المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من آية : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ............)


rss
08-17-2016, 08:38 AM
من آية : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ............)
لا تستقيم حال الفرد أو الجماعة إلا بصلاح قوة الباطن وقوة الظاهر ، فلا بد من علم يدفع الشبهة ، ولا بد من صبر يدفع الشهوة ، ولو تدبرت لوجدت أن الصبر حتم لازم في كل أمر ، إن في العلم أو في العمل ، فيكون الصبر على جمع الأخبار والأحكام ومطالعة سير الأعلام ، والتنقيب والتفتيش في دفاتر التاريخ فهي خير شاهد على الحاضر ، فالماضي مرآة الحاضر ، إذ سنة الرب ، جل وعلا ، في الكون واحدة ، فإذا استوفت نازلة أسبابها كانت النتائج على ما سن رب الخلائق ، جل وعلا ، من سنن الحكمة ، وما علم من الأزل إن في الخلقة أو في الشرعة ، والعاقل المسدد من نظر وتدبر فقاس قياس العدل الذي يقضي بحصول النتيجة عند استيفاء المقدمات إلا أن يشاء رب البريات ، جل وعلا ، غير ذلك ، فالآية الجارية قد تتخلف لانتفاء شرط أو وجود مانع ، ولو دق ، وقد يكون ذلك إعجازا في التكوين ، سواء أكان تحد لجاحد أم إعجازا به تكون التوطئة لدار الآخرة ، كما في طلوع الشمس من المغرب ، فذلك من العلم المغيب الذي لا ينال إلا بيقين الرسالة فَهِيَ الَّتِي أَخْبَرَتْ ، وخبرها الصدق ، وذلك ، بداهة ، مما لا يُعْلَمُ بقياس العقل بل قياس العقل قاض بضده ، فسنن الكون الجارية تخالفه ، فلا غنى يحصل عن الوحي المنزل فهو الذي يكشف عن أسباب الصدق في الأخبار وبها يصح التصور ، وهو الذي يكشف عن أسباب العدل في الأحكام وبها يصح العمل وذلك ما يظهر في مواضع تغلب فيها قوة الغضب قوة الحلم كمواضع القصاص التي يغلب فيها الجلال على وجه قد يضيع فيه العدل فيستوجب صاحبه الذم وإن كان مظلوما يقتص من ظالمه ، فـ : (لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ، فجاء النهي الذي عم بدلالة التغليب ، ولا يخلو ، بداهة ، من دلالة التحريم ، وقد تسلط الفعل تحريما على عموم "النفس" ، فدلالة "أل" ، مئنة من بَيَانٍ لل*** ولا يخلو من دلالة عموم يستغرق أفراد المعرَّف في الخارج ، فالأصل في الدماء التحريم ، وذلك ما أبان عنه الوصف بِالْوَصْلِ "الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ" ، فَثَمَّ إطناب بالموصول فليس مناط فائدة في الحكم ، وإنما مناط الفائدة الوصف الذي اشتقت من الصلة وهي التحريم .

ونسبة التحريم إلى الله ، جل وعلا ، في قوله تعالى : (الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ) ، مما يعظم به الأمر ، فمن حرم قتل النفس هو الله ، جل وعلا ، فهو الحكم الذي يَتَأَلَّهُ له العباد بما أَمَرَ وَنَهَى على وجه لو تدبرته لوجدته يواطئ صريح العقل ، فإن القتل مما أجمع العقلاء على قبحه ، فهو إزهاق روح يحصل به من الإيلام بل والإتلاف ما يستقبحه كل عاقل إلا إن كان بحق ، وذلك أمر يتفاوت الناس في تقديره فثم من يعدل في هذا الأمر فالحق عنده هو حق الشرع الذي سن القصاص وأبان عن أسباب الحد المشروعة من ردة وقتل وزنى ..... إلخ ، وثم من يظلم ويطغى فيسفك الدم بلا حق إلا حق القوة فهو الحق المقدس في قانون الغاب الذي لا يحكم فيه إلا الطواغيت بما يحفظ مكاسبهم ورياساتهم .

وثم قصر بأقوى الأساليب ، النفي والاستثناء ، في قوله تعالى : (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) ، إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده ، فقيد النهي بالحال "بالحق" ، وذلك مجمل أبان عنه الشرع في مواضع ، منها ما ورد في التَّنْزِيلِ ، كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) ، ومنها ما ورد في صحيح الخبر ، فـ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ" ، و : "لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ" ، و : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ، وَالْمَفْعُولَ بِهِ" .

ولا تخلو الباء في "بالحق" من دلالة السببية فما اقترف من أسباب القتل هو الحق الذي يوجب القصاص فهو سبب إيجابه وانعقاده ، ومن ثم جاء الإطناب تحذيرا ، إذ القصاص مما قد يقع فيه التعدي بما يكون من ألم الظلم فهو يحفز القوة الغضبية أن تَنْتَقِمَ فيحصل من التعدي في الاستيفاء ما يخالف وحي السماء ، فيكون الظلم ولو في حق مجرم قاتل سفك من الدماء المعصومة ما آلم النفوس المكلومة التي تَرُومُ الاستيفاء ، فقل من يعدل فلا يسرف في القصاص كما أسرف القاتل في الجناية ، فتلك طبائع النفوس في رد الفعل إذ يقع فيه ، في أحيان كثيرة ، ما يضاهي التجاوز والتعدي في الفعل ما يضاهيه في القدر ويعاكسه في الاتجاه ، فحسن التحذير بالشرط : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) ، وجاء الجواب "فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا" **درا بالفاء ، فضلا عن دلالة "قد" فهي مئنة من التحقيق إذ دخلت على الفعل الماضي ، وَزِدْ عليه إسناد الجعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم فذلك ما يحسن في مورد جلال كاستيفاء القصاص ، والجعل في هذا الموضع جعل التشريع فكم من ولي دم لم يعط سلطان الشرع أن يقتص ، إذ عُطِّلَ الوحي بقدر الكون ، فحصل الذم للمعطِّل ولم يخرج بجنايته عن القدر المهيمن فما كان تعطيل الشرع إلا بقدر الكون على وجه لا يَخْرُجُ صاحبه من العهدة فلا يحتج بقدر الكون على ما يقع من نقص في إنفاذ أحكام الشرع ، وَزِيدَ في التوكيد بتقديم ما حقه التأخير "لِوَلِيِّهِ" ، فضلا عن دلالة اللام فهي دلالة اختصاص واستحقاق بها تعظم المنة أن جعل الرب ، جل وعلا ، لولي المقتول ما به يَشْفِي الغل المكظوم ، وتنكير "سلطانا" مئنة من التعظيم ، فهو سلطان الشرع المعظم الذي به تصلح الحال أن يَنْزَجِرَ القاتل ، ولا يخلو الشرط ودلالته خبرية ، لا يخلو من دلالة إنشاء يوجب القصاص ، ومن ثم جاء النهي تحذيرا ، فـ : (لَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) ، ودلالته دلالة التحريم ، فالعدل قاض بالمقاصاة دون تجاوز أو تَعَدٍّ ، ومن ثم جاء الختام استئنافا على حد التعليل ، فصدر بالتوكيد بعد إنشاء ، فجاء المؤكد الناسخ بعد النهي ، فلا يخلو من معنى الجواب لسؤال دل عليه السياق اقتضاء ، فما علة النهي عن الإسراف في القتل ؟ ، فجاء الجواب : إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا ، فَثَمَّ توكيد بالناسخ ، فضلا عن اسمية الجملة فتقدير الكلام قبل دخول الناسخ : هو كان منصورا ، فضلا عن دلالة الكينونة الماضية فهي آكد في تقرير المعنى فذلك وعد صدق لا يتخلف ، فهو منصور بالشرع ، إن كان ثم تعظيم للوحي أن يقضي في الدماء ، أو بالكون كما تأول ابن عباس ، رضي الله عنهما ، ولاية بني أمية إذ صار السلطان لهم ، فَنُصِرُوا وهم أولياء الدم بعد مقتل الخليفة الشهيد عثمان رضي الله عنه ظلما ، فصارت لهم ولاية عامة على من قتل عثمان ، رضي الله عنه ، بل وعلى عامة الناس وإن لم يقتصوا لما آل إليهم الأمر إذ رأوا ما كان عنهم خافيا فعلموا عظم الأمر الذي قد يفضي إلى اقتتال عام يفني أمة الإسلام وَيُبِيحُ بَيْضَتَهَا للأعداء وهو ما يدل على رجحان ما ذهب إليه علي ، رضي الله عنه ، من تأول ال**لحة العامة في نسإ القصاص لا تعطيله رضى بما كان من مقتل الخليفة الشهيد كما يروج بعض المغرضين وبعض الجهلة ممن لا علم لهم بحقيقة الأمر وإنما محض التخرص والظن ، فمن كان في غير الصدارة فإن الحمية ، كما يقول بعض الفضلاء ، قد تحمله أن يغامر بما قد تعظم به المفسدة وتعم فإذا آلت إليه الصدارة رأى ما كان عنه خافيا فوجب عليه من المناصحة لعامة الأمة أن يحتمل من المفسدة أمورا قد تطاله بالأذى ذبا عن الجمع أن يضطرب أمره وَيُشَقَّ صفه .

والله أعلى وأعلم .