المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من آية : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ ..........)


rss
08-05-2016, 09:16 AM
من آية : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ ..........)
ومن قوله تعالى : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فالكاف في "كالذي" اسم بمعنى مثل ، على تقدير العطف على ما تقدم من الموصول في الآية السابقة : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) ، فتقدير الكلام : أو كمثل الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، أو هو مما يَجْرِي مَجْرَى المفعول على تَقْدِيرِ : أَرَأَيْتَ مثل الذي ، وأجاز بعض المحققين من أهل المعاني أن تكون الكاف زائدة ، فيكون عطف الموصول في هذه الآية على الموصول الأول الذي تقدم ذكره في آية : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ) ، فتكون الزيادة في المبنى مئنة من زيادة تضاهيها في المعنى ، والوجه الثاني ، وهو تقدير العامل "أَرَأَيْتَ" ، يُقَدَّرُ فيه محذوف ، وذلك قد يجوز من جهة الصناعة في اللسان ، ولكنه ، من وجه آخر ، مما لا يلزم فَتَكَلُّفُهُ تكلف لأمر هو خلاف الأصل مع استقامة السياق بدونه ، فثم على هذا الوجه مجاز بالنقص ، فيقدر المحذوف على وجه يستقيم به السياق وهو فعل الرؤية ولا يخلو ، في المقابل ، من دلالة زيادة في المعنى إمعانا في التدبر في هذه الآية فهي مما يثير التعجب ، وثم وجه آخر يكون المجاز فيه بالزيادة ، على تقدير الكاف زائدة ، كما تقدم في الوجه الثالث ، فيشبه ذلك ، من وجه ، الكاف في نحو قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فإما أن تقدر الكاف زائدة ، وإما أن يقدر الاسم "مثل" زائدا ، وإما أن يجري الأمر مجرى الحقيقة بِالنَّظَرِ في مشهور اللِّسَانِ على تقدير : مثلك لا يفعل ذلك ، أي : أنت لا تفعل ذلك ، فلا مثل لله ، جل وعلا ، يتوجه النفي أن ليس شيء يشبهه أو يُضَاهِيهِ ، فثم ضَرْبُ مَثَلٍ في الآية : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) ، والمرور على القرية ، مرور مجاز بالنظر أنه قد مر بالقرب منها لا عليها ، فليس ذلك استعلاء حقيقة كقولك : صعدت على السطح ، كما ذكر صاحب "المغني" رحمه الله ، وثم دلالة عهد في الموصول "الذي" ، فهو الْعُزَيْرُ ، عليه السلام ، على قول ، فليس الموصول في هذا الموضع مئنة من العموم المستغرق كما اطرد في دلالة اللسان ، فَثَمَّ قَرِينَةٌ رَجَّحَتْ معنى العهد ، وهو الصلة فهو الذي مر على القرية المخصوصة ، بَيْتِ المقدس ، فَثَمَّ دلالة عهد قَيَّدَتْ إطلاق النكرة في سياق الإثبات ، وثم قيد آخر بالحال : (وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) ، فقد سقطت على سُقُفِهَا ، فالعرش مئنة من السَّقْفِ ، وهو ، مما يدخله الإجمال ، من وجه ، إذ يستغرق جميع السُّقُفِ سواء أكانت الْعَرْشَ المعهود في الوحي ، وهو سقف المخلوقات فَيَعْلُوهَا جميعا ، وهو أعظم المخلوقات وَأَوَّلُهَا ، على خلاف مشهور ، فَثَمَّ من رجح أن أول الخلق هو القلم واستدل بخبر : "إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ" ، وذلك مما يحمل على الظرفية ، فَلَيْسَ فيه إسناد الأولية إلى القلم ، وَثَمَّ من رَجَّحَ العرش ، وَثَمَّ من رَجَّحَ الماء ، فاستدل بِنَحْوِ قوله تعالى : (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ، فظاهره أن الماء قد خُلِقَ أولا ثم خلق العرش عليه ، فَثَمَّ عَرْشٌ معهود في اللسان فدلالة "أل" فِيهِ مئنة من العهد المخصوص كما في قول الرب المعبود جل وعلا : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، فَعَلَا الرحمن ، جل وعلا ، على العرشِ عُلُوَّ الذات والوصف ، ودلالة "عَلَى" مَئِنَّةٌ من استعلاء يحمل على الحقيقة ولا يستوجب ما زعم الْمُمَثِّلَةُ من التحيز والافتقار ، فإن الشيء قد يَعْلُو الشَّيْءَ وَلَا يَفْتَقِرُ إليه ، فالسماء تَعْلُو الأرض ولا تَفْتَقِرُ إليها ، فلا يَقُولُ عاقل إن الأرض لو زالت من تحت السماء لسقطت السماء وَخَرَّتْ ! ، وقد يجري الاستعلاء مجرى الاستعلاء الحقيقي بالنظر في الذات والاستعلاء المعنوي بالنظر في الصفات على الوجه اللائق بجلاله ، تبارك وتعالى ، فاستعلى بالذات استعلاء حقيقيا ، واستعلى بالوصف استعلاء معنويا فيكون ذلك من دلالة المشترك على كلا وجهيه على نحو سائغ لا سيما عند من يجوز العموم في دلالة المشترك ، فَثَمَّ علو الذات والوصف ، وعلو الشأن والقهر ، فثم علو بالذات ، وبوصف الجمال ووصف الجلال جميعا ، فهو مما دل عليه العقل بالنظر في معنى العلو العام ، وأما العلو الخاص وهو الاستواء على العرش وذلك من وصف الفعل الذي يُنَاطُ بالمشيئة فذلك مما لا يثبت إلا بالخبر فَثَمَّ قدر زائد على ما يُثْبِتُ العقل بفطرة الضرورة ، فجاء الوحي يؤكد ما دلت عليه الفطرة المجملة ، من وجه ، وجاء يَزِيدُ فِيهَا من الدلالة الأخص ما لا يستقل الْعَقْلُ بِدَرَكِهِ ، وإن كان لا يُحِيلُهُ فَوَصْفُ الفعل يُجَوِّزُهُ العقل ، بادي الرأي ، ولكنه لا يطيق فِيهِ إِثْبَاتًا أو نَفْيًا ، حتى يَرِدَ الدليلُ من الوحي ، وإلا وجب التَّوَقُّفُ إلا أن يكون نَقْصًا مطلقا من كل وجه ، لا وصفا يَتَوَهَّمُ بعض النظار فيه النَّقْصَ أن قاسوه على وصف المخلوق قِيَاسَ تَمْثِيلٍ فاسد ، فهو القياس مع الفارق ، فَثَمَّ وصف يجوز ، فالعقل لا يحيله وإن حار في درك حقيقته على وجه قد يلجئه إلى التمثيل فهو يَرُومُ تَكْيِيفَ الحقيقة في الخارج ، وإن شئت الدقة فَقُلْ قياسها على كيف مخصوص لا مطلقَ كيفٍ يقترحه ، وإن كان ذلك ، أيضا ، من الباطل ، فتصور الحقيقة إن بتكييف مطلق أو بِقِيَاسٍ على كيف مخصوص ، كل أولئك ، من التصور الباطل إذ قِيسَ فيه الغائب على الشاهد ، وذلك لا يجوز ولو بَيْنَ مخلوقين ، فَلَا يُقَاسُ الجنُّ فَهُوَ غائب على الإنس وهو شاهد ، فكيف بَيْنَ المخلوق الناقص والخالق ، جل وعلا ، الكامل ، الذي بلغ كماله الغاية فهو الكمال المطلق الْمُنَزَّهُ من كل نَقْصٍ ، سواء أكان هذا النقص في الوصف ، كما في الأكل والشرب فلا يَنْفَكُّ يَقْتَرِنُ بِنَقْصِ الحاجة وإن كان كمالا في حق المخلوق من وجه ، فمن يأكل خَيْرٌ ممن لا يأكل فالأكل مئنة من صحة البدن والامتناع من الأكل مئنة من المرض إلا صوما يصح به البدن وَتَزْكُو به النفس ، فالكمال المطلق الْمُنَزَّهُ من كل نَقْصٍ يثبت لله ، جل وعلا ، سواء أكان هذا النقص في الوصف أم كان النقص من لَوَازِمِ قِيَاسٍ فَاسِدٍ يلجئ صاحبه أن يعطل الوصف أو يَتَأَوَّلَهُ ، إن كان ثم بَقِيَّةُ تعظيم للوحي في قلبه ! ، وقد يقع الأمر شبهة يعذر صاحبها لا سيما إن لم يطرد في حقه هذا الأمر فَوَقَعَ لَهُ فِي نَصٍّ أو نَصَّيْنِ أو بعض نصوص فليس ذلك مسلكه الرئيس في هذا الباب وإنما اجتهد في التنزيه في مواضع خفي فيها وجه الحق عنه ، خلاف من اطرد ذلك في مسلكه فصار التأويل له سنة ، فهو يحرف اللفظ عن وجهته الَّتِي تَتَبَادَرُ إلى ذهن المخاطَب ، وذلك ، لو تدبرت ، من أعظم الظنون سوءا بالرب ، جل وعلا ، أن أَنْزَلَ من الوحي ما يشتبه فلا يفيد العلم الذي تطمئن به النفس ! ، وإنما هو متشابه يجب تأويله برده إلى محكم ما حدث من وجوه القياس التي لا تكاد تحصى فهي بعدد العقول التي تَتَأَوَّلُ ، وَكُلٌّ يزعم أنه الأعلم والأحكم وأن قياسه هو المحكم المحقق ، على وجه يفضي إلى اضطراب عظيم إن في الإلهيات أو في الشرعيات كما قد عمت به البلوى في هذه الأعصار أن صار لكل أمة من مستمدات التشريع ما يأرز ، أيضا ، إلى قياس العقل وإن شئت الدقة فقل هوى العقل وذوق النَّفْسِ ، فمنشأ الداء واحد ، وهو طغيان العقل إن في الإلهيات أو في الشرعيات فاستحسن من المعاني ما تَشَابَهَ فَجَعَلَهُ محكما يقضي به في نص الوحي فهو المتشابه ! الذي يجب رده إلى العقل ليحكم فيه بالتأويل على وجه يبلغ في أحيان كثيرة حد التخليط ، إذ يجتهد كل عقل وإن شئت الدقة يفحش في خصومة الوحي أن يعارضه بالاجتهاد فلا اجتهاد مع نص إن في الخبر أو في الحكم ، وتعظم الجناية في أخبار الغيب إذ شبهات العقل فِيهَا أضعف فإن العقل ابتداء لا يطيق لها حدا فَغَايَتُهُ أن يدرك منها قدرا مجملا من أوصاف المعنى التي يدل عليها العقل ، فالعقل يدل ، بداهة ، على القدرة والعلم ، فلا رب يخلق ويدبر وهو لا يعلم ولا يقدر فذلك ، بداهة ، مما انْتَفَى في قياس العقل الناصح ، فإن الخالق لا بد أن يكون عليما قديرا ، فمن يخلق من البشر شيئا فإنه بداهة لا بد أن يعلم علم التقدير الأول ، فَيُقَدِّرُ الشيءَ في ذهنه وعنده من أسباب القدرة ما به يَتَأَوَّلُ ما قام بذهنه من صورة العلم المطلق فيكون المخلوق ال**نوع في الخارج تأويلَ ما قام بذهن الصانع من علم بالهيئة والوصف ، ولله ، جل وعلا ، المثل الأعلى ، فلا بد أن يَثْبُتَ له علم أول محيط يُؤَثِّرُ في التقدير ، وقدرة نافذة لا تَفْتَقِرُ إلى الأسباب بل الأسباب بأمرها تعمل ، فإن أثبت العقل هذا الوصف بفطرة الضرورة فلا ينفك يفتقر إلى الوحي فهو يُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ في هذه الفطرة ، فيصدق ما توجبه من المعنى الصريح ، يصدقه بنص صحيح ، فَيُوَاطِئُ النص الصحيح قياس العقل الصريح ، على وجه اطرد في جميع نصوص الوحي ، فلا تجد التعارض إلا في عقل ما تجاسر فاجترأ أن يعارض الوحي بِهَوَاهُ ، فَلَوْ أمعن النظر بعقل صريح ما أنكر أَحَدٌ إذ العقل ، كما تقدم مرارا ، آلة صحيحة في الفهم ، فالعقل يعمل في النص فقها لا معارضة بهوى وتأويلٍ يفضي إلى التعطيل سواء أتلطف صاحبه فهو يعظم الوحي *** يجسر أن ينكر الخبر ، متواترا أو آحادا ، وإنما أحدث من وجوه التأويل للألفاظ ما أحدث ، لا سيما في صفات الأخبار التي لا يُثْبِتُهَا العقل ، بادي الرأي ، ولا يَنْفِيهَا ، وصفات الأفعال فهو يَتَأَوَّلُهَا بالإرادة أو مشيئة التكوين ، فِرَارًا من لازم قياس فاسد ، فهو سبب كل تأويل باطل ، فلا يتصور من الفعل إلا فعلا يحاكي فعل البشر في الحقيقة في الخارج ، ولو اقتصر على مطلق المعنى في الذهن ما جاوز الحق ، إذ الاشتراك المعنوي في الذهن لا يوجب التَّمَاثُلَ أو التَّشَابُهَ في الحقيقة في الخارج ، فإثبات المعنى في الذهن إثبات صحيح بل لا يمكن فقه المعنى إلا بإثبات مطلقٍ في الذهن يدل عليه مطلق اللفظ بما اشتهر من دلالة المعجم الإفرادية ، فإذا حصل التركيب بالإسناد أو بالإضافة ..... إلخ ، حصل التمايز بين الحقائق في الخارج فَشَتَّانَ حقيقة الخالق ، جل وعلا ، وحقيقة المخلوق ، فلكلٍّ حقيقة تَلِيقُ به ، فالوصف الكامل والحقيقة الكاملة في الخارج للكامل ، والوصف الناقص والحقيقة الناقصة في الخارج للناقص ، فاطرد القياس وانعكس على وجه يواطئ قياس العقل الصريح طردا وعكسا ، وقد يتجاسر الناظر فيزيد فهو يفرق بين الأخبار ، فيحتج بالمتواتر ولا يحتج بالآحاد ، وإن صحيحا ، على وجه يقع فيه من التناقض ما تقدمت الإشارة إليه مرارا فَهُوَ يَنْفِي قِيَاسَ العقل الصريح الذي يقضي بالتسوية بين المتماثل ، فمناط الاحتجاج الصريح النص الصحيح متواترا كان أو آحادا ، والاستدلال بمشهور اللسان على وجه يأخذ في الاعتبار دلالة السياق وما يحتف باللفظ من القرائن ، فثم ، كما تقدم مرارا ، دلالة إطلاق في اللسان ، كما في لفظ "العرش" ، محل الشاهد ، فهو مَئِنَّةٌ من السقف الذي يَعْلُو فذلك معنى عام يَسْتَغْرِقُ كل ما علا من السُّقُفِ ، كما أن لفظ السماء يدل على كل ما علا ، فتلك دلالة اللسان المطلقة ، وثم دلالة أخص كدلالة العهد في الآية : (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) ، فهو عرش مخصوص استوى عليه الرب المعبود ، جل وعلا ، استواء يليق بجلاله ، وتعديه بـ : "عَلَى" مَئِنَّةٌ من العلو ، فهو العلو المخصوص الذي لا يستقل العقل بإثباته أو نفيه خلافا لعلو الذات والوصف والقدر والشأن والقهر فكل أولئك مما يثبته العقل ، ابتداء ، وإن كان الوحي رائده في جميع المواضع ، العامة والخاصة ، فثم العلو الخاص وهو ما يثبت بالنص ، فهو من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة على وجه يثبت به الكمال المطلق لرب الخليقة ، تبارك وتعالى ، وذلك أصل في جميع موارد الخبر ، فثم فطرة أولى تُثْبِتُ الكمال مجملا وتدل على بعض آحاده كالعلم والقدرة ، ولا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ في كل حال إلى رائد الوحي الناصح إن في الإثبات أو في النفي ، وثم وحي يزيد في الفطرة فهو يؤكد ما دلت عليه ضرورة ، وهو يفصل ما أجمل منها وَيَرُدُّهَا إلى جادة الحق إن اعوجت ، فالوحي مهيمن قائد ، وهو ، مع ذلك ، رائد ناصح ، لا يكذب أهله ، فلا يكذب العقول وإنما يهديها سبيل الهدى والرشاد أن يكون نظرها واستدلالها بالوحي ، لفظا ومعنى ، منطوقا ومفهوما ، فهو وحي عربي ، فالوحي مادة الدليل الصحيح ، والعربية آلة الاستدلال الصريح .

وثم من زاد فتجاسر إذ عطل الوحي صراحة إن في الأخبار أو في الأحكام ، كما هي حال الفلاسفة قديما وحديثا وكما هي حال المحدِثِينَ من الشرائع الجائرة ما ضاهوا به الشريعة الخاتمة ، فلو تدبرت كل ما تقدم لوجدت أن البلوى به قد عمت في الشرائع كما قد عمت به في العقائد ، فالباب واحد ، إذ من اجترأ فتأول الأخبار فليست الأحكام عنه بعيدة المنال ! ، فهو يجتهد في رَدِّهَا ، فتارة يتأول النصوص تذرعا بمقاصد عامة مجملة أجمع عليها العقلاء كلهم فلا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ أخص من نص الوحي الصحيح وقياسه الصريح ، وأخرى يضعف النصوص ولا علم له بآلة تصح في هذا الباب فليس ثم معيار في التصحيح والتضعيف إلا ما يهوى فقد صار محكما وما خالفه فهو المتشابه وإن من الوحي الصحيح الصريح فيجب رده إلى قياس عقله المحكم ! ، وإن اضَّطَرَبَ وَتَفَاوَتَ بل وَتَنَاقَضَ في قِيَاسِ العقل الواحد ، فما يثبته في حال ينفيه في أخرى ، وقد يلجئه الهوى أن يثبت شيئا وَيَنْفِي لازمه أو نظيره ، فيضطرب استدلاله فما يعقد في موضع يحل في آخر ، وإذا ألجأه الخصم في الجدال تحايل في الإثبات تارة ، والنفي أخرى ليسلم له أصله المحدَث ، فَتَجِدُ من التحكم في كلامه ما لا ينقضي منه العجب ، فلا يدرك الناظر فيه ما ا***ن وما القبيح ؟! ، فكل يوم قياس ، وفي كل حال هوى يُحَسِّنُ الإثبات تارة فيثبت ، وَيُحَسِّنُ النفي أخرى فَيَنْفِي ! ، ولا معيار محكم في الإثبات أو في النفي إلا الهوى والذوق ، كما تقدم ، فيكون الاضطراب في قياس العقل الواحد ، فكيف بِعُقُولٍ كَثِيرَةٍ الاضطراب فيها أعظم والخلاف بَيْنَهَا أشد ، فـ : (نَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، فنسيت ما نسيت من الحظ ، فتنكير اللفظ "حظا" في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، وهو يصدق في القليل والكثير ، والجليل والدقيق ، فدلالة اللفظ ، من هذا الوجه ، دلالة الاشتراك بين أضداد تتغاير بل وتتخالف ، على وجه يستوجب الترجيح في أحوال ، إذ لا يجتمع الضدان ، فذلك الأصل ، وقد تكون ثم قرينة تجوز الجمع بين الضدين فيصح حمل السياق عليهما جميعا ، كما في هذا الموضع ، فنسيان الحظ دَقَّ أو جَلَّ ، يُفْضِي إلى حدوث التَّنَازُعِ ، فكلما زاد الحظ المنسي زاد الخلاف العلمي والعملي فلا يَنْفَكُّ من فَارَقَ الوحي يضل في العلم والعمل فيكون الاضطراب في الاستدلال ، والتناقض في الإثبات والنفي ، في الأمر والنهي ، ونسيان الحظ يفضي إلى وقوع العداوة والبغضاء ، فدلالة الفاء في قوله تعالى : (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، لا تخلو من معنى السببية ، وهي مئنة من الفور والتعقيب وذلك آكد في التنفير من تلك الحال المذمومة إذ لا يَنْفَكُّ ذلك يَقْتَرِنُ في العادة بقتال الأبدان ، فجدال الأديان المذموم الذي لا يرد فيه النزاع إلى الوحي ، هذا الجدال يفضي إلى جلاد الأبدان على وجه يفارق أصحابه حد العدل فيكون التجاوز ، وإن من أهل الحق في الجملة ، فإن السنة مطردة لا تفرق بين أحد من الناس ، فلو أحدث أهل الحق من الأقوال وغلوا في الأفعال ، لا سيما في الأسماء والأحكام ، فلا يَنْفَكُّ القول المحدث عن فِعْلٍ غَالٍ ، لو حصل ذلك لكان من الفساد ما يعظم ، وإن وقع من أهل الحق إذ فارقوا منه حظا ، وبقدر ما يفارق المكلف من الحق حظا يكون الفساد قولا أو عملا ، وغالبا ما يَقْتَرِنَانِ ، ففساد التصور ذريعة إلى فساد الحكم ، إذ الحكم على الشيء فرع عن تصوره ، إن صحيحا أو فاسدا ، فالقياس يطرد وينعكس في هذا الباب ، أيا كان الناسي ، سواء أنسي الأصل فهو كافر ، أم نسي حظا لا يخرجه من حد الإيمان ، فهو مؤمن نَسِيَ حَظًّا من الوحي فَارَقَ بِهِ حد العدل فكان التعدي في اللفظ والجور في الحكم كما ترى في هذه الأعصار إذ فارق كثير من الناس حد العدل في الخلاف فكان الظلم والجور ، وإن في مسائل الخلاف السائغ ، أو محال أخرى يجب فيها الإنكار ولا يجب فيها الظلم فهو محرم أبدا ، فلا يحل الظلم وإن في القصاص فلا يجاوز المقتص ُّالحدَّ ، فـ : (جَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) ، وذلك ما يفوت كثيرا من أهل الحق فضلا عن أهل الباطل ، فتجد الإفحاش في الخصومة بالسب والقدح ، وربما الضرب والقتل ! ، أن كان الخلاف ولو في مسألة تحتمل ، فضيق النظار مناط الاستدلال ، وصار كل خلاف محل مفاصلة فلا يحتمل إلا المفارقة بل والسب والقدح وربما الحكم بالفسق والكفر ! ، وما ذلك إلا من غلبة الهوى ، من وجه ، فكل يَرُومُ الانتصار لقوله ، إن بحق أو بِبَاطِلٍ ، إن باللسان أو باليد ، ولو ظَلَمَ وَتَعَدَّى ، وما ذلك الغلو ، أيضا ، إلا من قلة العلم وعظم الجهل ، فكلما قل العلم زاد الخلاف إذ لا يطيق الجاهل أن يخالَفَ فلا يعلم في المسألة إلا قولا واحدا ، ولا ينظر في النازلة إلا من وجه واحد ، وإن تَعَدَّدَتِ الألفاظ وَطُرُقُ الرواية وَتَفَاوَتَتِ المعاني ووجوه الدلالة وقرائن الأحوال ، فالصورة مركبة وهو لا ينظر إلا في جزء من أجزائها ! ، فعظم الهوى وقل العلم وفشا الجهل فكان ما كان من الظلم في القول والعمل على وجه أغرى السفهاء بأهل الحق فما اجترأ أهل الباطل إلا أن وجدوا من أهل الحق ضعفا فقد اشتغلوا بحرب بعضهم بعضا ! ، إن باللسان أو باليد ، وأهل الباطل فرحون شامتون ، بل ومحرضون فهم يَزِيدُونَ في الشقاق وَيُغْرُونَ أهلَ الحق بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ، فيتلاعبون بهم على وجه يكفيهم المؤنة ! ، وكل أولئك من شؤم التأويل ، فكل قد اجتهد في صرف النصوص إلى ما يهوى ، وإن كان حقا في الجملة ، فيزيد فيه على وجه يبلغ حد الغلو ، وهو لا ينفك يقترن بالتعصب والجهل ، فيكون التعدي في القول والفعل ، وتلك سنة اطردت في كل عصر و**ر ، فمتى فارق الناس الوحي وردوا الأمر إلى رءوسهم الذين يحكمون بأهوائهم ! ، وَيُعْظِمُونَ الجناية أن يسندوا ذلك إلى الوحي بوجوه من التأويل الباطل لا يخفى ما فيها من التكلف في صرف الألفاظ بلا صارف صحيح فلا قرينة ترجح ما ذهبوا إليه إلا هوى يزيد في الاستدلال فيكون التعدي في الأسماء والأحكام ، وذلك أمر لو فتح بابه لحصل من ذلك شر لا يمكن رده ، فلا يزال الغلو بأصحابه حتى يستحلوا من الدماء والأعراض ما حرم ، فيحصل من التهارج ما الوحي منه براء فهو مادة ائتلاف واجتماع لا على أي قول كما يزعم بعض الناس ، وإنما على الحق بالاعتصام بالحبل المتين ، فـ : (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فالحق في هذا الباب وسط بين طرفين ، فثم طرف غلا فضيق مناط الخلاف فلا يعلم إلا قولا واحدا في المسألة يجعله محل المفاصلة بل والمقاتلة ! ، وثم من توسع في الخلاف حتى أدخل الخلاف غير المعتبر فاتسعت دائرة الاستدلال أن زعم أنه يروم الاجتماع ، وذلك لا ينفع ما لم يكن الاجتماع على الحق المحرَّرِ وإلا كان اجتماع الأبدان في الظاهر ، وتنافر القلوب في الباطن ، وهو ما ظهرت آثاره في مواضع كثيرة فكان التقريب بين الأديان ! ، وكان التقريب بين المذاهب ، ***ا غفل أهل الحق وآنس أهل الباطل فرصة انقضوا على أهل الحق فأعملوا فيهم السيف ولا عزاء لأهل الوحدة الدينية أو المذهبية فقد بلغوا من الغفلة دركة ردية ، وذلك ، أيضا ، من نسيان الحظ من الوحي فهو يورث صاحبه الغفلة والضلال .

فكان ما تقدم من دلالة الظاهر في لفظ العرش ، فهو ظاهر مركب فكل عرش بحسب السياق الذي يَرِدُ فيه ، فقد يرد في سياق يرجح دلالة اللسان الأعم ، وهي ما علا من السقف ، كما في هذه الآية : (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا) ، وقد يَرِدُ في سياق يرجح الدلالة الأخص ، كدلالة العرش المخصوص الذي استوى عليه الرب المعبود ، جل وعلا ، الاستواء اللائق بجلاله ، فَمَرَّ عَلَيْهَا وهي خاوية على عروشها ، فـ : (قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا) ، وذلك فعل ماض بالنظر في زمن الحكاية فالقول قد وقع قَبْلَهُ بداهة ، فجاء الاستفهام تعجبا وَاسْتِبْعَادًا ، فَثَمَّ سؤال عن الحال ، على تقدير : كيف يحيي الله ، جل وعلا ، هذه القرية بعد موتها ، فتلك حال تقدمت إيجابا إذ اسم الاستفهام له الصدارة مطلقا ، وثم من تأول "أَنَّى" أنها مئنة من سؤال عن الزمن ، فتقدير الكلام : مَتَىَ يحييها الله ، جل وعلا ، بعد موتها ، فيكون اسم الزمان في محل نصب على الظرفية ، وهو ، أيضا ، مما تقدم إيجابا إذ له الصدارة مطلقا ، وليس ثم ما يمنع حمل السياق على كلا الوجهين لا سيما على قول من يُجَوِّزُ العمومَ في دلالة المشترك ، فَلَيْسَ ثم مانع يحول دون ذلك ، فالسياق يحتمل كلا الوجهين بلا تكلف ، بل ثم تلازم يُثْرِي السياق بِتَوَارُدِ المعاني الصحيحة على اللفظ الواحد ، وثم طباق إيجاب بين فعل الإحياء والإماتة ، وذلك آكد في التعجب ، فجاء الجواب آية في نفس السائل أن : (أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) ، فالإحياء والإماتة ، كلاهما ، من فعل الله ، جل وعلا ، الذي يتعدى فهو يناط بالمشيئة ، فثم تعد بالهمز في كلا الفعلين "أمات" و "أحيى" في قوله تعالى : (وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) ، فجاء التوكيد بالناسخ ، واسمية الجملة ، فهي مئنة من الثبوت والديمومة ، وضمير الفصل "هو" ، وتكرار العامل ضميرا مستترا على حد الجواز في الفعلين "أمات" و "أحيى" فتقديره "هو" وهو الاسم الذي ابْتُدِئَ به الكلام قبل دخول الناسخ عليه في "أنه" ، وكلاهما مما ثَبَتَ له ، جل وعلا ، على حد الطباق إيجابا فَبِهِ ثبت الكمال استيفاء لشطري القسمة ، وقد حُدَّا جميعا على جهة الماضوية مئنة من التقرير ، فذلك مما ثبت له ، جل وعلا ، يقينا جازما ، فوقع منه ما وقع في الزمن الماضي ، ولا يَزَالُ ، جل وعلا ، يُحْدِثُ منه ، ما يشاء في الحال والاستقبال ، فكل أولئك يدخل في الشأن الذي أطلق في قول الرب جل وعلا : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، فالإطلاق في هذا السياق مئنة من العموم الذي يستغرق جميع الشئون ، فثم وصف ذات يلازم الرب ، جل وعلا ، وهو وصف الحياة الذي اشتق منه اسم الحي وهو أصل الصفات الذاتية ، وثم فعل الإحياء فهو أثر من آثار الاسم في الخارج ، فالرب ، جل وعلا ، حي في ذاته ، مُحْيٍ لغيره ، بما خلق من الحياة وأسبابها ، وإن فارقت حياةُ المخلوق بداهة حياةَ الخالق ، جل وعلا ، فحياة الخالق ، تبارك وتعالى ، حياة كاملة ذاتا ووصفا ، أزلا وأبدا ، وحياة المخلوق ، في المقابل ، حادثة بعد عدم ، يَتَخَلَّلُهَا من وجوه النقص ما لا يخفى ، وهي فانية آخر الأمر فَلَا بد من مَوْتٍ كذلك الَّذِي وَقَعَ في تِلْكَ القرية ، فَقَدْ أضاف الموت إليها ، وحقيقة الأمر أن سكانها من مات ، فيكون ذلك من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه على تقدير : بعد موت أهلها ، ومن ثم حذف المضاف "أهل" وَأُقِيمَ المضاف إليه ، هاء الغائب ، مقامه ، وهو من مجاز الحذف عند من يُجَوِّزُهُ في الوحي واللسان ، وثم من ينكر ذلك فقد اشتهر في اللسان حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كما ذكر صاحب "الخلاصة" رحمه الله ، فذلك من معهود اللسان فلا مجاز يخفى بل قد اطرد ذلك فَنُزِّلَ منزلة الحقيقة ، فضلا أن القرية يعرض لها ما يعرض لكل شيء في هذه الدنيا من الفناء فتدخل في عموم الموصول "ما" في قول الرب المعبود جل وعلا : (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا) ، فذلك مَوْتٌ يصح إسناده إلى القرية على جهة الحقيقة عند كلا الْفَرِيقَيْنِ ، فجاء الدليل آية من نفس السائل أن : (أَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ) ، فذلك من الفعل الذي تعدى بالهمز ، فكانت إماتته ثم البعث ، فذلك البعث الكوني ، على وجه استوفى شطري القسمة ، كما تقدم ، على جهة الطباق إيجابا بين الإماتة والبعث ، وهو طباق بالنظر في اللازم ، إذ البعث يضاهي الإحياء في الدلالة ، فالبعث إحياء سواء أكان البعث الشرعي فهو إحياء للقلوب ، أم البعث الكوني فهو إحياء للأجساد ، ومن ثم جاء السؤال تقريرا : (كَمْ لَبِثْتَ) ، وجاء الجواب تخمينا : (لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) ، سواء أكانت "أو" مئنة من الشك ، أم مئنة من العطف ، على تقدير : لبثت يَوْمًا وَبَعْضَ يَوْمٍ ، ومن ثم جاء الإضراب إبطالا لما تقدم : (بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ) ، وَعَطْفًا على مقدر ، كما قرر بعض المحققين على تقدير : ما لبثت هذا القدر بل لبثت مائة عام ، ومن ثم جاء الأمر بالنظر اعتبارا ، فـ : (انْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) ، *** يتغير مع طول المكث وذلك يخرج عن حد العادة المطردة فيدخل في حد الآية المعجزة ، ومن ثم جاء العطف مع تكرار العامل لطول العهد وَبُعْدِ اللفظ ، فـ : (انْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ) ، فهو دليل على طول المكث ، ومن ثم جاء العطف : (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) ، فهو ، أيضا كما نوه بعض المحققين ، هو من العطف على مقدر آخر ، فتأويل الكلام : فعلنا ما فعلنا بقدرة نافذة وحكمة بالغة لنجعلك آية للناس ، فذلك من الجعل الكوني النافذ الذي أسند إلى ضمير الجمع المقدر فَفَاعِلُ "نجعل" ضمير قد استتر إيجابا تقديره "نحن" ، وذلك موضع جلال بالقدرة وجمال بالحكمة أن أقيم الدليل على البعث بما حصل من آحاد منه تُعْجِزُ ، وهو ما يرشح دلالة التكوين في الآية ، ودلالة التعظيم ، من وجه آخر ، فهي آية كونية عظيمة ، قَدْ عَمَّتْ فِي الدلالة ، فـ : "أل" في "الناس" مئنة من عموم يَسْتَغْرِقُ آحاد المعرَّف ، فهي آية كونية عظيمة يحصل بها الاعتبار في حق كل مكلف ، فَتَجْرِي مجرى النص في محل النَّزَاعِ ، فهي مثال على البعث الآخر ، فالعقل يدل على أن من أحيى الموتى في هذه الدار يقدر أن يُحْيِيهَا في الدار الآخرة ، ولا تخلو الآية من دلالة التشريع بالنظر أنها خبرٌ جاء به الوحي ، فالوحي قد جاء بآيات منها أخبار ومنها أحكام ، ومن ثم جاء الإطناب في البعث وهو محل الشاهد الرئيس ، فكرر العامل ثالثة ، فـ : (انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ) ، فثم إجمال في فعل النظر ، وثم بَدَلٌ على حد الحال في قوله تعالى : (كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) ، فهو يجري مجرى البيان لما تقدم من مجمل الأمر بالنظر ، فيجري مجرى البدل اشتمالا ، على تقدير : وانظر إلى العظام كيفية إنشازها ، فذلك من الإطناب بالبدل بعد المبدل منه ، فالبدل ، كما قرر أهل الشأن ، مناط الفائدة ، فهو التابع المقصود بالحكم أصالة ، كما حده النحاة ، فَوَطَّأَ له بالمبدل منه ، ثم نص على محل الفائدة ، فَيَجْرِي ذلك مجرى الإطناب بالخاص بعد العام ، ودلالة "أل" في "العظام" مئنة من عهد مخصوص فهي عظام حماره ، فتجري مجرى العوض عن الضمير المحذوف على تقدير : وانظر إلى عظامه ، كما في قوله تعالى : (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) ، على تقدير : هي مأواه ، فَنَابَتْ "أل" عن الضمير ، وفعل النشز قد أسند إلى ضمير الجمع في : (نُنْشِزُهَا) ، مئنة من التعظيم ، أيضا ، ومعناه معنى الرفع فالناشز هو المرتفع ومنه قيل للمرأة ناشز إذا تَرَفَّعَتْ عن زوجها وأبت الدخول في طاعته ، فالنشز *** عام تندرج فيه آحاد فمنه النشر المحسوس كنشز العظام في هذه الآية ، ومنه ، في المقابل ، النشز المعقول كما في نشوز المرأة ، وبعد رفعها واجتماعها كان كسوها لحما ، فتلك دلالة ا*** والعقل فالعظم أولا ثم اللحم ، فـ : (كَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) ، وذلك ما أَثْبَتَهُ علم الأجنة المعاصر بعد أن كان نظر البشر قاصرا مبدأ الأمر ، فظنوا أن اللحم أولا ثم العظم ، فيكون العطف عطف تغاير بين أجزاءٍ في قسمة العقل تَتَوَالَى ، قد دل عليها ا*** والعقل ، كما تقدم ، وقرئ : ننشرها أي نحييها ، فيكون عطف الكسو من عطف البيان ، إذ نشر العظام إحياؤها وإحياؤها يكون بكسوها لحما وبث مادة الحياة فيها .

فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ : فتلك ظرفية القول بعد أن تبين له الأمر بالدليل المحسوس ، ولا تخلو اللام من دلالة التبليغ فالبيان من *** القول الذي يتعدى باللام مئنة من التبليغ كما في نحو قوله تعالى : (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا) ، أي : بِلِّغَاهُ ، فـ : (لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فجاء فعل العلم الْقَلْبِيُّ الذي يتعدى إلى مفعولين ناب عنهما الناسخ "أن" وما دخل عليه من جملة "الله على كل شيء قدير" ، فصدر بالناسخ مئنة من التوكيد ، فضلا عن اسمية الجملة وتقديم ما حقه التأخير "على كل شيء" ودلالة العموم الذي خص بالعقل فالله ، جل وعلا ، قدير على كل ممكن فلا تناط القدرة بمحال فلا يقال ، على سبيل المثال ، إن الله ، جل وعلا ، قدير أن يخلق إلها مثله فذلك من المحال الذي لا يتصوره العقل وإنما غايته أن يفرضه من باب التنزل في الجدال ، كما في قوله تعالى : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) ، وقدير مئننة من مبالغة فمعناها معنى الفاعل وهو القادر وذلك ما اشترطه بعض المحققين ، كصاحب "الكتاب" رحمه الله ، فدلالة "فعيل" دلالة المبالغة إن دلت على معنى "فاعل" .


والله أعلى وأعلم .