المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من آية : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...)


rss
08-26-2016, 08:38 AM
من آية : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...)
رسالة السماء رسالة عامة إن بالنظر في عموم التكليف أو في عموم الاستغراق لجميع المحال الخاصة والعامة على وجه تصلح به الأحوال في العاجل من أمر الدنيا والآجل من أمر الآخرة ، فهي تجزئ في جميع موارد التصور والحكم إذ قد أغنت الناس جميعا أن يفتقروا إلى مستمد سِوَاهَا ، فلا يجد في نفسه هذه الحاجة إلا من جهل سواء أكان جهله سهوا وضعف عقل أم كان عمدا فَهُوَ مُعْرِضٌ مستكبر قد اسْتَنْكَفَ أن يتبع الوحي في الخبر والحكم فلا يأتمر بأوامره ولا يَرْعَوِي عن زواجره ، فذلك الخارج عَنْ منهاج الحق المخالف لقياس العقل الذي يَقْضِي بالتلازم الوثيق بَيْنَ الربوبية خلقا وتدبيرا ، والألوهية حكما وتشريعا ، فَكَفَتِ النَّاس وَكَفَّتْهُم أن يَنْظُرُوا في شرائع الوضع المحدث فَلَيْسَ فِيهَا مَا يُجْزِئُ عن الوحي لَا فِي الأولى ولا في الآخرة ، فإن غَايَتَهَا أن تحقق نوع عدل وإصلاح في الأولى فلا يخلو قانون من حق فهو يصدر من عقل وإن تفاوت واضطرب إلا أن فيه بقية فطرة ، ولو ضئيلة ، بها يدرك جزءا من الحقيقة ، ولو يسيرا ، فبه يوافق الحق المنزل ، فإن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح لا في كلي ولا في جزئي ، وإنما يخالفه إِذَا خرج عن مِنْهَاجِ الحق ، وبقدر ما يخرج تكون المخالفة ، فَثَمَّ من يخالف في كلي على وجه يأتي على أصل الدين بالإبطال ، وَثَمَّ ، في المقابل ، من يخالف جزئي فذلك ما يكون من العصيان الطارئ الذي لا يكون إلا من جهالة ، والجهالة ، بداهة ، مِمَّا يخالف العقل الصريح ، إذ يذهل بِوَارِدِ الشهوة التي تفسد التصور فتجعل المكلف يستحسن القبيح بما يكون من الزخرف والتَّزْيِينِ ، فذلك من وسواس الشيطان الرجيم ، فالشهوة مُرَكَّبٌ له أجزاء ، فهو يَتَأَلَّفُ من حاجة في ا*** أن تَلْتَذَّ الجوارح ، وصورة فاسدة في الذهن أن السعادة الحقة في مباشرة أسباب اللذة ، وإن محرمة ، فقد صار تنعيم الجوارج والترفيه عنها غاية في حضارات افتقرت إلى رصيد من القيم الدينية والأخلاقية *** يعد ثم دين إلا نظام الحياة الذي قسا فلا يرحم ، فهو مادي بحت لا يتوقف ليخفف آلام إنسان ، إلا بقدر ما يكون من نفاق البر والإحسان في مجتمعات صنعت المآسي والآلام فقتلت وشردت ... إلخ ثم بكت وتوجعت وذرفت الدمع وليس إلا بكاء التماسيح ، فهي تَلْتَهِمُ الفريسة ثم تهضمها وتذرف الدموع بعدها استخراجا لفضلة لا أكثر ، فضمير المركز لا يَتَأَلَّمُ إلا بقدر ما يُخَدِّرُ النَّفْسَ لئلا تشعر بوخز أو ألم حال القتل والجرح ! ، فهذا الضمير المنافق يشفق على الحيوان الأعجم فيطعمه ويسقيه ويؤويه وإن قَتَلَ مَنْ قَتَلَ جوعا وعطشا ، فيهدم البيوت على الرءوس ويقيم للقطط والكلاب مساكن بل ومشافي ! ، فقد اجتهد في تحصيل مقاصد الشرع في حق الحيوان الأعجم ! ، وإن أهدر لأجلها مقاصد الشرع في حق الإنسان المكلَّف ، وتلك قيم المركز التي تخدع من تخدع برقة زائفة متكلفة ، وعدل في الظاهر ، في اقتسام الغنائم من اللذات والشهوات ، وحرية قد كُفِلَتْ لكل معارض ، وذلك من المكر الكبار ، فإن هذه الحرية الظاهرة قد قيدت بما يحقق غايات النخب التي تهيمن على حكم المركز فهي تَسُوسُهُ بما يحقق **الحها وإن بَدَا أَنَّهَا راعية القيم والمبادئ فليس ذلك في عالم يقدس ا*** فلا يؤمن بما وراءه من الغيب إذ لو آمن بالغيب ما قَسَا وَكَثُفَ فصار بليدا لا يشعر إلا بما يباشر بحسه ، فَحَضَارَةُ ا*** لا تُعَظِّمُ الوحي ، وهو من الغيب الذي نَزَلَ لِيُصْلِحَ ما من المحسوس قد ظَهَرَ ، فَنَزَلَ الوحي يصلح محل الجنان بالخبر الصادق وينتظم أمر العالم بالحكم العادل ، وذلك ما لا يعظمه منهاج قام على تقديس أسباب ا*** فهو يَزْدَرِي الغيب فلا يَفْقَهُ منه إلا حديث الخرافة فليس إلا أساطير الأولين ، كما قال من قال من الماضين ، فـ : (مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، فَثَمَّ دلالة "مِنْ" بَيَانًا لِلْجِنْسِ ولا تخلو من دلالة التَّبْعِيضِ ، فثم مِنَ المكذبين مَنْ يستمع ، فَحُدَّ الفاعل "مَنْ" حَدَّ الموصول ، ومناط الفائدة معنى الاستماع الذي اشْتُقَّتْ مِنْهُ الصلة ، وهو مما يقطع العذر فقد زاد على مطلق السمع فحصل الاستماع وفيه زيادة معنى دلت عليها الزيادة في المبنى ، فَثَمَّ دلالة تَقَصُّدٍ فضلا عن دلالة المضارعة فهي تحكي أمرا يتصل زمانه حالا واستقبالا على وجه يقطع العذر ، كما تقدم ، ولا تخلو من استحضار الصورة فقد انقضى زمن الصورة الخاصة التي نَزَلَ عليها النجم القرآني ، فاستحضرت بالمضارع فضلا عن عموم في المعنى يستغرق كل صورة يستمع فيها الكافر ، فيفهم المعنى ويدرك المغزى ، وذلك ما يحمل صاحب الحظ من الجاه والرياسة أن يأبى الانقياد ، فلو كان الأمر لفظا يقال فيشهد بألوهية لا تقدم ولا تؤخر ! ، كألوهية الأصنام سواء أكانت مما نحت في الخارج أم نحت في الذهن ، لو كان الأمر كذلك لهان الخطب ، فما أيسر الإقرار بألوهية لا تكليف فيها ، فلا يخضع العقل فيها للوحي المهيمن الذي يحسم مادة الهوى ، ولا تخضع الجوارح فيها للوحي المهيمن الذي يحسم مادة الشهوة ، لا إبطالا لها أو إنكارا فذلك خروج عن جبلة التكوين وإنما جاء بما يستصلحها ويهذبها بِمَا شرع من آي التحليل والتحريم ، فذلك من عطاء الربوبية الذي شرف فهو يزيد على عطاء الربوبية للأبدان ، فعطاء الأديان أشرف ، إذ محله أشرف ، وخيره أنفع وأدوم ، فعطاء الأبدان مما لا يجحد فضله ولا ينكر أثره في استصلاح الأبدان وهي آلة التكليف وحفظها ، كما تقدم مرارا ، من آكد مقاصد التشريع ، ولكن عطاء الأديان ، بداهة ، أشرف ، فهو يصلح أمر الجنان وهو الباقي بعد الموت فَلَيْسَ إلا الذكر من قول وعمل صالح أخلص فيه العامل لربه ، جل وعلا ، وهو ، مع ذلك ، يصلح أمر الأبدان ألا تقارف المحرم الذي يضر إما بمادته التي يدركها ا*** ، أو بشؤمه إن كان نافعا بالنظر في مادته التي جبل عليها ، ولكنه أُخِذَ من حرام وَبَاشَرَهُ من بَاشَرَ لذة حس لا أكثر ، فضاهى الحيوان إذ لم يدرك من النفع إلا ما به يلتذ ، وذلك مما لا يجحده الناظر ، ولكن قصر الأمر عليه يبطل خاصة العقل الذي فضل به الإنسان فهو يتدبر في آي الإيجاد والإعداد والإمداد بأسباب الحياة ، فذلك عطاء الرحمة ، ولا يخلو من دلالة قدرة على الخلق ، ودلالة حكمة أن هَيَّأَ كُلَّ محل أن يقبل من الأسباب ما يصلحه ، ويسر له من الأسباب ما يحفظه ، فَهَيَّأَ للباطن من أسباب الوحي ما يلائم المحل اللطيف ، الذي به يحيى البدن الكثيف ويتحرك ، فهو مادة بها تبث الحياة في الأركان ، ولا بد لهذه الحياة من زاد ، فإن ضعفت الروح وفسد أمرها ، انقلبت الحال هما وحزنا لا تنفك آثاره تظهر على البدن ، فيكون من شؤم العصيان ما يصيب البدن من الضعف والمرض ، فمباشرة المحرم مما حُدَّ له بقضاء التكوين النافذ عقابٌ يواطئ الفطرة والجبلة ، فثم مرض يصيب البدن ، وهو على أنحاء ، فكل محرم خبيث يصيب الأخلاق والأبدان بالنقص ، على وجه يتفاوت ، وهو مما يَتَغَايَرُ تَبَعًا لِتَغَايُرِ الأعراض والأسباب الطارئة على المحل ، وذلك أمر ، لو تدبرته ، لا يقتصر على أمراض البدن ، وإن كان فيه أظهر ، فهو مما يسهل دركه با*** الظاهر ، فأمراض الأبدان مما يسهل في العادة دركه ، ومما حصلت فيه المنة العظمى بَتَيْسِيرِ أسباب الشفاء المحسوسة ، وزادت المنة بأسباب أخرى من الشرع كالرقى من الوحي ، وهو لو تدبر الناظر أشرف ، وإن كان المرض في العضو الظاهر ، فإن الرقى تَنْفَعُ بإذن الرب الشافي ، جل وعلا ، وذلك ، بداهة ، لا يوجب تعطيل أسباب ا*** من الدواء الذي ينفع ، أيضا ، بما رَكِزَ فيه ، جل وعلا ، من قوى التأثير ، فَثَمَّ أسباب أجراها الرب ، جل وعلا ، فهي من عطاء الربوبية ، وفي كل سبب قد ركز من أسباب التأثير ، إن بالنفع أو بالضر ، مَا رَكَزَ على وجه تظهر فيه آثار القدرة في الخلق والحكمة في الإعطاء والمنع ، في إنفاذ السبب إذا واطأ محلا قابلا ، أو تعطيله إذا لم يواطئ المحل الذي يلائمه أو كان ثم مانع يمنع نفاذه ، وذلك يعم السبب المحسوس والسبب المعقول فلكلٍّ محل يلائمه ولكلٍّ أثر ينفع أو يضر على وجه تظهر به آيات القدرة في النفع والضر ، وآيات الحكمة في الفضل والعدل ، فإن كان نفع فذلك فضل ، وإن كان ضر فذلك عدل ، فلا ظلم إذ المعطي المانع غني كامل قد بلغ الغاية في الوصف فَلَهُ كمال الغنى فلا يفتقر إلى سبب من خارج ليظلم غيره فَيَسْتَلِبَهُ إن بقوة القهر ، أو بقوة الشرع ، فيشرع من الأحكام ما يستلب به الحقوق كما يصنع من يصنع من أئمة الجور الذين عطلوا الشرع النازل وحكموا بالشرع الحادث ، فإنهم يفرضون من الضرائب والمكوس ويغتصبون من الحقوق ما به يوطئون أمر الملك فلا يستقيم عندهم إلا بالجور والظلم والقتل والسفك والهتك ، فكل جائر لا يستقيم أن يخضع لأمر الوحي النازل ! ، فذلك ما يذهب بملكه أدراج الرِّيَاحِ إذ لم يُقَمْ إلا على قواعد من الظلم والاستبداد ، فإذا نَزَلَ الوحي فحكم حقيقة لا دعوى ، فاستغرق جميع الأحوال ما بطن من التصور والعقد وظهر من السياسة والحكم ، وما لطف من الأخلاق والآداب ، إذا نزل الوحي فحكم حكم النفاذ فقضى في كل جليل ودقيق ، فكانت الدولة له فهو نظام الحكم ، فإذا نزل وتلك حاله أتى بُنْيَانَ الوضع الحادث والملك الجائر من القواعد فأذابه كما يذوب الملح في الماء ، فهل رأيت بُنْيَانًا وإن بدا في الظاهر أنه محكم راسخ البنيان ، هل رأيته يصمد وأركانه من الملح إذا أتاه سيل جارف ، فسرعان ما يذوب وينحل فيهدم على رأس الظالم ، وإن بدا في الصورة أنه ظاهر راسخ ، وإنما استدرج من استدرج من الطغاة أن صارت له صورة الملك في الظاهر ، فـ : (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا) ، وهو ، في نفسه ذليل حقير ، فهو وقح لا يشعر بوجوده الضئيل إلا إن أذل العزيز وسعى في تحقير العظيم ، فَوَدَّ لو كان الناس جميعا مثله في وضاعة الأصل وحقارة الشأن ، فَوَدَّتِ الزانية لو أن كل النساء زواني فتستوي الحال ولا يُعَيِّرُ أحد أحدا ! ، فالجميع في الخسة والوضاعة سواء ! ، فما أعظم القدر الفارق بَيْنَ وحي السماء الذي يصدر من غَنِيٍّ فهو الكلم الشرعي الذي يستصلح به محل التصور المعقول ، ومحل الحكم المحسوس ، فما أعظم القدر الفارق بينه وبين الشرع المحدث الذي صدر من فقير مجرم ، قد أجرم في حق الله ، جل وعلا ، إذ نازعه وصفا من أخص أوصافه ، وهو الحكم والتشريع ، فلا يكون ذلك محل الرضا إلا أن يصدر من غني حميد ، حكيم عليم ، يعلم من الحال والمآل ما به تظهر آثار الحكمة في سن الشرائع ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، فذلك من جعل التشريع الذي تعظم به المنة فحسن من هذا الوجه أن يسند إلى ضمير الجماعة في "جعلنا" ، فثم تعظيم للشارع الحاكم ، جل وعلا ، فيحكم بما أنزل من كلمات التشريع ، كما يجري أمر الأبدان والأرزاق بكلمات التكوين ، فَلَهُ الحكم مطلقا ، فدلالة "أل" في "الْحُكْمِ" في نحو قوله تعالى : (لَهُ الْحُكْمُ) ، دلالة عموم يستغرق ، وَثَمَّ توكيد بتقديم ما حقه التأخير وهو "له" ، ولا يخلو من دلالة حصر حقيقي بالنظر في **در التشريع والتكوين الأول ، فإن وصف الحاكم مما يصح إطلاقه في حق البشر ، فيكون ثم حكام من البشر ، قد يمدحون إذا كان حكمهم بالوحي ، ويذمون في المقابل إذا كان حكمهم بالوضع ، وثم مناط حكم أخص ، فيمدح الحاكم إذا حكم بالعدل ، ويذم إن حكم بالجور ، والعدل مما يتفاوت في كل شرع أو قانون ، ولكنه ، في الجملة ، مناط مدح فلا يذم لا في شرع ولا في وضع ، لا إقرارا لوضع محدث يعارض الشرع المحكم ، وإنما تحريا للعدل في الحكم مطلقا فهو مما يمدح ، وإن في شرع حادث ، وإن لم يحصل به العدل الكامل ، فهو ، لو استقرأ الناظر موارد التشريع والحكم ، لا يكون إلا إذا كانت الدولة للوحي ، فهو مُبَرَّأٌ من التهمة التي تطال كل مشرع أرضي أنه فقير ليس بغني ، فيضع من القانون ما يُحَصِّلُ أهواءَه ويحفظ حظوظه ومكاسبه ، فلئن حصل عدل في بعض أقضيته ، فهو أمر لا يطرد لفساد الأصل ، ولا يكون به العدل الكامل ، وإن حمد معنى العدل مطلقا سواء أكان عدل الشرع أم عدل الوضع ، مع القدر الفارق بداهة ، فالمدح إنما يتوجه إلى قيمة العدل فهي قيمة تمدح وتعظم مطلقا ، وإن حصل التفاوت في حدها فَثَمَّ من يَرَى العدل تسوية مطلقة على وجه يفتقر إلى الحكمة ، وثم العدل المعتبر وهو أن يوضع الشيء في موضعه الذي يلائمه ، فقد جعل الله ، جل وعلا ، لكل شيء قدرا ، إن في الكون أو في الشرع ، فَأَنْزَلَ من الأرزاق ما يواطئ محال الأبدان ، وَأَنْزَلَ من الأحكام ما يواطئ محال الجنان ، فحصل العدل إن في محل الروح اللطيف أو في محل البدن الكثيف ، فالعدل قاض أن يقدر كل شيء قدره المعتبر فلا زيادة ولا نقص ، فذلك الحكم بالعدل ، وهو ما به تقوم السماوات والأرض ، وبه تصح المحال والأحوال ، فذلك ، بداهة ، مما استقل به الرب ، جل وعلا ، فذلك معنى يرشح دلالة العهد في اسم "الحَكَم" ووصف "الحُكْم" ، فذلك الحكم المطلق فلا يكون إلا للرب المهيمن ، جل وعلا ، إن بكلم التكوين ، أو بكتاب التشريع ، فـ : (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) ، وأما وصف الحاكم من البشر فهو من يَقْضِي بما ينتحل من الشرائع ، فيمدح إن حَكَمَ بالشرع ، ويذم إن حَكَمَ بالوضع ، بل ذلك مما ينقض أصل الدين بانحلال عرى الطاعة فهي أعظم صور العبادة ، فالطاعة لا تكون إلا لله ، جل وعلا ، أو فيه بطاعة من أمر أن يُطَاعَ ، وذلك ما أطلق في حق الوحي فهو المعصوم ، فـ : (أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ، وقيد في حق غيره فلا طاعة إلا في المعروف ، وهو ما حكم به الوحي نصا أو أقره سكوتا إذ واطأ مقاصد الشرع على وجه يخلو من التأويل الذي يصير الدين خادما للدنيا فلا تستقيم هذه الحال فهي حال دنيا ، وإنما تستقيم الحال أن يكون الحكم لله ، جل وعلا ، وحده ، على وجه به يصح تأويل الخبر : (لَهُ الْحُكْمُ) ، فلا يخلو من دلالة إنشاء تأويلها امتثال المأمور في الخارج أن : اجعلوا الحكم لله ، جل وعلا ، وحده ، فحصلت الحكمة أن جعل ، تبارك وتعالى ، لكل أمة من الشرعة والمنهاج ما يلائمها ، فحصل الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير وهو الجار والمجرور "لكل" في قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، ولا تخلو اللام في "لكل" من دلالة اختصاص بها تعظم المنة لو تدبر الناظر فسلم من وسواس الشيطان الفاسد الذي يجعل التكليف عِبْئًا يثقل الكاهل فليس إلا مشقة يعذب بها الرب ، جل وعلا ، عباده ، مع أنه الرحيم الذي خلق العباد ليرحمهم ، فإيجادهم في نفسه رحمة ، فضلا عما أمدهم به من أسباب الأديان والأبدان ، فحصل لهم من عطايا الربوبية ، إيجادا من العدم وإعدادا للمحل وإمدادا بالسبب الذي يواطئه ، فذلك ، كما تقدم ، مما يدخل في عموم "الحكم" ، وفي عموم الشرعة والمنهاج ، في آية المائدة ، فـ : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، ولا تخلو ، أيضا ، من دلالة إنشاء أعم بِالثَّنَاءِ على الرب ، جل وعلا ، فَيُثْنَى عليه بما هو له أهل من الحكمة البالغة ، ودلالة إنشاء أخص أن : اجعلوا الأمر لله ، جل وعلا ، بما شرع ونهج ، وذلك ما يقضي بتقديم الكتاب الخاتم فهو لما قَبْلَهُ ناسخ ، فَيُعْمَلُ به فهو المحكم وما سواه فمتشابه منسوخ أو مؤول أو مبدل أو اجتهاد لا يخلو من نظر فيحتمل الصواب ويحتمل الخطأ ، وكل أولئك مِمَّا يجب رده إلى محكم الوحي ، إن في الأخبار أو في الأحكام ، فلا يصدق مطلقا إلا خبره الذي جاء يثبت الحق وَيَنْفِي الباطل ، ولا يُحَكَّمُ مطلقا إلا حكمه الذي جاء يقضي بالعدل ويحسم مادة الظلم والجور ، وكل ما سواه فلا يقبل إلا أن يعرض على معياره المحكم المفصل فإن وافقه قُبِلَ وإن خالفه رُدَّ ، وإن عذر القائل فقد يجتهد في مورد يسوغ فيه الاجتهاد فَيَرُومُ الحق ويسلك سبيله فلا يعرض عن النص ولا يتكلف من طرائق الاستنباط ما يخالف مشهور القياس واللسان على وجه تصير معه الحال إلى منهاج باطن يَتَأَوَّلُ الوحي التأويل الباطل ، إن في الأخبار أو في الأحكام طلبا لحظ نفس في إثبات أو نفي ، في أمر أو نهي ، فهو يتأول مقاصد الشرع أن يجعلها تُوَطِّئُ لما يهوى ويجد ، وإن أفضى ذلك أن يحل الحرام أو يحرم الحلال لشبهة تَعْرِضُ بِهَا يفسد الذهن فَيَتَوَهَّمُ ال**لحة في قضاء يخالف قضاء الوحي إن في الأخبار إثباتا ونفيا ، أو في الأحكام أمرا ونهيا ، إن في مقصد رئيس أو فرع من فروع التكليف فإساءة الظن بالوحي تعم أن يظن الظان أنه لا يحقق الغاية ولا تحصل به الكفاية ولو في فرع ، فقد تجوز مخالفته إذ ثَمَّ **لحة معتبرة في مخالفته ! ، وذلك مما لا يتصور بداهة إلا أن يطعن في الرب ، جل وعلا ، فيوصف بالجهل *** يعلم تلك ال**لحة ، أو السفه ، تنزه عن النقص وتقدس ، فعلمها ولكنه حكم بغيرها ! ، ولذلك كان سكوت الوحي في نفسه تقريرا ، إذ لا يسكت عن خلاف الأولى زمنَ الرسالة فضلا أن يسكت عن باطل محض ، فاكتمل بنيانه واستقرت أحكامه قبل رفع الوحي من الأرض بقبض النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا يَرِدُ على ذلك مخالفة العزائم في مواضع الترخص حال الحاجة إذا كان التحريم لغيره أو الضرورة إن كان التحريم لذاته ، فإن ذلك ليس بمخالفة لأصل أو فرع ، وإنما هو تأويل صحيح لحكم يخصص عموم التشريع إذ يشترط في كل تكليف القدرة ، فذلك مما تكاثرت به النصوص تكاثرا بلغ حد التواتر الذي يفيد العلم الضروري ، فال**لحة في هذه الحال فيما شرع ، جل وعلا ، من الرخصة ، فليست ال**لحة أن يوقع الإنسان نفسه في الحرج فَيُعْرِضَ عن الرخصة على وجه يفضي إلى ضرر معتبر في الدين أو الدنيا ، وإن شرع الثبات على العزائم في أحوال ، كما في بعض رخص الترفيه ، كالنطق بالكفر حال الإكراه الملجئ المعتبر ، فإنه يستحب لمن أُكْرِهَ إن كان من عموم الناس أو لم يحصل بترخصه ضرر يعم الناس في دينهم أو دنياهم ، فإنه يستحب لمن تلك حاله أن يثبت نكاية في أعداء الديانة بإظهار العزة والكرامة فذلك مما يكسر قلوبهم ويذل نفوسهم فلا تشمت في أهل الحق ، فذلك تجلد محمود كما صنع ابن حذافة السهمي ، رضي الله عنه ، مع ملك الروم ، في القصص المشهور ، فامتنع من رخصة المحرم في المطعم والمشرب مع أنها مما يحل له ، بل ويجب فتلك رخصة إسقاط سقط فيها حكم الأصل وهو تحريم الخنزير والخمر وانقلب إلى الضد من الإباحة بل والإيجاب إن أفضى به الأمر إلى ذهاب النفس وَتَلَفِهَا إن لم يَتَعَاطَ من المحرم ما يحفظها فيقدر الأمر بقدره ، فالضرورات تبيح المحظورات ، وذلك أصل عام في التشريع علم باستقراء نصوصه وفروعه ، والضرورة ، من وجه آخر ، مما يقدر بقدره فلا إفراط في تَنَاوُلِ المحرم فليس إلا رخصة تقدر بقدرها حتى يرتفع المانع من إنفاذ العزائم فإن ارتفع رجع المكلف إلى حكم الأصل وهو العزيمة في تحريم الخبائث ، وقد يجب على المكره أن يثبت ، ولو فاته موضع الترخص ، فالعزيمة في حقه واجبة إذ بها يحصل مقصود أعظم من حفظ الدين ، كأن يكون إماما متبوعا فيجب عليه من العزيمة ما لا يجب على آحاد الناس ، فثم تعارض بين مقصد رئيس أول وهو حفظ الدين بالثبات على الحق وإن لقيه في سبيل ذلك ما لقيه من الضيم في نفسه ، ومقصد رئيس ثان وهو حفظ نفسه أن يترخص فيوافق المكرِه على ما رام منه من قول أو فتوى بها يظهر الباطل وَيُقَرُّ ، وقياس العقل الصريح أن يقدم ما حقه التقديم فيقدم حفظ الدين على حفظ النفس ، ويستدفع الضرر الأعظم من تحريف الدين باحتمال الضرر الأصغر من إيلام النفس أو فَوَاتِهَا ، وذلك قَدْرُ العلم فكما يرفع ذكر صاحبه فإنه يجعل الابتلاء في حقه أعظم بما أخذ عليه من الميثاق ألا يكتم أو يُبَدِّلَ ، فالتعارض في هذه الحال بَيْنَ ضرر يعم بتبديل الشرع فهو يستغرق أتباعه جميعا ، وَبَيْنَ ضرر يخص العالم في نفسه ، وقياس العقل الصريح تقديم ما حقه التقديم ، فيحتمل الأخص من الضرر دفعا للأعم ، فذلك يجري مجرى التراجح بين المفاسد ، فتستدفع العظمى باحتمال الصغرى إذا تعذر دفعهما جميعا ، كما هي الحال في تراجح ال**الح ، في الوجه الآخر من القسمة ، فتستجلب ال**لحة العظمى ولو بِفَوَاتِ الصغرى إن تعذر جلبهما جميعا ، وإذا كان المكلف حال الإكراه في حق مخلوق لا يستبيح الرخصة مطلقا ، كما في الإكراه على القتل أو الزنا فيحتمل ما يقع عليه من ضرر ولو بالقتل ، إذ لا يجوز له أن يدفع عن نفسه الضرر بإلحاق ضرر آخر يعظم في حق غيره على وجه يتعذر استيفاؤه فلا عوض في القتل والزنا فذلك مما لا يستدرك بعد فواته خلافا للإكراه على حرق المال أو إتلافه فذلك مما يمكن استدراكه بتضمين المكرِه ، فإن قُدِّمَ حق مخلوق مثله على حقه في مثل هذا الموضع فتقديم حق الخالق ، جل وعلا ، على حقه أولى حال أكره العالم أن يُبَدِّلَ الشرع وَيُغَيِّرَ فَيُفْتِي بباطل به يتأول أنه مكره مضطر ، فلا يستوي إكراهه وإكراه عامة الناس فقد علم ما لم يعلموا وبلغ من الرتبة ما لم يبلغوا ، والضلال بقوله أو فعله لا يستوي بداهة والضلال بقول نكرة من الناس أو فعله ، فجاز لعامة الناس في هذا الباب ما لا يجوز لخاصتهم .
والشاهد أنه لم تكن ثم **لحة معتبرة أهدرها الشارع ، جل وعلا ، في باب الترخص ، وإنما ظهر من آي الحكمة في هذا الباب الدقيق ما يوافق مقاصد التشريع الكلية ويوافق أحكامه الجزئية ، فلا يسوغ بحال أن يُسَاءَ الظَّنُّ في الوحي المنزَّلِ والشرع المحقق الذي استوفى من وجوه الحكمة ما استوجب الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، واستوجب ، من وجه آخر ، أن تشفع دعوى التعظيم والتوقير له ، جل وعلا ، أن تشفع بتأويل ذلك في الخارج بتصديق أخباره وامتثال أحكامه فذلك التأويل الصدق لشهادة الحق أن لا إله إلا الله ، فلا يعبد بحق إلا هو ، ولا يطاع مطلقا إلا هو بما شرع على ألسنة رسله ، عليهم السلام ، وأما النطق مجردا فما أيسره ، ولذلك أبى القوم أن يعطوها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يعلمون التبعة فهي إفراد في المنهاج والشرعة ، في التصور والحكم على وجه يَفُوتُ به من حظوظهم ما يفوت ! ، فاستمعوا وفقهوا فهم أهل اللسان ، فـ : (مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) ، وقد حد الفعل "يستمع" بالنظر في لفظ "مَنْ" فهو مفرد ، ومن ثم حُدَّ الاسم "قلوبهم" بالنظر في معنى "مَنْ" فهو الجمع ، فلا تعارض ، كما في قوله تعالى : (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، فَثَمَّ إفراد في الشرط وشطر أول من جواب الشرط : (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) ، بالنظر في لفظ "مَنْ" المفرد ، وثم جمع في شطر ثان من جواب الشرط بالنظر في المعنى : (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ، والجار والمجرور "عَلَى قُلُوبِهِمْ" متعلق مفعول ثان إن ضُمِّنَ فعل الجعل معنى التصيير فهو مما يتعدى إلى مفعولين ، كما في قولك : جعلت الطين إبريقا ، أي صيرته إبريقا ، فيكون تقدير الكلام : وجعلنا أكنة كائنةً على قلوبهم ، فيقدر المفعول الثاني بالكون العام وهو ، من وجه آخر ، ينصب على الحالية إن حمل الجعل على الخلق فهو مما يستحق التأخير على تقدير : جعلنا أكنة على قلوبهم فيجري مجرى الوصف إذ جاء شبهَ جملة بعد نكرة ***ا قدم على الموصوف أُعْرِبَ حالا كما اطرد في كلام أهل الشأن ، فالصفة إذا تقدمت على الموصوف في اللفظ أعربت حالا .

فاستمعوا وفقهوا فَهُمْ ، كما تقدم ، أهل اللسان ، ولكن الرب ، جل وعلا ، قدر على قلوبهم أكنة أن عَلِمَ فساد المحل وما حصل فيه من الحظوظ الدنيا التي صرفت أصحابها عن المطالب العليا ، فكان قدر التكوين المحكم ألا توضع مادة الهداية الأخص ، هداية الإلهام والتوفيق في محال لا تقبلها ، فهي مادة شريفة لا توضع إلا في محل شريف ، فذلك العدل والحكمة ، فهما يقضيان ، كما تقدم ، أن يوضع الشيء في محله الذي يقبله سواء أمدح أم ذم ، وكانت الرحمة ، مع ذلك ، أن أقيمت الحجة فحصل الاستماع والفقه لحجة الشرع فتلك هداية البيان والإرشاد التي لا تقام الحجة الرسالية إلا بها ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فله الحمد ، جل وعلا ، في الحالين ، إن هدى بيانا وهدى إلهاما فذلك الفضل ، وإن هدى بيانا وأضل *** يوفق المكلف أن ينهج نهج الشرع المنزَّل فذلك العدل ، وإن لم يهد بيانا فالمكلف معذور وله امتحتن يوم القيامة معلوم كما في الخبر المأثور ، فلا ظلم بل ذلك لازم الحكمة ، كما تقدم ، أن يوضع الشيء في المحل الذي يقبل آثاره فضلا عن معنى أدق إذ لا يكون الفساد والشر في المحل القابل لأسبابهما ، لا يكون مطلقا فلا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ ب**لحة أعظم ، وإن بِالنَّظَرِ في المآل ، وَبِهَا يحتمل الفساد الطارئ ، وذلك ، أيضا ، مورد ثناء بالحكمة على رب العزة ، جل وعلا ، وهو جار على ما شرع في باب ال**الح والمفاسد حال التراجح وتعذر الجمع ، فإن تعذر الجمع بَيْنَ جلب ال**لحة العظمى ودفع المفسدة الصغرى ، احتملت المفسدة الصغرى طلبا لل**لحة العظمى .

فحسن في مورد الجلال في جعل الأكنة بقدر التكوين النافذ أن يسند الفعل إلى ضمير الفاعلين في "جعلنا" ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير "على قلوبهم" ، بَيَانًا للمحل الذي اختصه الرب ، جل وعلا ، بالهداية فضلا أو الضلال عدلا ، وقد استعير الساتر المحسوس من الأكنة والأغطية استعير لما يستر به المحل وَيُكَنُّ من الساتر المعقول من حجب الشبهات والشهوات التي تحول بين القلب وبين الحق بقدر الرب ، جل وعلا ، فقد تحول على وجه ينقض أصل الدين وقد تحول على وجه ينقص من الدين الواجب ما ينقص فيقدح في كماله اللازم دون أصله الجامع ، وقد نكرت الأكنة مَئِنَّةً من التعظيم ، فهي قدر نافذ لا يرد ، وأطنب بالعلة "أَنْ يَفْقَهُوهُ" ، على تقدير : لئلا يفقهوه ، فحذفت اللام وهي مئنة من التعليل ، ولا تخلو من عمل الجر بالنظر في دخولها على ال**در المؤول من "أن" وما بعدها ، وحذفت أداة النفي ، فذلك من إيجاز الحذف ، كما في قوله تعالى : (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) ، أي : لئلا تضلوا ، في مقابل إيجاز الزيادة في نحو قوله تعالى : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) ، فزيدت "أن" وَالنَّفْيُ بعدها إذ تقدير الكلام : ليعلم أهل الكتاب .

فَجُعِلَتِ الأكنة على القلوب لئلا تفقه ، وإن علمت على وجه تقام به الحجة فالفقه قدر زائد أخص لا يحصل إلا في محال اصطفاها الرب ، جل وعلا ، بزيادة في التدبر والنظر تفضي إلى الهداية في القول والعمل ، وزيد في تقرير المعنى ، فقد فسدت الطريق التي بها يحصل العلم في القلب ، وهي السمع ، فـ : (فِي آذَانِهِمْ وَقْرًا) ، فثم ثقل في السمع لا مرضا فذلك من العذر ، وإنما فسدت الحال فلا يطيق صاحبها أن يسمع من الحق شيئا ، ومن ثم جاء الإطناب بما يدل على فساد الرؤية ، وهي آلة الإدراك الثانية بعد السمع ، فـ : (إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) ، وقد أورد الخبر مورد الشرط إمعانا في تقرير المعنى إذ يناط الجواب بالشرط على جهة الطرد والعكس ، وقد زيد في تقرير الذم بدلالة العموم في "كل آية" ، فذلك عموم يستغرق لآي التكوين إعجازا وآي التشريع إخبارا ، ولا يخلو إطلاق الفعل "يؤمنوا" في حيز النَّفْيِ في الجواب ، لا يخلو من إمعان في الذم إذ لا يؤمنون مطلقا وذلك ، بداهة ، آكد في تقرير الجناية .


وإذا فسد كل أولئك فسد المقال ، فـ : (إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، فما المقال إلا تأويل ما تقدم من حواس ومحال بها يدرك المكلف الحق سمعا وبصرا وتدبرا فيحكي قَوْلُهُ ما تدبر مما نظر فيه واستمع إليه ، فَإِذْ فسد العقد ، والمقال عنه فرع ، فلا يكون المقال ، بداهة ، إلا فاسدا ، وقد أطنب أن أجمل فعل الجدال وهو مئنة من المفاعلة الَّتِي تَشْتَرِكُ فِيهَا أطراف ، ثم أبان بفحوى المجادلة ، فـ : (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، فهي جواب الشرط ، فإذا جاءوك في حال الجدال فذلك مقالهم ، فـ : (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، وذلك مما استقبل زمانه بالنظر في دلالة "إذا" فهي أداة شرط لما يستقبل من الزمان ، ومما استقبل في حق صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنظر في زمن الخطاب ، ولا يخلو ، كما تقدم ، من عموم يستغرق كل داع إلى الحق ، فالشبهات واحدة وإن اختلفت الألفاظ ، فالعبرة بالمعنى لا بالمبنى وإن زخرف وزين ! ، وقد أنيط الحكم بوصف الكفر الذي اشتقت من الصلة "كفروا" فلا يخلو إيراد الموصول من دلالة عموم تستغرق كل كافر ، سواء أكان ممن شهد الوحي أم جاء بعده ، فإن الشبه ، كما تقدم واحدة ، فقالوا إثما وزورا : (إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) ، ففحشت الجناية أن أمعن صاحبها في الدعوى بالقصر بأقوى أساليبه ، النفي والاستثناء ، وتلك خاصة في كل منهاج يزدري الوحي ولا يقم للغيب وزنا فليس عنده ، كما تقدم ، إلا حديث خرافة من أساطير الأولين الذي اختلقها من اختلقها واكتتبها من اكتتبها ، فـ : (قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) .

والله أعلى وأعلم .