المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين أهل السنة والمتكلمين


rss
09-04-2016, 08:14 AM
بين أهل السنة والمتكلمين
مما اطرد في كلام أهل السنة أن تعظيم الباطن في العلم ذريعة إلى آخر يصدقه في الخارج في القول والعمل ، ما خص وما عم ، فالتأله *** مطلق في الذهن تنقسم موارده في الخارج ، فثم تأله الباطن بعقد التوحيد ، وثم تأله الظاهر ، ومنه تأله القول والعمل ، فتأله القول شهادة توحيد وذكر تسبيح وتحميد وثناء يعظم على الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، وصلاة وثناء على نبيه الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصحب والآل ، رضي الله عنهم جميعا ، وذب عنهم ما فحش من جناية الساب وَعَظُمَ ، فذلك أمر اطرد ولا زال في كلام أعداء الديانة سواء أظهرت العداوة أم بطنت بما يكون من مكر التعظيم لبعضٍ دون آخر في تفريق بين المتماثل على وجه يخالف قياس العقل الصريح ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، يُدْخِلُ صاحبه في حد الذم والإنكار في قول ذي الجلال والإكرام تبارك وتعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فكان التفريق بين أجزاء الكتاب ، من أقواله وأحكامه ، فيؤمن ببعض ويكفر ببعض ، أو يثبت بعضا ويتأول بعضا على وجه يظهر فيه التحكم انتصار لهوى يعظمه صاحبه فذلك مما يقدح في اسم الله ، جل وعلا ، على القول باشتقاقه ، فالمعنى الذي اشتق منه هو التأله وَالتَّعَبُّدُ ، وهو لا يَحْسُنُ ولا يَنْفَعُ فيكون محل الرضى إلا أن يَكْمُلَ فلا يكون منه شعبة تصرف لهوى أو حظ نفس ، إن في عقد أو في شرع ، إن في حكم أو في سياسة ، فيكون مَعْنَى التَّأَلُّهِ خالصا لله ، جل وعلا ، فلا يحسن أن يكون الله ، جل وعلا ، المعبود بحق في باب دون آخر ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، إعجاب بالرأي وَهَوًى يَغْلِبُ الناظر فهو الحاكم الذي يحسن ويقبح ، ويحب ويبغض بلا مستند صحيح إلا التحكم ! ، فحقيقة الأمر أن الألوهية قد صرفت إلى العقل والذوق ، فهو الذي يستحسن قولا أو عملا فيخف عليه ويهون ، ويقبح آخر فيثقل عليه ! ، وهو الذي يحب فلانا أو فلانا من الآل والصحب ، رضي الله عنهم جميعا ، وَيُبْغِضُ فلانا ، والجميع مِمَّنْ يحسن في العقل حبه وتعظيمه على وجه لا يبلغ بصاحبه حد الغلو والتطرف الذي يجعل صاحبه في المقابل يُفْرِطُ في البغض والعداوة ، فالغلو في الحب يفسد التصور فيظن صاحبه في الم**** كمالا مطلقا أو كمالا زائدا يفوق الحقيقة بل ولعله يفسد العقل في أحيان أن يخرج به عن طور البشرية إلى طور آخر يزيد فَيَكَادُ يَبْلُغُ حد الألوهية ، إن ظاهرة أو خفية ، فثم من هذا الباب ما يخفى لا سيما في باب التشريع فلا ينفك من رضي بغير الله ، جل وعلا ، حكما يشرع ، لا ينفك يعتقد في الشارع الوضعي من الكمال العلمي ما يجعله أهلا أن يضع من الأحكام ما به تُسَاسُ المحال والأحوال ، والدول والممالك ، وذلك فساد أي فساد في النظر والاستدلال ! ، يفضي بصاحبه آخر الأمر أن يقع في الشرك الأكبر ، كما أن تَعْظِيمَ الم****ِ في الصورة الظاهرة ذريعة إلى الوقوع في الشرك الأكبر باعتقاد كمال مطلق لا يكون إلا لِلرَّبِّ العظيم ، جل وعلا ، فيكون الشرك في الاسم والوصف حتى استجاز من استجاز من الغلاة أن يطلق بعض أسماء الخالق ، جل علا ، على المخلوق كما كان من غلاة الباطنية الإسماعيلية وبعض آخر من الغلاة في آل البيت ، عليهم السلام ، وإن كان غلو الإسماعيلية والنصيرية والبكتاشية والدروز وسائر الفرق الباطنية ، وإن كان هذا الغلو أعظم وأفحش فمنطوق كلامهم خلع أسماء الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق ، فجرد الإله من الاسم والوصف على وجه بلغ حد المحال لذاته ، فالتزم أصحاب هذا القول من المحال ما التزموا ! أَنِ التزموا رفع النقيضين وإن في أصل الوجود فكيف يثبت لشيء حقيقة في الخارج وهو غير موجود وغير معدوم معا ! ، فذلك ما لا يتصور في الذهن فضلا أن تكون له حقيقة في الخارج ! ، فغاية الأمر أن يفرضه الذهن جدلا ، ***ا كان ذلك الجفاء في حق رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، كان الغلو في المقابل في حق الإمام الأرضي فَقَدْ جَرَّدَ الرب من الاسم والوصف فجاز أن يخلع ذلك على الإمام في الأرض ، فذلك غلو فاحش في حق المخلوق ، وهو يفضي إلى غلو آخر في باب الربوبية فإن من اعتقد في مخلوق من الكمال المطلق ما لا يكون إلا للخالق ال**رِّف لأحوال الكون ، تبارك وتعالى ، من اعتقد ذلك الاعتقاد الفاسد فإنه لا محالة يظن في مُعَظَّمِهِ من القدرة والمشيئة أن يَرُبَّ الكون أو بعضه بالخلق والتدبير ، والإعطاء والمنع فَلَهُ في الكون أحوال أن فَوَّضَ له الرب الخالق منها ما فَوَّضَ ، فضلا أن الرب قد صار عدما بما كان من التعطيل والتأويل الباطن ، فالتأويل يَسْلُبُ من الرب ، جل وعلا ، أوصاف الكمال وأفعال القدرة والجلال ، وذلك ما يزهد العباد أن يسألوه فَلَا يسألون عاجزا معطلا من الفعل قد خلق ولكنه لا يدبر ، فهو يملك ولا يحكم ! ، وذلك ما زاد في مواضع فبلغ حد التشريع فلا يحكم لا في الكون تدبيرا ، ولا في الشرع ، فلا يأمر ولا ينهى ! ، لا سيما مع تأول ، من تأول من أهل الكلام ، مع تأوله الشهادة أنها تكافئ في المعنى لا خالق إلا الله ، جل وعلا ، أو لا قادر على الاختراع من العدم على غير مثال سابق فهو البديع ، لا قادر على ذلك إلا الله ، جل وعلا ، وذلك معنى يصح ولكنه ناقص قد اقتصر على فعل الربوبية دون حكم الألوهية ، فلازم ذلك ، ولو من باب الجدال ، أن تجوز عبادة سواه وأن يصح تشريع سواه ، إذ اقتصر الأمر على الخلق والاختراع دون التدبير إن بفعل التكوين أو أمر التشريع ! ، وزد عليه ما كان من تأول أفحش في مقال الفلسفة ، فالله ، جل وعلا ، قد خلق الكون ثم تَرَكَهُ فَسَنَّ له من السنن المحكم ما يسير عليه فَلَا فعل له بعد ذلك في التدبير والإحاطة ! ، فضلا عن جفاء آخر في باب العلم أن نَفَى القوم عن الرب ، جل وعلا ، العلم بالجزئيات فلا يعلم إلا الكليات ، وذلك يشبه من وجه التأويل الباطن لمقال حادث في الفكر والسياسة يزعم زورا تعظيم الديانة فهو يجتزئ على الكليات المجملة مما أجمع عليه العقلاء من العدل والحرية والمساواة في الحقوق ..... إلخ ، دون نظر في الجزئيات فهي محل النِّزَاعِ الرئيس ، فجاء الوحي يعم أن : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فالنكرة "شيء" في سياق الشرط "إن" مئنة من العموم الذي يستغرق جميع الأعيان والأحوال ، ما دق وما جل ، ما كان في عقد أو في حكم أو في سياسة أو في حرب ، وَأَبَى خصوم الوحي إلا عزله فلا ينظر في الجزئيات التي أحدثوا لها من المراسم والقوانين ما خالف في مواضع التنزيلَ ، بل وخالف في أصول ومقاصد ، فالهوى لا يرضى أن يُزَاحَمَ ، وغاية ما يَرْضَاهُ من الوحي أن يكون نافلة بعد الفرض ، ففرض التشريع للعقل ! ، وليس ثم للوحي محل إلا المحل الثاني المؤكد ، ولا يصح الأمر ولا تستقيم الطريقة إلا أن يكون له المحل الأول المؤسِّس وبعده يكون العقل الصريح فهو المؤكد إذ لا يعارض النقل الصحيح أبدا ، فتستقيم طريقة النظر والاستدلال باستثمار المعاني والأحكام من النقل الصحيح بعقل صريح ، فلا يكون الوحي حكما في باب دون آخر ، فذلك ، كما تقدم ، من شؤم التأويل الذي وقع فيه المتكلمون أن زَهَّدَ الناس في معاني التأله فصحح شهادة تقتصر على الإيمان بالخلق والتدبير في أمر الكون دون لازمه من التأله بالأمر والنهي في باب الشرع والحكم الذي يعم ما خص من أحكام الفرد وما عم من أحكام الجماعة لا سميا ما كان في أمور السياسة والحرب ، فإن تأويل الشهادة الصحيح أن لا معبود بحق إلا الله ، جل وعلا ، والعبادة بداهة لا تكون إلا بخبر يصدق في الإثبات والنفي ، وشرع يمتثل في الأمر والنهي ، فهو يعم التصور والعقد الباطن ، والقول والعمل الظاهر ، ما خص وما عم ، فالتأله ، كما تقدم ، معنى يعم فهو يستغرق جميع محال الاختيار وأحواله إن في العقد أو في الشرع أو في الحكم أو في السياسة أو في الحرب أو في الأخلاق ، فَتَأَلُّهٌ باطن منه التصور ، ومنه العمل ، فعمل الجنان من أعظم الأعمال وأدقها فلا يتصور إيمان إلا بقدر ضروري من التصديق فتلك حركة باطن تصح بل وتجب ، ولكن قصر الإيمان عليها أن يكافئ التصديق الباطن أو التصديق الباطن في القلب والظاهر على اللسان ، دون العمل ، ذلك القصر الذي وقع في كلام المتكلمين في حد الإيمان ، ذلك القصر تحكم آخر وهو ، عند التدبر والنظر ، فرع على تحكم أول بقصر الشهادة على الخلق دون العبادة التي تستوجب ، كما تقدم مرارا ، التشريع ، فلا يتصور تأله وتنسك بلا شرع يأمر وينهى ! ، فكيف يحصل التمايز بين العبد الطائع والعبد المارق إن قصر الأمر على إثبات الحلق الأول ، وتصديقٍ به مجمل فيكون الإيمان هو التصديق ؟! ، وذلك مما خالف فيه أهلُ الكلام أهلَ السنة الخلص ، وهو مما عظمت به البلوى في هذه الأعصار أن صار مقال المتكلمين وهو المقال السائد في معاهد الدرس والبحث في كثير من أ**ار المسلمين ، أن صار هذا المقال الذي تعقد له الآن المجامع التي تتآمر على الدين الحق ، عَلِمَ المتآمرون أو جهلوا ! ، أن صار هذا المقال ذريعة إلى تعطيل الشرع كله ! ، إذ قصر الأمر ، كما تقدم ، على تصديق مجمل في القلب يحصل ، عند التدبر والنظر ، في قلب الكافر ! ، ولو من باب الإلزام ، وهو ما التزمه بعض الغلاة في مقال الإرجاء ، فالتزم إيمان إبليس إذ قصر الإيمان على المعرفة المحضة الساذجة ! ، ولو بلا تصديق فقد يعرف الإنسان شيئا أن سمع به فحصل له نوع تصور لا يوجب التصديق فقد يتصور وجود كائن عجيب الشكل له من الرءوس والأيادي والأرجل ما يكثر فتحصل له معرفة بهذا الفرض ولكنه لا يصدق به إذ لا وجود له في الخارج فليس ذلك إلا تصورا أو فرضا مجردا في الذهن ولا منتهى لضلال بني آدم إن حادوا عن جادة الوحي *** يسلكوها إن في النظر أو في الحكم ، وهل كان أحد يتصور أن يَلْتَزِمَ أناس نجاة إبليس نصرة لمقالهم ، بل قد جعله بعض أئمة الاتحاد من كبار الموحدين فوحده الذي أبى أن يسجد لغير الله ، جل وعلا ، فالسجود لغيره شرك أكبر فقد أشركت الملائكة جميعا ! مع أنهم ما سجدوا إلا تكريما لا عبادة ، وما سجدوا إلا امتثالا لأمر ربهم ، جل وعلا ، وكل مقال يخالف عن منهاج الوحي فإنك تجد فيه من التناقض ما لا ينقضي منه العجب وكلما بَعُدَ المقال عن الوحي كان الانحراف أظهر والعجب أعظم ! .

والإيمان وإن فسر بالتصديق ، إلا أنه ليس تصديقا مجردا ، فلا بد أن يشفع بحركة في الجنان تزيد وهي الإذعان والإقرار ، وذلك ما يوجب تعظيما في القلب فينشأ منه ضرورة عمل قلب باطن ، فيكون تعظيم الرب المعبود ، جل وعلا ، فَتَنْشَأُ منه إرادة توحيد صحيح بإفراده ، تبارك وتعالى ، بالكمال دون غيره فقد حصلت في القلب صورة علم صحيحة أنه الخالق ، والخالق ، بداهة ، لا يخلق إلا بفعل كمال هو أثر وصف واسم كامل قد بلغ الكمال المطلق فكان هذا الخلق المحكم ، فلا يخلق اضطرارا كما زعم الفلاسفة نفاة الأسماء والصفات ، فإنهم نفوا صفات الفعل اختيارا فالتزموا القول أن الخلق كان اضطرارا فكانت علته ذاتا بسيطة مجردة تولد منها العالم اضطرارا بلا اختيار فلا تصلح بداهة أن يكون لها شرع يلزم إذ الشرع ، من وجه آخر ، من آثار الصفات الكاملة فهو كلم صدق وعدل ، يحصل به من الإثبات والنفي ما يصح به العقد الباطن ، ومن الأمر والنهي ما يصح به الحكم الظاهر ، في القول والعمل ، في الخاص والعام من أحوال الناس ، في السياسة والحرب ، في تصور الكون والغاية من الخلق فما خُلِقَ إلا لتظهر آثار الكمال الرباني وذلك ما يوجب في النقل والعقل إفراد من هذا وصفه بالتأله الكامل ، الباطن والظاهر ، فتحصل الغاية الثانية من الخلق ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، فيكون التأله بالعقد الباطن توحيدا ، وذلك ما لا يقتصر ، كما تقدم ، على تصديق محض في القلب فذلك ما يخالف النقل الصحيح بل والعقل الصريح والفطرة السوية فلا يمكن أن ينتحل إنسان عقدا أو مذهبا ، ولو أرضيا محدثا ، ولا يولد ذلك في قلبه من أعمال التعظيم والانقياد والامتثال بالقوة فهو يعتزم الامتثال متى جاءه الأمر أو النهي ممن يُعَظِّمُ وَيُقَدِّسُ ، فلا يرضى دونه إلها يعبد بما شرع كما لا يرضى غيره ربا يخلق ويدبر فثم تلازم وثيق بين الربوبية فعلا للرب الخالق ، جل وعلا ، والألوهية فعلا للعبد ، تصديقا بالباطن ، وتصديقا بالظاهر بالقول والعمل ، فيكون الامتثال بالفعل بعد الامتثال بالقوة ، فقد جاءه الخبر الصادق فالتزم التأله بتصديقه ، وجاءه الحكم العادل فالتزم التأله بامتثاله فحصل له كمال التأله باطنا وظاهرا على وجه استغرق جميع المحال والأحوال ، فحصل تصديق وانقياد في الباطن استوجب حبا وبغضا ، فيحب من يُعَظِّمُ ، وَيُبْغِضُ ، في المقابل ، أعداءه ، فلا يكون إيمان ، بداهة ، إلا بولاء وبراء ، فَيُوَالِي من يحب وَيُوَالِي أولياء من يحب ، وَيُبْغِضُ أعداءه فلا تقبل منه دعوى التوحيد وهو يوالي أعداء الرب الجليل ، تبارك وتعالى ، بل ويحرضهم على ح** التوحيد فيسعى بالقول أو العمل ، أو بمجرد الميل في القلب ، يسعى في نصرة أعداء الديانة فإن لم يكن بنفسه فَبِمَالِهِ فَيُنْفِقُ ما يُنْفِقُ نصرة للطغيان وأهله وحربا لأهل الحق أن حَرَجَ بمقالهم وضاق به ذرعا ، وإن لم يصب الحق المطلق فقد أصاب بعضه على وجه يَتَهَدَّدُ ملكه ورياسته بالزوال ، فكان أن غلبت شهوة الملك فريضة العدل والولاية لأهل الحق ، فحصل منه ما يخالف قياس العقل الصريح فضلا عن مخالفته أمر الشرع الصحيح ، فناقض الفعلُ القولَ والدعوى ، إذ الدعوى تستوجب ، كما تقدم ، عملا باطنا فليست دعوى مجردة من الإرادة ، فهي تستوجب في الباطن حبا وبغضا هو أوثق عرى الإيمان ، ولازمه في الخارج ولاء وبراء ، لا تصدق حقيقة الدعوى الباطنة إلا به ، فلا تصح دعوى القلب أنه يوحد ، ودعوى اللسان أنه يشهد ، لا تصلح إلا بولاء وبراء في الخارج يصدق دعوى الباطن ، فهو من آحاد العمل ، و*** العمل ، كما قرر أهل الشأن من أهل السنة ، شَرْطٌ في حصول المعنى المجزئ في ثبوت اسم الإيمان ولو مطلقا لَمَّا يَبْلُغْ حد الإيمان المطلق ، فالإيمان المطلق قدر زائد على مطلق الإيمان الأول إذ يزداد إيمان المكلف بما يقارف من الطاعات ويفارق من المعاصي باستحضار نية في الترك حتى يبلغ حد الإيمان المطلق فهو الإيمان الواجب الذي به تحصل النجاة ابتداء مِنَّةً عظمى من ربنا الأعلى ، تبارك وتعالى ، فليس الإيمان معنى واحدا لا يتجزأ كما قال المتكلمون وإنما هو اسم *** إفرادي كالخل والزيت والعسل ، فهو يطلق على القليل والكثير منه ويقيد بالوصف فيقال إيمان كامل وآخر ناقص ، وهو ، من وجه آخر ، اسم ذو شعب وأركان منها ما يزول كمال الإيمان الواجب بزواله ، ومنه ما يزول الإيمان كله بزواله كركن الشهادة ، وفرض التحاكم إلى الوحي فتركه ينقض أصل الدين على تفصيل في ذلك ، وفرض الصلاة على قول من كفر تاركها مطلقا على تفصيل آخر في ذلك .

فإذا حصل عمل الباطن تعظيما وانقيادا وحبا وبغضا واستعانة وتوكلا ، ظهرت آثار ذلك في الخارج ضرورة فكان تصديق ما قام بالباطن في القول ، إن شهادةً هي القول أو ذكرًا يزيد في اللسان فهو عمل لا يقبل إلا أن يوافق الذكر المشروع دون نظيره المحدث الذي فشا في المتأخرين ، فضلا عن أعمال الجوارح الأخرى ، سواء أكان ذلك في شعائر تخص أم في شرائع وسياسات تعم ، في السلم والحرب ، فذلك معنى الإيمان المطلق الواجب كما حده أهل السنة فأين هو من إيمان حده أهل الكلام بتصديق محض ، وهو ما جَرَّأَ من جَرَّأَ من أعداء الديانة أن يخرجوا عن أحكام الشريعة ، ولا يجدوا في أنفسهم حرجا من تعطيل الوحي بعضه بل وكله أن صار مستمد التشريع هو ما تهوى العقول وتجد الأذواق ، وذلك محل آخر ، خالف فيه بعض نظار المتكلمين أهل السنة إذ انتصر من انتصر منهم للعقل إن عارض النقل ، فذلك ، أيضا ، مما يمهد لمن رام الخروج عن الشرع إن لم يوافق ما يهوى ويجد ، فيستجيز بلا حرج أن يزعم باطلا من القول فال**لحة قد تكون في غير الوحي ، فلا يلزم العقل منه إلا وافق قياسه فهو الحكم الأول ، وحسب الوحي أن يضع إطارا مجملا من القيم والأخلاق دون أن يدس أَنْفَهُ في الأحكام والتشريعات والسياسات ! فذلك الدين المجمل مما يَقْبَلُهُ الطواغيت ، بل ويحملهم أن يُوعِزُوا إلى أوليائهم من شياطين السوء ، أن يقصروا طائفة الحق على هذا القول الباطل ، فَهُوَ يُمَهِّدُ لسلطان أَرْضِيٍّ مطلق ، فَقَصَرُوا طائفةَ الحق عليه مَعَ أَنَّهُ باطل محدث ، فَضْلًا أن الأوائل من فضلاء المتكلمين لم يُرِيدُوا بِهِ ما يُرَاد الآن من هدم الدين أصولا وفروعا ! ، فالأوائل لهم من الفضل ما يُعْتَذَرُ به عنهم دون أن يُسَلَّمَ لهم بما كان من خطأ في حد الإيمان وحد التأويل للأسماء والصفات وقصور النظر في معنى الشهادة فكل أولئك لمن تدبر ونظر ، مِمَّا مَهَّدَ لمقال العلمانية اللادينية ، سواء أكانت العلمانية الكلية فالدين الخاتم قد صار كدين النصارى الباطل ، فلا مكان له إلا في القلب ، ولا دار تمارس فيه شعائره إلا المساجد أو الكنائس ، فلا أثر له في الخارج إذ يساس الناس بما يوضع لهم من شرائع محدثة إن كان الحكم أوتوقراطيا مستبدا ، أو يساسون بما يختارون إن كان الحكم ديمقراطيا ، وإن اختاروا الباطل فآلة الدعاية والإعلام توجه ، فحقيقة الأمر أن ثم مستبدا من أعلى يوحي إلى الجماهير بوسواس الشرع الذي يوافق أهوائه ويحفظ رياسته ومكاسبه وإن اضطر في أحوال أن يتحالف مع الدين مع أنه يزعم العلمانية اللادينية ، فقد يحمله ظرف الصراع مع الوحي الصحيح أن يحدث منه نسخة شائهة بها يُعَارِضُ الحق الأول كما يعارض من يعارض الآن مقال أهل السنة بمقال أهل الكلام فذلك يحقق له من **الح السياسة والحرب ما يستجيز به مخالفة الوحي بل ونقض أصوله نقضا ! ، فكان مقال المتكلمين في الإلهيات وفي حد الإيمان وفي تقديم العقل على النقل في كلام بعض المحققين من المتكلمين ، كان كل أولئك خير معين لأرباب العلمانية اللادينية المعاصرة أن يستجيزوا الخروج عن الوحي في الحكم والشرع والسياسة والحرب والاقتصاد بل والعوائد والأخلاق ، وليس ثم من يحرج وَيُنْكِرُ ، فليس كل أولئك مما يؤثر في حقيقة الإيمان الذي قصر على التصديق في القلب والنطق باللسان ! ، بل ثم من اقتصر على اعتقاد القلب وجعل قول اللسان ركنا أو شرطا زائدا ! ، كما أُثِرَ عن الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله ، فكل من قال لا إله إلا الله واعتقد بقلبه أن الخالق واحد فهو مسلم وربما مؤمن كامل الإيمان وإن اقترف ما اقترف من نواقض الحقيقة الإيمانية ، سواء أَقْتَرَفَ ما ينقض كمال الإيمان الواجب من العصيان القولي أو العملي الذي لا يأتي على أصل الإيمان بالإبطال ، فَثَمَّ من القول والعمل ما يَنْقُضُ أصل الدين وإن لم يعتقد حِلَّهُ بقلبه ، وذلك ، أيضا ، مما عظمت به البلوى في مقال أهل الإرجاء في هذه الأعصار ، فقد قصروا ، كما تقدم ، الحقيقة الإيمانية على التصديق فجعلوا ناقض الدين هو ناقض العقد فقط ! ، فأخرجوا العمل من حد الإيمان ، وأخرجوه من حد النواقض ، فلا ناقض عندهم من قول أو عمل ، وإنما الناقض في الباطن فقط فلا بد أن يجحد بقلبه على وجه يجعل الحكم بالكفر أمرا يتعذر وإن اقترف صاحبه ما اقترف من الأقوال والأعمال المكفرة فمن ذا الذي يعلم ما في القلب إلا الرب جل وعلا ؟! ، فيقترف من يقترف من العظائم ما يقترف ويجهر بسب الدين وعداوته ويجهر بحربه وهو مؤمن لأنه يشهد بالتوحيد وهو **دق بِبَاطِنِهِ فَلَوْ سألته لأقر وما جحد بداهة ! ، فصار ذلك مما يُهَوِّنُ على معطلة الشرائع أن يعطلوا ما شاءوا من الأحكام وتلك من أعظم الجنايات التي تَنْقُضُ أصل الدين ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، على تفصيل في ذلك ، فَجَاءَ من جَاءَ من حملة هذا المقال في هذه الأعصار ، جاء لِيُهَوِّنَ الأمرَ فليس تعطيل الشرع والإتيان بجمل من النواقض في باب السياسة والحرب والولاء والبراء ..... إلخ ، ليس كل أولئك مما يضر الإيمان في شيء إذ حقيقته في القلب ، وغاية الأمر أنه ينقض كمال الإيمان الواجب فليس إلا كفرا أصغر يلحق بسائر المعاصي العملية التي ورد النص أنها كفر كالحلف بغير الله جل وعلا ! ، وغاية ما يكون من القول أو العمل في الخارج أنه من الزوائد فهو من اللوازم أو الثمرات لعقد الباطن ، وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، معنى يصح ، ولكن حد الإيمان في الشرع لا يصح إلا أن يدخل العمل كجزء من الحقيقة الإيمانية في الخارج لا كَلَازِمٍ أو ثَمَرَةٍ ، ف*** العمل ، ولو مطلق عمل ، شرط في صحة الإيمان ، والعمل بالنظر في آحاده كلها ، ما ظهر منها وما بطن ، العمل ، من هذا الوجه ، جزء من الحقيقة الإيمانية المركبة من العقد والقول والعمل ، كما اشتهر في كلام السلف ، أهل السنة الخلص وإن نازعهم هذا الوصف من نازعهم من أهل الكلام فضلا عن أدعياء الدين من علماء السوء في هذه الأعصار ، فالعمل يدخل في حد الإيمان في الخارج ، ومن العمل ما ينقض تركه كمال الإيمان الواجب فيكون صاحبه متوعدا الوعيدَ المؤقت بالعذاب فهو تحت المشيئة إن شاء الرب ، جل وعلا ، غفر له فضلا ، وإن شاء عذبه عدلا ، وثم موانع لنفاذ الوعيد فثم ا***نات الماحية ، وال**ائب المكفرة ، وأهوال القبر ، وأهوال الحشر والشفاعة ..... إلخ فقد تمنع نفاذ الوعيد فَضْلًا من الرب ، جل وعلا ، أن أجرى أسبابها ، ومن العمل ، من وجه آخر ، ما يَنْقُضُ تَرْكُهُ أصلَ الإيمان كترك الصلاة مطلقا عند من يكفر تاركها وترك التحاكم للوحي بتعطيل الشرع واستبدال الوضع المحدث به ، وكالجهر بالطعن في الدين سبا وقدحا وتشكيكا ، وكبغض أهل الحق لأجل ما هم عليه من الحق ، ولو في الجملة ، فيكره الحق الذي يستلبه بعض حظوظه في الملك والجاه والرياسة والثروة ، فهذا الكره في نفسه عمل باطن ينقض أصل الإيمان فكيف إذا انضم إليه عمل الظاهر من القول سبا وشتما وتحريضا لأعداء الدين أن يستأصلوا أهله ، ومن الفعل فيكون الإمداد بالمال وال**** بل والسعي في مباشرة الحرب والقتل على قاعدة دينية يكره صاحبها الوحي فيجد في صدره أن نازعه بعض ملكه فذلك ما يظهر في حرب أهله ، فلا ترضى أية علمانية سواء أكانت الكلية ، كما تقدم ، أم الجزئية التي تعطي الدين فسحة في الأخلاق والمعاملات بل وربما الشرائع دون السياسات بداهة ! ، فهي خط أحمر في كل علمانية وإن زعمت أنها على الدين الحق فهي تحكم بالوحي ، وحقيقة الأمر أنها تحكم ببعض دون بعض ، على وجه يستوجب ، كما تقدم ، الإنكار أن كان التفريق بين المتماثلات ، فمن أنزل الكتاب بأخبار التوحيد هو الذي أنزله بأحكام التشريع ، ومن أنزل الكتاب ليحكم في الجنايات والحدود هو الذي أَنْزَلَهُ ليحكم في السياسات والحروب فلا يكون التنزيل حكما في باب دون آخر ، فذلك من جعله عضين وأجزاء ، فيدخل في عموم : (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ) ، فيؤمن صاحبها بما يوافق أهواءه وأذواقه ويحفظ جاهه ورياسته ، ويكفر بما يعارضها أو يتأولها على وجه لا يخلو من تكلف آخر ، وقع فيه أهل الكلام فصار ذريعة إلى تعطيل جمل عريضة من الأخبار والأحكام ، فقد فَرَّقُوا بَيْنَ المتماثلين ، فالآحاد من الأخبار حجة في العمل دون العلم ! ، فلا يقبل في العلم إلا المتواتر ، مع أن العمل قسيم العلم ولا يخلو ، كما يذكر بعض المحققين ، من اعتقاد يسبقه فلا يوجد أحد يعمل عملا إلا بعد أن يعتقد صحته فلا يعمل أحد في الشرع والحكم عملا بلا نية إذ ليس الأمر عادة جبلة بل إن عوائد الجبلة في أحيان كثيرة لا تحصل إلا لغاية فينام من ينام ليرتاح ثم ينهض ليباشر ما انْتَوَى في ليله ، فإما أن تصير الآحاد حجة في الجميع أو تبطل حجيتها في الجميع فذلك قياس العقل الصريح الذي خالفوه فهو يقضي بالتسوية بين المتماثلين ، وذلك ما وقع منهم في باب الأسماء والصفات ، فأثبتوا من الصفات بعضا زعموا أن العقل يدل عليها فهو عندهم العمدة في الاستدلال في باب غيب لا يُدْرَكُ إلا من خبر الوحي الصادق فكيف استقل العقل فيه بالنظر والاستدلال بل والإثبات لما يوافقه والتأويل لما يخالفه على وجه لا يخلو من التحكم المحض فقياس العقل الصريح أن يسوى بين الجميع إثباتا أو تأويلا ! ، وأما إثباتُ بعض وتأويلُ آخر بلا دليل يفرق إلا العقل المجرد في باب ، كما تقدم ، مستنده السمع فالعقل في الشرع عامة تابع وفي هذا الباب خاصة أشد اتباعا إذ لا يستقل فيه بإثبات أو نفي وإنما غايته أن يجوز والجواز يفتقر إلى مرجح من خارج وليس ذلك إلا الوحي النازل ، فكأنهم في هذا الموضع ، مع القدر الفارق بداهة ! ، كأنهم وافقوا أرباب العلمانية اللادينية فهم يأبون الانقياد لأي مرجع يتجاوز العقل من خارج فالوحي عندهم غير حاكم بل غايته أن يكون تابعا محكوما بما يستحسن العقل ويستقبح ! .

فحصل التفريق في باب الخبر ، فصارت الآحاد حجة في العمل دون العلم في تفريق بين المتماثلين ، وهو ما يمهد لقول أفحش نعق به من نعق من أعداء الشرع وخصوم الرسالة أن الآحاد ليست حجة مطلقا ، فأراح صاحب القول واستراح ! ، وأغلب أحكام الدين إنما وردت من طرق آحاد فهذا قول يفضي إلى إبطال جملة عريضة من الأحكام بل ويفضي إلى القدح في جمل من المتواترات المجملة في التنزيل فتفصيلها قد ورد في أخبار الآحاد فكيف إن بطلت حجيتها في بيان مجمل التنزيل من الأحكام العملية ، فماذا بقي من الدين إلا دين كدين الكاثوليك فليس إلا عقدا باردا وشعائر ، إن تذكرها أحد ! ، تُمَارَسُ في دور مغلقة لئلا تنتشر عَدْوَاهَا في الخارج في الأقوال والأعمال فضلا عن السياسات والأحكام فهي ، كما تقدم ، خط أحمر رئيس ، إن في العلمانيات الكلية أو العلمانيات الجزئية ، فلا عجب أن تعقد المجامع ويجمع أهل السوء ممن ينتسبون إلى العلم ليقصروا الحق على مقال الإرجاء المحدث ، مع أن الأوائل من المتكلمين كانوا في الجملة من أهل الفضل وإن وقع منهم خطأ في مواضع على وجه يستوجب البيان والإنكار ، إلا أنهم ، بداهة ، لم يروموا تعطيل الوحي ونصر العلمانية اللادينة على الشريعة السماوية كما رام أولئك الأراذل من المتأخرين الذين ساروا في ركب السياسة المحدثة فعطلوا لأجلها سياسة الوحي وحكمه الذي عم ، كما تقدم ، جميع محال التكليف ، باطنا وظاهرا ، وكان له في كل منها حكم إن بإيجاب أو ندب أو تحريم أو كراهة ، وعم جميع الأحوال الاختيارية ، العلمية والعملية والسياسة والأخلاقية ..... إلخ وذلك ما يغص به كل أعداء الوحي وإن أظهروا أنهم من أوليائه فلسان الحال تكذب دعوى المقال .

فهذه المجامع وإن بدت في الظاهر أنها تناقش شأنا دينيا إلا أن رعاية السياسة المحدثة لها والترحيب بها والترويج لها كل أولئك مما يذكر الناظر بالتحالف الآثم بين الكهنوت والعرش في عصور الكاثوليكية المظلمة مع أن القوم في هذه الأعصار لا ينفكون يتبجحون بالعلمانية اللادينية التي تواكب العصر فلا تخلط الدين بالسياسة فليست كمن يوظف الدين في خدمة السياسة بل قد نَزَّهَتِ الدين وقدسته فعزلته ووضعته في متاحف الآثار والفنون ! ، وذلك ، من وجه آخر ، ما يجعل الناظر يستدرك على أطروحات إسلامية معاصرة وقعت في نفس الخطأ فكان توظيف الدين في مشاهد من الصراع ، كان ذلك خدمةً لأغراض سياسية وإن خَفِيَتْ وَدَقَّتْ بشبهة تعظم يَتَأَوَّلُ صاحبها أنه يَنْصُرُ الدين بفنون من المكر والحيلة ! ، مع القدر الفارق بداهة بين توظيف العلمانية للدين وتوظيف الأطروحات الإسلامية له في مواضع على وجه يذم ، *** يكن الدين هو الحاكم المتبوع ، وإن استعمل ذريعة إلى تحقيق غاية تَأَوَّلَ صاحبها أنها شريفة ، وكان في تأويله حظ من النظر ، إلا أن ذلك في الجملة خطأ عظيم يجعل أعداء الديانة يجدون الحجة عليها ولا حجة لهم عليها وإنما الحجة على من انتسب إليها وخالف عن أمرها في هذا الموضع ، فضلا أنه قد يزهد أولياء الدين فيه لا سيما من يواليه من أهل الفضل الذين يضحون ويبذلون حميةً صادقةً دون علم كاف يعصم حال الشبهات ، فلا يجد كبيرَ فَرْقٍ بَيْنَ ساسة الجور والطغيان الذين يوظفون الدين ، ومن يزعم أنه على الحق فهو ، أيضا ، يوظف الدين لخدمة أهوائه و**الحه فما الفارق ؟! ، وذلك صد عظيم عن سبيل الحق القويم وإن وقع من أهل فضل وخير في الجملة ، فالحق أَوْلَى أن يُنْتَصَرَ له ويذب عنه وإن لزم من ذلك الإنكار على من هو أقرب إلى الحق فلا يقبل مطلقا إلا الحق المطلق وما قاربه فَيُقْبَلُ منه بحسبه فما وافق الحق قُبِلَ وما خالفه رد واعتذر عن المخالف إن كان من أهل الفضل فلا تمنع سابقة فضل له لا تمنع بيان خطإِه بل والإنكار عليه إن أصر على الخطأ وأبى الرجوع إلى الحق مع ظهور الأمر له انتصارا لجماعة في الفكر أو السياسة فالانتصار للدين أولى من الانتصار لأي ح** أو جماعة في الفكر أو في السياسة .

ومع اقتران الإرجاء بالتصوف وذيوع الجبر في المتأخرين ، وهو يقارب نظرية الكسب التي نسبت إلى الإمام أبي ا***ن الأشعري ، رحمه الله ، وإليه ينتسب عامة المتكلمين من أهل زماننا ، وهي نظرية وإن أثبتت للإنسان إرادة في الفعل إلا أنها إرادة اقتران لا تؤثر يحدث الفعل الاختياري عندها لا بها ! ، فهي كزوال الشمس الذي تجب صلاة الظهر عنده وإن لم يكن للمكلف إرادة في ذلك فلا يملك ، بداهة ، أن يحرك الشمس ، وهو أمر أفضى بهم إلى إلغاء معنى السببية حتى قال قائلهم : إن النار لا تحرق بقوة الإحراق التي أودعها الرب ، جل وعلا ، فيها ، فالحريق لا يكون بالنار وإنما يكون عندها فيقترن الاحتراق بإيقاد النار لا أنها تؤثر فتسبب الإحراق بنفسها ! ، وذلك ، كما تقدم ، تعطيل للأسباب واستسلام لقدر التكوين بلا مدافعة ، فذلك من تمام الإيمان بالقدر وإن أفضى إلى تعطيل الشرع ! ، فبطلت أسباب المدافعة ، فلا جهاد ولا إنكار ، وإنما استسلام تام لقدر السماء فلا يحصل الإيمان إلا بذلك ! ، فلا عجب أن احتفى المحتل بهذا الطرح الذي يعد الاستسلام لقدر الكون من كمال الديانة ، وإن شرا محضا تجب مدافعته بالأسباب التي شرعها الرب ، جل وعلا ، وهو ، أيضا ، سر احتفاء كل طاغية بهذا الطرح وما شابهه مما يكرس استبداده وظلمه باسم الدين ، إما باسم الإيمان بالقدر تارة ، أو باسم طاعة ولي الأمر أخرى ، مع تجريم الإنكار عليه وَعَدِّ ذلك من الخروج المذموم ولو كان الإنكار باللسان ولو استطاع القوم لحظروا الإنكار بالقلب ! ، فنظرية الكسب وإن لم تطابق الجبر الصريح إلا أنها تقاربه ، فَفِيهَا روح الجبر كما يؤثر عن ابن حزم رحمه الله فقد عَدَّهَا من الجبر الصريح والنقل يحتاج مزيد تحقيق ، فضلا أن عامة المتأخرين من المتكلمين هم من الصوفية الجبرية ، فذلك ما يجعل مركزا كالمركز الأرثوذكسي في موسكو يحتفي بهذا الطرح ذي البعد السياسي فقد أدخل حلفاءَه من فارس وميليشياتها الطائفية ، العراقية واللبنانية والأفغانية والباكستانية ! في الأمة ، وأخرج من كل من يقاوم في بلاد الشام من أهل السنة ومن يخشى بأسه في القفقاز أو بلاد القوقاز الذي تروم موسكو قطع دابر الشر فيها لا سيما بعد انتقال الصراع بين موسكو ومقاومة الشيشان وأجوارها ، بعد انتقال الصراع بَيْنَهُمَا من جروزني إلى بلاد الشام ، فلا يخفى البعد السياسي في هذا الطرح ، فمذهب الإرجاء بعد أن مازج التصوف والجبر صار خير مخدر ومثبط يقعد الناس أن يقاوموا أو ينكروا وهو ما يلائم كل حكم مستبد كحكم موسكو وحلفائها في المنطقة ، بل وكل حكم مستبد وإن لم يكن على منهاج الكلام والتصوف ، وربما كان ذلك تجهيزا فكريا لمعركة حلب بعد أن قالت موسكو مؤخرا إنها بصدد الاتفاق النهائي مع واشنطن لضرب أية مقاومة مسلحة في حلب ، وهي ، بداهة ، القوة السنية فهي مارقة خارجة من حد الفرقة الناجية طبقا لمقررات مؤتمر جروزني ، فذلك قصف فكري يسبق القصف الميداني ، فضلا أنه يُرَوِّضُ الجبهة الداخلية في روسيا ، وَيُرَوِّضُ أية جبهة داخلية وقعت في أسر الطواغيت ، ولا يخلو الأمر من مماحكات سياسية بين دول الإقليم التي كانت بالأمس في حلف استبداد مقدس دعما للطغاة الجدد في نسخة ما بعد الربيع العربي فاليوم ينقلب الحلفاء على بعضهم في مماحكة سياسية استعمل فيها الدين شر استعمال ليوجه رسائل يتم الاعتذار عنها بعد ذلك بأسلوب دبلوماسي ، فربما زاد العيار عن الحد المعقول فوجب الرجوع خطوة إلى الخلف ! ، وإنك لتعجب أن كثيرا ممن ينكر مقررات هذا المؤتمر كان بالأمس من أشد الداعمين للوحدة الإسلامية المزعومة مع الفرس الذين امتطوا الدعاية المذهبية المزيفة فهم حاضرون في كل مؤتمر ، سواء أكان مؤتمر تقريب فهم جزء لا يتجزأ من نسيج الأمة وإن كان تاريخهم كله تقريبا تآمرا على الأمة ! ، وهم اليوم داخلون في نسيج الأمة ومن كان يزكيهم بالأمس من حملة لواء التقريب ، من كان يزكيهم بالأمس مطرود من حد الفرقة الناجية وربما من الأمة كلها فهو مارق من الدين خارجي ضال مبين ليس له إلا القتل والضرب في المليان ! ، كما حرض من حرض من أصحاب العمائم الصوفية ذات التوجه المذهبي الفارسي ، فلعل أهل الحق يَتَّعِظُون فلا يداهنون بعد ذلك في دين الحق الذي لا يَرْضَى أن يداهن أهل الباطل وَيَسْتَمِيلَهُمْ بدعاية تقريب هي إلى التخريب للعقائد والأديان أقرب .

ولا مانع من تصحيح عقائد أهل الكتاب ، فهم ، كما نطق بعض المتآمرين في جروزني في تصريح سابق ، هم من أهل الفترة ، فلا يليق إطلاق وصف الكفار عليهم وهم الذين يرعون مؤتمرا يضع معيار الحق والنجاة في دين الإسلام ! ، فهل رأيت سماحة أعظم من ذلك في مقابل تطرف الآخر الذي يكفر أهل الكتاب ؟! ، وثم من التصوف نسخة تخطت هذه النسخ جميعا وهي نسخة الاتحاد التي جعلت الجميع ناجيا فكل من تدين بدين فهو صحيح وإن عبد الصليب أو الوثن فما عبد إلا الله ، جل وعلا ، الذي اتحد بجميع الأعيان فكانت وحدة الأديان فرعا على وحدة الأعيان وبذلك وحده تكون دعاية التجديد النافع للدين الخاتم بِنَفْيِ خبث التطرف الذي يكفر الآخر ويستعمل معه الإرهاب ****ا ، فلا يحسن في هذا العصر الزاهر أن يؤمن مليار ونصف بنصوص تحض على قتل بقية البشر فالتجديد الصحيح الذي يبدأ من تعيين معيار أهل الحق برعاية موسكو الأرثوذكسية ! ، التجديد الصحيح هو الحل الوحيد للخروج من هذه المحنة الفكرية والسياسية ! ، وبعد كل أولئك يعجب القوم أن كان التطرف والغلو في الأسماء والأحكام كرد فعل لهذا الجفاء ، والعجب أنهم يعجبون فيتساءلون في بلاهة منقطعة النظير : ما سر انتشار التعصب والغلو بين الشباب الذي يغار على دينه من هذا التخريب فيكون رد الفعل غلوا يضاهي هذا الجفاء ولكن في الجانب الآخر فمن ميوعة إلى تشدد في إطلاق ألقاب الكفر والفسق .... إلخ ، وربما كان منهم ماكر يدرك السر فهو يغذي هذا الفكر فَيُمْعِنُ في استفزاز المشاعر الدينية فتلك مادة دعائية دسمة في السياسة ، فصاحبها الوكيل الحصري لمكافحة الإرهاب والتطرف بقوة الفكر وقوة ال**** ، فهو المجدد للفكر ، القامع للتطرف فهو رجل النظام الدولي المخلص في هذه المعركة ال**يرية معركة الوجود بين الحضارة والمعاصرة في طرف ، والرجعية والتعصب في آخر ! ، وكل يستثمر في الدين بما يحقق أهدافه في السياسة وليس ثم من يروم الحق الخالص إلا من رحم الرب جل وعلا .

ومعنى الإيمان الأعم هو ، كما تقدم مرارا ، مناط الصراع بين الوحي والوضع ، فكلاهما يضع حدا للإيمان فلا يقبل الوحي إلا أن يكون الإيمان عاما يستغرق كل الأحوال والمحال ، وأما الوضع فود لو محا الإيمان محوا من الأرض ، فإن أعياه ذلك فهو يروم حدا أدنى يقتصر على التصور والباطن فلا تظهر آثاره في الخارج إلا في أضيق الحدود ، فمقال الإرجاء قد وفر له الذريعة أن أخرج العمل من حد الإيمان ، فضلا أنه قد اقترن في الأعصار المتأخرة بالتصوف في دوره المتأخر فليس إلا مخدرا للشعوب في حلقات الذكر التي يضحك الناظر فيها كيف استجاز رجال لهم عقول أن يتقافزوا فيها كالقرود ؟! ، فليس ذلك تصوف الأوائل من الأفاضل على ما كان فيه من مخالفة في مواضع *** يبلغ هذا الحد من الانحراف ، كما أن المتكلمين الأوائل ليسوا كأولئك الذين جمعهم رب السياسة ليفتوا بما يهوى وهو ، في قرارة نفسه ، يبغضهم ولا يقيم لهم وزنا فقد حقروا في نظره وهانوا عليه أن هانوا على ربهم ، جل وعلا ، قبل ذلك ، فغاية أمره معهم أن يستعملهم في مدافعة الحق الخالص ولو استطاع لتخلص منهم في العاجل قبل الآجل ! ، وأما المتكلمون الأوائل فكثير منهم أهل فضل وديانة وقدم راسخة في العلم قد صنفوا في فنون العلم ، لا سيما علوم النظر ، ما عظمت به الفائدة فلا زال أهل الحق ينتفعون بمقالهم في مواضع كثيرة ، وإن وجب رد ما في كلامهم من باطل مع الاعتذار لهم والدعاء أن يتجاوز الرب ، جل وعلا ، عن زلاتهم ، فأين الأفاضل المتقدمون من الأراذل المعاصرين ؟! .


والله أعلى وأعلم .