تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : بين الإنسان والآلة


rss
08-06-2016, 08:22 AM
بين الإنسان والآلة
مقال الفلسفة ، عند التدبر والنظر ، مقال امتد أثره وفعله في كل عصر و**ر إذ يقوم على التسليم بعلم الله ، جل وعلا ، بالكليات العامة دون الجزئيات الخاصة ، فنظام الحياة من صنع البشر فلا يحق لأي مرجع من خارج أن يقحم أنفه فيه ! ، فهو يقوم ، في الجملة ، على اختزال الحكم الرباني وقصره على أنحاء دون أخرى مع بسط الأمر أن يكون الحكم للعقل إذ عُزِلَ الوحي من السيادة *** يعد له أثر إما في الحياة كلها ، وإما في بعض أنحائها لا سيما السياسة والحرب والاقتصاد والإعلام فهي وسائل التأثير الفاعل في أية جماعة وبها يصاغ المزاج العام لأية أمة وهو ما يظهر أثره في سلوك أَفْرَادِهَا ، فما سلوك الأفراد إلا تأويل العرف العام الذي تواطأ عليه الجمع فرضيه شارعا حاكما في أحوال ناقصة يعزل فيها الوحي أن يسوس إذ أبى العقل أن يخضع له فلا يقبل مرجعا يتجاوزه من خارج ، وإن كان وحيا منزَّلا ، فالوحي قد صار محل الزراية والنكاية ! ، فصار من يحتج به رجعيا متخلفا يروم الرجوع إلى عصر الحمر والبغال في عصور اخترق فيها الإنسان آفاق السماء ! ، فإذا رد الأمر إلى الأعراف القانونية والاجتماعية المحدثة حصل الاضطراب ، وهما ، أي الأعراف القانونية والأعراف الاجتماعية ، هما مِمَّا يتلازم إذ القانون الحاكم صورة تحكي أنماطا اجتماعية وثقافية هي **در التصور الأول ، ولكلِّ أمة مرجع في هذا الباب الجليل الذي به تتمايز الأمم والجماعات ، فلكلِّ حضارة مستمدات فكرية هي التي تصوغ التصور العام ، وهو الذي تظهر آثاره ضرورة في الأعراف والأحكام وسائر مظاهر السلوك الخاص والعام ، في التجارة والسياسة والحرب .... إلخ ، فثم منظومة قيم تحكم كل أمة وذلك محل النَّزَاعِ بين الوحي والوضع فإن قريشا لم تعترض على دين العقد والشعيرة ، وتلك أمور عظيمة ، إلا أنها ليست الدين كله لا سيما إن نظر في الأمر أنه كيان متكامل ، فليس الدين طعمة أو شربة يفتقر إليها الإنسان في وقت دون آخر وإنما هو نظام حياة كامل يستغرق جميع الحركات والسكنات ، العقد الباطن والشرع الظاهر والسياسة الحاكمة والحرب الدائرة وذلك ما أقر به خصوم الديانة فأنكروه وجحدوه وهم يعلمون حَدَّهُ في الخارج فلا يقتصر على العقد والشعيرة وإلا فليس ذلك مناط صراع رئيس بين الإسلام والجاهلية ، وإنما تعظم ال**يبة أن تظهر آثار هذا العقد الباطن ، وأن تؤثر هذه الشعائر في الحياة العامة ، لا سيما في **ادر التشريع ، ولو مزاحمة لأحكام الوضع ، والسياسات العليا ، ولو مزاحمة لسياسات النفع ، فلا دين يزاحم الوضع في التشريع ، ولا دين يزاحم السياسة في التوجيه ، ولا دين يصوغ منظومة قيم تزاحم منظومة القيم الأرضية التي تأرز إلى النفع المجرد ، فتلك حضارة لا غاية لها كما يقرر بعض منظريها ، فأبناؤها في حيرة عظمى وإن حَقَّقُوا من اللذات ما حَقَّقُوا ، وجمعوا من أسباب القوة والسيطرة ما جمعوا ، فحضارة الغرب حضارة أسباب بلا غايات ، إلا غاية اللذة الأرضية العاجلة ، وهي لذة الحيوان الذي ينحط الإنسان إلى دركته إن صرف غايته وهمه الأعظم أن يقضي وطره الأسفل ! ، وهي حضارة أسباب سيطرت على الإنسان ، كما يقول بعض الفضلاء ، فقد صارت الآلة هي الحاكمة بل والشارعة التي يضع الإنسان من القوانين والأحكام ما يحفظ سيادتها ! ، فتقام الحروب بشرائع دولية ! ، تقام انتهابا لمادة خام بها تغتذي هذه الآلة التي لا هم لها إلا الربح المحض ، وإن قل النفع أو عدم ، كما ترى في كثير من الصناعات الكمالية التي تهيمن على المجتمعات ذات الطبائع الاستهلاكية فيتفنن أبناؤها في فنون الطعام والشراب إن كانوا على رسم الحيوان المحض ! ، وإن ارتقت العقول فلا تخرج عن هيمنة الآلة فثم تقنية دقيقة رفيعة المستوى يجهد العقل في تصميمها وتكوينها لا لشيء إلا أن يُحَقِّقَ مَزِيدًا من الترف والتأنق في المعاش فَيَتَسَابَقُ البشر في اقْتِنَاءِ أحدث صيحات التقنية المعاصرة وإن لم تكن ثم حاجة ملحة إلا الرغبة في التجديد فشهوات ا*** سريعة الملل والتضجر فلا بد من التحديث أولا بأول على وجه يدخل الإنسان في دوامة استهلاك يكون الحاكم المهيمن فيها هو الآلة الصماء فهي مناط الولاء والبراء وَصُنَّاعُهَا ومحتكروها هم الذين يصنعون القرار السياسي في دول المركز ، وهم الذي يستثمرون الأموال الطائلة حفاظا على سلطان الآلة فقد صاروا لها عبيدا ، وصارت أدبياتهم تقدس الآلة حتي صارت صورة الفن السابع تحكي آلات تصنع البشر وتوجههم وتصوغ عقولهم فقد صار لها من السلطان ما به تَخْلُقُ فما يمنعها أن تحكم ، فذلك لازم صحيح في العقل فالرب الخالق هو الإله الشارع ! ، فَتُفْنِي أمما وَتُحْيِي أخرى ، وما يمنعها أن تضع الشرائع التي تحفظ لها الهيمنة فهي لب هذه الحضارة ونواتها الصلبة ، فالآلة تنتج ، والإنتاج المحسوس هو المعتبر إن في المجتمعات الرأسمالية التي تقوم على تقديس الأنا الخاصة أنا الفرد ففي المجتمعات ذات الطبيعة الليبرالية يظهر أثر الفرد في مقابل ضمور أثر الدولة وتقلص سلطانها على وجه ظاهر يروم قمع الاستبداد الذي يحكم المنظومة المقابلة ، المنظومة الشيوعية فإذا به يجاوز الحد فيغلو في تقرير قيمة الحرية الشخصية فتتبدل منظومة القيم الضرورية التي أجمع عليها العقلاء فضلا عمن آمن بالوحي المنزَّل وإن مبدلا ! حتى أعيد تعريف **طلحات ضرورية ك**طلح الأسرة فصارت الأسرة رجلا ورجلا ! ، أو امرأة وامرأة ، بل وربما انحط الإنسان إلى دركة أدنى فاقترن بحيوان بهيم ، في مخالفة صريحة لضرورات الوحي والعقل والفطرة وما شئت من طرائق الاستدلال فرام أصحاب هذا الطرح الخروج عن الاستبداد الذي يهيمن على المعسكر المقابل فإذا بهم يخرجون عن نطاق العقل والفطرة فيصير المجتمع مسوخا شائهة في الباطن والظاهر لا هم لها إلا تحصيل الشهوة لتسكن آلام الروح التي استبد بها الظلم إذ حُجِبَتْ عن مادة صلاحها من الوحي ، وصار الإنتاج المحسوس هو الحاكم المهيمن فهو الذي به تغتذي الجوارح إرواء لغليل الشهوة ، وهو الذي به تمتلك أسباب القوة والسيطرة ، *** يستفد الإنسان من هذه المنظومة حرية كما يزعم بل وقع في رق صاحب ال**نع ، بل ووقع صاحب ال**نع في رق الآلة إذ شرع العقل الجمعي لها من القوانين ما يحفظ سيادتها وإن خالفت حاجة البشر فلا مانع ، كما يقول بعض الفضلاء ، أن تمحى أمم من الوجود ودول من الخرائط صيانة لحاجات الآلة من المادة الخام أو الأيدي العاملة الرخيصة سواء أَسْتُرِقَّتْ صراحة كما كانت الحال في المجتمعات الرأسمالية الزراعية وكما وقع في مستعمرات العالم الجديد غرب الأطلسي ، إذ خطف الرجال الأشداء من الشاطئ الآخر ، الشاطئ الإفريقي الغربي ، وشحنوا في السفن كالبهائم ليعملوا رقيقا في مزارع السيد الأبيض الذي يستمد سلطانه من لونه و***ه في عنصرية بغيضة تجعل الحوار مع حضارة الغرب كمنظومة قيم وشرائع ، تجعل الحوار معها ضربا من الهذيان ! ، فكيف تجلس مع من يحتقرك ويرى أنك في أحسن الأحوال عبد له أو خادم ، أو **در يستمد منه حاجته من المادة الخام فإن ابتسم في وجهك فطمعا في غازك ونفطك ! ، فاسترقت الأيدي العاملة رقا صريحا في مزارع السيد الأبيض في أعصار الرأسمالية الزراعية ، واسترقت أيضا رقا غير مباشر بعد ذلك في **انع الرجل الأبيض أيضا ! ، فهو السيد دوما في جميع أدوار الرأسمالية ، استرقت في **انعه في أعصار الرأسمالية الصناعية ، وهي رأسمالية لو تدبر الناظر تحكم بصرامة لا تعرف الرحمة ، فنظامها السياسي الدولي نظام محكم لا يرضى الخروج عنه قيد أنملة إلا في إطار الصفقات السياسية الجزئية التي تفسح هامشا من الحريات السياسية لا يتجاوز الخطوط الحمراء للسادة من صناع القرار في المركز ، فأي خروج مؤثر عن قواعد اللعبة يفضي إلى الاستئصال المؤلم فآخر الدواء الكي ! ، والسيادة لو تدبرت دوما للآلة الصماء ! ، فهي المرجع الذي تأرز إليه هذه الحضارة فلأجلها تصاغ القوانين وتلفق التهم للأفراد والأنظمة السياسية المارقة التي تخرج عن أمر المركز فتصيبها الفتنة والعذاب الأليم أن عصت المركز ، وهو ، كما تقدم ، صارم لا يطيق الخروج عن القانون الموضوع والخط المرسوم ، فلا بد من امتلاك أسباب القوة والتفنن في طرائق اللذة ، ومن غير الآلة المقدسة في ال**نع يحقق ذلك ؟! ، سواء أكانت في **انع الرأسمالية والرق فيها ألطف فلا يكون الاستبداد مباشرا بآلة قمع صلبة ، وإنما يكون ناعما بطرائق من التوجيه السياسي والإعلامي يصاغ بها العقل الجمعي ، وتنفق مراكز القوة والسيطرة في المجتمع أموالا طائلة على وسائل الدعاية والإعلام التي تخدع المشاهد وعلى حملات السياسة التي تصنع الزعماء والساسة الذين يحققون لهم مآربهم في السيادة ولو من وراء ستار فَتَقْمَعُ النخبةُ القليلة الطبقاتِ الأخرى ، وإن كانت كثيرة العدد ، فهي ضعيفة الأثر في مقابل نخبة سياسة واقتصاد وحرب وإعلام فهي عظيمة الأثر بما تمتلك من وسائل التأثير والسيطرة وإن كانت قليلة العدد ، وذلك أمر يظهر في كل رأسمالية ، سواء أكانت مستبدة أم معظمة لقيم الحرية ، كما تزعم ، فالاستبداد فيها ، كما تقدم ، لطيف لا يظهر ظهورا فَجًّا كما هي الحال في أنظمة القمع والاستبداد الصريح ! ، وفي كلتا الحالين يتراجع دور الدولة فهي ترفع يدها شيئا فشيئا فيتقلص دورها في الخدمة والحماية وسن القوانين وحفظ الأنظمة ورعاية شئون الأفراد في مقابل تعاظم دور الأفراد على وجه يفضي إلى ظهور مراكز تستبد بما لها من وسائل القوة الصلبة والناعمة لا سيما في أمة تشكو من فوضى التسليح كما هي الحال في العالم الجديد ! ، فتنشأ ظاهرة الشركات الأمنية الخاصة وهي أنموذج لطيف من نماذج البلطجة فذلك دور يلي دور البلطجة الساذجة التي تتبادر إلى الذهن ، فيكون تقنين العنف الذي يفضي إلى تح** الأحزاب داجل المجتمع الواحد فيكون الانقسام وإن كان الظاهر اتحادا في السياسة العامة ، فثم مراكز قوى ناعمة وأخرى صلبة ولكل وسائله في السيطرة والتحكم على وجه يزدهر فيه العنف السياسي والجسدي ، وتسترق فيه الأمم وإن استرقاقا داخليا فبعد أن استرق ال*** الأبيض في المركز بقية الأجناس إذا به بما جبل عليه الإنسان من الطغيان والأثرة إذا به يستبد بعضه بعضا ! ، وانظر إلى التفاوت الطبقي الكبير في بلاد العام سام وهي قبلة الحرية ، وانظر إلى تفاوت الدخول وتركز القوة والثروة في أيدي النخبة تماما كالعالم الثالث المتخلف وإن بصورة أكثر أناقة ولباقة مع نوع عدل في توزيع الفتات الذي يبدو للناظر في بلاد الشرق يبدو عظيما يجتذب المغامرين من أبناء الشرق الهاربين من نير الاستبداد الصلب إلى نير الاستبداد الناعم فالحال هناك أفضل على أدنى تقدير ، ولو من باب : بعض الشر أهون من بعض ، والسلطان الأخير ، كما تقدم ، للآلة سواء أكان ذلك في **انع الليبرالية ! ، أم في **انع الشيوعية وإن شئت الدقة فقل معتقلاتها الجماعية التي يسخر فيها البشر لإنتاج ما يعزز الأنا الجماعية ، أنا الدولة ، وإن انقرض هذا الأنموذج وتلاشى بعد انهيار المنظومة الشرقية التي عقدت صفقة الجور مع الشعوب أن تطعم وتسقي وتكسو في مقابل الخضوع التام لسلطان الدولة المركزية المستبدة التي احتكرت وسائل السيطرة من القوة الصلبة ابتداء فنزع ال**** ، والقوة الناعمة بعد ذلك أَنْ تحول الناس إلى رعايا ولاجئين وإن حملوا لقب المواطن فليسوا إلا خدما وعبيدا للدولة التي صارت إلها يُدْعَى فهي التي ترزق آخر الشهر ! ، وهي التي تفتت الأرض وتوزعها ، وهي التي تذل ملاك الأرض وال**انع فَتَنْزِعُ ملكياتهم الخاصة لتحويلها إلى ملكيات عامة زعمت وحقيقة الأمر أنها ممتلكات الإله الجديد الدولة المركزية المستبدة التي تستأثر بأسباب القوة والسيطرة وتحكم الخناق على الناس وتدس أنفها في كل جليل وحقير ، من تكوين العقول إلى إطعام الأبدان وكسائها ...... إلخ ، وهي التي تَتَغَاضَى عن أي انتهاك لحقوق بني آدم إذ الجميع فداء للدولة ! ، فهي مركز لا يقل بشاعة عن مركز الرأسمالية بل وَيَزِيدُ استبدادا وجورا في ظل منظومة استخباراتية لا تجيد إلا فن التحسس والتجسس على الشعب الأسير ! ، حتى أغرت الابن أن يتجسس على أبيه والأب أن يتجسس على ابنه واعتبرت ذلك دليلا على الولاء أن تحول الشعب كله إلى بَصَّاصِينَ ! ، فلا تجيد إلا فن التجسس وفن السيطرة بالقوة المسلحة قتلا وتعذيبا إن في المعتقلات الخاصة أو في المعتقل الكبير الذي وقع فيه الشعب أسيرا جزاء وفاقا بما بدل من الحق ورضي بالوضع المحدث ، فتسلط عليه من يسومه سوء العذاب حتي يراجع دينه المنزَّل ، فلا زال لهذا الأنموذج آثار تظهر في دول الرجعية والتخلف حقا ، لا رجعية الوحي كما زعم الطغاة الذين خدعوا شعوبا طعمت السحت وسمعت الكذب فاقترن الدين في عقلها الجمعي بِرُكُوبِ الإبل والحمير في أعصار السرعة التي جاوزت حد الصوت والضوء ! ، فثم دول لها ريع من مواد خام لا تجيد إلا استخراجها وبيعها والإنفاق على شعوبها رشاوى تقدم من مأكل ومشرب ليسكت الناس عن الجور والاستبداد الذي يعظم إذا اقترن بفتاوى دِينِيَّةٍ الوحي منها براء فهي تكرس الاستبداد بل وتجيز التجسس على الناس حفظا للأمن العام بالإبلاغ عمن يروم الخروج عن الشرع وحقيقة الأمر أنه يروم الخروج عن النظام المستبد وإن وقع في ذلك من التعدي والتجاوز ما وقع ، فذلك أمر لا يقره الوحي وإن في نطاق التراجح بين ال**الح والمفاسد ، فذلك نظر معتبر في الشرع ما لم يكن ثم غلو في تقدير **الح متوهمة أو تقديم **لحة مرجوحة على أخرى راجحة ، ولا جفاء في المقابل يحصل فيه من تقحم المفاسد العظمى ما لا يقره وحي ولا عقل فلا طائل ولا جدوى تعتبر ، ولا **لحة ترجح هذه المفسدة ، وإن كان ذلك في المقابل رد فعل طَبَعِيٍّ لظلم واستبداد سياسي يطال الروح بالقهر والبدن بالقتل والأسر ..... إلخ ، فلا بد من العدل في النظر فذلك يفضي إلى عدل آخر في الحكم ، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره ، كما قرر أهل النظر .

وثم دول نشأت على عبادة الزعيم الأوحد فهو خالد مخلد في القلوب وإن هلك واضمحلت جيفته ! ، فهو الذي يرزق آخر الشهر ، كما تقدم ، في ظل بيروقراطية صارمة أحدثها الفرعون الهالك ليحكم السيطرة على المجتمع بعد نزع ****ه واحتكار الدولة المركزية له ، والإنفاق الطائل على تجهيزه وتحديثه فهو الذي يحمي النظام من ثورة الشعب ، وهو الذي يحكم السيطرة على مفاصل الدولة ، لا سيما السياسية والاقتصادية فقد تحول في أعصار تلت إلى رجل أعمال يجيد من فنون التجارة ما لا يجيد من فنون الحرب ، وذلك ، كما يذكر ابن خلدون رحمه الله ، ذلك ما يؤذن بفساد الحال أن يكون للسلطان رأس مال يتجر به فَيُزَاحِمُ الناس معاشهم بما له من نفوذ وهو ما تنبه له الفاروق ، رضي الله عنه ، لما رأى إبل ابنه عبد الله ، رضي الله عنه ، سمانا وهي ترعى مع إبل المسلمين فخاف أن يكون ذلك نوعا من استغلال النفوذ ولو مجاملة لابن الخليفة أن يدعوا ناقته ترعى من أحسن العشب والكلأ فأمره أن يبيعها ويأخذ رأس ماله ويرجع الفضل من الربح إلى بيت مال المسلمين ، وهكذا فلتكن خلافة لنبوة الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله وسلم فليست شعارات تطلق وإنما أوامر تُمْتَثَلُ فورا فلا تؤجل فضلا أن تعطل وتبدل ! .

والشاهد أن من أسباب الفساد أن تَحَوَّلَ الطاغوت المسلح إلى رجل أعمال يجيد من فنون التجارة ما لا يجيد من فنون الحرب فضلا عن عقد فكري فاسد يغذي في النفوس شهوة الاستبداد ويغري بسلطان القوة أن يستبيح صاحبها من الحقوق ما به يحصل أسباب اللذة والشهوة فَيَقْتَرِنُ ذلك أبدا بفساد ظاهر في الأخلاق والأديان مع سعي حثيث في إفساد أديان الناس وأخلاقهم فَلَنْ يَرْضَوُا بحكمه الزاهر إلا إذا فسد دينهم الباطن والظاهر ! ، فكان إحكام السيطرة على الشعوب في هذه المجتمعات الاشتراكية الفاشلة التي تقتل في الإنسان الإبداع والابتكار بل والآدمية في أدوار تالية فيتحول الإنسان إلى عبد مملوك للدولة لا يملك إلا قدر ما يجزئ من المطعم والمشرب والملبس الذي تَمْتَنُّ به الدولة المركزية ، أكثر الله من خيرها وَبِرِّهَا وأعانها الله على معاركها ال**يرية مع العدو الافتراضي ، الصهيوني تارة والأمريكي أخرى والإمبريالي ثالثة ..... إلخ ، ولكل مرحلة عدوها الافتراضي ! ، وليس ثم عدو حقيقي ، عند التدبر والنظر ، إلا الشعب الذي يهدد وجود الدولة نفسها إن ثار على هذه الأوضاع الشائهة وإن بشعار دنيا يروم من الحقوق الإنسانية ما لا يجحده الوحي وإن زاد عليه من الخير ما لا تجد في منظومة الوضع المحدث ، ولو تدبرت ذلك لوجدته ، كما تقدم ، مما يظهر أثره في المجتمعات الرأسمالية وإن كان الظهور ناعما فمراكز القوى هناك لا ترى العدو إلا نخبا ناشئة من الجماعة المقهورة وإن كان الظاهر أنها منصورة فهي مرفهة بالنظر في حال الشعوب المقهورة صراحة ، فَتُحْكِمُ مراكز القوى في هذا الأنموذج ، تُحْكِمُ السيطرة على المجتمع بما يضمن بقاء سلطانها وتمدد نفوذها وإن اختلفت طرائقها في ذلك عن المجتمعات الاشتراكية ، وإن كان ثم خطوط عريضة من السيطرة على مقاليد الأمور السياسية والعسكرية فتقنية ال**** حكر على المركز والسيطرة على العقول بخطاب إعلام يصوغ العقل الجمعي بما يحفظ **الح النخبة الحاكمة إن في الغرب أو في الشرق ، والسيطرة على الخامات بالسيطرة على دول الأطراف المتخلفة والسيطرة على القرار السياسي عبر هيئات أممية فلا تحكم إلا بما يرى أولياء الأمور في المركز ، وَأَسْقِطْ هذه الصورة على كل مركز فرعي في الأطراف فلا يحكم السيطرة على الناس إلا بهذه الوسائل ، فتعددت الأسباب والاستبداد واحد ! .

فصار الشعار في الاشتراكية النموذجية : من لا يعمل لا يأكل ! ، فالأكل بقدر العمل سخرة في **انع الدولة التي امتلكت وسائل الإنتاج كلها ، فقمعت في النفس غريزة التملك التي تحفزها أن تنتج وتبدع وَأَمَّنَتْ للكسول راتبا شهريا يشجعه على النوم ! وتعطيل **الح الناس ، فعلام الجهد والدولة ترزق آخر الشهر ، حضر الموظف أو غاب ؟! ، وصار الشعار : من يعمل فهو شاذ يغرد خارج السرب ويفضح تكاسل الجمع فلا بد من استبعاده إن لم يخضع لقانون الجماعة وهو : يا عزيزي كلنا فشلة ، ويا عزيزي كلنا لصوص في مرحلة تالية تأمينا لمتطلبات الحياة وإن بالرشاوى والعمولات ، فذلك أنموذج أبوي في الدولة الريعية يفضي إلى إفساد الأبناء وهو قاتل لأي طموح مقعد عن أي نهوض يصيب من ابْتُلِيَ بالدخول في سلطانه يصيبه باليأس والإحباط وعدم القدرة على التخطيط وفقدان الرغبة في الإنتاج وربما العيش نفسه فهو يستعجل الموت في أحيان كثيرة *** يعد ثم للحياة قيمة ، وقد يصمد هذا الأنموذج حينا إن كان ثم دخل من ريع أو نحوه ، أو من استيلاء على **ادر الثروة واحتياطيات النقد بانقلاب تديره بيادق يحركها من يجلس في الخارج في دول المركز الرئيس تحقيقا ل**الحه أو صيانة لما تحقق منها ! ، فهو أنموذج قد يصمد حينا ولكنه سرعان ما يتهاوى مع أول مواجهة حقيقية فقد انتهى هذا الأنموذج بضربة عسكرية استغرقت ست ساعات أفضت إلى انهيار المعبد على رءوس كهانه وسحرته ليكفر الناس بالاشتراكية وَيَنْتَقِلُوا إلى الرأسمالية ، فهم كالمستجير من الرمضاء بالنار ، فمن رق الآلة في **انع الحديد الخردة ! إلى رق الآلة في **انع الحلوى والصناعات الاستهلاكية التي لا تقيم اقتصادا صلبا فهي تعتمد على **ادر دخل هشة فضلا عن تراجع الكفاءات في ظل نظم الاستبداد ، فأخطر ما يصيب الإنسان في ظل حكمه الزاهر أن تفسد النفس وَتَتَغَيَّرَ قيم الحياة ليكون السعار طلبا للدرهم والدينار الذي صار إلها يَبْذُلُ له الناس صالحُهم وطالحُهم من صور الطاعة ما لا يبذلون لخالق الأرض والسماء جل وعلا ! ، مع نظر بعين القدر إذ الحال قد تَرَدَّتْ على وجه بلغ من السوء غاية عظمى ، ولكنه في المقابل لم يكن إلا بتعطيل الشرع بمفهومه الأعم ، الذي يستغرق ، كما تقدم مرارا ، جميع الحركات والسكنات ، ما بطن وما ظهر ، فكم يعطل كل إنسان من وحي الرحمن ، جل وعلا ، إن في خاصة الأمر أو عامة الشأن ، إن في التجارة أو في سائر معاملاته ، وإنما تعظم المحنة في التجارة فالدرهم والدينار يسفران عما بطن من أخلاق الناس ، فـ :

مهما تكن عند امرئ من خليقة ******* وإن خالها تخفى على الناس تعلم .

فَيَعْلَمُهَا الناس إذ تُفْتَضَحُ حالَ التعاملِ وتبادل ال**الح ، والرب ، جل وعلا ، رحيم ستير ، فما يَخْفَى أعظم مما يظهر وإن تجمل الإنسان ما تجمل ، فلو راجع النفس لوجد أنه يعطل من الوحي جملة عظيمة وإن غضب من غَضِبَ غضبة صادقة في الجملة أن عُطِّلَ الشرع في الحكم الظاهر ، فلا يغضب أحد لما يُعَطِّلُ هو نفسه من الشرع وإن غضب لما يعطل غيره منه حاكما كان أو محكوما ، وليس ثَمَّ من يقدم مشروعا كاملا *** يخرج الأمر حتى الآن عن نطاق الشعارات من قَبِيلِ : الإسلام هو الحل ، أو الإصلاح هو الحل دون مفاصلة صريحة مع الباطل ، مع رأسمالية الغرب العدو الماثل في هذا العصر ، بل ثم من يروم الإصلاح وفق آلياتها فلا يمانع في الدخول في سلطانها ، لا سيما السلطان الاقتصادي على وجه يحصل به التزييف لعقل الأمة بقصر المهمة على النهوض بالاقتصاد ، وذلك أمر يعتبر فمن مقاصد الوحي حفظ النفس وحفظها يكون بحفظ أقواتها ، وحفظ المال وحفظه يكون باستثماره وتنميته فلا ينكر ذلك عاقل ، ولكن قصر الأمر على إنجاز البطن والفرج يلحق الإنسان بالحيوان الذي تقر عينه بما يقدم له من العلف ! ، فلا تكون الآلة هي ، أيضا ، صاحب الأمر والنهي فيوضع لأجلها من قوانين لحماية الاستثمارات الأجنبية والتفريط في السيادة ما يوضع ، إن سلم بسيادة الدولة الوطنية الفاشلة الوريث الشرعي لفشل المشروع القومي الذي انهار ، كما تقدم ، في ست ساعات ، وإن تبجح بطل الحرب والسلام بعد ذلك أنه قد نجح في اقتحام الساتر في ست ساعات أيضا ، فتعادلت الكفة ستة مقابل ستة وكانت ضربات الترجيح على مائدة المفاوضات المستديرة التي هُزِمَ فيها العرب كالعادة لقلة صبرهم كما يقول أحد مفكري الصهاينة من واضعي الخطط الاستراتيجية لاحتواء العرب والمسلمين ، ثم كان ما كان من مكر الساسة لنقل المجتمع من طور الاشتراكية ولها نجوم ومراكز قوى تمت تصفيتهم واستبدلت بهم نخبةٌ جديدة تقود المجتمع إلى هاوية أخرى في طور الرأسمالية الشرسة ، وهذه الرأسمالية لا تزال شراستها تَزِيدُ بِتَعَاقُبِ الطواغيت ، ولكل طاغوت ، كما تقدم في مواضع سابقة ، لكل طاغوت حاشية في السياسة والحرب والتجسس على الناس لحفظ الأمن وتلفيق الفتاوى التي تجيز ذلك وتجعله من أعظم القرب إلى الله ، جل وعلا ، فأية قربى أعظم من طاعة ولي الأمر أمير المؤمنين ولو في التجسس على عامة المسلمين وغشهم باستدراجهم وعدم النصح لهم ؟! ، فضلا عن توظيف كل ثابت ومقدس في الدين لخدمة المشروع السياسي الجائر ، والإعلام الذي يغيب الوعي ، والتعليم الذي يصوغ العقل الجمعي بما يحفظ السلطان الأبدي ! ، وشراسة الرأسمالية تزداد الآن مع تراخي قبضة الدولة ، إلا قبضة القمع بداهة ! ، فالدولة الأبوية التي علمت الناس الكسل والنوم في العسل قد انهارت كما تقدم في ست ساعات لا أكثر ، فاستيقظ الناس على فقر مدقع وراحوا يتخبطون ، والفرعون يصبرهم إذ لا صوت يعلو على صوت المعركة ، وذلك شعار كل مستبد في كل عصر و**ر فلا بد من اختلاق معركة **يرية معركة الوجود ليصبر الناس على الجوع والعطش فلا بد أن يصبر الناس من أجل النخبة ! ، فالمعركة الحقيقية معركة النخبة المستبدة مع الشعب والتي تستعمل فيها كل أساليب القهر والقمع ، ناعما كان أو صلبا ، كما تقدم ، والجميع ، كما تقدم ، في فلك الآلة يدور ، فقيمة الإنتاج المادي هي القيمة العظمى ، ولا أحد يطيق الخروج عن قانون المركز ، وإن اختلفت الرؤى ، ولو على المستوى الشخصي ، فثم طواغيت رامت الخروج عن المركز تكريسا لطغيانها لا أكثر فكانت النتائج باهرة ! ، كما في حرب الست ساعات المقدسة ، فانهار بناء من ورق لا يحسن إلا الجعجعة أمام الميكروفونات بالساعات حتى جمعت خطبه البتراء في **نفات مع رداءتها وافتقارها إلى الضبط والتشكيل الذي يحسنه آحاد الطلاب في الكتاتيب في زمن كان الوحي فيه هو المقدم ، فانهار هذا البناء وفقد مستمد شرعيته الزائفة شرعية الثورة المطهِّرة ، وهي نجسة نجاسة العين فلا تَطْهُرُ أبدا فكيف تُطَهِّرُ غيرها وفاقد الشيء لا يعطيه ، فمثلها ، لو تدبر الناظر ، كمثل الكلب والخنزير بل ربما انتفع الناس بهما ما لم يَنْتَفِعُوا بشعارات تلك الحقبة السوداء ، ولما انهار البناء وفقد مقوماتة المادية من ثروات استلبها من أصحابها غصبا وأسكت بها الناس دهرا في ظل رخاء رِيعِيٍّ لا رؤية له في مستقبل وإنما يشتري السلم الاجتماعي ، كما يقول بعض الفضلاء ، فذلك رسم الأنظمة السياسية الفاشلة ، فإن كانت غنية فهي تشتري السلم الاجتماعي بشهوة البطن والفرج فَتَمْتَنُّ على الناس بما هو حق لهم ابتداء فهم شركاء فيه وهل رأيت أشد فجاجة ممن يمتن عليك بمال أنت فيه شريك ولك منه حظ ونصيب قل أو كثر تبعا لحال الدولة فقرا أو غنى ، فإن كانت الدولة غنية اشترت السلم الاجتماعي بأموالها ، وإن كانت فقيرة فليس إلا الاستبداد والقمع ، فكانت الطامة الكبرى التي أتت على الأديان والأبدان جميعا ، فكان الغنى حاجزا ولو هشا أمام انحراف أعظم حصل بعد حلول الفقر ضيفا ثقيلا ، ولم يكن ثم دين يعصم ولا أخلاق تحجز أصحابها أن يقترفوا من المطاعن والمظالم ما فشا في هذه الأعصار وازداد بزيادة وتيرة الإفساد ، *** يكن ثم دين ولا أخلاق فذلك ما اجتهد أولئك الأراذل في هدمه في النفوس ومحوه من العقول واستبدال قيم الإلحاد به ، باسم تجفيف منابع الرجعية قديما ، ومنابع الإرهاب حديثا ، وإن تلطفوا بالنظر في أجواء المجتمعات التي يَبُثُّونَ فيها سمومهم ، فهي مجتمعات متدينة بالفطرة وإن أهدرت من أحكام الدين ما أهدرت فلا زال الدين في نفوسها معظما ولو تقاليد محافظة لا جذور لها في النفوس وإنما جريا على سنن الأوائل ، فكان ذلك حاجزا بين أولئك الأراذل وبين التصريح بمشروعهم اللاديني ، *** يجهروا بعداء الدين صراحة كما فعلت الشيوعية وإن وقع منهم فلتات في الأقوال والأفعال تدل على طرائقهم في تربية النشأ ! على اقتحام المساجد وانتهاك الحرمات أن تصير أهدافا مشروعة في تدريبات مكافحة الإرهاب فقد تحولت إلى أوكار يتحصن بها الإرهابيون كما يقول بعض الخبراء الأمنيين ! ، فَلَوْ كان فقر فذلك إشكال أي إشكال ، إذ ذلك مرض عضال يجب القضاء عليه فبيئته بيئة مثالية لفشو الأمراض النفسية والبدنية وبه تعظم الآفات الاجتماعية ، ولكن الدين الحق يخفف من آثاره بل ويجعل الفقير سيد الدنيا وهو يملكها في يده فلا تملكه ، كما كانت حال الفاروق عمر ، رضي الله عنه ، بل ويجعل الانفتاح ! فجأة على الدنيا بعد فقر مدقع يجعله مظنة التنافس الذي يفضي إلى التشاحن بل والتقاتل ، فـ : "وَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ" ، ولكن ال**يبة عظمت الآن أن لا دنيا فقد سرقها القوم ، ولا دين ولا أخلاق فقد أفسدها القوم ! ، فأي حائل يحول بين الناس واقتراف الكبائر والصغائر بل ومقارفة الإلحاد الصريح إنكار لوجود الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، لا سيما وهم يرون الملحد صراحة في علو شأن ولو فتنة من الرب ، جل وعلا ، فليس ثم من الدين ما يعصم وليس ثم من الدنيا ما يلهي صاحبه عن الإلحاد فيستغرق في الشهوات فذلك في أحسن الأحوال خير من ولوج الشبهات التي تفسد الأصل من عقد الدين في القلب ؟! ، ولا إشكال في الجمع بين الدين والدنيا فَلَيْسَ من شرط التدين الفقرُ المدقع بل الفقر مما يشجع على الفساد ، كما تقدم ، وإن لم يكن هو سببه الرئيس فهو عامل مساعد يحفز التفاعل الذي مادته الرئيسة رقة الديانة وفساد الأخلاق ، وإنما الإشكال في ذهاب الدين والأخلاق فذلك ما يعظم به الفساد إن في الغنى أو في الفقر ، وإن ظهر الفساد في الفقر ظهورا أكبر فيكاد الناس يقتتلون على الدنيا تقاتل الكلاب على الجيف .

وثم ، في المقابل ، فضلاء ، ولو على المستوى الشخصي ، لهم من التكوين الفكري والثقافي ما يعظم الوحي ، ولو في الجملة ، ولو قصر ذلك على العقد والشرائع *** يخرج عن منظومة قريش ! ، فما اعترضت أن يعبد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ربه ، جل وعلا ، وإنما اعترضت أن يحكم بشرعه ، في قصور ظاهر لتحرير معنى العبادة الذي يعم كل ما بطن وما ظَهَرَ ، فهي ، كما تقدم مرارا من كلام بعض المحققين ، هي الاسم الجامع لكل ما يحب الله ، جل وعلا ، ويرضى من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ، فاعترضت أن يخرج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على آليات القرار السياسي والاقتصادي ومنظومة القيم الفكرية والاجتماعية التي تحكم حركة قريش في حلها وترحالها ، فهي تَنْزِعُ من السادة أسباب السيطرة والتحكم وتسوي بين النخبة الحاكمة وعموم الناس من العبيد صراحة أو ضمنا ! ، فثم فضلاء ، ولو على المستوى الشخصي ، رضوا أن يتقحموا السياسة من باب الخصم ! ، فهو ، كما تقدم ، المركز الذي يدخل من يشاء ويرد من يشاء وهو الذي يضع المعيار الذي يحكم به على أداء الأطراف فيصدر التقارير عن الحريات السياسية والحريات العامة وحقوق الشواذ .... إلخ ، فتلك منظومته الفكرية التي لا بد أن تقر بها ، ولو ضمنا ، لتدخل النادي الدولي ، ولو كلاعب احتياطي ! ، ومع ذلك لا يسلم لك الأمر ، فـ : (لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) ، وكذلك المركز الليبرالي فلن يرضى عنك حتى تَنْهَجَ نهجه الفكري والسياسي والاقتصادي ، وإن حاولت الخروج ، ولو مناورة ، فعسكر السلطان جاهز لتأديب الخوارج ! والقضاء على أي تمرد محتمل أو توجيه رسالة إنذار شديدة اللهجة ، وأحداث تركيا الأخيرة على ذلك خير شاهد مع التزام الح** الحاكم بقيم الرأسمالية بل إن مستنده الرئيس وربما الوحيد الذي يشفع له عند الشعب وَيُبْهِرُ بقية الشعوب التي تعاني من القهر والقمع ، هو المستند الاقتصادي والخدمي والذي حققه وفق منظومة السياسة والاقتصاد الليبرالي *** يزعم يوما أنه يروم سياسة شرعية ، ولم يزعم يوما أنه يروم تطبيق الشرع بمفهومه الأخص لا المفهوم الأعم الذي يأرز إلى قيم مجملة ليست ، كما تقدم مرارا ، إلا مبادئ عامة أجمع عليها سائر العقلاء ، فمحل النزاع هو المفهوم الأخص الذي يستغرق كافة مجالات الحياة ، مفهوم : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فليس صلاة ونسكا فقط ، وإنما حياة وممات ، فهو نظام حياة يحكم الدنيا ، وذخيرة بعد الموت طلبا لرضى الرب ، جل وعلا ، يوم الحشر ، *** يزعم الإصلاح في إطار غير إطار الدولة الكمالية ، دولة أتاتورك العلمانية ، فهو يعمل تحت سقفها راضيا فذلك الظاهر وإن سخط عليها في الباطن فهو جار على أحكامها فغاية الأمر كما تقدم في مواضع سابقة أن يكون ذلك دخول الاضطرار برسم قوله تعالى : (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ، لا دخول من يقدم نفسه أنه صاحب مشروع إصلاحي كامل يأرز إلى قيم الإسلام .

وحقيقة الأمر ، لو تدبر الناظر ، أن المسلمين لم ينجحوا حتى الآن من لدن هجمة المركز الشرسة على بلادهم ، لم ينجحوا في تقديم أنموذج متكامل فليس ، كما يقول بعض الفضلاء ، إلا نتفا من هنا وهناك ، تَتَرَاوَحُ بَيْنَ جمود وتقليد لا ينظر في حركة التاريخ التي تسارعت وتيرتها في هذه الأعصار ، وبين تجديد شائه فُتِنَ بالمركز فجعل همه التقليد الأعمى له وربما التمس ذريعة دينية أنه صاحب طريقة تجديدية وإن كانت حقيقة الأمر أنه صاحب طريقة تخريبية تشوه الدين باسم الدين تذرعا باصطلاح التجديد ، فليس إلى الآن مشروع نهضة حقيقية لا متوهمة تجعل الوحي رائدها في الكليات والجزئيات فلا تقع فيما وقع فيه الفلاسفة أن اقتصروا على الكليات فقط واستأثروا بوضع تفاصيل الحياة ونظمها بما يوافق أهواءهم ، ولم يزعم الح** الحاكم في تركيا ، وهو محل شاهد تقدم ، لم يزعم أنه يروم اقتصادا إسلاميا بل نهج ، كما تقدم ، منهاج الليبرالية الكلاسيكية ، وربما كانت الليبرالية القياسية في الاقتصاد ، ليبرالية آدم سميث الذي يرفع يد الدولة عن الاقتصاد ، فالليبرالية بكافة أنواعها تروم رفع يد الدولة وكفها بل وربما قطعها ! ، مع إعطاء السيادة المطلقة للعقل ، وإن شئت الدقة فقل الهوى والشهوة ، وتقديس الآلة فهي سبب القوة التي تستلب بها اللذات ، فيوضع لها ، كما تقدم ، من القانون ما يجعلها الإله المعبود ، فهي تحيي وتميت شعوبا وحضارات لتدور عجلتها بلا توقف ، وهي ، عند التدبر والنظر ، تضاهي النمرود إذ حاج الخليل عليه السلام أن آتاه الله ، جل وعلا ، الملك ، فكان طغيان البشر وقل مثله في طغيان الآلة بل هو أشد وأنكى فهي صماء لا تشعر ولا تحس ما يحس البشر من الألم فاقتقارها إلى المادة الخام يسوغ إهدار قيم الحياة ! ، فلا صوت يعلو فوق صوتها ، فهي ، أيضا ، معركة **ير ووجود ، بين الإنسان والآلة في ظل مذاهب فكرية وأنظمة سياسية عنايتها الرئيسة بل وربما الوحيدة تكريس الطغيان البشري الذي لا سقف له فهو يروم الخروج عن أي قانون ويروم الخروج عن أي سلطان فغايته الوصول إلى حال تكون فيه الدولة ضعيفة لا سلطان لها على الأفراد ، كما في النظم الليبرالية ، أو تصل الحال بالناس إلى مرحلة اللادولة ! ، وذلك ما نصت عليه الشيوعية وإن استجازت لأجل ذلك أن تحكم بدولة قمع واستبداد في ظل معركة شرسة مع الرجعية الدينية فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة مع الإمبريالية والرجعية والإقطاع ، ولأجل ذلك تذل الشعوب وتقهر وَتَرْبِطُ الأحزمة على البطون وَتَضَعُ قبل ذلك على فمها الشريط اللاصق فلا تنطق إلا تسبيحا بحمد الطاغوت فله الحمد أن أبقاها على قيد الحياة فتلك نعمى عظمى في ظل أي نظام يستحل القتل لأتفه الأسباب ! ، فَلِكَيْ نَصِلَ بالناس إلى بر الأمان وهو الفوضى في الشيوعية الإباحية ، وهي الشيوعية الكلاسيكية ، لا بد من حمل الناس عليها بحد السيف فلأجل تحريرهم من قيد الدين والأخلاق وعلاجهم من أفيون القيم والمبادئ لا بد من استعبادهم وإذلالهم بآلة القمع فلا تنال الحرية إلا على جسر من العبودية لغير رب البرية ، جل وعلا ، وحقيقة الأمر أن الحرية الحقة لا تنال إلا على جسر العبودية الحقة لرب العزة ، جل وعلا ، عبودية : (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ) ، والليبرالية إن تدبرت النظر تقترب كثيرا من هذا الطرح وإن اختلفت الوسائل فتعددت الطرق والغاية واحدة : الخروج عن عبودية الوحي والسقوط في عبودية الوضع المحدث من الأهواء والأذواق ، فمن عبادة الله ، جل وعلا ، إلى عبادة الهوى الفردي أو الجمعي *** يستفد الإنسان ما كان يروم من الحرية المزعومة ، وإنما وقع عين ما كان منه يفر فلن يحرر وينطلق في فضاء الإنسانية الكاملة إلا أن يوحد الرب ، جل وعلا ، ويمتثل أحكامه النازلة .

ولا زالت المعركة دائرة بين حضارة الوحي وحضارة الآلة ، ويد التاريخ تكتب فهي أصدق شاهد ، والمدافعة لا بد كائنة على وجه تشفى فيه صدور قوم مؤمنين ، فـ : (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) ، والاجتماع عند الديان ، جل وعلا ، حاصل لا محالة ، فعنده تجتمع الخصوم ليقضي بينهم قضاء الفصل ، فـ : (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) .

ووحدها النبوة التي تقدم الجواب عن هذه المعضلة ، فغاية من يتكلم أو يكتب أن يتفلسف في تشخيص الداء ولكنه لا يملك وصفة علاج فضلا عن البدء في تناولها ، فتجد الاجتهاد في التشخيص وعند السؤال عن العلاج فالجواب : لا أدري ! ، إلا جوابا مجملا بلا مشروع مفصل يستند كما تقدم إلى الوحي المنزل كله فلا يجتزئ على بعض دون آخر .


والله أعلى وأعلم .