rss
08-04-2016, 03:03 PM
الحاجة إلى الوحي
حاجة الإنسان إلى النبوة أعظم حاجة إن في الإثبات والنفي في الأخبار ، أو في الأمر والنهي في الأحكام ، فتلك مبادئ أمة تعظم الوحي فَقِيَمُهُ وَتَصَوُّرَاتُهُ هي العليا ، وهي ، مع ذلك لا تَقْتَصِرُ على دعوى محضة ، بل لا بد أن تشفع هذه الدعوى بدليل يصدق ، وهو الاعتصام الأخص بحبل الله ، جل وعلا ، وذلك تأويل الأمر في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فالاعتصام العام يكون بالتصديق المجمل الذي يكافئ فطرة الخلق الأولى ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ" ، فهو يصدق في الجملة ، ويعقد العزم أن يمتثل في الجملة ، فيوطئ نفسه أن يَمْتَثِلَ ما جاءه الأمر من الوحي ، فإذا سمع الخبر صدق ، فأثبت وَنَفَى ، وإذا جاءه الشرع امتثل ، فَفَعَلَ وَتَرَكَ ، فالوحي رائده إن في التصور العام ، في الخبر والإنشاء ، أو في تصور أخص ، فتوحيد القلب مجمل إذ يدرك المكلف بضرورة الفطرة أن ثم ربا يخلق وَيُدَبِّرُ ، ولكنه يفتقر إلى دليل أخص يخبر بأوصاف هذا الرب ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَيُخْبِرُ بوصف الذات ووصف الفعل ، وصف المعنى ووصف الخبر ، وصف الجلال ووصف الجمال ، ويخبر بالواجب والجائز والممتنع في حق الرب ، جل وعلا ، ويدرك المكلف بفطرة الضرورة ، أيضا ، أن هذا الرب هو وحده الذي يستحق العبادة والخضوع وأنه وحده الذي يحسن الرُّكُونُ إِلَيْهِ طَلَبًا للمدد ، وأنه وحده الذي يحكم ويشرع إذ هو الخالق الملِك ، فَمَنْ لَهُ مَلك الأعيان يكون له بداهة مِلك الأحوال إذ يَأْمُرُ وَيَنْهَى على وجه يدق فلا يقتصر على ما تقدم من مجملات القيم والمبادئ فذلك أمر لا يحصل به التفاوت بين المؤمن والكافر فيستوي فيه الناس على وجه يفضي بالنبوة أن تكون عبثا ! ، فإن هذه المجملات محل اتفاق فكيف حصل الاختلاف إِذًا ؟! ، إلا إذا كان لكلٍّ تحسين وتقبيح على وجه يحصل فيه التعارض بين العقول في تصوراتها وأحكامها ، فلا يحسم النزاع بينها ، كما تقدم مرارا ، إلا قول الوحي .
فإذا لم يعظم الشرع في القلب لم يعظم في الخارج ، وإذا ضعف الوازع في نفس الفرد ، ضعف أثر الدين في الحياة لا سيما مع فشو مقال الإرجاء الذي يخرج العمل من مسمى الإيمان ، ففشا العصيان والظلم في أخلاق البشر وذلك ما يظهر بداهة في الشرع العام والسياسة فما السياسة إلا التأويل الصحيح لعلائق الأفراد ، فالعلائق المركبة في الجماعات والدول ، والعلائق المتبادلة بَيْنَهَا ، تأرز إلى عقل جمعي يصاغ من تصورات وَقِيَمٍ عليا تؤمن بها كل أمة فهي تُعَظِّمُهَا وَتَتَّخِذُهَا منهاجا ، فتكون قيم الوحي مناط التصور في أمة تعظم الوحي فهي تَنْقَادُ له اختيارا فَتَأْتِيهِ طَوْعًا إذ فقهت الغاية من الخلق .
فلا يكون الصلاح إلا بتزكية الوحي ، تزكية الباطن بالعقد والإرادة وأعمال الجنان ، وتزكية الظاهر بالقول والعمل ، بالفعل والكف ، بالعبادة الخاصة والشريعة والسياسة العامة ، فكان استغراق الوحي لمحال التصور والإرادة والقول والعمل ، كان مناط النزاع الرئيس بين الرسالات والأهواء ، فلا يحسم هذا النزاع أن يتواطأ الجميع على قيم عليا ومثل مجردة في الذهن وإن كانت مطلقات ثابتة لا تخضع لقانون النسبية الأخلاقية الذي يُفْسِدُ أعظم فساد في الأرض ، أن يكون رائد التكليف عقلا يهوى الشيء ويستحسنه فيجعله مناط ا***ن وال**لحة التي يجب السعي في تحصيلها بأية وسائل ، صحت أو فسدت ، عدلت أو ظلمت ، فقد أصبحت القيمة العظمى في النفوس ، قيمة ا*** الظاهر الذي ينخدع بالمتاع العاجل أن لم يرزق حظا من النظر الثاقب الذي يَتَزَكَّى بوحي من خارج يحكم ، كما تقدم مرارا ، في جميع موارد النِّزَاع ، ويحد وجوه ا***ن والقبح على وجه مفصل يجزئ العقل في التصور فلا يجد حاجة في قياس فلان أو فلان أو أذواقهم ومواجيدهم فهي مما تَعَدَّدَ في الخارج ، على وجه لا يحصل بالركون إليه إلا الركون إلى الظلم في الاستدلال إذ يعظم الخلاف بِرَدِّهِ إلى الأهواء والأذواق فتكون الشرائع بعدد العقول سواء أكانت عقول أفراد أم عقول جماعات فلكلٍّ من القيم والمبادئ والمُثل ما يخالف الآخر إذ رد الأمر إلى نسبية تَتَفَاوَتُ فلا ثابت ، بل صار الثابت مئنة من الرجعية والتخلف في الفكر والتصور ، إذ نسبية العلوم التجريبية قد صارت رائد النفس البشرية في تصورها الباطن وحكمها الظاهر وذلك يؤذن باضطراب عظيم في التصور والحكم تبعا لتفاوت العقول في قوة الإدراك ، ولن يحسم ذلك إلا الوحي الذي يقضي بين الخصوم من أصحاب العقول إذ اختلفوا ، فالوحي حجة مطلقة في كل أمر شرعي ، علمي أو عملي ، كلي أو جزئي ، شرعي أو سياسي ، فَلَهُ السلطان العام بمعانيه العامة ، وذلك ما قد يسلم به الخصوم احتيالا أن تكون تلك ذريعة إلى نقض معانيه الخاصة إن في الأخبار إثباتا ونفيا ، أو في الأحكام أمرا ونهيا ، فيعظم أولئك العقول وما تقترحه من الأهواء والأذواق التي يزعم من اقترحها أنها مناط **لحة معتبرة وإن خالفت الشرعة المنزَّلة ! ، وذلك أمر يجري مجرى الفرض المحض في العقل فلا يتصور أن يخالف الوحي **لحة معتبرة ، فكل ما خالفه فهو من المتشابه الذي لا يزول وجه الاشتباه فيه إلا أن يرد إلى محكم التنزيل ، وذلك ، أيضا ، من قضاء العقل الصريح إذ يَرُدُّ المتشابه إلى المحكم ، وَيَرُدُّ مورد التنازع إلى مورد اتفاق ، يسلم به الخصوم كافة لو تدبروا فإعجاب كل امرئ برأيه وهواه ! ، يجعل من المحال أن يخضع عقل إنسان لآخر ، فما يميز عقل فلان ليخضع له فلان ؟! فلكلٍّ عقل يحسن ويقبح في موارد التشريع الأخص ، وإن حصل توافق في الْمُثُلِ الأعم ، الْمُثُلِ العليا التي لا يخالفها إلا أصحاب النظرية النسبية وهي نظرية الحداثة وما بعدها ، فالإمعان في قطع العلائق المعرفية مع الوحي رغبة في التحرر من قيود الرجعية والتخلف ! ، هذا الإمعان يجعل صاحبه كائنا يهيم في أودية الحيرة والاضطراب إذ صار مستمده الوحيد في التصور والنظر ما يعرض له من الوساوس ! ، وما يجد بحسه الظاهر من لذة ، وما يجد في نفسه من قوة بآلة حس إن لم تلجم بلجام الوحي فهي تفسد وتدمر ، وتسلب وتغتصب من الحقوق ما ترى أنها أولى به فتنتفع بما استلبت ولا ترى غضاضة أن خرجت عن قانون الوحي بل والعقل والفطرة ، فَتَرَاهَا تجهر بالمخالفة فلا حياء ، أو تتكلف لما تقترف من الجرائم ، تَتَكَلَّفُ لها من تأويلات السياسة النفعية ما لا ينقضي عجب الناظر في حججه فهي حجج واهية يكذب الحال فيها القول ، فدعاوى الحرية والعدالة والكرامة .... إلخ ، وعند التحقيق فليس إلا الأضداد ! ، وإن التزمها القوم في مواضع ، فثم انتقاء يحصل فيه التفاوت الذي يخالف ، أيضا ، قانون العقل الصريح الذي يقضي بالتسوية بين المتماثل فما كان أصلا يقدس في بلادهم فلا بد أن يعم به الحكم في جميع الأ**ار ، إن تَنَزَّلَ المخالف فَأَقَرَّ لهم أن مثلهم وقيم حضارتهم هي الأحكم والأعلى ، وهي منتهى السؤل في باب الحضارة التي عظم فيه الاختلاف فكل أمة تزعم أن حضارتها هي نهاية التاريخ فليس ثم حضارة تفوقها في قيمها ومبادئها وما يتفرع عنها من قوانينها وتشريعاتها فلا بد أن تظهر آثار العقل الجمعي في التشريع القضائي والسياسي والاقتصادي والعسكري ..... إلخ ، وذلك سبب رئيس في حصول التفاوت بل والتعارض بين الحضارات إذ لكلٍّ مستمد إن في القيم العليا العامة أو التشريعات الخاصة التي تضبط حركة الحياة فهي نظم محكمة تأمر وتنهى ، وتثيب وتعاقب فليست صورة مجردة في الذهن لا تظهر آثارها في الخارج ، فذلك الدين المبدل المحرف الذي عُزِلَ من منصب السيادة *** يعد إلا عقدا باردا في القلب لا تجد له من الحرارة ما يُؤَثِّرُ في الخارج ، فليس إلا تصورا مجملا وشعائر إن أداها المكلف فجسدا بلا روح إذ حرارة الدين في القلب قد بردت فاقتصر على التصور المجمل والقيم العليا إن رضي العقل ! فأفسح له مجالا في التشريع فهو ضيف ثقيل ! ، ينبغي الاحتراز منه لئلا تحدثه نفسه أن يحكم ويشرع فليس له إلا جذور باهتة في هوية تداخلت الأهواء والأذواق في حدها على وجه يمنع الدين أن يطغى ! فقد قلمت أظفاره عبر سلاسل من الحروب الدينية والمذهبية والفكرية ثم كان الإجهاز عليه بثورة العلمانية اللادينية ، وهي ثور بذل فيها من الدماء ما بذل افتكاكا للعقل من أسر الدين ، وهو دين الكنيسة المبدل المحرف فهو بالفعل سبب في الرجعية والتخلف ولكن الخروج من استبداده دون اللجوء إلى دين الحق خروج من استبداد الكهنوت إلى استبداد الهوى والذوق فمن قيد الدين المبدل إلى قيد الدين المحدث من كل وجه فلا نسبه له إلى السماء بل هو يأنف من كل نسبة سماوية فهو أرضي محض قد صنع صناعة بشرية خالصة ! ، فلا تحصل به كفاية ولا تحسم به مادة الغواية ، فوحده دين الوحي المحفوظ ، وحده الذي يلجم مادة الطغيان والاستبداد فلا يرد الأمر إلى رجال كهنوت أو علماء سوء ، وإنما يرد إلى وحكي محكم في ألفاظه ومعانيه ، وإن ضل من ضل من علمائه فحجته لما تَزَلَ باقية محفوظة ، ومنهاجه لما يَزَلِ التاريخ شاهدا بعدله بل وخصومه قديما وحديثا يشهدون بذلك سواء أكانوا من الفلاسفة أَمِّنْ أحدث من الشرائع ما ينازعه السيادة ، محل النزاع الرئيس في هذا العراك المحتدم ، إن في الفكر أو في السياسة أو في الحرب ، فمحل النزاع الرئيس هو السيادة التي تشح بها النفوس فثم أثرة في أخلاق البشر إن لم تهذب بأخلاق الوحي فليس إلا ما تَرَى من النزاع والتقاتل تحصيلا لمنصب السيادة إن بحق أو بباطل على وجه يستجيز فيه بَعْضٌ توظيف آلة القتل والسفك لإرهاب الخصوم وتكميم الأفواه والإزراء بالعقول أن تخضع لهذا السيد المدجج بال**** ، وحضارة الغرب لم تصدر إلى الشرق إلا هذا الأنموذج الشائه إذ قدست اللذة وقدست القوة على وجه يجعل لها الكلمة العليا ، وإن خالفت الوحي فليس ، كما تقدم ، إلا ضيفا ثقيل الظل ، فإن رضي أولئك باستضافته فإضفاء لشرعية كاذبة يشهد ببطلانها ما يكون من أحكامهم الجائرة وشرائعهم الظالمة التي تكرس الاستبداد وتستعمل القوة الصلبة بآلة القمع أو الناعمة بآلة الإعلام أو الاقتصاد على وجه يفضي إلى اصطناع بعض المنابر السياسية والإعلامية وبعض المراكز الاقتصادية الفاعلة التي يصطفيها صاحب القوة الصلبة ويغدق عليها بعض العطايا المعنوية من جاه ورياسة ، وبعض العطايا المادية من مال وتجارة ، فتلك حاشية لا بدل لكل نظام جائر من اصطناعها فهي من وسائله الفاعلة في السيطرة على المجتع بذراع مدنية ، إعلامية واقتصادية ، فضلا عن الذراع العسكرية فهي بداهة الذراع الأم ! ، فتلك الأذرع ال**طنعة لا تتجاوزه بداهة فهو الذي يرسم الخطوط العريضة ويضع السقف الذي يعمل الجميع تحته ! ، فمن رضي بذلك فلا تحدثْه نفسه أن يخرج عن إطار عام وضعه القوي على وجه يحفظ له السلطان السياسي والعسكري والاقتصادي فيجعل له من السيادة ما يطغي صاحبه فهو الذي يضع القوانين والشرائع ! ، مع افتقاره إلى الأسباب فلا تكاد تجد في شرائعه إلا ما يحتاط به صيانة لحظوظه من الملك الزائل فيكون الحكم الجائر لحفظ ملك زائل وبئست الصفقة ! ، إذ كيف يرضى عاقل أن يدخل في سلطان من تلك حاله فَيَخْتَارُ طوعا أن يكون جزءا من نظامه الجائر ، وَيَتَأَوَّلَ لنفسه أنه يطيق التغيير الكامل من خلال نظام فاسد ! ، فمثله كمثل من رام غسل الثوب بالبول ! فما زاده إلا نجاسة ، فمن له القوة وبيده مقاليد الحرب والمال والاقتصاد والإعلام ، هو الذي يملك آلة التأثير والتغيير الحقيقية ، كما هي حال المركز في الغرب الرأسمالي الذي انتقل إلى الطور الليبرالي فأفحش في الظلم وإن في مجتمعه وحاضنته الشعبية فبدأ التفاوت يظهر داخل دول المركز بين فئات المجتمع إذ النظام في نفسه يخلق الاستبداد ويكرسه فيجعل الحظوة لنخبة ضيئلة من المجتمع بيدها أسباب الجاه والرياسة ، فهي التي تضع القانون ، وهي التي تختار النظام الذي يحفظ مكاسبها ، سواء أفرضته بالقوة الصلبة قمعا كما يحصل في دول العالم الثالث المتخلف ، أم بالقوة الناعمة ، سياسة واقتصادا وإعلاما كما في دول العالم الأول المتقدم ! ، فالسنة واحدة في دول المركز ودول الأطراف ، وإن اختلفت الطرائق ، والمركز الرئيس أو المركز الفرعي لا يقبل أبدا أن يجاوز حلفاؤه القدرَ فتحدثهم أنفسهم أن ينازعوه الأمر وإن وافقوه في الفكر وارتضوا ما أحدث من طرائق الحكم والسياسة ، فقد قبلوا العمل صراحة وفق منظومة علمانية لادينية لا ترضى بمرجع الوحي المتجاوز إذ لا تتصور منه ، كما تقدم مرارا ، إلا صورة الكهنوت الباطل فلا حظ لها من الوحي الناصح لتعلم يقينا أنه وحده الذي يحرر الإنسان من عبودية الإنسان سواء باسم الدين وهي العبودية الأشد وطأة أو باسم السياسة كما تجد في ممالك الاستبداد والجور التي استرقت الإنسان حقيقة وإن كان حرا في صورة الظاهر فتلك عقوبة تعم إن خرج الناس عن منهاج الوحي وأبوا الانقياد لحكم الرب ، جل وعلا ، حكم العبودية الأعلى فكانت العقوبة أن ابتلوا بالعبودية الأدنى التي تحتقر آدميتهم وتهدر إنسانيتهم سواء أكان ذلك ، كما تقدم ، بوسائل القمع الصلبة أم بوسائل الترويض الناعمة .
وأولئك ، إن تدبر الناظر ، ليسوا بحلفاء ، فإن شئت الدقة فقل هم من تواطأ معه تحقيقا لبعض المكاسب وإن كان ثم فيهم من له فضل وقدم صدق ، فهو يَتَأَوَّلُ أن ذلك سبب في الإصلاح قدرَ المستطاع ، فَيَتَأَوَّلُ قول شعيب عليه السلام : (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ، فذلك أمر له حظ من النظر ، ولكنه لا يصلح مناط إصلاح عام يغير منظومة الجور والاستبداد فغايته أن يصلح في مواضع خاصة ، فصاحبه في أحسن الأحوال قد يقاس على يوسف ، عليه السلام ، إذ رام إصلاحا في منظومة فاسدة فهو يحقق من ال**الح المعتبرة لا المتوهمة ما استطاع ، ويدفع من مفاسد السرقة والاختلاس من الأموال ما استطاع فيحصل من ذلك نوع إصلاح قد ينفع نَفْعًا معتبرا في أمر الدنيا ولكنه ، بداهة ، ليس الإصلاح الكامل فذلك لا يكون إلا بِتَغْيِيرٍ عام له وسائل وطرائق حدها الوحي الخاتم ، على وجه تحصل به الحكمة البالغة في الشرعة النازلة ، فيكون التغيير باللسان في محال ، فثم تدرج هو من طبائع الأشياء ، وينضم إليه إذا حصلت مكنة معتبرة مع أمن المفسدة ينضم إليه التغيير بالسنان على وجه لا يغلب فيه الهوى في استعمال القوة المفرطة ، فالقوة تغري صاحبها أن يطغى وإن كان ذا دين وفضل في الجملة فلا بد أن تلجم بلجام الوحي فوحده الكتاب الهادي الذي يصلح من شأن السيف الناصر فيكون السيف له خاضعا وبأمره عاملا ، فكل وسائل الحكم والسيطرة إن خرجت عن منهاج الشرعة المنزَّلة فَمَا تُفْسِدُ أعظم مما تصلح وإن كان ثم وجه حق وقدم صدق ، فلا يحصل الإصلاح التام إلا أن يكون التجرد والإخلاص التام ، والمتابعة التامة للوحي في كل خبر وحكم ، في كل أمر أو نهي ، خص أو عم ، فلا يكون الوحي حجة في موضع إن وافق ال**لحة السياسية ، ولا يكون كذلك إن لم يوافق ال**لحة السيادية العليا ، فتكون ال**الح السيادية هي ال**الح السياسية النفعية ولا يكون للوحي حظ إلا شهادة الزور على هذا الوضع الجائر الذي يخالف الشرع الناصح ، فلا يقر جورا ، ولا يرضى أن تكون سيادة لغيره ، فكل ما سواه لا يستقل بالاستدلال أو التشريع بل لا بد أن يكون السقف الذي لا يِحِلُّ لأحد تجاوزه ، أن يكون هو الوحي ، فلا يكون ثم سلطان يعلو من مركز يأبى ، كما تقدم ، أن تُنَاجِزَهُ أو تُقَارِبَهُ ولو بطرائقه في السياسة والاقتصاد فضلا أن يكون الاستعلاء بالوحي فذلك أشد وأنكى ! ، فلا يرضى المركز أبدا شريكا إذ نَزَّلَ نفسه منزلة الإله الذي يحكم ويشرع ويدبر أمر الكون مع عجزه وافتقاره فحقيقة الأمر أنه يضع من الشرائع والأحكام ما يستمد منه أسباب البقاء وأسباب الطغيان وأسباب الاستحواذ على أسباب القوة واللذة ، فهي ، كما تقدم ، القيم والمثل العليا التي أقيم عليها بنيان الحضارة المعاصرة لما أبت الانقياد للشرعة النازلة ، وليتها فيما تزعم من تقريرٍ لقيم العدالة والكرامة ..... إلخ ، ليتها تسوي بين المركز والأطراف ، بين السادة والعبيد ، وإنما يكون القانون محل إجلال وتقديس في بلاد المركز فلا يجد آثاره النافعة إلا السادة في العالم الأول ، وأما من دونهم فليسوا أهلا لهذه الكرامة ، فليس لهم إلا الظلم والاستبداد من عملاء وضعهم المركز تحكما من بُعْدٍ بلا كلفة مواجهة مباشرة مع الأمم الهمجية التي لا تستحق الرفيع من النظم الأخلاقية والسياسية والاقتصادية ، فذلك ، كما تقدم ، حكر على السادة ! ، فغاية الأمر أن يمنحوا الحليف أو التابع أو المغفَّل إن كان صادق العزم في الإصلاح ، أن يمنحوه بعض الفتات من مناصب لا تؤثر فلا تصل إلى مركز صنع القرار الرئيس ولا تقاربه ! ، فيكون جاه زائف فضلا عن بعض ال**الح المادية من مال وأعمال لا يخرج بها التابع عن هيمنة المركز الحاكم ، وإلا كان هلاكه ، بالقتل أو الأسر أو القوة الصلبة التي تتدخل إذا فشلت القوى الناعمة في إسقاط التجربة الناشئة ! .
والشاهد أنك لا تنفك تجد أثرة في أخلاق البشر إن لم تهذب بأخلاق الوحي فليس إلا ما تَرَى من النزاع والتقاتل تحصيلا لمنصب السيادة إن بحق أو بباطل على وجه يستجيز فيه بَعْضٌ توظيف آلة القتل والسفك ، وبعض آخر يعظم الجناية فَيُوَظِّفُ الدين أن يحقق بعض مآرب السياسة أو الحرب فيتأول من أخبار الوحي وأحكامه ، ما يوافق حظه في السلطان ، وإن كان ذا فضل ، فإن اشتغاله بسياسة وضع قواعدها من ليس له حظ من الوحي ، وانغماسه في مياهها الكدرة قد أصابه بنوع غفلة فكانت **يبة أذهلت بعض العقول ولو ردوها إلى محكم التنزيل لعلم السبب وبطل العجب : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فَمِنْ عند النفس كانت فما كان عقاب الكون أن تسلط الظالم المستبد إلا أن خالف الناس عن حكم الشرع وبقدر ما تكون المخالفة يكون تسلط الظالم بأجناس من القمع والاستبداد لا ترفع إلا بالتوبة الخاصة والعامة ، فما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، ولا توبة في هذا الباب إلا أن يراجع الناس جميعا الوحي فيكون هو رائد الخبر والحكم فلا يقدم عليه هوى أو ذوق فقوله المقدم ، وهو الحاكم المهيمن ، فلا يقدم في الظاهر تعظيما زائفا وتكون الدولة لغيره فتلك حيلة من *** ما احتال به أصحاب السبت أن يوافقوا الشرع في الظاهر وهم يخالفونه في حقيقة الأمر ، فخالف الباطنُ الظاهرَ فكان المسخ عقوبة عاجلة .
والله أعلى وأعلم .
حاجة الإنسان إلى النبوة أعظم حاجة إن في الإثبات والنفي في الأخبار ، أو في الأمر والنهي في الأحكام ، فتلك مبادئ أمة تعظم الوحي فَقِيَمُهُ وَتَصَوُّرَاتُهُ هي العليا ، وهي ، مع ذلك لا تَقْتَصِرُ على دعوى محضة ، بل لا بد أن تشفع هذه الدعوى بدليل يصدق ، وهو الاعتصام الأخص بحبل الله ، جل وعلا ، وذلك تأويل الأمر في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) ، فالاعتصام العام يكون بالتصديق المجمل الذي يكافئ فطرة الخلق الأولى ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ البَهِيمَةِ تُنْتَجُ البَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ" ، فهو يصدق في الجملة ، ويعقد العزم أن يمتثل في الجملة ، فيوطئ نفسه أن يَمْتَثِلَ ما جاءه الأمر من الوحي ، فإذا سمع الخبر صدق ، فأثبت وَنَفَى ، وإذا جاءه الشرع امتثل ، فَفَعَلَ وَتَرَكَ ، فالوحي رائده إن في التصور العام ، في الخبر والإنشاء ، أو في تصور أخص ، فتوحيد القلب مجمل إذ يدرك المكلف بضرورة الفطرة أن ثم ربا يخلق وَيُدَبِّرُ ، ولكنه يفتقر إلى دليل أخص يخبر بأوصاف هذا الرب ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فَيُخْبِرُ بوصف الذات ووصف الفعل ، وصف المعنى ووصف الخبر ، وصف الجلال ووصف الجمال ، ويخبر بالواجب والجائز والممتنع في حق الرب ، جل وعلا ، ويدرك المكلف بفطرة الضرورة ، أيضا ، أن هذا الرب هو وحده الذي يستحق العبادة والخضوع وأنه وحده الذي يحسن الرُّكُونُ إِلَيْهِ طَلَبًا للمدد ، وأنه وحده الذي يحكم ويشرع إذ هو الخالق الملِك ، فَمَنْ لَهُ مَلك الأعيان يكون له بداهة مِلك الأحوال إذ يَأْمُرُ وَيَنْهَى على وجه يدق فلا يقتصر على ما تقدم من مجملات القيم والمبادئ فذلك أمر لا يحصل به التفاوت بين المؤمن والكافر فيستوي فيه الناس على وجه يفضي بالنبوة أن تكون عبثا ! ، فإن هذه المجملات محل اتفاق فكيف حصل الاختلاف إِذًا ؟! ، إلا إذا كان لكلٍّ تحسين وتقبيح على وجه يحصل فيه التعارض بين العقول في تصوراتها وأحكامها ، فلا يحسم النزاع بينها ، كما تقدم مرارا ، إلا قول الوحي .
فإذا لم يعظم الشرع في القلب لم يعظم في الخارج ، وإذا ضعف الوازع في نفس الفرد ، ضعف أثر الدين في الحياة لا سيما مع فشو مقال الإرجاء الذي يخرج العمل من مسمى الإيمان ، ففشا العصيان والظلم في أخلاق البشر وذلك ما يظهر بداهة في الشرع العام والسياسة فما السياسة إلا التأويل الصحيح لعلائق الأفراد ، فالعلائق المركبة في الجماعات والدول ، والعلائق المتبادلة بَيْنَهَا ، تأرز إلى عقل جمعي يصاغ من تصورات وَقِيَمٍ عليا تؤمن بها كل أمة فهي تُعَظِّمُهَا وَتَتَّخِذُهَا منهاجا ، فتكون قيم الوحي مناط التصور في أمة تعظم الوحي فهي تَنْقَادُ له اختيارا فَتَأْتِيهِ طَوْعًا إذ فقهت الغاية من الخلق .
فلا يكون الصلاح إلا بتزكية الوحي ، تزكية الباطن بالعقد والإرادة وأعمال الجنان ، وتزكية الظاهر بالقول والعمل ، بالفعل والكف ، بالعبادة الخاصة والشريعة والسياسة العامة ، فكان استغراق الوحي لمحال التصور والإرادة والقول والعمل ، كان مناط النزاع الرئيس بين الرسالات والأهواء ، فلا يحسم هذا النزاع أن يتواطأ الجميع على قيم عليا ومثل مجردة في الذهن وإن كانت مطلقات ثابتة لا تخضع لقانون النسبية الأخلاقية الذي يُفْسِدُ أعظم فساد في الأرض ، أن يكون رائد التكليف عقلا يهوى الشيء ويستحسنه فيجعله مناط ا***ن وال**لحة التي يجب السعي في تحصيلها بأية وسائل ، صحت أو فسدت ، عدلت أو ظلمت ، فقد أصبحت القيمة العظمى في النفوس ، قيمة ا*** الظاهر الذي ينخدع بالمتاع العاجل أن لم يرزق حظا من النظر الثاقب الذي يَتَزَكَّى بوحي من خارج يحكم ، كما تقدم مرارا ، في جميع موارد النِّزَاع ، ويحد وجوه ا***ن والقبح على وجه مفصل يجزئ العقل في التصور فلا يجد حاجة في قياس فلان أو فلان أو أذواقهم ومواجيدهم فهي مما تَعَدَّدَ في الخارج ، على وجه لا يحصل بالركون إليه إلا الركون إلى الظلم في الاستدلال إذ يعظم الخلاف بِرَدِّهِ إلى الأهواء والأذواق فتكون الشرائع بعدد العقول سواء أكانت عقول أفراد أم عقول جماعات فلكلٍّ من القيم والمبادئ والمُثل ما يخالف الآخر إذ رد الأمر إلى نسبية تَتَفَاوَتُ فلا ثابت ، بل صار الثابت مئنة من الرجعية والتخلف في الفكر والتصور ، إذ نسبية العلوم التجريبية قد صارت رائد النفس البشرية في تصورها الباطن وحكمها الظاهر وذلك يؤذن باضطراب عظيم في التصور والحكم تبعا لتفاوت العقول في قوة الإدراك ، ولن يحسم ذلك إلا الوحي الذي يقضي بين الخصوم من أصحاب العقول إذ اختلفوا ، فالوحي حجة مطلقة في كل أمر شرعي ، علمي أو عملي ، كلي أو جزئي ، شرعي أو سياسي ، فَلَهُ السلطان العام بمعانيه العامة ، وذلك ما قد يسلم به الخصوم احتيالا أن تكون تلك ذريعة إلى نقض معانيه الخاصة إن في الأخبار إثباتا ونفيا ، أو في الأحكام أمرا ونهيا ، فيعظم أولئك العقول وما تقترحه من الأهواء والأذواق التي يزعم من اقترحها أنها مناط **لحة معتبرة وإن خالفت الشرعة المنزَّلة ! ، وذلك أمر يجري مجرى الفرض المحض في العقل فلا يتصور أن يخالف الوحي **لحة معتبرة ، فكل ما خالفه فهو من المتشابه الذي لا يزول وجه الاشتباه فيه إلا أن يرد إلى محكم التنزيل ، وذلك ، أيضا ، من قضاء العقل الصريح إذ يَرُدُّ المتشابه إلى المحكم ، وَيَرُدُّ مورد التنازع إلى مورد اتفاق ، يسلم به الخصوم كافة لو تدبروا فإعجاب كل امرئ برأيه وهواه ! ، يجعل من المحال أن يخضع عقل إنسان لآخر ، فما يميز عقل فلان ليخضع له فلان ؟! فلكلٍّ عقل يحسن ويقبح في موارد التشريع الأخص ، وإن حصل توافق في الْمُثُلِ الأعم ، الْمُثُلِ العليا التي لا يخالفها إلا أصحاب النظرية النسبية وهي نظرية الحداثة وما بعدها ، فالإمعان في قطع العلائق المعرفية مع الوحي رغبة في التحرر من قيود الرجعية والتخلف ! ، هذا الإمعان يجعل صاحبه كائنا يهيم في أودية الحيرة والاضطراب إذ صار مستمده الوحيد في التصور والنظر ما يعرض له من الوساوس ! ، وما يجد بحسه الظاهر من لذة ، وما يجد في نفسه من قوة بآلة حس إن لم تلجم بلجام الوحي فهي تفسد وتدمر ، وتسلب وتغتصب من الحقوق ما ترى أنها أولى به فتنتفع بما استلبت ولا ترى غضاضة أن خرجت عن قانون الوحي بل والعقل والفطرة ، فَتَرَاهَا تجهر بالمخالفة فلا حياء ، أو تتكلف لما تقترف من الجرائم ، تَتَكَلَّفُ لها من تأويلات السياسة النفعية ما لا ينقضي عجب الناظر في حججه فهي حجج واهية يكذب الحال فيها القول ، فدعاوى الحرية والعدالة والكرامة .... إلخ ، وعند التحقيق فليس إلا الأضداد ! ، وإن التزمها القوم في مواضع ، فثم انتقاء يحصل فيه التفاوت الذي يخالف ، أيضا ، قانون العقل الصريح الذي يقضي بالتسوية بين المتماثل فما كان أصلا يقدس في بلادهم فلا بد أن يعم به الحكم في جميع الأ**ار ، إن تَنَزَّلَ المخالف فَأَقَرَّ لهم أن مثلهم وقيم حضارتهم هي الأحكم والأعلى ، وهي منتهى السؤل في باب الحضارة التي عظم فيه الاختلاف فكل أمة تزعم أن حضارتها هي نهاية التاريخ فليس ثم حضارة تفوقها في قيمها ومبادئها وما يتفرع عنها من قوانينها وتشريعاتها فلا بد أن تظهر آثار العقل الجمعي في التشريع القضائي والسياسي والاقتصادي والعسكري ..... إلخ ، وذلك سبب رئيس في حصول التفاوت بل والتعارض بين الحضارات إذ لكلٍّ مستمد إن في القيم العليا العامة أو التشريعات الخاصة التي تضبط حركة الحياة فهي نظم محكمة تأمر وتنهى ، وتثيب وتعاقب فليست صورة مجردة في الذهن لا تظهر آثارها في الخارج ، فذلك الدين المبدل المحرف الذي عُزِلَ من منصب السيادة *** يعد إلا عقدا باردا في القلب لا تجد له من الحرارة ما يُؤَثِّرُ في الخارج ، فليس إلا تصورا مجملا وشعائر إن أداها المكلف فجسدا بلا روح إذ حرارة الدين في القلب قد بردت فاقتصر على التصور المجمل والقيم العليا إن رضي العقل ! فأفسح له مجالا في التشريع فهو ضيف ثقيل ! ، ينبغي الاحتراز منه لئلا تحدثه نفسه أن يحكم ويشرع فليس له إلا جذور باهتة في هوية تداخلت الأهواء والأذواق في حدها على وجه يمنع الدين أن يطغى ! فقد قلمت أظفاره عبر سلاسل من الحروب الدينية والمذهبية والفكرية ثم كان الإجهاز عليه بثورة العلمانية اللادينية ، وهي ثور بذل فيها من الدماء ما بذل افتكاكا للعقل من أسر الدين ، وهو دين الكنيسة المبدل المحرف فهو بالفعل سبب في الرجعية والتخلف ولكن الخروج من استبداده دون اللجوء إلى دين الحق خروج من استبداد الكهنوت إلى استبداد الهوى والذوق فمن قيد الدين المبدل إلى قيد الدين المحدث من كل وجه فلا نسبه له إلى السماء بل هو يأنف من كل نسبة سماوية فهو أرضي محض قد صنع صناعة بشرية خالصة ! ، فلا تحصل به كفاية ولا تحسم به مادة الغواية ، فوحده دين الوحي المحفوظ ، وحده الذي يلجم مادة الطغيان والاستبداد فلا يرد الأمر إلى رجال كهنوت أو علماء سوء ، وإنما يرد إلى وحكي محكم في ألفاظه ومعانيه ، وإن ضل من ضل من علمائه فحجته لما تَزَلَ باقية محفوظة ، ومنهاجه لما يَزَلِ التاريخ شاهدا بعدله بل وخصومه قديما وحديثا يشهدون بذلك سواء أكانوا من الفلاسفة أَمِّنْ أحدث من الشرائع ما ينازعه السيادة ، محل النزاع الرئيس في هذا العراك المحتدم ، إن في الفكر أو في السياسة أو في الحرب ، فمحل النزاع الرئيس هو السيادة التي تشح بها النفوس فثم أثرة في أخلاق البشر إن لم تهذب بأخلاق الوحي فليس إلا ما تَرَى من النزاع والتقاتل تحصيلا لمنصب السيادة إن بحق أو بباطل على وجه يستجيز فيه بَعْضٌ توظيف آلة القتل والسفك لإرهاب الخصوم وتكميم الأفواه والإزراء بالعقول أن تخضع لهذا السيد المدجج بال**** ، وحضارة الغرب لم تصدر إلى الشرق إلا هذا الأنموذج الشائه إذ قدست اللذة وقدست القوة على وجه يجعل لها الكلمة العليا ، وإن خالفت الوحي فليس ، كما تقدم ، إلا ضيفا ثقيل الظل ، فإن رضي أولئك باستضافته فإضفاء لشرعية كاذبة يشهد ببطلانها ما يكون من أحكامهم الجائرة وشرائعهم الظالمة التي تكرس الاستبداد وتستعمل القوة الصلبة بآلة القمع أو الناعمة بآلة الإعلام أو الاقتصاد على وجه يفضي إلى اصطناع بعض المنابر السياسية والإعلامية وبعض المراكز الاقتصادية الفاعلة التي يصطفيها صاحب القوة الصلبة ويغدق عليها بعض العطايا المعنوية من جاه ورياسة ، وبعض العطايا المادية من مال وتجارة ، فتلك حاشية لا بدل لكل نظام جائر من اصطناعها فهي من وسائله الفاعلة في السيطرة على المجتع بذراع مدنية ، إعلامية واقتصادية ، فضلا عن الذراع العسكرية فهي بداهة الذراع الأم ! ، فتلك الأذرع ال**طنعة لا تتجاوزه بداهة فهو الذي يرسم الخطوط العريضة ويضع السقف الذي يعمل الجميع تحته ! ، فمن رضي بذلك فلا تحدثْه نفسه أن يخرج عن إطار عام وضعه القوي على وجه يحفظ له السلطان السياسي والعسكري والاقتصادي فيجعل له من السيادة ما يطغي صاحبه فهو الذي يضع القوانين والشرائع ! ، مع افتقاره إلى الأسباب فلا تكاد تجد في شرائعه إلا ما يحتاط به صيانة لحظوظه من الملك الزائل فيكون الحكم الجائر لحفظ ملك زائل وبئست الصفقة ! ، إذ كيف يرضى عاقل أن يدخل في سلطان من تلك حاله فَيَخْتَارُ طوعا أن يكون جزءا من نظامه الجائر ، وَيَتَأَوَّلَ لنفسه أنه يطيق التغيير الكامل من خلال نظام فاسد ! ، فمثله كمثل من رام غسل الثوب بالبول ! فما زاده إلا نجاسة ، فمن له القوة وبيده مقاليد الحرب والمال والاقتصاد والإعلام ، هو الذي يملك آلة التأثير والتغيير الحقيقية ، كما هي حال المركز في الغرب الرأسمالي الذي انتقل إلى الطور الليبرالي فأفحش في الظلم وإن في مجتمعه وحاضنته الشعبية فبدأ التفاوت يظهر داخل دول المركز بين فئات المجتمع إذ النظام في نفسه يخلق الاستبداد ويكرسه فيجعل الحظوة لنخبة ضيئلة من المجتمع بيدها أسباب الجاه والرياسة ، فهي التي تضع القانون ، وهي التي تختار النظام الذي يحفظ مكاسبها ، سواء أفرضته بالقوة الصلبة قمعا كما يحصل في دول العالم الثالث المتخلف ، أم بالقوة الناعمة ، سياسة واقتصادا وإعلاما كما في دول العالم الأول المتقدم ! ، فالسنة واحدة في دول المركز ودول الأطراف ، وإن اختلفت الطرائق ، والمركز الرئيس أو المركز الفرعي لا يقبل أبدا أن يجاوز حلفاؤه القدرَ فتحدثهم أنفسهم أن ينازعوه الأمر وإن وافقوه في الفكر وارتضوا ما أحدث من طرائق الحكم والسياسة ، فقد قبلوا العمل صراحة وفق منظومة علمانية لادينية لا ترضى بمرجع الوحي المتجاوز إذ لا تتصور منه ، كما تقدم مرارا ، إلا صورة الكهنوت الباطل فلا حظ لها من الوحي الناصح لتعلم يقينا أنه وحده الذي يحرر الإنسان من عبودية الإنسان سواء باسم الدين وهي العبودية الأشد وطأة أو باسم السياسة كما تجد في ممالك الاستبداد والجور التي استرقت الإنسان حقيقة وإن كان حرا في صورة الظاهر فتلك عقوبة تعم إن خرج الناس عن منهاج الوحي وأبوا الانقياد لحكم الرب ، جل وعلا ، حكم العبودية الأعلى فكانت العقوبة أن ابتلوا بالعبودية الأدنى التي تحتقر آدميتهم وتهدر إنسانيتهم سواء أكان ذلك ، كما تقدم ، بوسائل القمع الصلبة أم بوسائل الترويض الناعمة .
وأولئك ، إن تدبر الناظر ، ليسوا بحلفاء ، فإن شئت الدقة فقل هم من تواطأ معه تحقيقا لبعض المكاسب وإن كان ثم فيهم من له فضل وقدم صدق ، فهو يَتَأَوَّلُ أن ذلك سبب في الإصلاح قدرَ المستطاع ، فَيَتَأَوَّلُ قول شعيب عليه السلام : (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) ، فذلك أمر له حظ من النظر ، ولكنه لا يصلح مناط إصلاح عام يغير منظومة الجور والاستبداد فغايته أن يصلح في مواضع خاصة ، فصاحبه في أحسن الأحوال قد يقاس على يوسف ، عليه السلام ، إذ رام إصلاحا في منظومة فاسدة فهو يحقق من ال**الح المعتبرة لا المتوهمة ما استطاع ، ويدفع من مفاسد السرقة والاختلاس من الأموال ما استطاع فيحصل من ذلك نوع إصلاح قد ينفع نَفْعًا معتبرا في أمر الدنيا ولكنه ، بداهة ، ليس الإصلاح الكامل فذلك لا يكون إلا بِتَغْيِيرٍ عام له وسائل وطرائق حدها الوحي الخاتم ، على وجه تحصل به الحكمة البالغة في الشرعة النازلة ، فيكون التغيير باللسان في محال ، فثم تدرج هو من طبائع الأشياء ، وينضم إليه إذا حصلت مكنة معتبرة مع أمن المفسدة ينضم إليه التغيير بالسنان على وجه لا يغلب فيه الهوى في استعمال القوة المفرطة ، فالقوة تغري صاحبها أن يطغى وإن كان ذا دين وفضل في الجملة فلا بد أن تلجم بلجام الوحي فوحده الكتاب الهادي الذي يصلح من شأن السيف الناصر فيكون السيف له خاضعا وبأمره عاملا ، فكل وسائل الحكم والسيطرة إن خرجت عن منهاج الشرعة المنزَّلة فَمَا تُفْسِدُ أعظم مما تصلح وإن كان ثم وجه حق وقدم صدق ، فلا يحصل الإصلاح التام إلا أن يكون التجرد والإخلاص التام ، والمتابعة التامة للوحي في كل خبر وحكم ، في كل أمر أو نهي ، خص أو عم ، فلا يكون الوحي حجة في موضع إن وافق ال**لحة السياسية ، ولا يكون كذلك إن لم يوافق ال**لحة السيادية العليا ، فتكون ال**الح السيادية هي ال**الح السياسية النفعية ولا يكون للوحي حظ إلا شهادة الزور على هذا الوضع الجائر الذي يخالف الشرع الناصح ، فلا يقر جورا ، ولا يرضى أن تكون سيادة لغيره ، فكل ما سواه لا يستقل بالاستدلال أو التشريع بل لا بد أن يكون السقف الذي لا يِحِلُّ لأحد تجاوزه ، أن يكون هو الوحي ، فلا يكون ثم سلطان يعلو من مركز يأبى ، كما تقدم ، أن تُنَاجِزَهُ أو تُقَارِبَهُ ولو بطرائقه في السياسة والاقتصاد فضلا أن يكون الاستعلاء بالوحي فذلك أشد وأنكى ! ، فلا يرضى المركز أبدا شريكا إذ نَزَّلَ نفسه منزلة الإله الذي يحكم ويشرع ويدبر أمر الكون مع عجزه وافتقاره فحقيقة الأمر أنه يضع من الشرائع والأحكام ما يستمد منه أسباب البقاء وأسباب الطغيان وأسباب الاستحواذ على أسباب القوة واللذة ، فهي ، كما تقدم ، القيم والمثل العليا التي أقيم عليها بنيان الحضارة المعاصرة لما أبت الانقياد للشرعة النازلة ، وليتها فيما تزعم من تقريرٍ لقيم العدالة والكرامة ..... إلخ ، ليتها تسوي بين المركز والأطراف ، بين السادة والعبيد ، وإنما يكون القانون محل إجلال وتقديس في بلاد المركز فلا يجد آثاره النافعة إلا السادة في العالم الأول ، وأما من دونهم فليسوا أهلا لهذه الكرامة ، فليس لهم إلا الظلم والاستبداد من عملاء وضعهم المركز تحكما من بُعْدٍ بلا كلفة مواجهة مباشرة مع الأمم الهمجية التي لا تستحق الرفيع من النظم الأخلاقية والسياسية والاقتصادية ، فذلك ، كما تقدم ، حكر على السادة ! ، فغاية الأمر أن يمنحوا الحليف أو التابع أو المغفَّل إن كان صادق العزم في الإصلاح ، أن يمنحوه بعض الفتات من مناصب لا تؤثر فلا تصل إلى مركز صنع القرار الرئيس ولا تقاربه ! ، فيكون جاه زائف فضلا عن بعض ال**الح المادية من مال وأعمال لا يخرج بها التابع عن هيمنة المركز الحاكم ، وإلا كان هلاكه ، بالقتل أو الأسر أو القوة الصلبة التي تتدخل إذا فشلت القوى الناعمة في إسقاط التجربة الناشئة ! .
والشاهد أنك لا تنفك تجد أثرة في أخلاق البشر إن لم تهذب بأخلاق الوحي فليس إلا ما تَرَى من النزاع والتقاتل تحصيلا لمنصب السيادة إن بحق أو بباطل على وجه يستجيز فيه بَعْضٌ توظيف آلة القتل والسفك ، وبعض آخر يعظم الجناية فَيُوَظِّفُ الدين أن يحقق بعض مآرب السياسة أو الحرب فيتأول من أخبار الوحي وأحكامه ، ما يوافق حظه في السلطان ، وإن كان ذا فضل ، فإن اشتغاله بسياسة وضع قواعدها من ليس له حظ من الوحي ، وانغماسه في مياهها الكدرة قد أصابه بنوع غفلة فكانت **يبة أذهلت بعض العقول ولو ردوها إلى محكم التنزيل لعلم السبب وبطل العجب : (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ، فَمِنْ عند النفس كانت فما كان عقاب الكون أن تسلط الظالم المستبد إلا أن خالف الناس عن حكم الشرع وبقدر ما تكون المخالفة يكون تسلط الظالم بأجناس من القمع والاستبداد لا ترفع إلا بالتوبة الخاصة والعامة ، فما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، ولا توبة في هذا الباب إلا أن يراجع الناس جميعا الوحي فيكون هو رائد الخبر والحكم فلا يقدم عليه هوى أو ذوق فقوله المقدم ، وهو الحاكم المهيمن ، فلا يقدم في الظاهر تعظيما زائفا وتكون الدولة لغيره فتلك حيلة من *** ما احتال به أصحاب السبت أن يوافقوا الشرع في الظاهر وهم يخالفونه في حقيقة الأمر ، فخالف الباطنُ الظاهرَ فكان المسخ عقوبة عاجلة .
والله أعلى وأعلم .