنسان جوهر الحرية إذ نزعت منه خاصته الشريفة خاصة العقل والاختيار وألحقته بقبيل الحيوان فلا إرادة ولا اختيار إلا ما يشبع الغرائز وذلك ، بداهة ، ما يستقبحه كل عاقل شريف إلا من رضي خطة الخسف فآمن أن أصله كان القرد ! ، أو الخلية الأولى فَنُزِعَ منه معنى التفضيل وانحطت غاياته في إشباع الحاجات المادية فهو حيوان كسائر الحيوانات وإن كان ينطق ويفكر *** يستفد بهذه الملكات العقلية إلا أن يحصل الحاجات المادية ، فمرجعه ، كما ينوه بعض الفضلاء ، المرجع المحايث الذي يخضع لحيثية الزمان أو المكان ، فهو مرجع نِسْبِيٌّ يَتَفَاوَتَ تَبَعًا لتفاوت العقول وتفاوت الحاجات المادية ، فيقع الاضطراب والتصارع ، إذ قصر النظر في مدارك ا*** ، دون نظر في معنى شريف يجاوز العقل ، فذلك مرجع الوحي الذي يحسم ما يكون من التنازع بَيْنَ العقول وذلك ما يُفْضِي لا محالة إلى التَّصَارُعِ ، بما قضى به الرب ، جل وعلا ، من سنة التدافع ، فثم ح** الوحي الذي رضي الوحي مرجعا يجاوز العقل ، وثم ح** الوضع الذي ارتضى العقل مرجعا محاثيا يأرز إلى الحيثية النسبية ، الزمانية والمكانية ، وذلك ما يستوجب ، كما تقدم في مواضع سابقة ، أن تكون ال**ابرة بعد الصبر ، فجاء الأمر أن : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فاصبروا على أهواء العقول وأذواق النفوس التي تروم الخروج عن الوحي فذلك جهاد النفس ابتداء ، ثم عطف الشطر الثاني وهو **ابرة من يروم الخروج عن الوحي بما يحدث من مراجع متجاوزة تأرز آخر أمرها إلى الهوى والذوق ، فاستجمع السياق شطري القسمة ، فالعطف ، كما تقدم ، إما أن يكون عطف لازم على ملزوم ، فالصبر حتم لازم في **ابرة المخالف ، فيجري مجرى التعاطف بين الأسباب والمسبَّبات ، وإما أن يكون من باب الاستيفاء لقسمة العقل : جهادا للنفس ثم جهادا لغيرها ، ثم كان الأمر بالتقوى ، فذلك يجري مجرى التعاطف بين الخاص والعام ، فعطف الأمر بالتقوى الأعم على الأمر بالصبر وال**ابرة والمرابطة فهي ، أيضا ، لازم من لوازم ال**ابرة فالصراع على جولات تَتْرَى إن في ميادين الدرس حجة وبرهانا ، أو في ميادين القتل سيفا وسنانا ولكل ميدان **** يلائمه على وجه يحصل به مراد الرب ، جل وعلا ، من سنة التدافع التي يُظْهِرُ بها ، جل وعلا ، من آثار جلاله وجماله ما يستوجب الثناء المطلق فلا يستحقه إلا الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، ومن ثم ختم بالعلة : (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ، فَـ : "لَعَلَّ" في هذا السياق مئنة من التعليل على تقدير : لتفلحوا ، ولا يخلو الاستئناف بها أن يكون جوابا عن سؤال عن علة ما تقدم من أوامر ، فقد دل عليه السياق اقتضاء فجاء الجواب بالنص على العلة فما شرع من الأوامر آنفة الذكر عِلَّتُهُ أن يحصل لكم الفلاح الذي حد على جهة الرجاء لا أن الله ، جل وعلا ، يرجو من عباده ما ينفعه ، فلا ينفعه ما يكون من طاعة ولا يضره من يكون من عصيان وإنما يرجو لعباده الخير رأفة بهم ورحمة ، ولا تخلو المضارعة ، كما تقدم مرارا ، من دلالة الديمومة والاستمرار فضلا عن استحضار الصورة فكل أولئك مما يقرر المعنى ويؤكده .

والله أعلى وأعلم .