rss
09-12-2016, 08:00 AM
بين التقليد والجدال
لما أبطل الخليل عليه السلام حجة قومه بنظر صحيح صريح لم تكن حجتهم ، آخر الأمر ! ، إلا أن : (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ، وتلك ، لو تدبرت ، حجة كل مارق ، فإذا سئل لم يعبد الصخر أجاب أنه إرث الآباء والأجداد ، وإن سئل لم يحكم بالوضع المحدث ويرضى أن يستبدله بالوحي المنزَّل أجاب أنه إرث القانون المقدس ، فَلَهُ من الحرمة والحشمة ما يوجب الامتثال والطاعة ! ، وإن صح قوله من باب التَّنَزُّلِ في الجدال مع الخصم ، فقول فلان أو فلان من أصحاب المذاهب الفكرية أو الطرائق الشرعية المحدثة ، قوله مقدس ، وهو بشر غير معصوم يصيب ويخطئ ، فكيف بقول الرب الخالق ، جل وعلا ، وهو الأعلم يما يصلح أمور الناس فَلَهُ من كمال الوصف ما ليس للمخلوق الذي يجهل أكثر مما يعلم والاضطراب في شرائع البشر المحدَثة أمر ظاهر على وجه يوجب ردها إلى مرجع محكم يَتَجَاوَزُهَا فهو يَقْضِي بين المتشابهات بمحكم من القول وَفَصْلٍ ، وليس ذلك إلا قول الوحي المنزَّل الذي يأبى العقل الجامح أن يخضع لسلطانه إذ طغى بما ظن من أسباب العلم المحدث ، فدرج من درج في الباطل حتى ظنه الحق المحكم فعظمت البلوى كما أثر عن عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فهو يُعَالِجُ أمرًا نشأ فيه الصغير وهرم فيه الكبير فنشأ من نشأ في الباطل المحض وهو يظن أنه على الحق المحض ، فعسر عليه التحول من حال إلى أخرى ، ولو كانت أحسن ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) ، فإن انْتِقَالَ الناس عن طبائعهم إلى طبائع أخرى أمر يشق في العادة إلا على أصحاب النفوس الكبيرة التي تجهد في طلب الحق فتجرد القصد وتحسن البحث والنظر فلا يعنيها أن يكون الحق في قول من خالفها فإن نواله ، ولو من طريق المخالف ، هو الغاية التي لا تعدلها غاية ، وذلك كلام يسهل حده في الألفاظ نطقا حال الوفاق والوئام إذا كانت النفوس مطمئنة فإذا وقع الخلاف وتعارضت الأقوال تَبَيَّنَ من يحسن يجادل بالعدل ومن يظلم فيتعدى بالقول والفعل ، وإن لم يكن الإنسان أهلا أن يجادل بالحق فلا أقل أن يعتزل فلا يظلم ، وأن يدعو الرب ، جل وعلا ، أن يهديه الحق فلا يضل ولا يشقى فليس شرطا في كل طالب للحق أن يكون مجادلا يحسن الجدال وتشقيق الألفاظ بل قد يكون ذلك سببا في فساد حاله وإضاعة وقته فيما لا ينفعه ، وإن نفع غيره ، فالجدال ، أيضا ، مما يجري عليه حكم الاجتهاد ، فلا يجب على الجميع ، بل قد يحرم في أحوال ، إن جادل الإنسان بغير علم فما يدريه لعله يتصدى يجادل صاحب شبهة له لسان ومنطق فَيَغْلِبَهُ فَتَكُونَ فتنة له ولأهل الحق إذ غُلِبَ لا أن الحق مغلوب بل هو ظاهر منصور ، وإنما ضعف من يدافع عنه ويجادل إذ لم يكن له حظ يجزئ في العلم ، فلا يتصدى لتفنيد الشبهات ونقد المقالات الفكرية والسياسة إلا من له دراية وأهلية ، أهلية الشرع فهو يعلم حدود الشريعة المحكمة فيحسن يرد بها الأقوال المتشابهة ، وأهلية النظر فهو يحسن يستنبط الدقائق ليبطل بها قول المجادل عن الباطل ، وأهلية النظر العام في أمور الناس وأحوالهم وما ظهر فيهم من طرائق في الفكر وتوجهات في الحكم الخاص والعام ...... إلخ ، ولا يحيط كل أحد بذلك ، فكان جدال المبطلين ، عند التدبر والنظر ، شعبة من شعب الاجتهاد ، فلا يجب على كل أحد إيجاب الفرض العيني فلا يطيق كل أحد تحصيل ما تقدم من شرائط الأهلية الشرعية والفكرية ، وإنما تلك أمور يمتن بها الرب ، جل وعلا ، على من شاء من عباده ، ولا تطيق كل نفس إبطال الشبهة ، وإن كانت تَرْكَنُ إلى مستند راسخ من الحق ، فَالشُّبَهُ ، كما يقول بعض العلم ، خطافة ، والقلوب ، في المقابل ، ضعيفة لا سيما إن اغتر الإنسان بعقله فظن فيه كفاية فإذا وُكِلَ إلى نفسه فذلك مبدأ هلاكه ، وإن رام نصرة الحق بالجدال والحِجَاجِ ، فما لم يجرد القصد ويجتهد في الدعاء ويظهر الافتقار إلى رب العباد ، جل وعلا ، أن يهديه سواء السبيل ، ما لم يكن ذلك فهو إلى الهلكة أقرب منه إلى النجاة ، وإن كان له من العقل والذكاء ما له ، فما لم يشفع هذا الذكاء بِزَكَاءِ الوحي الذي يصحح القصد والإرادة في الباطن ، ويصحح القول والعمل في الظاهر ، فما لم يكن ذلك فلا يغني عنه عقله شيئا إن حجب عن شمس الرسالة الهادية ، فليس إلا الظنون التي لا تُغْنِي ، فـ : (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) ، فلا يجب الجدال على كل أحد ، كما لا يجب الاجتهاد على كل أحد ، وإنما جدال المبطلين مما أمر به رب العالمين ، جل وعلا ، فـ : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، فَنَهَى ، جل وعلا ، عن الجدال إلا بالتي هي أحسن إلا من ظلم فليس إلا الإنكار والزجر على وجه لا يخرج عن حد العدل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فأمر رب العالمين ، جل وعلا ، بذلك ، ولكنه ، بداهة ، أمر لا يحسنه كل أحد ، فلا يجب على كل أحد وإلا كان ، أيضا ، من التكليف بما لا يطاق ، وذلك مِمَّا انْتَفَى في الشرع ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فيجب على حد الفرض الكفائي ذبا عن الدين ودفعا لشبهات خصومه ، وهو أمر يتفاوت ، فَثَمَّ جدال من ألحد صراحة فلا يكون الجدال معه في صحة رسالة ، فذلك لا يصلح مبدأ الأمر ، بداهة ، وإنما يجب الجدال في الأصل ، وهو إثبات وجود الرب ، جل وعلا ، وإيجاب توحيده فذلك الأصل الأول الذي يُبْنَى عليه ما بعده من أصول الرسالة والتشريع ....... إلخ ، وثم جدال من ينكر الرسالة الخاتمة فيكون الجدال معه في إثبات دلائلها ، وثم من ينتسب إلى الرسالة الخاتمة ولكنه صاحب محدثة ضلالة ، إن في العقد أو في الشرع ، فيكون جداله أن يُلَزْمَ ما يؤمن به إن كان له معظِّما كما يزعم ، فيكون جداله من المنصوص والمعقول ، إذ يؤمن بالمنصوص ، ولو في الجملة ، فيكون الإلزام بما يُسَلِّمُ به فإن ما ينكر مثل ما يثبت ، فلا وجه أن يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وإلا وقع في التناقض فَفَرَّقَ بين المتساويين ، ولكلٍّ من الجدال ما يلائم حاله ، ولا يطيق الجدال ، كما تقدم ، كل أحد فالنفوس تَتَفَاوَتُ في ملكاتها ، فإن ضاقت نفسك أن تجادل فهو مما تعظم فيه الحظوظ فيكون الجدال في أوله خالصا ثم لا يلبث أن ينقلب هوى وتعصبا لِلرَّأْيِ وانتصارا للنفس بحق أو بِبَاطِلٍ ! ، فإن ضاقت نفسك أن تصنع ذلك ولم تأمن على نفسك فتنةَ الظهور والرياء والجدال بالباطل انتصار لهوى غالب ، فإن كان ذلك ففي الدين وظائف كثيرة تُحْمَدُ فاختر لنفسك منها ما هو أليق بحالك ، وحسن السياسة أن تُصْهَرَ هذه النفوس في بوتقة جامعة يحسن صاحبها يوظف كل جهد وطاقة أن ينصر الحق ، ولو تدبرت ذلك فِي هذه الأعصار وقد عظم الخلاف بين أهل الحق ، فضلا عن خلافهم مع أهل الباطل ، لو تدبرته لوجدته في أحيان ضربا من الهذيان ! ، فليس إلا طرحا نظريا مجردا في الذهن لا حقيقة له في الخارج ، إذ ظهرت الأهواء وفشت وعظمت حظوظ النفس في الجاه والرياسة ، وصار كل يزعم لنفسه من الحق المطلق ما يكاد يبلغ حد العصمة ، فجادل عن ح**ه أو قبيله ، إن بالحق أو بالباطل ، بل واستجاز لأجل ذلك القدح في غيره ، وَنَبْزَهُ بالعظائم تَنْفِيرًا منه لئلا يجتمع عليه الناس ، وإن كان في مقاله من الحق ما يوجب اتباعه ، فأنى ينصر حق في جدال أو جلاد وحال النفوس هذه ؟! .
وتلك ثمرة أخرى من ثمار التقليد المذموم ، فهو يعم التقليد في العقد ، والتقليد في الشرع ، والتقليد في الفكر ، والتقليد في السياسة ..... إلخ ، فيعم كل حال يقع فيها الجدال والتخاصم فَقَلَّ من يعدل ، وإن من أهل الحق ، فكيف بأهل الباطل فظلمهم في الجدال والجلاد أظهر ، واستباحتهم كل محرم من دين ودم ومال وعرض أمر قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة وهو ما أوجب بطبائع الأشياء غُلُوًّا في الطرف الآخر ، وإن كان الخير فيه أعظم ، فما قصد إلا رد الصائل على الأديان والأبدان والأعراض ، وذلك محل استحسان في العقول والقرائح فضلا عن الأديان والشرائع ، فصح الأصل وبطلت الزيادة على وجه لا يحرم به صاحبه الأجر وإن لحقه الإثم في الزيادة فلا تخلو من عدوان بالقول أو بالفعل على أهل الحق ، بل وعلى أهل الباطل ، في أحيان ، فإن ظلمهم محرم وإن تَعَيَّنَ قتالهم والتشريد بهم ، فالجهة تَنْفَكُّ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، وسم الفتنة فليس الحق فيها خالصا ، إذ لو خَلُصَ ما اشتبه على أحد ، وإنما مازجه من الباطل ما عظمت به الشبهة ، وصار الاجتهاد في تحرير محل النزاع ، والحكم بالعدل فيكون الوحي معيارا يقاس به كل قول وعمل ، فما وافقه قبل وما خالفه رد ، وذلك ، أيضا ، أمر عسير المنال في هذه الأعصار ، فحسبك أن يجري ذلك على لسانك مجرى التذكير امتثالا لأمر رب العالمين ، جل وعلا ، أن : (ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) .
والله أعلى وأعلم .
لما أبطل الخليل عليه السلام حجة قومه بنظر صحيح صريح لم تكن حجتهم ، آخر الأمر ! ، إلا أن : (قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ) ، وتلك ، لو تدبرت ، حجة كل مارق ، فإذا سئل لم يعبد الصخر أجاب أنه إرث الآباء والأجداد ، وإن سئل لم يحكم بالوضع المحدث ويرضى أن يستبدله بالوحي المنزَّل أجاب أنه إرث القانون المقدس ، فَلَهُ من الحرمة والحشمة ما يوجب الامتثال والطاعة ! ، وإن صح قوله من باب التَّنَزُّلِ في الجدال مع الخصم ، فقول فلان أو فلان من أصحاب المذاهب الفكرية أو الطرائق الشرعية المحدثة ، قوله مقدس ، وهو بشر غير معصوم يصيب ويخطئ ، فكيف بقول الرب الخالق ، جل وعلا ، وهو الأعلم يما يصلح أمور الناس فَلَهُ من كمال الوصف ما ليس للمخلوق الذي يجهل أكثر مما يعلم والاضطراب في شرائع البشر المحدَثة أمر ظاهر على وجه يوجب ردها إلى مرجع محكم يَتَجَاوَزُهَا فهو يَقْضِي بين المتشابهات بمحكم من القول وَفَصْلٍ ، وليس ذلك إلا قول الوحي المنزَّل الذي يأبى العقل الجامح أن يخضع لسلطانه إذ طغى بما ظن من أسباب العلم المحدث ، فدرج من درج في الباطل حتى ظنه الحق المحكم فعظمت البلوى كما أثر عن عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله ، فهو يُعَالِجُ أمرًا نشأ فيه الصغير وهرم فيه الكبير فنشأ من نشأ في الباطل المحض وهو يظن أنه على الحق المحض ، فعسر عليه التحول من حال إلى أخرى ، ولو كانت أحسن ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) ، فإن انْتِقَالَ الناس عن طبائعهم إلى طبائع أخرى أمر يشق في العادة إلا على أصحاب النفوس الكبيرة التي تجهد في طلب الحق فتجرد القصد وتحسن البحث والنظر فلا يعنيها أن يكون الحق في قول من خالفها فإن نواله ، ولو من طريق المخالف ، هو الغاية التي لا تعدلها غاية ، وذلك كلام يسهل حده في الألفاظ نطقا حال الوفاق والوئام إذا كانت النفوس مطمئنة فإذا وقع الخلاف وتعارضت الأقوال تَبَيَّنَ من يحسن يجادل بالعدل ومن يظلم فيتعدى بالقول والفعل ، وإن لم يكن الإنسان أهلا أن يجادل بالحق فلا أقل أن يعتزل فلا يظلم ، وأن يدعو الرب ، جل وعلا ، أن يهديه الحق فلا يضل ولا يشقى فليس شرطا في كل طالب للحق أن يكون مجادلا يحسن الجدال وتشقيق الألفاظ بل قد يكون ذلك سببا في فساد حاله وإضاعة وقته فيما لا ينفعه ، وإن نفع غيره ، فالجدال ، أيضا ، مما يجري عليه حكم الاجتهاد ، فلا يجب على الجميع ، بل قد يحرم في أحوال ، إن جادل الإنسان بغير علم فما يدريه لعله يتصدى يجادل صاحب شبهة له لسان ومنطق فَيَغْلِبَهُ فَتَكُونَ فتنة له ولأهل الحق إذ غُلِبَ لا أن الحق مغلوب بل هو ظاهر منصور ، وإنما ضعف من يدافع عنه ويجادل إذ لم يكن له حظ يجزئ في العلم ، فلا يتصدى لتفنيد الشبهات ونقد المقالات الفكرية والسياسة إلا من له دراية وأهلية ، أهلية الشرع فهو يعلم حدود الشريعة المحكمة فيحسن يرد بها الأقوال المتشابهة ، وأهلية النظر فهو يحسن يستنبط الدقائق ليبطل بها قول المجادل عن الباطل ، وأهلية النظر العام في أمور الناس وأحوالهم وما ظهر فيهم من طرائق في الفكر وتوجهات في الحكم الخاص والعام ...... إلخ ، ولا يحيط كل أحد بذلك ، فكان جدال المبطلين ، عند التدبر والنظر ، شعبة من شعب الاجتهاد ، فلا يجب على كل أحد إيجاب الفرض العيني فلا يطيق كل أحد تحصيل ما تقدم من شرائط الأهلية الشرعية والفكرية ، وإنما تلك أمور يمتن بها الرب ، جل وعلا ، على من شاء من عباده ، ولا تطيق كل نفس إبطال الشبهة ، وإن كانت تَرْكَنُ إلى مستند راسخ من الحق ، فَالشُّبَهُ ، كما يقول بعض العلم ، خطافة ، والقلوب ، في المقابل ، ضعيفة لا سيما إن اغتر الإنسان بعقله فظن فيه كفاية فإذا وُكِلَ إلى نفسه فذلك مبدأ هلاكه ، وإن رام نصرة الحق بالجدال والحِجَاجِ ، فما لم يجرد القصد ويجتهد في الدعاء ويظهر الافتقار إلى رب العباد ، جل وعلا ، أن يهديه سواء السبيل ، ما لم يكن ذلك فهو إلى الهلكة أقرب منه إلى النجاة ، وإن كان له من العقل والذكاء ما له ، فما لم يشفع هذا الذكاء بِزَكَاءِ الوحي الذي يصحح القصد والإرادة في الباطن ، ويصحح القول والعمل في الظاهر ، فما لم يكن ذلك فلا يغني عنه عقله شيئا إن حجب عن شمس الرسالة الهادية ، فليس إلا الظنون التي لا تُغْنِي ، فـ : (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) ، فلا يجب الجدال على كل أحد ، كما لا يجب الاجتهاد على كل أحد ، وإنما جدال المبطلين مما أمر به رب العالمين ، جل وعلا ، فـ : (لَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) ، فَنَهَى ، جل وعلا ، عن الجدال إلا بالتي هي أحسن إلا من ظلم فليس إلا الإنكار والزجر على وجه لا يخرج عن حد العدل ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) ، فأمر رب العالمين ، جل وعلا ، بذلك ، ولكنه ، بداهة ، أمر لا يحسنه كل أحد ، فلا يجب على كل أحد وإلا كان ، أيضا ، من التكليف بما لا يطاق ، وذلك مِمَّا انْتَفَى في الشرع ، فـ : (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ، فيجب على حد الفرض الكفائي ذبا عن الدين ودفعا لشبهات خصومه ، وهو أمر يتفاوت ، فَثَمَّ جدال من ألحد صراحة فلا يكون الجدال معه في صحة رسالة ، فذلك لا يصلح مبدأ الأمر ، بداهة ، وإنما يجب الجدال في الأصل ، وهو إثبات وجود الرب ، جل وعلا ، وإيجاب توحيده فذلك الأصل الأول الذي يُبْنَى عليه ما بعده من أصول الرسالة والتشريع ....... إلخ ، وثم جدال من ينكر الرسالة الخاتمة فيكون الجدال معه في إثبات دلائلها ، وثم من ينتسب إلى الرسالة الخاتمة ولكنه صاحب محدثة ضلالة ، إن في العقد أو في الشرع ، فيكون جداله أن يُلَزْمَ ما يؤمن به إن كان له معظِّما كما يزعم ، فيكون جداله من المنصوص والمعقول ، إذ يؤمن بالمنصوص ، ولو في الجملة ، فيكون الإلزام بما يُسَلِّمُ به فإن ما ينكر مثل ما يثبت ، فلا وجه أن يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا وإلا وقع في التناقض فَفَرَّقَ بين المتساويين ، ولكلٍّ من الجدال ما يلائم حاله ، ولا يطيق الجدال ، كما تقدم ، كل أحد فالنفوس تَتَفَاوَتُ في ملكاتها ، فإن ضاقت نفسك أن تجادل فهو مما تعظم فيه الحظوظ فيكون الجدال في أوله خالصا ثم لا يلبث أن ينقلب هوى وتعصبا لِلرَّأْيِ وانتصارا للنفس بحق أو بِبَاطِلٍ ! ، فإن ضاقت نفسك أن تصنع ذلك ولم تأمن على نفسك فتنةَ الظهور والرياء والجدال بالباطل انتصار لهوى غالب ، فإن كان ذلك ففي الدين وظائف كثيرة تُحْمَدُ فاختر لنفسك منها ما هو أليق بحالك ، وحسن السياسة أن تُصْهَرَ هذه النفوس في بوتقة جامعة يحسن صاحبها يوظف كل جهد وطاقة أن ينصر الحق ، ولو تدبرت ذلك فِي هذه الأعصار وقد عظم الخلاف بين أهل الحق ، فضلا عن خلافهم مع أهل الباطل ، لو تدبرته لوجدته في أحيان ضربا من الهذيان ! ، فليس إلا طرحا نظريا مجردا في الذهن لا حقيقة له في الخارج ، إذ ظهرت الأهواء وفشت وعظمت حظوظ النفس في الجاه والرياسة ، وصار كل يزعم لنفسه من الحق المطلق ما يكاد يبلغ حد العصمة ، فجادل عن ح**ه أو قبيله ، إن بالحق أو بالباطل ، بل واستجاز لأجل ذلك القدح في غيره ، وَنَبْزَهُ بالعظائم تَنْفِيرًا منه لئلا يجتمع عليه الناس ، وإن كان في مقاله من الحق ما يوجب اتباعه ، فأنى ينصر حق في جدال أو جلاد وحال النفوس هذه ؟! .
وتلك ثمرة أخرى من ثمار التقليد المذموم ، فهو يعم التقليد في العقد ، والتقليد في الشرع ، والتقليد في الفكر ، والتقليد في السياسة ..... إلخ ، فيعم كل حال يقع فيها الجدال والتخاصم فَقَلَّ من يعدل ، وإن من أهل الحق ، فكيف بأهل الباطل فظلمهم في الجدال والجلاد أظهر ، واستباحتهم كل محرم من دين ودم ومال وعرض أمر قد عمت به البلوى في الأعصار المتأخرة وهو ما أوجب بطبائع الأشياء غُلُوًّا في الطرف الآخر ، وإن كان الخير فيه أعظم ، فما قصد إلا رد الصائل على الأديان والأبدان والأعراض ، وذلك محل استحسان في العقول والقرائح فضلا عن الأديان والشرائع ، فصح الأصل وبطلت الزيادة على وجه لا يحرم به صاحبه الأجر وإن لحقه الإثم في الزيادة فلا تخلو من عدوان بالقول أو بالفعل على أهل الحق ، بل وعلى أهل الباطل ، في أحيان ، فإن ظلمهم محرم وإن تَعَيَّنَ قتالهم والتشريد بهم ، فالجهة تَنْفَكُّ ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، وسم الفتنة فليس الحق فيها خالصا ، إذ لو خَلُصَ ما اشتبه على أحد ، وإنما مازجه من الباطل ما عظمت به الشبهة ، وصار الاجتهاد في تحرير محل النزاع ، والحكم بالعدل فيكون الوحي معيارا يقاس به كل قول وعمل ، فما وافقه قبل وما خالفه رد ، وذلك ، أيضا ، أمر عسير المنال في هذه الأعصار ، فحسبك أن يجري ذلك على لسانك مجرى التذكير امتثالا لأمر رب العالمين ، جل وعلا ، أن : (ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) .
والله أعلى وأعلم .