rss
03-03-2017, 06:00 PM
من آية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ .........)
ومن قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) :
فجاء التوكيد بالناسخ "إن" ، وَأُنِيطَتِ الفائدة بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة : "لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا" ، وتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يرجون" مئنة من العموم وذلك آكد في تقرير الجناية التي استوجبت الذم والوعيد ، وثم تلازم بين انتفاء الرجاء في لقاء الله ، جل وعلا ، في دار تجاوز هذه الدار ، وذلك ما يستلزم رفض العقل أي مرجع يجاوز الوحي فإن مناط الأمر هو إنكار ما وراء الطبيعة التي يدركها ا*** الظاهر فنصبت هذه المذاهب العداوةَ للوحي ، فهو خرافة الكهنوت ، فكان الفصام النكد بين الطبيعة وما وراءها فثم من اقتصد في العداوة ! ، إن صح أن في العداوة اقتصاد ، فَثَمَّ من اقتصد فَرَامَ الفصل الناعم بين الدين والحياة أن يكون ثم ثنائية ذات قطبين تنشطر فيها رؤية الناظر بين سلطة روحية أخروية ، وسلطة زمانية دنيوية ، فَيَخْرُجُ ناموس الحياة عن ناموس الشرع ، فيجد الناظر ، كما يقول بعض المفكرين ، يجد ثُنَائِيَّةَ الروح والبدن في العبادة ، فعناية الوحي ، وإن في العبادة المحضة ، لا تقتصر على الروح ، كما في المذاهب الروحية التي تَغْلُو في الزهد والرياضة ، فيكون إهمال البدن وتقذيره سَبَبًا في انْتِعَاشِ الروحِ ، فجمع الوحي الخاتم تزكية الروح وتزكية البدن بطهارة ا*** ، فالوضوء في نفسه عبادة فجانب التوقيف فيه ظاهر ، وَأَثَرُهُ في الخارج ظاهر ولا يخلو من دلالة لطيفة في المعنى فالمتوضئ يطهر جوارحه مما اكتسب بها من آثام ، وذلك معنى يرمز لوحدة الإسلام فمرجعه يعم الباطن والظاهر ، فهو مرجع روحي ومرجع تشريعي ومرجع سياسي ، وذلك ما يقض مضاجع الخصوم فإن الإسلام يقدم نظرية متكاملة تصادم القيم الفكرية التي تقوم عليها الحضارة المركزية المعاصرة فهي تقوم ، كما ينقل بعض الفضلاء عن منظري السياسة والحرب في المركز ، تقوم على مزيج مركب من قيم اليهودية والنصرانية الدينية لا سيما في الطرح البروتستانتي وثيق الصلة باليهودية وهو طرح يَتَبَنَّاهُ القطب الأوحد في هذا العصر ، وتقوم ، أيضا ، على قيم الرأسمالية الاقتصادية ، وقيم نقاء اللون والعرق العنصرية ، فهذه القيم قد صارت مهددة بالفناء بعد فشل الرأسمالية في تحقيق الرخاء الاقتصادي وهو ما يرجو المركز الذي لا يرجو لقاء الرب ، جل وعلا ، فقيم الإيمان باليوم الآخر قد اختزلت في فردوس أرضي أو ملك ألفي بروتستانتي لا ينظر فيما وراء الطبيعة فنظره يقتصر على هذه الدار في مقابل نظرة كنسية تَسْتَنْكِرُ أي معنى اجتماعي سياسي فقد أقامت بنيانها على مفاهيم رهبانيةٍ انعزاليةٍ تَرَى التلبس بالشأن الدنيوي ، ولو في عادات الجبلة من الطعام والشراب والنكاح ، تَرَاهُ نقصا في مفهوم التدين ذي الجوهر الروحي الخالص ، فَالنَّصْرَانِيَّةُ ، كما يُنَوِّهُ بعض المفكرين ، تَرَى الاجتماع في الصلاة ، في مراكز تضاهي التجمعات السياسية الفاعلة ، تَرَاهُ أمرا يعارض جوهر الصلاة ، إذ اختزل معناها في الشعيرة الفردية دون نظر في البعد الأخلاقي : الاجتماعي والسياسي ، وذلك ما يلائم النصرانية ذات الجوهر الروحي الغالب مع إهمال ظاهر لأمر الدنيا ، فكان الرُّكُونُ التَّامُ إلى جَانِبِ العبادة في مقابل طرف آخر غلا فِي الرُّكُونِ إلى الدنيا والاطمئنان بها فيدخل في عموم الآية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، فكان ثم من ركن إلى الآخرة ، فاستغرقه الجوهر الروحاني للتدين على وجه كرس العزلة غير المبررة بين الدين والدنيا ، وذلك ما عمق الهوة بين الأولى والآخرة ، فلا يمكن للإنسان أن يجمع بينهما ! ، فإما أن يكون روحانيا خالصا ، وإما أن يكون شهوانيا خالصا ، فإما أن تنتصر نفخة الروح النورانية بالضربة القاضية ! ، وإما أن تنتصر قبضة الطين الأرضية بذات الضربة القاضية ! ، *** تحسم اليهودية الجولة ، وإنما عمقت الهوة وانتصرت للجانب المادي الطيني فكان طرحها العلماني ظاهرا ، وكذا صنعت المسيحية فكانت الهوة المتسعة بين الدين والدنيا ، فانتصرت للجوهر الروحاني اللطيف وصيرت الروح الدينية هي الروح الفردية الانعزالية روح التدين الخاص الذي لا يغادر حيز الفرد فيؤثر في الجماعة ، وذلك تكريس آخر للعلمانية اللادينية على وجه يجوز فيه التصالح مع المذاهب المادية فإن الدين قد رضي اختيارا أن يغادر ساحة الفكر والسياسة والاقتصاد ، فصار دينا روحانيا بعد تقليص جرعة السياسة والحرب على وجه أفضى إلى تعطيل وظائف الحياة فلا يقوم بها رهبان قد انقطعت بهم السبل في الصوامع وَالْبِيَعِ ، فَشَغَلَتْ المذاهب المادية التي تنكر الماورائيات الغيبية كالدار الآخرة ، إن تصريحا أو تلميحا ، شَغَلَتْ هذه الوظائف الشاغرة فلا بد من نظام حكم وسيطرة يدير الشأن العام ، سماويا كان أو أرضيا ، فإذ قصر الدين عن ذلك فلا بد أن يكون ثم بديل ، فكانت العلمانية اللادينية هي البديل السياسي لدين انسحب من الحياة طوعا وَانْزَوَى في الكنائس رغبة في الآخرة فمن يطمئن بها لا يطمئن بالدنيا على وجه يحصل فيه انشطار المرجعية ، فمرجعية الآخرة الدين ، ومرجعية الدنيا العلمانية على وجه حصل فيه التهادن وإن شئت الدقة فقل التقاسم للغنائم فَنَمَا دور الكنيسة الروحاني الذي يمارس الاستبداد باسم الدين ، ونما دور البلاط السياسي في القرون الوسطى فاستبد بأمر الحكم الدنيوي أو السلطة الزمانية ، وكانت القسمة الضيزى ، قسمة الآخرة فلها رجالها والدنيا فلها رجال آخرون ، فأفضى ذلك إلى انشطار آخر في المرجع الأخلاقي ، فثم أخلاق التصوف والرهبنة التي تقوم على إنكار الذات على وجه يخالف عن فطرة التكوين فهو يجحد احتياجات رئيسة لا قيام للدنيا ولا صلاح لشأن الحياة إلا بها على وجه لا يلام فيه الإنسان ولا يعاب ، وثم أخلاق السياسة وهي أخلاق براجماتية لا تقيم وزنا إلا للمنفعة العاجلة ، فكان ثم رجال سياسة ورجال دين ، وكان ثم رجال إكليروس أو علم لاهوتي ، ورجال علم تجريب على وجه يحصل فيه التعارض فلكلِّ باب رجالاته على وجه لا يجوز فيه الجمع فهو جمع بين متناقضين ! ، فمن أراد الدنيا فلا تنال إلا بإهمال الآخرة ، فلا يرجو أهل الدنيا الآخرةَ فقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، كما في الآية محل الشاهد : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، ومن أراد الآخرة فلا تنال إلا بإهمال الدنيا على وجه تضطرب به الأحوال وَتَعُمُّ الفوضى ، خلافا لما هي الحال في الدين الخاتم الذي حقق الغاية العظمى ، الجمع بين الدين والدنيا فكان له طرح فكري وأخلاقي شريف يعزز قيم الإيثار والبذل والتضحية التي يمارسها الفرد اختيارا بمشاعر حس وإرادة فلا يمارسها بآلية لا تعقل ولا تدرك أبعادًا تجاوز أبعاد المادة ، وإنما تَرُومُ بها معنى شريف تعظمه النفوس فضلا أنه سبب في رضى الرب المعبود ، جل وعلا ، فكان ثورة في الدين ، إن صح الاصطلاح ، فقد أعاد حد القيم والمبادئ وَعَيَّنَ المقاصد الشريفة ، وكان ثورة في السياسة والحرب إذ أعطاهما بعدا أخلاقيا لم يخرج بِهِمَا إلى فضاء مثالي حالم ، ولم ينحط بهما إلى دَرَكَةِ البراجماتية النفعية ، فلا تعالج مشكلة كالفقر ، كما يقول بعض المفكرين ، لا تعالج بإجراءات اقتصادية محضة تنقل الملكية من فرد إلى آخر فهي ضريبة إجبارية أو قرار سياسي سيادي يروم تحقيق العدل بالأمر المباشر ! ، وربما أراد الدعاية السياسية لا أكثر ، كما قد صنعت بعض أنظمة الاستبداد في الشرق بعد أن استلمت الحكم وإن شئت الدقة فقل : بعد أن استلبته من منظومة سياسة مترهلة قد أصاب الفساد جوهرها فانتقل الناس من حال فاسدة إلى حال أفسد إذ قصرت أنظارهم أن يدركوا جوهر الداء فاشتغلوا برصد أعراض الظاهرة السياسية دون النظر الأدق في جوهر الإشكال الذي أفضى بالجماعة الشرقية الإسلامية إلى هذه الحال فصارت تروم الخلاص من نظام فاسد فاستبدلت به أفسد إذ لم تراجع الوحي مرجع القيم والأخلاق التي بها ازدهر الشرق وحقق الكفاية السياسية والاقتصادية فضلا أنه نجح فيما أخفق فيه الغرب من المزاوجة بين الأولى والآخرة ، فكان رجوعه إلى وحي انتظم أمر الإنسان ، فزاوج بين روحه وبدنه على نحو دقيق محكم ، فجمع ، كما يقول بعض المفكرين بين الشرطين المتعارضين ، أو هكذا تصور من تصور ، أقصى الإنسانية التي تَرُومُهَا الأديان الروحانية ، وأقصى الكفاءة التي تَرُومُهَا المذاهب الأرضية ، فانحل الإشكال الذي أرق الإنسان إذ فشل في تحقيق التوازن بين احتياجاته الروحانية واحتياجاته البيولوجية ، فمن غال في جانب الروح على وجه أهمل به جانب البدن ، ومن آخر غلا في الطرف الآخر ، فافتقد الإنسان التوازن بَيْنَ الروح والمادة ، فلا تنحل مشكلات الاقتصاد بقرارات سياسية سيادية تنزع الملكية دون أن تَنْزِعَ من النفوس قم الأثرة والجشع والأنانية ، فذلك ما قد جربت المذاهب الاشتراكية فجعلت العدل في القسمة مع كبت غريزة التملك في الفرد على وجه يضاد فطرة الإنسان ! ، جعلت ذلك هو الغاية التي تصلح الحال بعد أن أثارت غريزة الحقد في نفوس الطبقات الكادحة على الطبقات الغنية فكان الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي أفضى إلى سلاسل متصلة من الحروب الأهلية التي شنت بذريعة القضاء على الرجعية الدينية التي تمثلها الكنيسة خاصة والدين عامة ، فالعلمانية اللادينية ، سواء أكانت رأسمالية قضت على الإقطاع الزراعي وأفسحت المجال للبرجوازية طبقة صغار الملاك لل**انع والمعامل فهم النخبة الجديدة التي حلت محل الإقطاع الرأسمالي ذي الملكية الواسعة فجاءت الملكيات الصناعية الأصغر في إطار عملية التحول الاقتصادي من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي ، جاءت هذه الملكيات الجديدة لتملأ الفراغ الذي نجم عن انهيار طبقة الإقطاع ، فنجحت الثورة العلمانية اللادينية في القضاء على الدين وطبقة كبار الملاك ، وذلك ما أفسح المجال لملاك جدد وهم ملاك ال**انع والمعامل الذين خاضوا التجربة الاقتصادية الجديدة بروح مغامرة هي روح اليهودية المقامرة وهي ، مع ذلك ، لا تضع استثماراتها في مشاريع فاشلة فامتلكت الجرأة في هذا الظرف السياسي والاقتصادي المضطرب أن تخوض التجربة الجديدة التي نجحت وأحدثت انتقالا لمركز الثروة إلى طبقة جديدة من الملاك كان يهود عمادها ، فأحكموا سيطرتهم على مجتمعات ما بعد الثورة وذلك مشهد تكرر في فرنسا الملكية الكاثوليكية وروسيا القيصرية الأرثوذكسية ، على اختلاف في جرعة العنف ، فكانت التجربة الفرنسية لاستئصال الإقطاع دون البرجوازية فالعنف فيها قد طال نخبة بعينها ، ثم كانت التجربة الشيوعية التي رامت استئصال كل صور الملكية فكان العنف أكبر وكان سيل الدماء أغزر ، فلا يحل الإشكال بحزمة قرارات سياسية تفتقر إلى البعد الأخلاقي الذي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، فقيم التكافل الذي يجاوز إطار النفعية فليس دور رعاية تمارس العمل العام ممارسة الدولة الوظيفية دون نظر في معنى أسمى ، فقيم التكافل الذي يجاوز هذه النظرة المادية هي وحدها ما يحسم مادة الأثرة والأنانية التي تسيطر على الإنسان في المجتمعات الرأسمالية ، فمنظومة الزكاة الشرعية منظومة تطهير للنفس من أخلاق الشح والأثرة وذلك معنى يجاوز معنى الضريبة في الدولة المدنية الحديثة فكثير يدفعها مكرها وَيَرُومُ التحايل عليها إذ لا يستحضر إلا رقابة المؤسسات الوظيفية فهي شاهدة حاضرة دون رقابة الغيب .
وتعاليم الرسالة في هذا الباب هي ، عند التدبر والنظر ، مادة خير ظهرت آثارها في منظومة كمنظومة الوقف الإسلامي الذي يحقق معنى التكافل وهي منظومة ذات أثر فاعل في تاريخ الإسلام يحقق الكفاية العامة إذا أحسنت الدولة إدارتها ، وهو ما طرحه بعض اقتصادي الغرب ، فصلاح الأمر في ترشيد الدعم لا في إيقافه بزعم أنه يفسد الناس إذ يعلمهم الكسل والخمول ، فلا بد من إيقافه وتقليص دور الدولة في الخدمات الاجتماعية ، وذلك ما يؤذن بأزمة إنسانية فضلا عن الأزمة الأخلاقية إذ تكرس هذه السياسة في النفوس مشاعر الخوف والأثرة فكل يخشى أن يمرض أو يعجز عن الكسب فليس ثم دولة تَرْعَاهُ وليس ثم مفهوم متكامل للعمل الخيري يجمع شطري الروح والمادة فغاية الأمر أن تنتظم مؤسسات العمل الأهلي في سلك وظيفي يفتقر إلى مضمون أخلاقي يجاوز هذه الدار ، فإن نظرية الفردوس الأرضي هي النظرية المهيمنة على العقل الجمعي في المركز وهو ما عَظَّمَ الإشكال الذي يظهر الآن في النظرية الرأسمالية على وجه جعل بعض نظار المركز يعيد النظر في هذا الطرح وإن لم يجاوز البعد الاقتصادي فليست مراجعة أخلاقية لقيم الرأسمالية وإنما هي مراجعة اقتصادية تروم حماية الاقتصاد الوطني من تأثيرات العولمة كما يظهر الآن في الطرح الجمهوري الذي يحكم المركز ، وبدون المراجعة الأخلاقية تفقد البرامج الاقتصادية ذات الطابع الاجتماعي تفقد قدرا كبيرا من زخمها وإن أحدثت صلاحا ظاهرا لا يمكن إنكاره في المجتمعات التي أقامت شبكات محكمة من الأمن الاجتماعي فوفرت قدرا مناسبا من الخدمات العامة ، فالدراسات الاقتصادية المعاصرة قد أبانت أن الدولة التي تضيق فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء هي الأكثر تَفَوُّقًا ، فدول أوروبا التي تجعل لمنظومة الحكم دورا رئيسا في الرعاية الاجتماعية ، أكثر استقرارا من دولة المركز الأقوى ، فالقوة لا تكافئ الاستقرار دَوْمًا ، فلا يوجد تصادم بين العطاء الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية كما يقرر بعض علماء الاقتصاد في المركز ، فكيف إن زِيدَ في هذه النظرية البعد الإنساني الأخلاقي الذي يجاوز طرح الفردوس الأرضي العاجل الذي رضي به المركز واطمئن ، كما في الآية محل الشاهد ، فالنظر في الدار الآخرة طرح أخلاقي أسمى يجمع لصاحبه الثنائية القطبية ، الدين والدنيا ، وهي ، كما يقول بعض المفكرين ، ثنائية : آمن وافعل خيرا ، فآمن شطر الروح ، وافعل خيرا أثر الإيمان الذي يظهر في عمل الصالحات على وجه تكتسب به الأخلاق بعدا روحيا شريفا يجاوز البعد المادي في الأخلاق البراجماتية التي لا تعنى إلا بالنتائج دون نظر في البواعث النفسانية .
وثم بعد آخر يشير إليه بعض المفكرين وهو جمع الوحي لقيم الفن وهي قيم معنوية ، وقيم التكنولوجيا وهي قيم مادية ، وذلك ما يظهر في فن المعمار الإسلامي ، على سبيل المثال ، فإنه يتخطى الجانب الوظيفي المادي ، وهو في نفس الآن ليس فنا تجريديا لا وظيفة له في الحياة ، بل جمع شطري الثنائية القطبية ، الروح والمادة ، الجمال والوظيفة ، فصاحبها يَرْجُو لقاء الرب ، جل وعلا ، وهو مع ذلك يمارس أعمال البناء والتشييد في هذا الكون ، فعمارة الأرض غَرَضٌ شريف بل ومقصد رئيس من مقاصد التشريع ، فالوحي ، كما يقول بعض المفكرين ، يخاطب العقل جوهر ا*** الغائب الذي لا يدرك با*** الظاهر وإن وجد الإنسان آثاره في الفكر والإبداع فضلا عن قيم الإيمان والأخلاق فهي القيم السابقة وهي الركائز التي يقوم عليها أي كيان سياسي راسخ ، إذ يجمع الغاية العظمى والوسيلة المثلى التي لا يستجيز صاحبها المخالفة عن الوحي فيتأول الأمر والنهي على وجه يخالف فيه عن منهاج العمل الصالح وهو شاهد الصدق على دعوى الإيمان في الجنان فآثارها تظهر في حركات الجوارح النافعة ما خص الفرد سَعْيًا وَكَسْبًا وعم الجماعة سياسةً وحكمًا ، وذلك ما ضَرَبَ له بعض المحققين المثلَ بالكتاب والسنة ، فكتاب الوحي المعجز منظومة قيم عليا تضع الخطوط العريضة في أمور الفكر والسياسة ، والسنة تأويلها إذ أبانت عما أجمل منها ، فهي الوحي المبيِّن للوحي المتلو المقروء الذي يتعبد البشر بألفاظه ، فجاء ذكر السنة التي أبانت بالقول والعمل والإقرار فَجَاوَزَتْ حد الفكرة النظرية المجردة إلى الشرعة العملية المفصَّلة التي استغرقت سائر أحوال الفرد والجماعة ، وسائر محال الفعل والإرادة ، فحصل التكامل بين القرآن وهو وحي التلاوة لفظا ، ووحي السنة وهو وحي الفعل الذي يصدق القول ، فجاء ذكر السنة يُبَيِّنُ ما نَزَلَ من ذكر القرآن ، فعظمت المنة بشطري القسمة في التشريع على وجه استغرق شطري القسمة في التكليف ، قولا وعملا ، فتلاوة الألفاظ أولا ، ولا تكمل فتكون حق التلاوة إلا أن تشفع بتلاوة الجوارح أن تتأول أحكام الشرائع بامتثال الأمر والنهي ، فعلا وتركا ، فجاءت المنة في آية النحل أن : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، فحسن إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين في "أنزلنا" مئنة من التعظيم فتلك أعظم مِنَّةٍ ربانية على البشر أن أَنْزَلَ لهم الربُّ ، جل وعلا ، الذَّكْرَ الذي يصلح الباطن والظاهر ، فهو الذي يضبط حركة الفكر والإرادة ، وحركة الحرب والسياسة ، ودلالة "أل" في "الذكر" تحتمل ، على وجه ، العهدَ الخاصَّ ، فهو ذكر السنة الذي به يُبَيِّنُ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نُزِّلَ من الوحي المجمل ، وهو وحي التنزيل فالأصل فيه الإجمال في الأحكام إلا في مواضع فصلت كأحكام الطلاق والرضاع والاستئذان والإرث ، فجاء التعليل باللام وهي نص فيه إذ نصبت الفعل في "لِتُبَيِّنَ" ورجح السياق هذا الوجه ، فخوطب صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوظيفة التَّبْيِينِ ، فتلك وظيفة تَلِي وظيفة التبليغ ، فَبَلَّغَ ذكر الكتاب وَبَيَّنَ بذكر السنة ، وذلك تَبْيِينٌ يعم كل موضع في التنزيل فتلك دلالة الموصول "ما" ، فأبانت السنة إذ أكدت ما نَزَلَ ابتداء ، فثم من السنة ما يؤكد ، وأبانت عن المجمل ، فَثَمَّ منها ما يُبَيِّنُ ، وقيدت المطلق ، وخصصت العام ، ونسخت من التنزيل على خلاف هل تنسخ السنة الكتاب وهو خلاف مشهور في كلام أهل الأصول ، فحصلت المنة العظمى بخطاب البلاغ الذي نَزَلَ باللفظ المعجز ، وخطاب البيان الذي توجه إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أول من يتوجه إليه خطاب التكليف عموما ، وخطاب التبليغ والتبيين خصوصا ، وإن كان لغيره منه حظ ، فإن كل من تحمل هذه الرسالة لفظا ومعنى فَوَعَى منها ما ينفع ، فيجب عليه من البلاغ ما به الذمة تَبْرَأُ ، فـ : "بلِّغوا عني ولو آية" ، وأمر البلاغ ، عند التدبر والنظر ، يستغرق أمر البيان فإنه لا يبلغ إلا ما يفقه وإلا ضر من حيث أراد أن ينفع ، وقد يقال إن ذلك إنما يكون في باب الفتوى ، وأما في باب الرواية للألفاظ فلا يشترط فقه المعاني إلا بقدر ما يؤمن به الخطأ في النقل فلا يشترط أن يكون الراوي مجتهدا في الفقه فإنه يروي ولا يفتي فمنصب الإفتاء يفتقر إلى نظر واستنباط زائد على نقل الألفاظ ، فالخبر ، من هذا الوجه ، لا يخلو من دلالة الإنشاء أَنْ : بَيِّنْ للناس ما نُزِّلَ إليهم على وجه تحصل به الكفاية في العلم والعمل ، فيصح عقد التوحيد بالصدق ويصح حكم التشريع بالعدل على وجه تحصل به التلاوة التامة لفظا ومعنى فلا يقتصر الناظر على تلاوة الأماني لفظا دون فقه المعاني وتدبرها والعمل بها على وجه ينتظم أمر الفرد والجماعة ، وذلك ما يعزز في النفس البشرية ملكة النظر والتدبر ، وملكة التجريب في علوم الحياة ، فإن خطاب الوحي لم يقتصر على مثل نظرية دون أن تظهر آثارها في الخارج في العمل الصالح الذي تدخل فيه صنائع الدنيا النافعة فإن مباشرة المؤمن لها تغاير مباشرة الكافر ، فعند المؤمنِ من رصيد القيم والأخلاق الصالحة ما به يصلح أمر الدنيا والآخرة فيحقق الثنائية آنفة الذكر ، فباطن ينتحل وظاهر يمتثل ، فكان التحول ، كما يقول بعض المفكرين ، من الفلسفة الصوفية التي غلبت على مقررات المسيحية إلى التفكير العقلاني ، فكان التحول النافع كما يقول بعض رواد العلوم التجريبية وهي علوم إسلامية أصيلة أقر بأصالتها الإسلامية كثير من التجربيين في عصر النهضة الأوروبي ، كان التحول النافع من التجريد في الذهن إلى التعيين في الخارج ، من الركود في أفكار نظرية لا أثر لها في الحياة فدعوى الفكر والإيمان لا تكمل إلا أن تترجم في الخارج إلى أعمال صالحة نافعة ، دينية ودنيوية ، فذلك غرض الرسالة الرئيس أن يجمع المكلف شطري الثنائية ، العلم والعمل ، فيحقق معنى العبادة الأعم الذي لا يقتصر على العقائد والشعائر وإنما يجاوز ذلك فهو نظام الحياة في كل شأن خص أو عم ، فكان الانتقال من الركود إلى الإبداع الذي يباشر علوم ا*** والتجريب دون أن يوغل في المادية فيقع في شَرَكِ العلمانية اللادينية التي تستفز النفوس بطرائق البحث والتجريب فإنها لا تؤتي أكلها إلا أن تكون خادمة لغرض أشرف وهو رضى الرب المعظَّم ، جل وعلا ، فلا تنفع صاحبها إن كان ممن لا يرجو لقاء الله ، جل وعلا ، فرضي بها واطمأن فتلك خطة خسف تنحط بصاحبها إلى دركة مادية سفلى ، فَزَكَّى الوحي في النفس ملكة النظر والاستنباط فمارس فنونا من الاجتهاد إن في الشرائع أو في الصنائع فجمع ، كما تقدم ، شطري القسمة التي عجزت النصرانية الروحية واليهودية المادية أن تجمع بينهما ، فكانت تلاوة الوحي حق التلاوة على وجه أدخل صاحبه في عموم قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، فجاء التوكيد بال**در أو نائبه "حق تلاوته" ولا يخلو أن يكون مُبَيِّنًا لنوع عامله "يتلون" فلا تجزئ أية تلاوة حتى تبلغ أن تكون حق التلاوة فيصدق العمل القولَ على وجه يحل الإشكال الأخلاقي الذي يجده من غلا في الروحانيات فاقتصر على الجانب النظري *** يشفع تلاوة القول بتلاوة العمل ومن غلا في الماديات فانصرف إلى علوم الصنائع والتجريب دون أن يكون له رصيد من قيم الأخلاق والدين .
فجاء الذم صدر آية يونس ومناط الحكم ، كما تقدم ، المعنى الذي اشتقت منه الصلة "لا يرجون لقاءنا" ، فقد اقتصر النظر على العاجلة ، فجاء الزجر في موضع آخر من التنزيل ، فـ : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) ، فثم مقابلة بين الشطرين على حد التلازم ، ولا يخلو من دلالة الطباق إيجابا بين الألفاظ ، فثم طباق إيجاب صريح بين "العاجلة" و "الآجلة" ، وثم طباق باللازم بين "تحبون" و "تذرون" ، فإن ترك الشيء مئنة من بغضه وكرهه ، والكره يطابق الحب في اللفظ صراحة ، ولا يكون ذلك إلا بالمخالفة عن النقل الصحيح بل والعقل الصريح إذ قدم ما حقه التأخير من العاجلة الفانية ، وَأَخَّرَ ما حقه التقديم من الآجلة الباقية فخالف عن قياس العقل الصريح فضلا عن مخالفته لنص الوحي الصحيح ، وذلك ما ورد صدر الآية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) ، فمن لا يرجو الآخرة إذ يلقى الرب ، جل وعلا ، وذلك أشرف ما يروم العاقل فضلا عن المؤمن الفاضل ، فهو أمر عظيم تحسن إضافته إلى ضمير الفاعلين في "لقاءنا" مئنة من التعظيم ، فمن لا يرجو ذلك فهو يرضى بهذه الحياة الدنيا ويطمئن بها ، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فهو ، من وجه آخر ، يدخل في عموم الإنكار والتوبيخ في استفهام الكليم عليه السلام : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ، فذلك فعل من كثف طبعه وغلظ قلبه فصار على طريقة يهود المادية التي أهدرت القيم الروحية *** تعد ترجو ما وراء هذا العالم ، فأنكرت الغيب وصيرته ، كما تقدم ، خرافة ميتافيزيقا ، فلا تؤمن إلا بما تجد با*** الظاهر في انحطاط عظيم بقيمة الإنسان الذي فضل على سائر الكائنات بهذه الخاصة الشريفة ، خاصة الإيمان بالغيب الذي لا يتلقى إلا من مشكاة الوحي والذي أجاب عن أسئلة ال**ير التي تؤرق النفس حتى تجد لها جوابا تطمئن به فلا تطمئن النفوس الشريفة بالحياة الدنيا ولا ترضى بها عوضا عن الآخرة فهي خير وأبقى ، فلا تؤثر هذه الحياة الدنيا على وجه يدخلها تحت طائلة الذم في قول الرب جل وعلا : (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، فكان إضراب الانتقال على وجه لا يبطل ما تقدمه فالصلاة والذكر في قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) معان شريفة بل وفرائض أكيدة فانتقل بالإضراب لحكاية حال تعم إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، ممن آمن بالوحي فاتخذه منهاجا في التصور والحكم ، فصح تصوره بأخبار الوحي التي أبانت عن حقائق الغيب مراد كل نفس شريفة تجاوز أعتاب الجبلة الكثيفة فلا يقتصر نظرها أن تحصل أسباب الحياة التي وصفت بالدنيا في كلا الموضعين مئنة من التحقير في مقابل الآخرة فهي : (خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، فأطلق اسما التفضيل مئنة من العموم فهي خير في الوصف وأبقى في القدر فلا تفنى أبدا ، فاستجمعت الفضل في الماهية والكيف ، والقدر والديمومة ، ولا يخلوان ، من وجه ، أن يكونا مما نُزِعَتْ دلالة التفضيل فيه إذ الدنيا لا خير فيها ولا بقاء إلا بقدر ما تُبَلِّغُ صاحبها الآخرة ، فـ : "الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا أَدَّى إِلَيْهِ، وَالْعَالِمُ، وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْخَيْرِ شَرِيكَانِ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ" ، فلا خير فيها ولا بقاء لها إذا ما قُورِنَتْ بالآخرة ، وإن كان في الدنيا خير ولها بقاء فذلك ، لمن تدبر ونظر ، لا يكون إلا بقدر الزاد في رحلة العبد إلى الدار الآخرة .
فجاء التلازم صدر الآية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، فمن لا يرضى بالآخرة فينكر الغيب وما وراء هذا العالم فيخاصم الأديان جميعا لا سيما الدين الخاتم الذي جاء بجمل مفصلة من الغيب ، فمن تلك حاله فهو راض بالأدنى على وجه يخالف طريقة القياس الفضلى فيطمئن بهذه الحياة ويجعل تحصيل أسبابها ومباشرة لذاتها هي غاية ما يطمح ، فضلا أنه يروم نزع القداسة عن كل نص منزَّل ، فَيَنْسِبُ نفسه إلى كل ما هو أرضي إذ يستنكف أن يُنْسَبَ إلى الغيبي ، مع أن شرف النوع الإنساني لا يحصل إلا بذلك فهو مادة فكر ونظر بها فَارَقَ الإنسان ذو العقل الكامل سائر الخلائق من البهائم والجمادات ، فلا تدرك من الغيب ما يدرك الإنسان بما ركز فيه من العقل ، مناط التشريف والتكليف ، فأحدث الإنسان إذ أعرض عن الذكر أحدث من القيم الأرضية ، قيم العلمانية اللادينية ما يروم به نزع القداسة عن الوحي بإنكار الغيب وما وراء هذا العالم وسلوك جادة من التأويل تبطل مرجعية الوحي وتجعل المقدس مدنسا إذ تزعم أن اللغة ليست طريقا محكمة في درك الغاية من النص فهي تجهد في تفكيك أوصاله وإعادة تجميعه على وجه يواطئ هوى الناظر ! ، وهي ، مع ذلك ، تمارس من الاستبداد والتحكم ما تزعم أنها تناهضه فهي تنكر المطلق وتجعل إثباته أصولية وتعصبا في الفكر ، فتزعم أنها لا تحتكر الحقيقة كما احتكرها الوحي مع أنها من وجه آخر ، كما ينوه بعض الفضلاء ، تُبَشِّرُ أن الرشد إنما يوجد في حقيقتها التي تملك رصيدا من التجارب في عالم المادة ! ، فقد قصرت أمرها ، كما تقدم ، على جانب المادة دون أن تجاوزه فَتَرْقَى بمداركها إلى باب الغيب : خاصةِ الإنسان الرئيسة ، فذلك باب توقيف لا ينال ، كما تقدم مرارا ، إلا من مشكاة التنزيل.
وزيد في الوصف ذما على جهة الإطناب بتكرار الموصول في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، ودلالة الموصول "الذين" ، كما تقدم مرارا ، دلالة عموم كما قرر أهل الأصول ووجه التغليب فيه ظاهر لقرينة العموم في خطاب التكليف الذي يتوجه إلى كل من يصح تكليفه ذكرا كان أو أنثى ، ولا يخلو العطف في هذا الشطر من دلالة التلازم ، أيضا ، فإن ما تقدم من عدم الرجاء في لقاء رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، والرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان بها ، كل أولئك لازمه في العقل الصريح الغفلة عن آي الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، إذ من تلك حاله فهو ينكر الغيب في الجملة فقد قصرت مداركه أن يقيم في هذه الدنيا فردوسا أرضيا لا دار وراءه فهو آخر ما يطمح وبئست الهمة السافلة التي لم تجاوز دركة الدار الفانية ، ولا يخلو العطف ، من وجه آخر ، أن يكون عطف السبب على المسبَّب على حد التعليل فلا يكون ما تقدم من عدم الرجاء في الآخرة والرضا بالدنيا إلا إذا غفل الإنسان عن آيات ربه ، جل وعلا ، فبها وحدها يصح التصور على وجه يحصل به الباعث الحثيث أن يلازم الناظر آي الذكر الحكيم تلاوة تعم ، كما تقدم ، تلاوة اللفظ باللسان وتلاوته بالأركان أن يمتثل أمره فعلا ونهيه تَرْكًا فَيُصَدِّقَ بِعَمَلِهِ قَوْلَهُ ، وثم وجه آخر أشار إليه بعض المعربين ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التلازم على وجه تحمل فيه الواو على الحالية بتقدير "قد" ، *** يرجوا لقاء الرب ، جل وعلا ، ورضوا بالحياة الدنيا حال كونهم قد اطمأنوا بها ، فَقُيِّدَ الشطر الأول بدلالة الحالية في الشطر الثاني ، فَالْوَاوُ في "واطمأنوا" قوله تعالى : (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) ، إما أن تكون عاطفة وإما أن تكون حالية وَفِي كِلْتَا الحالين يحصل البيان بالإطناب على حد التلازم بين الشطرين .
ولا تخلو دلالة الإضافة في "آياتنا" أن تعم ، فهم غافلون عن آي التكوين المعجز ، سواء أكان في الآفاق أم في الأنفس ، فخاصة التفكر خاصة المؤمن ، وهم غافلون عن آي التشريع المنزَّل الذي أخبر بالصدق عما وراء هذه الدنيا من دار ا***اب والجزاء الأوفى ، وحكم بالعدل في كل نَوَازِلِ الحكم والسياسة والحرب على وجه تصلح به الحال في هذه الدار *** يجعل الاشتغال بتحصيل الأسباب الدينية بصارف عن إصلاح الشئون الدنيوية فكان الثنائية القطبية آنفة الذكر على وجه تصلح به الحال والمآل جميعا فهو سبب السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة .
وهو ما أدركه أعداء الوحي *** يعد الحديث عن مكافحة تمرد عسكري أو سياسي يروم الخروج عن نظام المركز ، وإنما صار الحديث الآن عن مكافحة الرؤية الإسلامية التي تسكن ضمير الجماعة المسلمة ، فهي رؤية عامة لا تقتصر على جانب الروح فتهادن أرباب السياسة والحرب في إطار حضارة لا تقيم وزنا إلا لقيم المادة ، بل تَعُمُّ كل دقيق وجليل في هذه الدنيا أن تُصِيبَ فيه مراد الرب ، جل وعلا ، فيحصل لها ما تقدم من سعادة الأولى ونجاة الآخرة ، وذلك مطلوب كل مؤمن فلا تقتصر الرؤية الإسلامية على نخب السياسة والحرب في حركات الصحوة المعاصرة وإنما تعم الجماعة المؤمنة وإن كانت في أحوال كثيرة مُقَصِّرَةً فهي ، مع ذلك ، لا زالت تحتفظ بحد أدنى من القيم والمبادئ التي تهدد هيمنة المركز ففي النفوس طموح كامن ينتظر من يفجره فيستخرج منه مادة ديانة وسيادة تعيد للوحي وظيفته الرئيسة في ريادة الدنيا وردها إلى جادة الحق فيزهق باطل المركز الذي اقتصر طرحه ضيق الأفق على أسباب المادة ، فالغرض الرئيس وهو المطروح الآن في دوائر السياسة والحرب في المركز ، هو تقزيم هذه الفكرة التي تحفز النفوس وَتُعْلِي من همتها ، فلا بد من تحقير الذات الإسلامية باستعراض القوى الباطشة ، واصطناع العملاء الذين يبثون في النفوس خطاب التشاؤم الذي يقتل الطموح ويربط بذلك بخطاب آخر أشد خطرا ، وهو خطاب التجديد الذي يربط فيه المتكلم بَيْنَ تخلف الشرق وطريق الوحي ! ، فهو الخطر الرئيس على حضارة الغرب فلا يستقيم أمرها إلا أن تَزْرَعَ في الضمائر بغض الوحي وكراهة النفس أن تنتسب إليه خجلا أن توصف بالرجعية والتخلف والإرهاب والتطرف أخيرا ! ، ولا بد ، مع ذلك ، من مادة تسعر الحرب في الأطراف فتشغلها أن تقيم دولة الوحي فقيامها يؤذن بأفول شمس الغرب الذي أقام حضارته على معاداة الدين في الأطروحات العلمانية ضد الدينية ، أو تحييده وتوظيفه خادما في الأطروحات العلمانية اللادينية ، وفي كلتا الحالين لا يحصل المراد الرئيس أن يكون الوحي حكما يهيمن على كل كتاب أو شرع .
ولا تخلو الإضافة إلى ضمير الفاعلين في : (آيَاتِنَا) من دلالة تعظيم تواطئ الإضافة صدرَ الآية في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) ، فذلك من حسن التلاؤم بين أجزاء الكلام ، وقد قَدَّمَ ما حقه التأخير "عن آياتنا" مئنة من الحصر والتوكيد وعناية بالآيات فهي محل الفائدة في الخبر .
ومن ثم جاء خبر الناسخ وهو الحكم على من تَقَدَّمَ الإطنابُ في أوصافه ، فجاء الخبر على حد الاسمية في قوله تعالى : (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فالاسمية مئنة من الديمومة والاستمرار وذلك آكد في الذم ، فضلا عن دلالة الإشارة إلى البعيد في "أولئك" فهي مما يجري مجرى المشترك ، فَيُنَزَّلُ منزلة الأضداد إذ يدل على التعظيم تارة والتحقير أخرى ، وسياق الكلام هو القرينة التي تعين مراد المتكلم ، فدلالة الإشارة إلى البعيد في هذا السياق تنصرف إلى التحقير فذلك موضع ذم ووعيد ، ولا يخلو أن يجري على ما اطرد واشتهر في كلام العرب أن يُشَارَ إلى ما تقدم وانقضى من الكلام إشارةَ البعيد مطلقا سواء أقرب أم بَعُدَ ، ومن ثم أطنب في الخبر : (مَأْوَاهُمُ النَّارُ) ، فجاء ، أيضا ، على حد الاسمية مئنة من الثبوت والاستمرار ، فضلا عن دلالة القصر بتعريف الجزأين فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وهو قصر حقيقي يوجب حمل "أل" في "النار" على دلالة العهد الخاص ، فهي نار الخلد التي يدخلها الكافر كفرا أكبر سواء أكان أصليا أم نفاقا أم ردة ، ولا تخلو "أل" في "النار" ، أيضا ، من دلالة استغراق معنوي فهي تستجمع أوصاف الإيلام بالإحراق ، ولا تخلو من دلالة الاستغراق حقيقة فهي نيران كثيرة لكلِّ كافر منها دركة حقيرة .
ومن ثم ختم بالعلة على وجه يحترز به من الظلم فذلك مما تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، فـ : (مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ، فجاء التعليل بالباء في قوله تعالى : (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وهي مئنة من السببية ، ولا يخلو إيراد الكينونة الماضية من تسجيل للجناية *** يكن ذلك عرضا وإنما كان وصفا دائما على وجه انتفى به العذر بجهل أو خطـأ ، وزد عليه دلالة المضارعة فهي مما تستحضر به الصورة فذلك أيضا آكد في تقرير المعنى وتوكيده تسجيلا لجناية الكسب غير المشروع ، وثم إيجاز بحذف عائد الصلة المنصوب وهو مما اطرد في لسان العرب على تقدير : بما كانوا يكسبونه ، وقد تحمل "ما" ، من وجه آخر ، على ال**درية فيكون الإطناب إذ تؤول بال**در : بكسبهم ، فَرُفِدَ لفظه بـ : "ما" ال**درية وما دخلت عليه آخر الآية ، ودلالات التذكير في الإشارة وفي الضمائر في هذه الآية هي ، أيضا ، مما يجري مجرى التغليب فيعم كل مخاطب يصح تكليفه بقرينة العموم في خطاب التكليف ، ولا يخلو الخبر ذما بالوصف وبيانا للمآل الخاسر لا يخلو من دلالة إنشاء يَنْهَى ، فلا ترضوا بالحياة الدنيا ولا تطمئنوا بها لئلا يكون مآلكم المآل الخاسر في دار العذاب الدائم ، وذلك ما يستوجب بدلالة التلازم في العقل الأمر أن : ارجوا لقاء الرب ، جل وعلا ، فثم تلازم إن في الإخبار أو في الإنشاء ، فإن إثبات الشيء يستلزم نفي ضده ، والنهي عن شيء يستلزم الأمر بضده .
والكسب في هذا الموضع مما يحمل على الاكتساب الذي يكون على صاحبه وبالا ، فالكسب والاكتساب قد يجريان من هذا الوجه مجرى الاقتران والافتراق ، فإذا افترقا اتفقا في الدلالة ، فإن الكسب يعم ما يكسبه الإنسان من عمل صالح يكون له وما يكسبه من آخر طالح يكون عليه فذلك الاكتساب .
والاكتساب في المقابل يعم ما يكتسبه الإنسان من الفضائل فهي مما يجهد في تحصيله فالفضائل أمر يخالف عن الجبلة التي تركن إلى الراحة والدعة فلا ينال نعيم الآخرة بنعيم الدنيا ، وإنما ينال بالجهد والمشقة ، وذلك ما يستوجب الاقتصاد في نعيم الدنيا على وجه لا يخالف عن طبائع الجبلة فهي أبدا تفتقر إلى قدر من نعيم الدنيا يصلح شأنها ويجبر كسرها ويسد رمقها وَيَجُمُّهَا إذا كَلَّتْ وَمَلَّتْ فلا بد لها من راحة تباشر فيها من الطيب ما لا يذم ولا يحرم فتأخذ حظها منه فهو يُعِينُهَا أن تبلغ الغاية في رحلة الهداية ، فلا يشق على النفس باكتساب ما لا تطيق من أعمال التكليف على وجه يوقع صاحبه في التنطع فذلك ، أيضا ، مئنة من التفعل فلا يخلو من تكلف يكافئ دلالة التفعل في التكسب الذي يحرص فيه الإنسان على القدر الزائد فإما أن يحمد إن كان تكسبه لفضيلة على وجه لا يخالف فيه عن الطريقة طريقة السنة ، فـ : "لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، وإما أن يذم إن بلغ حد التنطع والتشدد الذي يفضي بصاحبه إلى ضد ما أراد فهو ينقطع في سيره إذ لا يطيق الديمومة وإن أطاق في الحال ، لا جرم كان اعتبار المشقة في الشرع ما يفضي إلى الجهد العظيم ولو مآلا وإن كان صاحبه لا يحصل له من الضر العاجل ما تظهر فيه المشقة حالا ، فالاكتساب ، كما تقدم ، يستغرق اكتساب الفضائل على وجه لا يبلغ بصاحبه حد التنطع ، ويعم اكتساب الرذائل فهي عليه ، فاتفق اللفظان حال افتراقهما ، وافترقا حال اقترانهما ، كما في قوله تعالى : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، فالكسب يحمد فهو لها ، والاكتساب ، من وجه آخر ، يذم فهو عليها ، فاستوفى السياق بهما شطري القسمة حمدا وذما ، فذلك يجري مجرى المقابلة بالنظر في الشطرين ، والطباق بالنظر في ألفاظ كل شطر في مقابل ما يطابقها في الشطر الآخر على وجه استغرق في كلا الشطرين فدلالة الموصول "ما" مئنة من العموم وهو ما يستغرق جميع الأحوال والأقوال والأعمال فجميعها مما يجري مجرى غير العاقل فهي أوصاف وأعراض تقوم بالذوات والجواهر فلا استقلال لها بنفسها في الخارج ، فَنُزِّلَتْ من هذا الوجه مَنْزِلَةَ غير العاقل وإن كانت أوصافا تقوم بالعاقل المكلف .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) :
فجاء التوكيد بالناسخ "إن" ، وَأُنِيطَتِ الفائدة بالمعنى الذي اشتقت منه الصلة : "لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا" ، وتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يرجون" مئنة من العموم وذلك آكد في تقرير الجناية التي استوجبت الذم والوعيد ، وثم تلازم بين انتفاء الرجاء في لقاء الله ، جل وعلا ، في دار تجاوز هذه الدار ، وذلك ما يستلزم رفض العقل أي مرجع يجاوز الوحي فإن مناط الأمر هو إنكار ما وراء الطبيعة التي يدركها ا*** الظاهر فنصبت هذه المذاهب العداوةَ للوحي ، فهو خرافة الكهنوت ، فكان الفصام النكد بين الطبيعة وما وراءها فثم من اقتصد في العداوة ! ، إن صح أن في العداوة اقتصاد ، فَثَمَّ من اقتصد فَرَامَ الفصل الناعم بين الدين والحياة أن يكون ثم ثنائية ذات قطبين تنشطر فيها رؤية الناظر بين سلطة روحية أخروية ، وسلطة زمانية دنيوية ، فَيَخْرُجُ ناموس الحياة عن ناموس الشرع ، فيجد الناظر ، كما يقول بعض المفكرين ، يجد ثُنَائِيَّةَ الروح والبدن في العبادة ، فعناية الوحي ، وإن في العبادة المحضة ، لا تقتصر على الروح ، كما في المذاهب الروحية التي تَغْلُو في الزهد والرياضة ، فيكون إهمال البدن وتقذيره سَبَبًا في انْتِعَاشِ الروحِ ، فجمع الوحي الخاتم تزكية الروح وتزكية البدن بطهارة ا*** ، فالوضوء في نفسه عبادة فجانب التوقيف فيه ظاهر ، وَأَثَرُهُ في الخارج ظاهر ولا يخلو من دلالة لطيفة في المعنى فالمتوضئ يطهر جوارحه مما اكتسب بها من آثام ، وذلك معنى يرمز لوحدة الإسلام فمرجعه يعم الباطن والظاهر ، فهو مرجع روحي ومرجع تشريعي ومرجع سياسي ، وذلك ما يقض مضاجع الخصوم فإن الإسلام يقدم نظرية متكاملة تصادم القيم الفكرية التي تقوم عليها الحضارة المركزية المعاصرة فهي تقوم ، كما ينقل بعض الفضلاء عن منظري السياسة والحرب في المركز ، تقوم على مزيج مركب من قيم اليهودية والنصرانية الدينية لا سيما في الطرح البروتستانتي وثيق الصلة باليهودية وهو طرح يَتَبَنَّاهُ القطب الأوحد في هذا العصر ، وتقوم ، أيضا ، على قيم الرأسمالية الاقتصادية ، وقيم نقاء اللون والعرق العنصرية ، فهذه القيم قد صارت مهددة بالفناء بعد فشل الرأسمالية في تحقيق الرخاء الاقتصادي وهو ما يرجو المركز الذي لا يرجو لقاء الرب ، جل وعلا ، فقيم الإيمان باليوم الآخر قد اختزلت في فردوس أرضي أو ملك ألفي بروتستانتي لا ينظر فيما وراء الطبيعة فنظره يقتصر على هذه الدار في مقابل نظرة كنسية تَسْتَنْكِرُ أي معنى اجتماعي سياسي فقد أقامت بنيانها على مفاهيم رهبانيةٍ انعزاليةٍ تَرَى التلبس بالشأن الدنيوي ، ولو في عادات الجبلة من الطعام والشراب والنكاح ، تَرَاهُ نقصا في مفهوم التدين ذي الجوهر الروحي الخالص ، فَالنَّصْرَانِيَّةُ ، كما يُنَوِّهُ بعض المفكرين ، تَرَى الاجتماع في الصلاة ، في مراكز تضاهي التجمعات السياسية الفاعلة ، تَرَاهُ أمرا يعارض جوهر الصلاة ، إذ اختزل معناها في الشعيرة الفردية دون نظر في البعد الأخلاقي : الاجتماعي والسياسي ، وذلك ما يلائم النصرانية ذات الجوهر الروحي الغالب مع إهمال ظاهر لأمر الدنيا ، فكان الرُّكُونُ التَّامُ إلى جَانِبِ العبادة في مقابل طرف آخر غلا فِي الرُّكُونِ إلى الدنيا والاطمئنان بها فيدخل في عموم الآية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، فكان ثم من ركن إلى الآخرة ، فاستغرقه الجوهر الروحاني للتدين على وجه كرس العزلة غير المبررة بين الدين والدنيا ، وذلك ما عمق الهوة بين الأولى والآخرة ، فلا يمكن للإنسان أن يجمع بينهما ! ، فإما أن يكون روحانيا خالصا ، وإما أن يكون شهوانيا خالصا ، فإما أن تنتصر نفخة الروح النورانية بالضربة القاضية ! ، وإما أن تنتصر قبضة الطين الأرضية بذات الضربة القاضية ! ، *** تحسم اليهودية الجولة ، وإنما عمقت الهوة وانتصرت للجانب المادي الطيني فكان طرحها العلماني ظاهرا ، وكذا صنعت المسيحية فكانت الهوة المتسعة بين الدين والدنيا ، فانتصرت للجوهر الروحاني اللطيف وصيرت الروح الدينية هي الروح الفردية الانعزالية روح التدين الخاص الذي لا يغادر حيز الفرد فيؤثر في الجماعة ، وذلك تكريس آخر للعلمانية اللادينية على وجه يجوز فيه التصالح مع المذاهب المادية فإن الدين قد رضي اختيارا أن يغادر ساحة الفكر والسياسة والاقتصاد ، فصار دينا روحانيا بعد تقليص جرعة السياسة والحرب على وجه أفضى إلى تعطيل وظائف الحياة فلا يقوم بها رهبان قد انقطعت بهم السبل في الصوامع وَالْبِيَعِ ، فَشَغَلَتْ المذاهب المادية التي تنكر الماورائيات الغيبية كالدار الآخرة ، إن تصريحا أو تلميحا ، شَغَلَتْ هذه الوظائف الشاغرة فلا بد من نظام حكم وسيطرة يدير الشأن العام ، سماويا كان أو أرضيا ، فإذ قصر الدين عن ذلك فلا بد أن يكون ثم بديل ، فكانت العلمانية اللادينية هي البديل السياسي لدين انسحب من الحياة طوعا وَانْزَوَى في الكنائس رغبة في الآخرة فمن يطمئن بها لا يطمئن بالدنيا على وجه يحصل فيه انشطار المرجعية ، فمرجعية الآخرة الدين ، ومرجعية الدنيا العلمانية على وجه حصل فيه التهادن وإن شئت الدقة فقل التقاسم للغنائم فَنَمَا دور الكنيسة الروحاني الذي يمارس الاستبداد باسم الدين ، ونما دور البلاط السياسي في القرون الوسطى فاستبد بأمر الحكم الدنيوي أو السلطة الزمانية ، وكانت القسمة الضيزى ، قسمة الآخرة فلها رجالها والدنيا فلها رجال آخرون ، فأفضى ذلك إلى انشطار آخر في المرجع الأخلاقي ، فثم أخلاق التصوف والرهبنة التي تقوم على إنكار الذات على وجه يخالف عن فطرة التكوين فهو يجحد احتياجات رئيسة لا قيام للدنيا ولا صلاح لشأن الحياة إلا بها على وجه لا يلام فيه الإنسان ولا يعاب ، وثم أخلاق السياسة وهي أخلاق براجماتية لا تقيم وزنا إلا للمنفعة العاجلة ، فكان ثم رجال سياسة ورجال دين ، وكان ثم رجال إكليروس أو علم لاهوتي ، ورجال علم تجريب على وجه يحصل فيه التعارض فلكلِّ باب رجالاته على وجه لا يجوز فيه الجمع فهو جمع بين متناقضين ! ، فمن أراد الدنيا فلا تنال إلا بإهمال الآخرة ، فلا يرجو أهل الدنيا الآخرةَ فقد رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها ، كما في الآية محل الشاهد : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، ومن أراد الآخرة فلا تنال إلا بإهمال الدنيا على وجه تضطرب به الأحوال وَتَعُمُّ الفوضى ، خلافا لما هي الحال في الدين الخاتم الذي حقق الغاية العظمى ، الجمع بين الدين والدنيا فكان له طرح فكري وأخلاقي شريف يعزز قيم الإيثار والبذل والتضحية التي يمارسها الفرد اختيارا بمشاعر حس وإرادة فلا يمارسها بآلية لا تعقل ولا تدرك أبعادًا تجاوز أبعاد المادة ، وإنما تَرُومُ بها معنى شريف تعظمه النفوس فضلا أنه سبب في رضى الرب المعبود ، جل وعلا ، فكان ثورة في الدين ، إن صح الاصطلاح ، فقد أعاد حد القيم والمبادئ وَعَيَّنَ المقاصد الشريفة ، وكان ثورة في السياسة والحرب إذ أعطاهما بعدا أخلاقيا لم يخرج بِهِمَا إلى فضاء مثالي حالم ، ولم ينحط بهما إلى دَرَكَةِ البراجماتية النفعية ، فلا تعالج مشكلة كالفقر ، كما يقول بعض المفكرين ، لا تعالج بإجراءات اقتصادية محضة تنقل الملكية من فرد إلى آخر فهي ضريبة إجبارية أو قرار سياسي سيادي يروم تحقيق العدل بالأمر المباشر ! ، وربما أراد الدعاية السياسية لا أكثر ، كما قد صنعت بعض أنظمة الاستبداد في الشرق بعد أن استلمت الحكم وإن شئت الدقة فقل : بعد أن استلبته من منظومة سياسة مترهلة قد أصاب الفساد جوهرها فانتقل الناس من حال فاسدة إلى حال أفسد إذ قصرت أنظارهم أن يدركوا جوهر الداء فاشتغلوا برصد أعراض الظاهرة السياسية دون النظر الأدق في جوهر الإشكال الذي أفضى بالجماعة الشرقية الإسلامية إلى هذه الحال فصارت تروم الخلاص من نظام فاسد فاستبدلت به أفسد إذ لم تراجع الوحي مرجع القيم والأخلاق التي بها ازدهر الشرق وحقق الكفاية السياسية والاقتصادية فضلا أنه نجح فيما أخفق فيه الغرب من المزاوجة بين الأولى والآخرة ، فكان رجوعه إلى وحي انتظم أمر الإنسان ، فزاوج بين روحه وبدنه على نحو دقيق محكم ، فجمع ، كما يقول بعض المفكرين بين الشرطين المتعارضين ، أو هكذا تصور من تصور ، أقصى الإنسانية التي تَرُومُهَا الأديان الروحانية ، وأقصى الكفاءة التي تَرُومُهَا المذاهب الأرضية ، فانحل الإشكال الذي أرق الإنسان إذ فشل في تحقيق التوازن بين احتياجاته الروحانية واحتياجاته البيولوجية ، فمن غال في جانب الروح على وجه أهمل به جانب البدن ، ومن آخر غلا في الطرف الآخر ، فافتقد الإنسان التوازن بَيْنَ الروح والمادة ، فلا تنحل مشكلات الاقتصاد بقرارات سياسية سيادية تنزع الملكية دون أن تَنْزِعَ من النفوس قم الأثرة والجشع والأنانية ، فذلك ما قد جربت المذاهب الاشتراكية فجعلت العدل في القسمة مع كبت غريزة التملك في الفرد على وجه يضاد فطرة الإنسان ! ، جعلت ذلك هو الغاية التي تصلح الحال بعد أن أثارت غريزة الحقد في نفوس الطبقات الكادحة على الطبقات الغنية فكان الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي أفضى إلى سلاسل متصلة من الحروب الأهلية التي شنت بذريعة القضاء على الرجعية الدينية التي تمثلها الكنيسة خاصة والدين عامة ، فالعلمانية اللادينية ، سواء أكانت رأسمالية قضت على الإقطاع الزراعي وأفسحت المجال للبرجوازية طبقة صغار الملاك لل**انع والمعامل فهم النخبة الجديدة التي حلت محل الإقطاع الرأسمالي ذي الملكية الواسعة فجاءت الملكيات الصناعية الأصغر في إطار عملية التحول الاقتصادي من المجتمع الزراعي إلى المجتمع الصناعي ، جاءت هذه الملكيات الجديدة لتملأ الفراغ الذي نجم عن انهيار طبقة الإقطاع ، فنجحت الثورة العلمانية اللادينية في القضاء على الدين وطبقة كبار الملاك ، وذلك ما أفسح المجال لملاك جدد وهم ملاك ال**انع والمعامل الذين خاضوا التجربة الاقتصادية الجديدة بروح مغامرة هي روح اليهودية المقامرة وهي ، مع ذلك ، لا تضع استثماراتها في مشاريع فاشلة فامتلكت الجرأة في هذا الظرف السياسي والاقتصادي المضطرب أن تخوض التجربة الجديدة التي نجحت وأحدثت انتقالا لمركز الثروة إلى طبقة جديدة من الملاك كان يهود عمادها ، فأحكموا سيطرتهم على مجتمعات ما بعد الثورة وذلك مشهد تكرر في فرنسا الملكية الكاثوليكية وروسيا القيصرية الأرثوذكسية ، على اختلاف في جرعة العنف ، فكانت التجربة الفرنسية لاستئصال الإقطاع دون البرجوازية فالعنف فيها قد طال نخبة بعينها ، ثم كانت التجربة الشيوعية التي رامت استئصال كل صور الملكية فكان العنف أكبر وكان سيل الدماء أغزر ، فلا يحل الإشكال بحزمة قرارات سياسية تفتقر إلى البعد الأخلاقي الذي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، فقيم التكافل الذي يجاوز إطار النفعية فليس دور رعاية تمارس العمل العام ممارسة الدولة الوظيفية دون نظر في معنى أسمى ، فقيم التكافل الذي يجاوز هذه النظرة المادية هي وحدها ما يحسم مادة الأثرة والأنانية التي تسيطر على الإنسان في المجتمعات الرأسمالية ، فمنظومة الزكاة الشرعية منظومة تطهير للنفس من أخلاق الشح والأثرة وذلك معنى يجاوز معنى الضريبة في الدولة المدنية الحديثة فكثير يدفعها مكرها وَيَرُومُ التحايل عليها إذ لا يستحضر إلا رقابة المؤسسات الوظيفية فهي شاهدة حاضرة دون رقابة الغيب .
وتعاليم الرسالة في هذا الباب هي ، عند التدبر والنظر ، مادة خير ظهرت آثارها في منظومة كمنظومة الوقف الإسلامي الذي يحقق معنى التكافل وهي منظومة ذات أثر فاعل في تاريخ الإسلام يحقق الكفاية العامة إذا أحسنت الدولة إدارتها ، وهو ما طرحه بعض اقتصادي الغرب ، فصلاح الأمر في ترشيد الدعم لا في إيقافه بزعم أنه يفسد الناس إذ يعلمهم الكسل والخمول ، فلا بد من إيقافه وتقليص دور الدولة في الخدمات الاجتماعية ، وذلك ما يؤذن بأزمة إنسانية فضلا عن الأزمة الأخلاقية إذ تكرس هذه السياسة في النفوس مشاعر الخوف والأثرة فكل يخشى أن يمرض أو يعجز عن الكسب فليس ثم دولة تَرْعَاهُ وليس ثم مفهوم متكامل للعمل الخيري يجمع شطري الروح والمادة فغاية الأمر أن تنتظم مؤسسات العمل الأهلي في سلك وظيفي يفتقر إلى مضمون أخلاقي يجاوز هذه الدار ، فإن نظرية الفردوس الأرضي هي النظرية المهيمنة على العقل الجمعي في المركز وهو ما عَظَّمَ الإشكال الذي يظهر الآن في النظرية الرأسمالية على وجه جعل بعض نظار المركز يعيد النظر في هذا الطرح وإن لم يجاوز البعد الاقتصادي فليست مراجعة أخلاقية لقيم الرأسمالية وإنما هي مراجعة اقتصادية تروم حماية الاقتصاد الوطني من تأثيرات العولمة كما يظهر الآن في الطرح الجمهوري الذي يحكم المركز ، وبدون المراجعة الأخلاقية تفقد البرامج الاقتصادية ذات الطابع الاجتماعي تفقد قدرا كبيرا من زخمها وإن أحدثت صلاحا ظاهرا لا يمكن إنكاره في المجتمعات التي أقامت شبكات محكمة من الأمن الاجتماعي فوفرت قدرا مناسبا من الخدمات العامة ، فالدراسات الاقتصادية المعاصرة قد أبانت أن الدولة التي تضيق فيها الفجوة بين الأغنياء والفقراء هي الأكثر تَفَوُّقًا ، فدول أوروبا التي تجعل لمنظومة الحكم دورا رئيسا في الرعاية الاجتماعية ، أكثر استقرارا من دولة المركز الأقوى ، فالقوة لا تكافئ الاستقرار دَوْمًا ، فلا يوجد تصادم بين العطاء الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية كما يقرر بعض علماء الاقتصاد في المركز ، فكيف إن زِيدَ في هذه النظرية البعد الإنساني الأخلاقي الذي يجاوز طرح الفردوس الأرضي العاجل الذي رضي به المركز واطمئن ، كما في الآية محل الشاهد ، فالنظر في الدار الآخرة طرح أخلاقي أسمى يجمع لصاحبه الثنائية القطبية ، الدين والدنيا ، وهي ، كما يقول بعض المفكرين ، ثنائية : آمن وافعل خيرا ، فآمن شطر الروح ، وافعل خيرا أثر الإيمان الذي يظهر في عمل الصالحات على وجه تكتسب به الأخلاق بعدا روحيا شريفا يجاوز البعد المادي في الأخلاق البراجماتية التي لا تعنى إلا بالنتائج دون نظر في البواعث النفسانية .
وثم بعد آخر يشير إليه بعض المفكرين وهو جمع الوحي لقيم الفن وهي قيم معنوية ، وقيم التكنولوجيا وهي قيم مادية ، وذلك ما يظهر في فن المعمار الإسلامي ، على سبيل المثال ، فإنه يتخطى الجانب الوظيفي المادي ، وهو في نفس الآن ليس فنا تجريديا لا وظيفة له في الحياة ، بل جمع شطري الثنائية القطبية ، الروح والمادة ، الجمال والوظيفة ، فصاحبها يَرْجُو لقاء الرب ، جل وعلا ، وهو مع ذلك يمارس أعمال البناء والتشييد في هذا الكون ، فعمارة الأرض غَرَضٌ شريف بل ومقصد رئيس من مقاصد التشريع ، فالوحي ، كما يقول بعض المفكرين ، يخاطب العقل جوهر ا*** الغائب الذي لا يدرك با*** الظاهر وإن وجد الإنسان آثاره في الفكر والإبداع فضلا عن قيم الإيمان والأخلاق فهي القيم السابقة وهي الركائز التي يقوم عليها أي كيان سياسي راسخ ، إذ يجمع الغاية العظمى والوسيلة المثلى التي لا يستجيز صاحبها المخالفة عن الوحي فيتأول الأمر والنهي على وجه يخالف فيه عن منهاج العمل الصالح وهو شاهد الصدق على دعوى الإيمان في الجنان فآثارها تظهر في حركات الجوارح النافعة ما خص الفرد سَعْيًا وَكَسْبًا وعم الجماعة سياسةً وحكمًا ، وذلك ما ضَرَبَ له بعض المحققين المثلَ بالكتاب والسنة ، فكتاب الوحي المعجز منظومة قيم عليا تضع الخطوط العريضة في أمور الفكر والسياسة ، والسنة تأويلها إذ أبانت عما أجمل منها ، فهي الوحي المبيِّن للوحي المتلو المقروء الذي يتعبد البشر بألفاظه ، فجاء ذكر السنة التي أبانت بالقول والعمل والإقرار فَجَاوَزَتْ حد الفكرة النظرية المجردة إلى الشرعة العملية المفصَّلة التي استغرقت سائر أحوال الفرد والجماعة ، وسائر محال الفعل والإرادة ، فحصل التكامل بين القرآن وهو وحي التلاوة لفظا ، ووحي السنة وهو وحي الفعل الذي يصدق القول ، فجاء ذكر السنة يُبَيِّنُ ما نَزَلَ من ذكر القرآن ، فعظمت المنة بشطري القسمة في التشريع على وجه استغرق شطري القسمة في التكليف ، قولا وعملا ، فتلاوة الألفاظ أولا ، ولا تكمل فتكون حق التلاوة إلا أن تشفع بتلاوة الجوارح أن تتأول أحكام الشرائع بامتثال الأمر والنهي ، فعلا وتركا ، فجاءت المنة في آية النحل أن : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، فحسن إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين في "أنزلنا" مئنة من التعظيم فتلك أعظم مِنَّةٍ ربانية على البشر أن أَنْزَلَ لهم الربُّ ، جل وعلا ، الذَّكْرَ الذي يصلح الباطن والظاهر ، فهو الذي يضبط حركة الفكر والإرادة ، وحركة الحرب والسياسة ، ودلالة "أل" في "الذكر" تحتمل ، على وجه ، العهدَ الخاصَّ ، فهو ذكر السنة الذي به يُبَيِّنُ صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما نُزِّلَ من الوحي المجمل ، وهو وحي التنزيل فالأصل فيه الإجمال في الأحكام إلا في مواضع فصلت كأحكام الطلاق والرضاع والاستئذان والإرث ، فجاء التعليل باللام وهي نص فيه إذ نصبت الفعل في "لِتُبَيِّنَ" ورجح السياق هذا الوجه ، فخوطب صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوظيفة التَّبْيِينِ ، فتلك وظيفة تَلِي وظيفة التبليغ ، فَبَلَّغَ ذكر الكتاب وَبَيَّنَ بذكر السنة ، وذلك تَبْيِينٌ يعم كل موضع في التنزيل فتلك دلالة الموصول "ما" ، فأبانت السنة إذ أكدت ما نَزَلَ ابتداء ، فثم من السنة ما يؤكد ، وأبانت عن المجمل ، فَثَمَّ منها ما يُبَيِّنُ ، وقيدت المطلق ، وخصصت العام ، ونسخت من التنزيل على خلاف هل تنسخ السنة الكتاب وهو خلاف مشهور في كلام أهل الأصول ، فحصلت المنة العظمى بخطاب البلاغ الذي نَزَلَ باللفظ المعجز ، وخطاب البيان الذي توجه إلى صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أول من يتوجه إليه خطاب التكليف عموما ، وخطاب التبليغ والتبيين خصوصا ، وإن كان لغيره منه حظ ، فإن كل من تحمل هذه الرسالة لفظا ومعنى فَوَعَى منها ما ينفع ، فيجب عليه من البلاغ ما به الذمة تَبْرَأُ ، فـ : "بلِّغوا عني ولو آية" ، وأمر البلاغ ، عند التدبر والنظر ، يستغرق أمر البيان فإنه لا يبلغ إلا ما يفقه وإلا ضر من حيث أراد أن ينفع ، وقد يقال إن ذلك إنما يكون في باب الفتوى ، وأما في باب الرواية للألفاظ فلا يشترط فقه المعاني إلا بقدر ما يؤمن به الخطأ في النقل فلا يشترط أن يكون الراوي مجتهدا في الفقه فإنه يروي ولا يفتي فمنصب الإفتاء يفتقر إلى نظر واستنباط زائد على نقل الألفاظ ، فالخبر ، من هذا الوجه ، لا يخلو من دلالة الإنشاء أَنْ : بَيِّنْ للناس ما نُزِّلَ إليهم على وجه تحصل به الكفاية في العلم والعمل ، فيصح عقد التوحيد بالصدق ويصح حكم التشريع بالعدل على وجه تحصل به التلاوة التامة لفظا ومعنى فلا يقتصر الناظر على تلاوة الأماني لفظا دون فقه المعاني وتدبرها والعمل بها على وجه ينتظم أمر الفرد والجماعة ، وذلك ما يعزز في النفس البشرية ملكة النظر والتدبر ، وملكة التجريب في علوم الحياة ، فإن خطاب الوحي لم يقتصر على مثل نظرية دون أن تظهر آثارها في الخارج في العمل الصالح الذي تدخل فيه صنائع الدنيا النافعة فإن مباشرة المؤمن لها تغاير مباشرة الكافر ، فعند المؤمنِ من رصيد القيم والأخلاق الصالحة ما به يصلح أمر الدنيا والآخرة فيحقق الثنائية آنفة الذكر ، فباطن ينتحل وظاهر يمتثل ، فكان التحول ، كما يقول بعض المفكرين ، من الفلسفة الصوفية التي غلبت على مقررات المسيحية إلى التفكير العقلاني ، فكان التحول النافع كما يقول بعض رواد العلوم التجريبية وهي علوم إسلامية أصيلة أقر بأصالتها الإسلامية كثير من التجربيين في عصر النهضة الأوروبي ، كان التحول النافع من التجريد في الذهن إلى التعيين في الخارج ، من الركود في أفكار نظرية لا أثر لها في الحياة فدعوى الفكر والإيمان لا تكمل إلا أن تترجم في الخارج إلى أعمال صالحة نافعة ، دينية ودنيوية ، فذلك غرض الرسالة الرئيس أن يجمع المكلف شطري الثنائية ، العلم والعمل ، فيحقق معنى العبادة الأعم الذي لا يقتصر على العقائد والشعائر وإنما يجاوز ذلك فهو نظام الحياة في كل شأن خص أو عم ، فكان الانتقال من الركود إلى الإبداع الذي يباشر علوم ا*** والتجريب دون أن يوغل في المادية فيقع في شَرَكِ العلمانية اللادينية التي تستفز النفوس بطرائق البحث والتجريب فإنها لا تؤتي أكلها إلا أن تكون خادمة لغرض أشرف وهو رضى الرب المعظَّم ، جل وعلا ، فلا تنفع صاحبها إن كان ممن لا يرجو لقاء الله ، جل وعلا ، فرضي بها واطمأن فتلك خطة خسف تنحط بصاحبها إلى دركة مادية سفلى ، فَزَكَّى الوحي في النفس ملكة النظر والاستنباط فمارس فنونا من الاجتهاد إن في الشرائع أو في الصنائع فجمع ، كما تقدم ، شطري القسمة التي عجزت النصرانية الروحية واليهودية المادية أن تجمع بينهما ، فكانت تلاوة الوحي حق التلاوة على وجه أدخل صاحبه في عموم قوله تعالى : (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) ، فجاء التوكيد بال**در أو نائبه "حق تلاوته" ولا يخلو أن يكون مُبَيِّنًا لنوع عامله "يتلون" فلا تجزئ أية تلاوة حتى تبلغ أن تكون حق التلاوة فيصدق العمل القولَ على وجه يحل الإشكال الأخلاقي الذي يجده من غلا في الروحانيات فاقتصر على الجانب النظري *** يشفع تلاوة القول بتلاوة العمل ومن غلا في الماديات فانصرف إلى علوم الصنائع والتجريب دون أن يكون له رصيد من قيم الأخلاق والدين .
فجاء الذم صدر آية يونس ومناط الحكم ، كما تقدم ، المعنى الذي اشتقت منه الصلة "لا يرجون لقاءنا" ، فقد اقتصر النظر على العاجلة ، فجاء الزجر في موضع آخر من التنزيل ، فـ : (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) ، فثم مقابلة بين الشطرين على حد التلازم ، ولا يخلو من دلالة الطباق إيجابا بين الألفاظ ، فثم طباق إيجاب صريح بين "العاجلة" و "الآجلة" ، وثم طباق باللازم بين "تحبون" و "تذرون" ، فإن ترك الشيء مئنة من بغضه وكرهه ، والكره يطابق الحب في اللفظ صراحة ، ولا يكون ذلك إلا بالمخالفة عن النقل الصحيح بل والعقل الصريح إذ قدم ما حقه التأخير من العاجلة الفانية ، وَأَخَّرَ ما حقه التقديم من الآجلة الباقية فخالف عن قياس العقل الصريح فضلا عن مخالفته لنص الوحي الصحيح ، وذلك ما ورد صدر الآية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) ، فمن لا يرجو الآخرة إذ يلقى الرب ، جل وعلا ، وذلك أشرف ما يروم العاقل فضلا عن المؤمن الفاضل ، فهو أمر عظيم تحسن إضافته إلى ضمير الفاعلين في "لقاءنا" مئنة من التعظيم ، فمن لا يرجو ذلك فهو يرضى بهذه الحياة الدنيا ويطمئن بها ، فيستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير ، فهو ، من وجه آخر ، يدخل في عموم الإنكار والتوبيخ في استفهام الكليم عليه السلام : (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) ، فذلك فعل من كثف طبعه وغلظ قلبه فصار على طريقة يهود المادية التي أهدرت القيم الروحية *** تعد ترجو ما وراء هذا العالم ، فأنكرت الغيب وصيرته ، كما تقدم ، خرافة ميتافيزيقا ، فلا تؤمن إلا بما تجد با*** الظاهر في انحطاط عظيم بقيمة الإنسان الذي فضل على سائر الكائنات بهذه الخاصة الشريفة ، خاصة الإيمان بالغيب الذي لا يتلقى إلا من مشكاة الوحي والذي أجاب عن أسئلة ال**ير التي تؤرق النفس حتى تجد لها جوابا تطمئن به فلا تطمئن النفوس الشريفة بالحياة الدنيا ولا ترضى بها عوضا عن الآخرة فهي خير وأبقى ، فلا تؤثر هذه الحياة الدنيا على وجه يدخلها تحت طائلة الذم في قول الرب جل وعلا : (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، فكان إضراب الانتقال على وجه لا يبطل ما تقدمه فالصلاة والذكر في قوله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) معان شريفة بل وفرائض أكيدة فانتقل بالإضراب لحكاية حال تعم إلا من رحم الرب ، جل وعلا ، ممن آمن بالوحي فاتخذه منهاجا في التصور والحكم ، فصح تصوره بأخبار الوحي التي أبانت عن حقائق الغيب مراد كل نفس شريفة تجاوز أعتاب الجبلة الكثيفة فلا يقتصر نظرها أن تحصل أسباب الحياة التي وصفت بالدنيا في كلا الموضعين مئنة من التحقير في مقابل الآخرة فهي : (خَيْرٌ وَأَبْقَى) ، فأطلق اسما التفضيل مئنة من العموم فهي خير في الوصف وأبقى في القدر فلا تفنى أبدا ، فاستجمعت الفضل في الماهية والكيف ، والقدر والديمومة ، ولا يخلوان ، من وجه ، أن يكونا مما نُزِعَتْ دلالة التفضيل فيه إذ الدنيا لا خير فيها ولا بقاء إلا بقدر ما تُبَلِّغُ صاحبها الآخرة ، فـ : "الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا أَدَّى إِلَيْهِ، وَالْعَالِمُ، وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْخَيْرِ شَرِيكَانِ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ" ، فلا خير فيها ولا بقاء لها إذا ما قُورِنَتْ بالآخرة ، وإن كان في الدنيا خير ولها بقاء فذلك ، لمن تدبر ونظر ، لا يكون إلا بقدر الزاد في رحلة العبد إلى الدار الآخرة .
فجاء التلازم صدر الآية : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، فمن لا يرضى بالآخرة فينكر الغيب وما وراء هذا العالم فيخاصم الأديان جميعا لا سيما الدين الخاتم الذي جاء بجمل مفصلة من الغيب ، فمن تلك حاله فهو راض بالأدنى على وجه يخالف طريقة القياس الفضلى فيطمئن بهذه الحياة ويجعل تحصيل أسبابها ومباشرة لذاتها هي غاية ما يطمح ، فضلا أنه يروم نزع القداسة عن كل نص منزَّل ، فَيَنْسِبُ نفسه إلى كل ما هو أرضي إذ يستنكف أن يُنْسَبَ إلى الغيبي ، مع أن شرف النوع الإنساني لا يحصل إلا بذلك فهو مادة فكر ونظر بها فَارَقَ الإنسان ذو العقل الكامل سائر الخلائق من البهائم والجمادات ، فلا تدرك من الغيب ما يدرك الإنسان بما ركز فيه من العقل ، مناط التشريف والتكليف ، فأحدث الإنسان إذ أعرض عن الذكر أحدث من القيم الأرضية ، قيم العلمانية اللادينية ما يروم به نزع القداسة عن الوحي بإنكار الغيب وما وراء هذا العالم وسلوك جادة من التأويل تبطل مرجعية الوحي وتجعل المقدس مدنسا إذ تزعم أن اللغة ليست طريقا محكمة في درك الغاية من النص فهي تجهد في تفكيك أوصاله وإعادة تجميعه على وجه يواطئ هوى الناظر ! ، وهي ، مع ذلك ، تمارس من الاستبداد والتحكم ما تزعم أنها تناهضه فهي تنكر المطلق وتجعل إثباته أصولية وتعصبا في الفكر ، فتزعم أنها لا تحتكر الحقيقة كما احتكرها الوحي مع أنها من وجه آخر ، كما ينوه بعض الفضلاء ، تُبَشِّرُ أن الرشد إنما يوجد في حقيقتها التي تملك رصيدا من التجارب في عالم المادة ! ، فقد قصرت أمرها ، كما تقدم ، على جانب المادة دون أن تجاوزه فَتَرْقَى بمداركها إلى باب الغيب : خاصةِ الإنسان الرئيسة ، فذلك باب توقيف لا ينال ، كما تقدم مرارا ، إلا من مشكاة التنزيل.
وزيد في الوصف ذما على جهة الإطناب بتكرار الموصول في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) ، ودلالة الموصول "الذين" ، كما تقدم مرارا ، دلالة عموم كما قرر أهل الأصول ووجه التغليب فيه ظاهر لقرينة العموم في خطاب التكليف الذي يتوجه إلى كل من يصح تكليفه ذكرا كان أو أنثى ، ولا يخلو العطف في هذا الشطر من دلالة التلازم ، أيضا ، فإن ما تقدم من عدم الرجاء في لقاء رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، والرضى بالحياة الدنيا والاطمئنان بها ، كل أولئك لازمه في العقل الصريح الغفلة عن آي الرب القدير الحكيم ، جل وعلا ، إذ من تلك حاله فهو ينكر الغيب في الجملة فقد قصرت مداركه أن يقيم في هذه الدنيا فردوسا أرضيا لا دار وراءه فهو آخر ما يطمح وبئست الهمة السافلة التي لم تجاوز دركة الدار الفانية ، ولا يخلو العطف ، من وجه آخر ، أن يكون عطف السبب على المسبَّب على حد التعليل فلا يكون ما تقدم من عدم الرجاء في الآخرة والرضا بالدنيا إلا إذا غفل الإنسان عن آيات ربه ، جل وعلا ، فبها وحدها يصح التصور على وجه يحصل به الباعث الحثيث أن يلازم الناظر آي الذكر الحكيم تلاوة تعم ، كما تقدم ، تلاوة اللفظ باللسان وتلاوته بالأركان أن يمتثل أمره فعلا ونهيه تَرْكًا فَيُصَدِّقَ بِعَمَلِهِ قَوْلَهُ ، وثم وجه آخر أشار إليه بعض المعربين ولا يخلو ، أيضا ، من دلالة التلازم على وجه تحمل فيه الواو على الحالية بتقدير "قد" ، *** يرجوا لقاء الرب ، جل وعلا ، ورضوا بالحياة الدنيا حال كونهم قد اطمأنوا بها ، فَقُيِّدَ الشطر الأول بدلالة الحالية في الشطر الثاني ، فَالْوَاوُ في "واطمأنوا" قوله تعالى : (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا) ، إما أن تكون عاطفة وإما أن تكون حالية وَفِي كِلْتَا الحالين يحصل البيان بالإطناب على حد التلازم بين الشطرين .
ولا تخلو دلالة الإضافة في "آياتنا" أن تعم ، فهم غافلون عن آي التكوين المعجز ، سواء أكان في الآفاق أم في الأنفس ، فخاصة التفكر خاصة المؤمن ، وهم غافلون عن آي التشريع المنزَّل الذي أخبر بالصدق عما وراء هذه الدنيا من دار ا***اب والجزاء الأوفى ، وحكم بالعدل في كل نَوَازِلِ الحكم والسياسة والحرب على وجه تصلح به الحال في هذه الدار *** يجعل الاشتغال بتحصيل الأسباب الدينية بصارف عن إصلاح الشئون الدنيوية فكان الثنائية القطبية آنفة الذكر على وجه تصلح به الحال والمآل جميعا فهو سبب السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة .
وهو ما أدركه أعداء الوحي *** يعد الحديث عن مكافحة تمرد عسكري أو سياسي يروم الخروج عن نظام المركز ، وإنما صار الحديث الآن عن مكافحة الرؤية الإسلامية التي تسكن ضمير الجماعة المسلمة ، فهي رؤية عامة لا تقتصر على جانب الروح فتهادن أرباب السياسة والحرب في إطار حضارة لا تقيم وزنا إلا لقيم المادة ، بل تَعُمُّ كل دقيق وجليل في هذه الدنيا أن تُصِيبَ فيه مراد الرب ، جل وعلا ، فيحصل لها ما تقدم من سعادة الأولى ونجاة الآخرة ، وذلك مطلوب كل مؤمن فلا تقتصر الرؤية الإسلامية على نخب السياسة والحرب في حركات الصحوة المعاصرة وإنما تعم الجماعة المؤمنة وإن كانت في أحوال كثيرة مُقَصِّرَةً فهي ، مع ذلك ، لا زالت تحتفظ بحد أدنى من القيم والمبادئ التي تهدد هيمنة المركز ففي النفوس طموح كامن ينتظر من يفجره فيستخرج منه مادة ديانة وسيادة تعيد للوحي وظيفته الرئيسة في ريادة الدنيا وردها إلى جادة الحق فيزهق باطل المركز الذي اقتصر طرحه ضيق الأفق على أسباب المادة ، فالغرض الرئيس وهو المطروح الآن في دوائر السياسة والحرب في المركز ، هو تقزيم هذه الفكرة التي تحفز النفوس وَتُعْلِي من همتها ، فلا بد من تحقير الذات الإسلامية باستعراض القوى الباطشة ، واصطناع العملاء الذين يبثون في النفوس خطاب التشاؤم الذي يقتل الطموح ويربط بذلك بخطاب آخر أشد خطرا ، وهو خطاب التجديد الذي يربط فيه المتكلم بَيْنَ تخلف الشرق وطريق الوحي ! ، فهو الخطر الرئيس على حضارة الغرب فلا يستقيم أمرها إلا أن تَزْرَعَ في الضمائر بغض الوحي وكراهة النفس أن تنتسب إليه خجلا أن توصف بالرجعية والتخلف والإرهاب والتطرف أخيرا ! ، ولا بد ، مع ذلك ، من مادة تسعر الحرب في الأطراف فتشغلها أن تقيم دولة الوحي فقيامها يؤذن بأفول شمس الغرب الذي أقام حضارته على معاداة الدين في الأطروحات العلمانية ضد الدينية ، أو تحييده وتوظيفه خادما في الأطروحات العلمانية اللادينية ، وفي كلتا الحالين لا يحصل المراد الرئيس أن يكون الوحي حكما يهيمن على كل كتاب أو شرع .
ولا تخلو الإضافة إلى ضمير الفاعلين في : (آيَاتِنَا) من دلالة تعظيم تواطئ الإضافة صدرَ الآية في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) ، فذلك من حسن التلاؤم بين أجزاء الكلام ، وقد قَدَّمَ ما حقه التأخير "عن آياتنا" مئنة من الحصر والتوكيد وعناية بالآيات فهي محل الفائدة في الخبر .
ومن ثم جاء خبر الناسخ وهو الحكم على من تَقَدَّمَ الإطنابُ في أوصافه ، فجاء الخبر على حد الاسمية في قوله تعالى : (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فالاسمية مئنة من الديمومة والاستمرار وذلك آكد في الذم ، فضلا عن دلالة الإشارة إلى البعيد في "أولئك" فهي مما يجري مجرى المشترك ، فَيُنَزَّلُ منزلة الأضداد إذ يدل على التعظيم تارة والتحقير أخرى ، وسياق الكلام هو القرينة التي تعين مراد المتكلم ، فدلالة الإشارة إلى البعيد في هذا السياق تنصرف إلى التحقير فذلك موضع ذم ووعيد ، ولا يخلو أن يجري على ما اطرد واشتهر في كلام العرب أن يُشَارَ إلى ما تقدم وانقضى من الكلام إشارةَ البعيد مطلقا سواء أقرب أم بَعُدَ ، ومن ثم أطنب في الخبر : (مَأْوَاهُمُ النَّارُ) ، فجاء ، أيضا ، على حد الاسمية مئنة من الثبوت والاستمرار ، فضلا عن دلالة القصر بتعريف الجزأين فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، وهو قصر حقيقي يوجب حمل "أل" في "النار" على دلالة العهد الخاص ، فهي نار الخلد التي يدخلها الكافر كفرا أكبر سواء أكان أصليا أم نفاقا أم ردة ، ولا تخلو "أل" في "النار" ، أيضا ، من دلالة استغراق معنوي فهي تستجمع أوصاف الإيلام بالإحراق ، ولا تخلو من دلالة الاستغراق حقيقة فهي نيران كثيرة لكلِّ كافر منها دركة حقيرة .
ومن ثم ختم بالعلة على وجه يحترز به من الظلم فذلك مما تَنَزَّهَ عنه الرب ، جل وعلا ، فـ : (مَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) ، فجاء التعليل بالباء في قوله تعالى : (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) وهي مئنة من السببية ، ولا يخلو إيراد الكينونة الماضية من تسجيل للجناية *** يكن ذلك عرضا وإنما كان وصفا دائما على وجه انتفى به العذر بجهل أو خطـأ ، وزد عليه دلالة المضارعة فهي مما تستحضر به الصورة فذلك أيضا آكد في تقرير المعنى وتوكيده تسجيلا لجناية الكسب غير المشروع ، وثم إيجاز بحذف عائد الصلة المنصوب وهو مما اطرد في لسان العرب على تقدير : بما كانوا يكسبونه ، وقد تحمل "ما" ، من وجه آخر ، على ال**درية فيكون الإطناب إذ تؤول بال**در : بكسبهم ، فَرُفِدَ لفظه بـ : "ما" ال**درية وما دخلت عليه آخر الآية ، ودلالات التذكير في الإشارة وفي الضمائر في هذه الآية هي ، أيضا ، مما يجري مجرى التغليب فيعم كل مخاطب يصح تكليفه بقرينة العموم في خطاب التكليف ، ولا يخلو الخبر ذما بالوصف وبيانا للمآل الخاسر لا يخلو من دلالة إنشاء يَنْهَى ، فلا ترضوا بالحياة الدنيا ولا تطمئنوا بها لئلا يكون مآلكم المآل الخاسر في دار العذاب الدائم ، وذلك ما يستوجب بدلالة التلازم في العقل الأمر أن : ارجوا لقاء الرب ، جل وعلا ، فثم تلازم إن في الإخبار أو في الإنشاء ، فإن إثبات الشيء يستلزم نفي ضده ، والنهي عن شيء يستلزم الأمر بضده .
والكسب في هذا الموضع مما يحمل على الاكتساب الذي يكون على صاحبه وبالا ، فالكسب والاكتساب قد يجريان من هذا الوجه مجرى الاقتران والافتراق ، فإذا افترقا اتفقا في الدلالة ، فإن الكسب يعم ما يكسبه الإنسان من عمل صالح يكون له وما يكسبه من آخر طالح يكون عليه فذلك الاكتساب .
والاكتساب في المقابل يعم ما يكتسبه الإنسان من الفضائل فهي مما يجهد في تحصيله فالفضائل أمر يخالف عن الجبلة التي تركن إلى الراحة والدعة فلا ينال نعيم الآخرة بنعيم الدنيا ، وإنما ينال بالجهد والمشقة ، وذلك ما يستوجب الاقتصاد في نعيم الدنيا على وجه لا يخالف عن طبائع الجبلة فهي أبدا تفتقر إلى قدر من نعيم الدنيا يصلح شأنها ويجبر كسرها ويسد رمقها وَيَجُمُّهَا إذا كَلَّتْ وَمَلَّتْ فلا بد لها من راحة تباشر فيها من الطيب ما لا يذم ولا يحرم فتأخذ حظها منه فهو يُعِينُهَا أن تبلغ الغاية في رحلة الهداية ، فلا يشق على النفس باكتساب ما لا تطيق من أعمال التكليف على وجه يوقع صاحبه في التنطع فذلك ، أيضا ، مئنة من التفعل فلا يخلو من تكلف يكافئ دلالة التفعل في التكسب الذي يحرص فيه الإنسان على القدر الزائد فإما أن يحمد إن كان تكسبه لفضيلة على وجه لا يخالف فيه عن الطريقة طريقة السنة ، فـ : "لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَمَسُّ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" ، وإما أن يذم إن بلغ حد التنطع والتشدد الذي يفضي بصاحبه إلى ضد ما أراد فهو ينقطع في سيره إذ لا يطيق الديمومة وإن أطاق في الحال ، لا جرم كان اعتبار المشقة في الشرع ما يفضي إلى الجهد العظيم ولو مآلا وإن كان صاحبه لا يحصل له من الضر العاجل ما تظهر فيه المشقة حالا ، فالاكتساب ، كما تقدم ، يستغرق اكتساب الفضائل على وجه لا يبلغ بصاحبه حد التنطع ، ويعم اكتساب الرذائل فهي عليه ، فاتفق اللفظان حال افتراقهما ، وافترقا حال اقترانهما ، كما في قوله تعالى : (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ) ، فالكسب يحمد فهو لها ، والاكتساب ، من وجه آخر ، يذم فهو عليها ، فاستوفى السياق بهما شطري القسمة حمدا وذما ، فذلك يجري مجرى المقابلة بالنظر في الشطرين ، والطباق بالنظر في ألفاظ كل شطر في مقابل ما يطابقها في الشطر الآخر على وجه استغرق في كلا الشطرين فدلالة الموصول "ما" مئنة من العموم وهو ما يستغرق جميع الأحوال والأقوال والأعمال فجميعها مما يجري مجرى غير العاقل فهي أوصاف وأعراض تقوم بالذوات والجواهر فلا استقلال لها بنفسها في الخارج ، فَنُزِّلَتْ من هذا الوجه مَنْزِلَةَ غير العاقل وإن كانت أوصافا تقوم بالعاقل المكلف .
والله أعلى وأعلم .