المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأمانة والخيانة


rss
02-24-2017, 06:23 PM
الأمانة والخيانة
الْأَوْلَى في السؤال أن يكون عن العمل الذي ينفع في الدار الآخرة ، وإن لم يكن له قيمة مادية بالنظر في معيار هذا العالم ، فذلك مع موافقته لصحيح النقل فهو ، أيضا ، مما يوافق صريح العقل إذ يُقَدَّمُ الكامل الباقي في الدار الآخرة على الناقص الفاني في الدار الأولى ، ***ا سأل من سأل : متى الساعة ؟ ، كان العدول في جواب الحكيم أن يرشده إلى مناط النفع ، فـ : "«مَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا» . قَالَ: لاَ شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ»" .

فيعد لها من النافع في الدار الآخرة من الواجب الشرعي وإن خالف عن معنى ال**لحة العاجلة في هذه الدار في أحوال ، فثم ، كما يقول بعض المفكرين ، ثم افتراق بين الواجب وال**لحة في أحيان ، فقد يجتمعان فيكون في الفعل **لحة عاجلة ، ويكون واجبا بالنظر في قيم الأديان والأخلاق ، كأداء الأمانة في المال والأعمال ، فذلك مما تستقيم به الحال في الدنيا ، وهو ، مع ذلك واجب شرعي أمر به الوحي أمر الإيجاب النافذ ، فـ : "أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" ، فجاء الأمر الذي عم بدلالة التغليب فهو يتوجه إلى *** المكلف ذكرا كان أو أنثى ، ودلالة "أل" في "الأمانة" دلالة عموم يستغرق أفراد ال*** فهو يعم الأمانات جميعا ، وهو ، وإن انصرف إلى الأمانة المعهودة ، أمانة الأموال أو الأعيان ، إلا أنه يعم بدلالة الاستغراق فهو يستغرق أمانة الدين وأمانة الدنيا ، أمانة العلم وأمانة العمل ، أمانة النصح لكل إنسان ، فالمؤمن يُبْذَلُ له النصح في الدين فَيُؤْمَرُ بالمعروف وَيُنَهَى عن المنكر سواء أكان ذلك في الفروع أم في الأصول فقد يضل المؤمن في الأصول فَيَقْتَرِفُ من ناقض الإيمان ما يستوجب النصح فذلك من أمانة الدين وقد يستوجب الزجر والإنكار فذلك ، أيضا ، من الأمانة ، والكافر يُبْذَلُ له النصح في الدعوة إلى الحق ، فيدعى إلى التوحيد فهو الأمانة العظمى ، فكل أمانة بعد ذلك فرع عليها ، وأعظم خيانة هي خيانة الشرك ، إذ يخون العبد ربه ، جل وعلا ، فَيُفَرِّطُ في حق ربه ، جل وعلا ، ويظلم ، أي ظلم ، إذ يخالف عن مقتضى النقل والعقل ، فإن القياس الصريح يقضي أن يُعْطَى كل ذي حق حقه ، وأعظم حق هو حق الرب الخالق الرازق المدبر ، جل وعلا ، فَيُفْرَدُ بالتأله إذ هو المنفرد بالربوبية ، فَعَمَّ لفظ الأمانة كل أمانة ، أمانة الدين وأمانة الدنيا ، فحمل الإنسان أمانة الدين ، إذ أنيط به التكليف فَرُكِزَ فيه العقل الذي به يَفْقَهُ خطاب الوحي ، فجاء الخبر المؤكَّد في المحكم المنزَّل : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، وقد أسند الفعل إلى ضمير الفاعلين في "عرضنا" مئنة من التعظيم ، فحملها الإنسان ، ودلالة "أل" في "الإنسان" ، دلالة البيان لل*** ، فماهية العقل الذي رُكِزَ في الإنسان جبلة هي مناط التكليف فأنيط *** التكليف ب*** العقل ، إلا أن يكون ثم عارض يَرْفَعُ التكليف ، وجاء الأمر بالوفاء ، فهو ، أيضا ، من المواضع التي يوافق فيها الواجبُ ال**لحةَ ، فإن الوفاء بالعقود مما تحفظ به الحقوق وتصان ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فجاء نداء البعيد ولا يخلو من دلالة التنبيه في حق المخاطَب ودلالة التعظيم في حق المخاطِب ، جل وعلا ، وثم وصلة بـ : "أي" ، تَوَصَّلَ بها المنادي إلى نداء المنادى الذي حُدَّ حَدَّ الوصل المجموع المذكر بالنظر في أصل الوضع في "الذين" ولا يخلو من دلالة التغليب الذي يعم كل مكلف ، فضلا عن دلالة عموم أعم ، إذ خوطب المؤمن وأريد عموم المخاطبين سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين ، فخوطب الجمع أن : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، وذلك أمر الإيجاب النافذ ، فتلك دلالة الأمر بالنظر في أصل الوضع في اللسان ، فالأصل فيه الإيجاب إلا أن ترد قرينة صارفة ، ولا قرينة هنا تصرف الأمر عن الإيجاب إلى غيره ، إلى ندب أو إباحة ..... إلخ ، وثم هنا ، أيضا ، دلالة تغليب إذ واو الجمع المذكر في "أوفوا" تستغرق *** الرجال وقرينة العموم في التكليف تستغرق *** النساء ، فهن شقائق الرجال ، وذلك ، كما تقدم ، الأصل في التكليف ، فـ : "إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ" ، فجاء ذلك تذييلا على حكم الغسل الخاص فهو مما يستوي فيه الرجال والنساء ، وإن كان ثم اختلاف في ماهية الماء النازل في الحلم ، فذلك فارق لا يؤثر في إيجاب الحكم إذ مناطه نزول الماء بلذة أو احتلام ، رق أو ثخن ، قل أو كثر ، وكان ، أيضا ، ثم اختلاف في الأسباب فزيد في حق المرأة غسل الحيض ، وزيد في ماهية الغسل في حق النساء نقض الضفائر على قول ، أو دلكها على وجه يغلب على الظن فيه بلوغ الماء ما بطن من الضفيرة ، فجاء التذييل بالعام : "إِنَّمَا النِّسَاءُ شَقَائِقُ الرِّجَالِ" ، بعد حكم خاص استوى فيه ال***ان ، فيجري ذلك مجرى الإطناب بعام بعد خاص ، فجاء العام الذي صدر بـ : "إنما" ، فذلك من القصر الذي يقرر المعنى ويؤكده ، ودلالته في اللسان دلالة إثبات ونفي فينحل اللفظ ، على قول ، إلى "إن" إثباتا ، و "ما" نفيا ، فانضما على وجه يحصل به القصر المؤكد ، وهو ، من وجه آخر ، من أضعف أساليب القصر ، وكأن الأمر قد بلغ من البداهة ما لا حاجة فيه أن يؤكد بقصر أقوى ، فاقتصر على الأضعف إذ لا حاجة إلى الأقوى فالزيادة إن لم تُفِدْ معنى فهي حشو يَتَنَزَّهُ عنه آحاد الناطقين فكيف بالصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو من أوتي جوامع الكلم ؟! ، فجاء القصر تقريرا للأصل العام في التكليف ، وهو التَّسَاوِي بين ال***ين ، الرجل والمرأة ، ولا يخلو من قصر آخر بتعريف الجزأين "النساء" المعرف بـ : "أل" و "شقائق الرجال" المعرف بالإضافة إلى معرف محلى بـ : "أل" "الرجال" ، فضلا عن دلالة الطباق إيجابا بين النساء والرجال فهو مئنة أخرى من عموم الحكم ، فجاء الأمر في آية المائدة أن : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، فدلالة التغليب تعم ال***ين ، كما تقدم ، ودلالة "أل" في "العقود" مئنة من العموم الذي يستغرق كل عقد ، سواء أكان من عقود الدين ، وآكدها عقد التوحيد فهو أصل كل عقد نافع ، وبعده عقد التشريع فهو عقد الحلال والحرام خص أو عم ، فذلك ما يكافئ العموم في لفظ "الأمانة" ، وقل مثله في النهي الذي يجري مجرى اللازم للأمر في آية المائدة ، فجاء النهي في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فثم نداء آخر لمن آمن ، وهو يعم ، كما تقدم ، بدلالة التغليب ، وجاء النهي أن : (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) ، فذلك نهي التحريم بداهة ، وقد خص ثم عم ، فخص الله ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك يكافئ إفرادهما بالطاعة في قوله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فالرب ، جل وعلا ، هو الشارع ، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الناقل ، فخيانة الله ، جل وعلا ، تكون بالشرك فهو أعظم خيانة ، كما أن التوحيد هو أعظم أمانة ، فالقياس يطرد وينعكس ، فتلك خيانة تَنْقُضُ أصل الدين الجامع ، كما أن من الخيانة ما يَنْقُضُ كماله الواجب ، فالعصيان يَنْقُضُ كمال الدين الواجب إن لم يكن القول أو العمل في نفسه ناقضا لأصل الدين فقد يجتمع فيه وصف العصيان ووصف الكفران جميعا ، فثم معاص تنقض أصل الدين الجامع ، وإن انصرف الذهن حال إطلاق لقب العصيان إلى ما ينقض كمال الدين الواجب دون أصله الجامع فينصرف إلى المخالفة في القول والعمل دون أن ينتقض أصل التوحيد في القلب ، وذلك قد يصح بالنظر في أصل التصديق ، فقد يقترف المكلف من ناقض التوحيد والإيمان ، من القول أو العمل ، ما ينقض أصل الدين وإن لم ينقض أصل التصديق المجرد فيكون **دقا بقلبه كافرا بقوله أو بفعله فلا ارتباط بينهما كما زعم من زعم من أهل الكلام ممن تلبس بمقال الإجاء لا سيما من تأخر منهم ، إذ التزموا اقتران الوقوع في ناقض من القول أو العمل مع انتقاض أصل التصديق الباطن ، فلا بد أن يزول مع اقتراف الناقض الظاهر من القول أو العمل ، وذلك ما لا يلزم ، فكم من كافر قد صدق بالباطن ولكنه أبى واستكبر في الظاهر ، كما كانت حال إبليس فهو من أكابر ال**دِّقين ، مع أنه من أكابر المجرمين ! بل هو رأس الكفر ومادة الخبث في هذا الكون في مقابل مادة الطهر جبريل عليه السلام على وجه استوفى قسمة العقل في خلق الأضداد ، كما يُنَوِّهُ بعض المحققين ، فثبت فيه من القدرة في الخلق والحكمة في التدافع بين مادة الخير ومادة الشر ما يوجب الثناء بالكمال المطلق على الرب المهيمن ، جل وعلا ، *** ينفعه التصديق المجرد إذ أبى واستكبر مع زوال شبهة الإكراه والجهل والتأويل الذي يعذر صاحبه سواء أكان العذر ينفعه في رفع الحكم والإثم جميعا أم كان ينفعه في رفع الحكم بالكفر دون الإثم ، وذلك ما أبطل به المحققون قول الغلاة من المرجئة من المتجهمة الذين قصروا الإيمان على المعرفة المحضة في الجنان وإن لم تشفع بقدر زائد في القلب من التصديق لا التصديق المجرد وإنما التصديق المشفوع بالإقرار المؤكد مع الإذعان والانقياد فذلك عمل زائد في القلب يوجب ترجيح طرف الإثبات على طرف النفي ، وطرف القبول على طرف الرد ، فضلا عن عمل الجنان من الإرادة والمحبة والخوف والتوكل والاستعانة والاستغاثة .... إلخ ، وعمل الظاهر من عمل اللسان ذكرا وتلاوة وعمل الأركان فعلا وتركا فكل أولئك مما يدخل في حد الحقيقة الإيمانية ، فقصروا الإيمان على معرفة محضة ساذجة كمعرفة إبليس فهو من أعرف الناس بالرب ، جل وعلا ، ولكنه ، في المقابل ، من أكفر الناس به ، جل وعلا ، بل هو أكفر مخلوق فهو مادة الشر والخبث ، كما تقدم ، وأفحشه الشرك ، فهو شر فعل وأخبثه ، فـ : (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) ، فقدم بالسبب وهو الإباء والاستكبار لا على حد الحصر لأسباب الكفر ، فمن الكفر كفر العمل وكفر القول وكفر الجحود ، وثم كفر بالفعل وآخر بالترك ، كترك التحاكم إلى الشرع المنزَّل ، وقد يقال من وجه آخر إن مرد ذلك جميعا إلى الكبر فلا تخلو نفس كافر من كبر أن ينقاد للحق بعد ظهور حجته واستبانة محجته ، فقدم بالسبب وأردف بالمسبَّب وهو الكفر ، فذلك من عطف التلازم بين السبب والمسبَّب ، وقد زيد في تقرير الحكم أن حُدَّ حَدَّ الكينونة الماضية فضلا عن دلالة "مِنْ" فهي مئنة من بيان ال*** فكأنه من معدن الكفر قد صدر فلا تخلو "مِنْ" من دلالة ابتداء الغاية ، فكان من معدن الكفر الذي استغرق بدلالة "أل" في "الكافرين" ، فهي تعم ، من وجهين ، فتعم وجوه المعنى إذ تستغرق مادة الكفر وذلك ما ينصرف بداهة إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع ، فينصرف إلى المعنى الأكبر ما لم تكن ثم قرينة تصرفه إلى المعنى الأصغر ، وذلك أصل في هذا الباب ، في إطلاق الأسماء والأحكام ، وهو من *** الكفران الأكبر في قول الرب الأعز الأكرم تبارك وتعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وهي ، من وجه آخر تعم آحاد ال*** الذي يصدق فيه اسم الكافر فكان إبليس منهم ، فجاء التوكيد من هذا الوجه تسجيلا للجناية بحدها حَدَّ الكينونة الماضية التي تدل على ديمومة الاتصاف ، فذلك آكد من القول في غير التنزيل : أبى واستكبر وكفر .
وكذلك الشأن في فرعون ، فقد علم ولكنه جحد ، فـ : (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) ، فجحد بها مع استيقان القلب كما قص الوحي من حال أولئك ، فـ : (جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) ، فجحد الظاهر واستيقن الباطن ، *** ينفع اليقين الباطن إذ لم يصدقه الظاهر بل نقضه اختيارا مع انتفاء شبهة الإكراه أو الجهل أو التأويل الذي له حظ من قرينة ، ولو مرجوحة ، خلافا لتأويل كتأويل الباطنية الذي يخالف عن كل قياس ولو مرجوحا بعيد المأخذ فهو نقض صريح للنقل والعقل جميعا على وجه لا عذر فيه ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، يدخل في عموم الخيانة التي استفيدت من إطلاق الفعل في الآية أن : (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) ، فالخيانة تكون بالتكذيب والإنكار الصريح ، وتكون بالتأويل الذي يتحايل فيه المتأول أن ينقض دلالة اللفظ المنزَّل فيصرفه إن في العقد أو في الشرع ، يصرفه من المعنى الظاهر المتبادر إلى آخر مرجوح بعيد بلا قرينة توجب ذلك فضلا أن يصرفه إلى وجه محال لا حظ له في اللسان ولو بعيدا ، فيكون التأويل باطنا ينقض بدائه النقل والعقل وا*** واللسان ! ، فثم خيانة من كَذَّبَ ممن صرح بالكفر ، وثم خيانة من تأول سواء أكان ذلك في الإلهيات أم في الشرعيات ، والخيانة في الشرعيات ، لو تدبر الناظر ، أعظم ، إذ ألفاظ التكليف وماهياته مما بلغ حد الاشتهار والتواتر على وجه يجعل المخالفة فيه عن الظاهر إلى معنى آخر باطن ! أشد قبحا من التأويل في الإلهيات ، وإن كان *** التأويل في الوحي مما يذم ما لم تكن ثَمَّ قرينة صحيحة صريحة من السياق تصرف اللفظ عن الظاهر إلى المؤوَّل في باب توقيف في الإلهيات وسائر الشرعيات مما لا تعقل علته الأخص وإن وجدت النفس آثار حكمته الأعم ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يطلق عليه أنه تأويل من باب التجوز في اللفظ ، فلو تدبر الناظر ، لوجد أن الحمل فيه حمل على الظاهر المتبادر ، ولكنه في هذه الحال ، ظاهر مركب من اللفظ بالنظر في دلالة المعجم الأولى ، دلالة الإفراد ، ومن السياق فقد يشهد لمعنى دون آخر من معاني اللفظ إن وقع فيه الاشتراك ، فقرينة السياق ترجح في المشترك وجها دون آخر ، وقد ترجح في أحيان : أَكْثَرَ من معنى فيحمل اللفظ عليها جميعا إذ لا تعارض أو تناقض بينها بل إن حمل اللفظ عليها جميعا يُثْرِي السياق بِتَوَارُدِ المعاني الصحيحة على لفظ واحد ، وذلك مما يصح على قول من يجوز دلالة العموم في المشترك ، فالحمل هنا حمل على ظاهر ، ولكنه ظاهر مركب لا ظاهر بسيط مجرد يقتصر فيه الناظر على دلالة المعجم الإفرادية دون النظر في الدلالة السياقية ، فإن قيل فيه تأويل فهو من باب التجوز في اللفظ فلا مشاحة في الاصطلاح ما لم يصر ذريعة إلى تقرير باطل كما في لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين فقد صار ذريعة إلى إقرار معان باطلة تصرف فيها ألفاظ الوحي عن دلالتها المتبادرة إلى دلالات أخرى بعيدة أو باطلة دون قرينة صحيحة صريحة سالمة من المعارضة بل قد يبلغ البطلان في أحيان أن لا تكون ثم قرينة ولو بعيدة ! ، فيكون التحكم المحض الذي يبلغ حد التلاعب بدلالات الألفاظ على وجه يفضي إلى إبطال دلالات اللسان الضرورية ، فيكون اللفظ صوتا مجردا من الدلالة فلا يدل على معنى يفهم فينتقض حد الكلام في اصطلاح النحاة فهو اللفظ المفيد ، فصار لفظا مطلقا لا يفيد ابتداء فهو صوت محض يحكيه الناطق ويسمعه المخاطب دون أن يكون ثم معنى يستقر في الذهن قبل النطق والسمع ، فليس إلا صوتا كالأصوات التي تطلقها العجماوات ، ومن ثم يجتهد المتكلم والمخاطب بعد ذلك أن يُرَكِّبَ لهذا اللفظ دلالة توافق ما يهوى وما يجد ! ، فلا يكون ثم معنى استقر بدلالة أولى تسبق على وجه يبلغ حد الضرورة التي يفيدها نقل التواتر لألفاظ اللسان ودلالاته فهي مما سبق نُزُولَ الوحي ونقله ، والوحي ، كما يقرر بعض المحققين ، مما يفسر بلسانه الذي نَزَلَ به ، واللسان الذي تقدمه ، ولسان من أتى بعده ما لم يطرأ اللحن ، فحد له أهل الشأن حدودا إن في الحضر وفساد اللسان فيه أسرع إذ تكون الخلطة بالأعاجم فيه ما لا تكون في البادية فلسانها أنقى والاحتجاج به أطول كما قرر أهل الشأن ، فكان من عظيم الخيانة الدينية والخيانة في المنطق الباطن والظاهر أن تصرف الألفاظ عن دلالاتها الظاهرة المتبادرة المركبة ، من دلالة الإفراد وضعا ودلالة التركيب سياقا ، أن تصرف عنها إلى دلالات أخرى بعيدة أو باطلة على وجه يفضي إلى إبطال الشرع ، فتلك خيانة عظمى تضاهي الخيانة في التوحيد أن يشرك به ، جل وعلا ، ما لم ينزل به سلطانا من أوثان ا*** أو المعنى ، وهما ، لو تدبر الناظر ، مما يقترن في الغالب ، فكلاهما من الخيانة في الدين ، فالخيانة في التوحيد بالتشريك تضاهي الخيانة في التشريع بالتعطيل للوحي المنزَّل واستبدال شرع محدَث به ، وذلك شرك في الطاعة والتأله ، فضلا أنه شرك في معنى من معاني الربوبية ، ربوبية التشريع ، وهو شرك في الأسماء والصفات فما الأحكام ، جميعا ، الكونية والشرعية ، إلا آثار اسمه ، جل وعلا ، الحكم ، كما في الخبر : " إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ" ، فتلك دلالة قصر في الشطر الأول "الله هو الحكم" ، فهو قصر بتعريف الجزأين "الله" و "الحكم" فضلا عن دلالة التوكيد بالناسخ المؤكد "إن" واسمية الجملة فهي مئنة من الثبوت والاستمرار وضمير الفصل "هو" ، وثم دلالة قصر في الشطر الثاني "وإليه الحكم" ، فهو قصر بتقديم ما حقه التأخير فذلك ، كما يقول أهل المعاني ، مئنة من الحصر والتوكيد جميعا ، فتلك دلالات قصر يصدقها قصر الوصف والحكم في التنزيل في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) ، فدلالة "أل" في "الحكم" دلالة عموم يستغرق فهو يعم حكم التكوين وحكم التشريع جميعا ، والقصر في الآية قد حُدَّ حَدَّ النفي بـ : "إِنْ" النافية والاستثناء بـ : "إلا" ، أقوى أساليب القصر ، وهو مما يحمل على الحقيقة فلا حكم في الكون إلا لله ، جل وعلا ، فهو الخالق الرازق المدبر ..... إلخ من وظائف الربوبية ، ولا حكم في الشرع يصح إلا ما كان منه ، وقد يقال إن القصر يجري مجرى الإضافة مبالغة في تقرير المعنى فثم حكام غيره ، جل وعلا ، إن بالحق كالأنبياء ، عليهم السلام ، ومن تبعهم ممن يحكم بالوحي المنزَّل ، أو بالباطل كمن يحكم بالوضع المحدث كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار المتأخرة ، فالحكم الحق له وحده ، جل وعلا ، وحكم الأنبياء عليهم السلام ومن تبعهم يدخل في حكمه إذ لا يحكمون ، بداهة ، إلا بما أَنْزَلَ من الوحي ، والأنبياء ، عليهم السلام ، لا يُبَلِّغُونَ ولا يُبَيَّنُونَ إلا ما أمروا ببلاغه وبيانه فكل ما حكموا به فهو من عند الله ، جل وعلا ، فهو الحاكم ابتداء وهم الحكام بما أسند إليهم من منصب البلاغ للألفاظ والبيان للمعاني .

فجاء النهي عن الخيانة مطلقا ، إن في التوحيد أو في التشريع ، كما تقدم في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، وَقُرِنَ الرسولُ المبلِّغ المبيِّن صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالرب المشرِّع ، جل وعلا ، فذلك ، كما تقدم ، من باب التعاطف في الأمر بالطاعة في قوله تعالى : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، فخيانة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتكذيب خبره أو تعطيل حكمه ، سواء أكان تصريحا أم تأويلا ، هذه الخيانة ، عند التدبر والنظر ، خيانة لله ، جل وعلا ، إذ هو الذي تكلم بالوحي فأخبر بالصدق وحكم بالعدل وأرسل الروح الأمين وأرسل سائر النبيين بالوحي بلاغا وبيانا فهو المنشأ ومن سواه فهو المبلِّغ المبيِّن ، فخيانة الرسول خيانة لمن أرسله ، كما أن توحيد المرسِل ، جل وعلا ، يستوجب في النقل والعقل ، توحيد الرسول الذي جاء بخبره وحكمه ، والتكذيب بأحدهما يستوجب التكذيب بالآخر فالقياس يطرد وينعكس ، فالتلازم فيه حاصل طردا بحفظ أمانة الله ، جل وعلا ، وأمانة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وعكسا بخيانتهما ، ومن ثم جاء العطف مع تكرار العامل إمعانا في التوكيد من وجه وترشيحا لقسمة في العقل فيقتصر العامل الأول على خيانة الدين ، ويكون الثاني لخيانة الدنيا : (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) ، فيكون السياق قد استوفى أجزاء القسمة العقلية على وجه يستغرق سائر وجوه الخيانة فهي مما يذم مطلقا إن في الدين أو في الدنيا ، كما أن الوفاء الذي أمر به في آية المائدة : (بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، كما أن هذا الوفاء يمدح مطلقا ، سواء أوافق ال**لحة ، كما تقدم ، أم خالفها فَثَمَّ ، كما يقول بعض المفكرين ، قوتان تحركان أي نشاط للإنسان ، وهما قوة الواجب الديني والأخلاقي ، وقوة ال**لحة التي تنصرف ، بادي الرأي ، إلى المعنى المادي النفعي ، وذلك مذهب معاصر في عالم السياسة هو المذهب البراجماتي النفعي الذي هيمن على المركز في تقريراته السياسية والاقتصادية ، بل وَأَثَّرَ في تقريراته الأخلاقية على وجه خالف البدائه إذ أعاد تعريف الفضائل على وجه يواطئ ال**الح التي صارت هي الأصل وما سواها من المبادئ الدينية والأخلاقية فهو فرع ، فما يحقق ال**لحة المادية فهو الحق وإن خالف الأديان والأخلاق والأعراف والعوائد وسائر المعاني الشريفة ، وما لا يحققها فهو الباطل وإن وافق الوحي المنزل فإما أن يخون الوحي صراحة فهو خرافة ما وراء الطبيعة من الغيوب المتوهمة فليست إلا الخرافة التي انعتق العقل من ربقتها ومن ربقة الدين فقد صار في مذاهب ما بعد الحداثة قرين الخرافة ! ، وإما أن تكون الخيانة من وجه لطيف ! بتكلف التأويل مع إظهار التعظيم للوحي وصاحبه ، من وجه آخر ، مَاضٍ في إبطاله فهو يجتهد في صرف ألفاظه عن معانيها الظاهرة إلا ما شاء من المعاني على وجه يحقق ال**الح ولو جاوز لأجلها المبادئ والأخلاق ، كما تقدم ، فحصل التعارض ، من وجه ، بين الواجب وال**لحة وإن كانا مما يتوافق في أحيان ، كما تقدم من أداء الأمانات بالنظر في معناها المعهود المتبادر وهو ما يدخل في عموم الأمانة في الخبر المتقدم أن : "أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" ، فدلالة "أل" في "الأمانة" فيها تستغرق بل وقد يظهر فيها من معنى العهد الخاص ما يصرفها إلى أمانات الدنيا من الأموال والأعيان والشهادات التي تحفظ بها الحقوق وتصان ولعل دلالة انتهاء الغاية بـ : "إلى" مما يشهد بذلك ، فيؤدي الأمانة إلى أصحاب الحقوق فانصرف ذلك إلى ما يعطى من الأموال والأعيان ، كما تقدم ، وإن كان اللفظ مما يحتمل دلالة الأمانة الأعم فيؤدي أمانة النصح في الدين للمؤمن توكيدا وتقويما ، وللكافر تأسيسا لعقد التوحيد فهو أصل كل عمل نافع فلا يُجْدِي إلا أن يكون باعثه التوحيد فهو الأصل الأول والأمانة العظمى ، أمانة التكليف ، كما تقدم في قوله تعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) ، فلا ينفع التزام بشرائع أو أخلاق ما لم يكن الباعث هو التوحيد الذي جاءت به الرسالات فهو أول حق لرب البريات ، جل وعلا ، وأول ما يكلف به العاقل الذي يصح توجه خطاب التكليف إليه ، فـ : (قَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا) ، فعم بدلالة "مَا" في "ما عملوا" ، فهي دلالة الموصول الذي يستغرق وهو مما ينصرف إلى غير العاقل بالنظر في دلالة الألفاظ في معجم اللسان ، إذ الأعمال تجري مجرى الأوصاف بل هي من الأوصاف : أوصاف الفعل ، والأوصاف مما يُنَزَّلُ منزلة غير العاقل إذ لا تستقل بذاتها في الخارج فليست ذوات عاقلة ، وإنما هي أعراض تقوم بالذوات سواء أكانت عاقلة أم غير عاقلة ، فَحُدَّتْ من هذا الوجه حد الاسم غير العاقل وعمت كل عمل فدلالتها تجاوز الفعل إلى الترك ويدخل فيها النطق والصمت بل وعمل الجنان الباطن فهي تستغرق كل فعل يقع اختيارا ظهر أو بطن ، فالعمل معنى يجاوز المعنى المعهود المتبادر من حركة الجوارح في الخارج فيستغرق كل حركة اختيار بطنت أو ظهرت ، خصت الفرد في عقد أو شعيرة أو عمت في حكم أو سياسة أو حرب ..... إلخ ، فكل ما عملوا قد صار هباء إذ لم يكن باعثه ، كما تقدم ، الأمانة العظمى ، أمانة التوحيد ، أصل الأصول الذي لا يصح أصل ولا فرع إن لم يصح ابتداء ، وقد يقال إن ثم نفعا قد يحصل في الأولى ، فـ : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، فمن أقام دولة العدل ولو كافرا فإنه يجد آثارها من الخير والسعة في هذه الدار وذلك ما يراه الناظر في هذه الأعصار فالدولة الكافرة العظمى قد أقامت العدل ولو دَاخِلَ حدها *** تجاوزه وهي ، من وجه آخر ، تشكو الفصام النكد بين الواجب وال**لحة فالواجب شعارها المعلن وال**لحة باعثها حقا وإن استجازت لأجلها أن تخالف عن مبادئها المعلنة ولو في أضيق نطاق ، بل قد يتسع نطاق المخالفة والانتهاك لحقوق الإنسان والدواب وسائر الكائنات إن كان في ذلك تحقيق ل**لحةٍ بالنظر في المعنى النفعي الانتهازي الفج ، فَيَتَّسِعُ نطاقُ المخالفة في خارج حدها إذ قد صارت القيم نسبية تخضع لتأويل الأهواء والأذواق فصارت ال**لحة هي الباعث لا الواجب من الشرائع أو الأخلاق فتلك خرافات ! أو شعارات معلنة تجمل قبح الفعل في السياسة والحرب ، وذلك ، كما يقول بعض المفكرين ، دليل دامغ أن الأخلاق حق وإن خالف عنها من خالف فإن تشدقه بها وحرصه أن يتحلى بها ولو زورا ، وتأويله لما يقترف من الجرائم أن يخرجها على أصول العدل والأخلاق فضلا عن الأديان والشرائع ! لا سيما إن رزق بطانة سوء من علماء يجتهدون في تخريج جرائمه على أحكام الشرع فتعظم الجناية في حق الوحي أن يظن من يظن أنه يكرس الظلم والاستبداد ويهدر الحريات مع أنه قد جاء ليحقق أعظم حرية إذ يعتق العبد من كل عبادة إلى توحيد رب البرية ، جل وعلا ، وحده ، فلا وجه لمن يُزَايِدُ فَيُخَيِّرُ الناظر بين العدل والحرية فلا يكون العدل إلا بالقمع والاستبداد ! ، فذلك باطل إذ العدل لا يكون إلا مع الحرية الحقة من كل استبداد باسم الدين أو الدنيا ، ولو باسم الحرية المطلقة فهي تؤول آخر أمرها إلى استبداد آخر تمارسه أقلية تخرج عن الأديان والأخلاق والأعراف باسم الحرية المطلقة فتستبد أن تخدش القيم والمبادئ التي تعظمها الجماعة فلا تقيم لها وزنا كما تصنع النخب المستبدة في السياسة والمال فلا تقيم للأكثرية وزنا فذلك ، أيضا ، من الاستبداد ولا يحسم كل أولئك إلا أن يخرج العباد من كل عبودية إلى عبودية رب البرية ، جل وعلا ، وحده ، فيوفوا بعقد الرسالة فهو أعظم العقود ، وهو أول ما يدخل في دلالة "العقود" في آية المائدة في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ، ولا يخونوا الأمانة ، فذلك أول ما يدخل في النهي في آية الأنفال : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) ، وهو يدخل ، ولو من وجه ، في الشطر الثاني من خبر : "أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" ، وإن كان السياق ، بادي الرأي ، ينصرف إلى الخيانة في الأموال والأعيان وهي ، عند التدبر والنظر ، تدخل في حد الأديان بالنظر في معنى النهي فهو من نهي الشرع المنزَّل ، فالدولة الكافرة تزدهر إذا أقامت العدل ، كما تقدم ، فكان الواجب رائدها ولو داخل حدها فال**لحة رائدها خارج الحد على وجه يحصل فيه التناقض الذي يسلم منه من طَرَدَ الباب فجعل الواجب من الأديان والأخلاق هو رائده دوما ، حقيقة لا دعوى ، وإن كان الظاهر بالنظر في أحكام هذه الدار أنه منهزم غير منتصر ، كما يُنَوِّهُ بعض المفكرين ، فقد يقتل أو يؤسر أو يطارد وقد يموت فقيرا خامل الذكر وقد يحصل له من الألم ما يخالف عن مذاهب اللذة المادية التي تجعل ال**لحة رائدها والقوة آلتها في تحصيل مُتَعِهَا وحظوظها العاجلة ، فإن كان المقياس هو مقياس ا*** في هذه الدار فهو مهزوم بل مجنون أن تَقَصَّدَ العناء والشقاء بلا مقابل فلا بد من معيار آخر ، فمعنى التضحية ، كما يقول بعض المفكرين ، من المعاني التي يحصل فيها التناقض بين الواجب وال**لحة فهي بمعيار هذه الدار خسران بل وربما جنون فما الذي يجعل العاقل يتكلف الآلام نصرة لغيره أو يؤثر غيره بحظه من اللذة والراحة ، ولكنها ، في المقابل ، بمعيار الأخلاق ، هي مما يَعْظُمُ فهي الذريعة إلى السيادة :
لولا المشقة ساد الناس كلهم ******* الجود يفقر والإقدام قتال .

وهي بمعيار دار أخرى غير هذه الدار مما يعظم في الأجر في دار الخلد فلها معيار آخر يغاير معيار هذه الدار في الثواب والعقاب ، فالجزاء فيها با***نات لا بأوراق النقد أو مثاقيل الذهب والجوهر ! ، وهي مناط استحسان عند جميع العقلاء ، وإن كانوا على ضدها فهم يقدمون ال**لحة على الواجب ، ولكنهم مع ذلك يمارسون ، كما يقول بعض المفكرين ، زيفا أخلاقيا بانتحال الأخلاق زورا فذلك في حد ذاته دليل يبرهن على قيمة الأخلاق الصحيحة ، فـ : "كَفَى بِالْعِلْمِ فَضِيلَةً أَنْ يَدَّعِيهِ مَنْ لَيْسَ فِيهِ، وَيَفْرَحُ إِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ، وَكَفَى بِالْجَهْلِ شَيْنًا أَنْ يَتَبَرَّأَ مِنْهُ مَنْ هُوَ فِيهِ وَيَغْضَبَ إِذَا نُسِبَ إِلَيْهِ" .

فالنهي في آية الأنفال قد استغرق ، فاستغرق شطر الدين في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) ، وشطر الدنيا في قوله تعالى : (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) ، فذلك يجري مجرى عطف الأجزاء على وجه تُسْتَوْفَى به قسمة العقل ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن هذا من عطف العام على الخاص إذ أمانة الدين تدخل في عموم "أماناتكم" ، وذلك مما يصح حمله على العموم في لفظ الأمانة في جمل من الأخبار الصحيحة كما في الخبر : "«فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» ، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»" ، فذلك ، أيضا ، يعم أمانة الدين فإذا وسد أمرها إلى غير أهله فتصدر الجهال فأفتوا في الدين بغير علم ، أو تصدر علماء السوء فكتموا الحق فقد ضيعت الأمانة ، وهو يعم ، أيضا ، أمانة الدنيا فتوضع في غير أهلها وَيُوَلَّى أمرَ الناس من ليس بكفء لا في دينه ولا في دنياه ! ، فلا أمانة ولا قوة ، كما ترى في هذه الأعصار لا سيما في ممالك الاستبداد وأنظمته إذ يكون معيار التولية والعزل القرابة لا القوة والكفاءة .

وقد ختمت آية الأنفال بالحال : (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ، فذلك مما يجري مجرى القيد الذي به يحترز فقد يخون وهو يجهل على وجه به يعذر خلافا لخيانات لا عذر فيها إذ ناقض أصحابها دلائل المتواتر الذي يفيد العلم الضروري فلا يفتقر إلى نظر أو استدلال .

والله أعلى وأعلم .