ahlam1399
08-01-2016, 08:18 PM
و ما زال يحفـــر! ـــ( قصة قصيرة)ـــ
اقتباس:
مرة أخرى جئتكم بقصة جديدة صادفتها في طريقي ولما وجدت فيها قيمة عظيمة
أحببت أن أشارككم إياها
إنها قصة قصيرة
http://www.djelfa.info/vb/images/icons/b9.gif و مـــا زال يحــــفر
***
http://filaty.com/i/alpha/7a/7a9d644ec9f94d6fdb84586a10644a29
فتحتُ عينيَّ مع شروق الصبح، و أول ما وقع عليه بصري-كالعادة- نافذة غرفتي المقابلة لسريري،
و التي اخترقتها أشعة الشمس،كقطعة حلوى تتلون أمام عين طفل، لتغريه بالمجيء إليها.
استنشقتُ نسيم الصبح و هرعتُ إلى نافذتي، فهذه الأنسام الصباحية تعادل بالنسبة لي فنجان قهوة لرجل سويسري يُدمنُ قهوة الصباح البرازيلية.
ألقيتُ نظرة على كل ما تطل عليه نافذتي؛ لأرى كيف تدبُّ الحياة في شرايين هذه الأرض التي سكنت ليلاً، و كيف تحلِّقُ الطيور كأنها تُحيي الجميع.
يبدو أنه سيكون يوماً مشمساً كسابقه؛ ها هو العم سعد يفتح متجر المؤن الصغير، و بالقرب منه ينزل العم كامل العجوز دافعاً عربته في اتجاه سوق الخضر البعيد
... و من أبعد المنازل عن نافذتي أستطيع أن أرى ابن خالد ذلك الشقي الذي يخطف قبعة أخيه و يركض نحو المدرسة ليلحق به الآخر متوعداً،
ثم يتعلق بصري أخيراً بهذا المنزل الصغير الواقع أسفل نافذتي الذي انتقل إليه جاري الجديد و طفله غريب الأطوار قبل سبعة أيام.
هذا الطفل لا يتصرف كسائر الأطفال، دائماً ما أراه يحمل مجرفة صغيرة و يحفر هنا و هناك،
ظننتُ في البداية أنه مهووس بلعبة البحث عن الكنز، لكنه لم يكن يلعب!
و تبادر إلى ذهني إما أن يكون هذا الطفل مجنوناً أو به مس.
يذهلني إصراره؛ لا يكل و لا يمل، و عندما ينهكه الحفر يأخذ استراحة ثم يستأنف عمله،
لم يكن لديه وقت ليلعب أو يركض مع الأطفال و كأنه حرّم ذلك على نفسه أو تزوج بالأرض،
بل لعله وُلدَ ليحفر حتى سطَّّر الأرض حول منزله بمجرفته!
ذات يوم تعرّض والده المكلوم- الذي اتخذ هو الآخر من الحزن كسوة- للتوبيخ بسببه؛
و ذلك عندما وصل تنقيب صغيره إلى حدود حديقة جاري علّام ذلك الواقع في حب حديقته،
أُسقِطَ في يد الوالد المسكين و اعتذرَ مراراً، ثم أخذ طفله بعد أن عنّفه بشدة.
ظننتُ أنه سيعدل عن الحفر بعد ما حلَّ عليه من حنق والده و نقمته، لكنه لم يفعل!
في ذلك اليوم أنبّأني وجه والده الكئيب أن لهذا الطفل حكاية عليّ أن أسمعه يرويها.
تمتمتُ لنفسي و أنا أحكم ربطة عنقي و أستعد للذهاب إلى عملي "يبدو أنه لم يستيقظ بعد، فحملة التنقيب لم تبدأ و محيط منزله لا يزال نائماً."
و في طريق عودتي إلى المنزل رأيته على حالته المعتادة كما توقعت؛ كان يسند ذقنه على يديه القابضة على طرف المجرفة،
و وجهه القرمزي يتصببُ عرقاً و هو يلتقط أنفاسه بتتابع... هذه هي هيئته عندما يأخذ استراحة،
و بعد دقائق ينهض و يعاود عمله كرجل مجتهد؛ دؤوب على عمله.
تأملته حتى رفع مجرفته و عاد ليحفر، ثم تطاولت رقبتي على سور منزلهم الأبيض القصير و سألته بفضول: عمَّ تبحث؟
التفت إليَّ و قد انتبه لوجودي لتوه، فغر فاه للحظات جعلتني ألاحظ-لأول مرة- ذلك الدمع المترقرق في عينيه،
ثم أجابني إجابة قصم بها ظهري و أخرس بها أحرفي: اشتقتُ لِأمي؛ لقد دفنوها في مكانٍ ما تحت الأرض.
تسمّرتُ في مكاني؛ ففي تلك اللحظة غاب كل شيء عن الوجود أمامي إلا هذا الطفل و مجرفته و كلماته التي قالها لترتد محدثةً صدىً في أذنيَّ.
ببراءة الدنيا عاد لعمله و كأن لا عجب أو غرابة فيما قاله، بل لعله لا يملك وقتاً يضيعه في تأمل دهشتي.
سرت في جسدي قشعريرة و انتابتني رغبة في البكاء. أشفقتُ عليه كثيراً، ثم خطرت ببالي فكرة.
اعتقدتُ أنها ستردعه عن فعله أو تقنعه بالعدول عن قراره الصارم هذا، فقلتُُ له: ألا تخشى أن تؤذي جسدها بهذه المجرفة؟
جفل و انتفض كمن مسّه تيار كهربائي، حدّق بي، ثم تأمل المجرفة في يده و ارتجفت شفتاه من هول الصورة التي تخيّلها.
قذف بالمجرفة خلفه و ظننتُ أنني نجحتُ و انتشلته مما هو فيه، لكنني عجبتُ منه إذ خرّ إلى الأرض و شمّر عن ساعديه.
توجستُ مما هو عازم على فعله و هتفتُ به: ماذا بك؟
نظر إليّ و قال فيما يشبه الهمس: سأحفر بيدي!
و منذُ ذلك الحين ما زال يحفر...
اقتباس:
مرة أخرى جئتكم بقصة جديدة صادفتها في طريقي ولما وجدت فيها قيمة عظيمة
أحببت أن أشارككم إياها
إنها قصة قصيرة
http://www.djelfa.info/vb/images/icons/b9.gif و مـــا زال يحــــفر
***
http://filaty.com/i/alpha/7a/7a9d644ec9f94d6fdb84586a10644a29
فتحتُ عينيَّ مع شروق الصبح، و أول ما وقع عليه بصري-كالعادة- نافذة غرفتي المقابلة لسريري،
و التي اخترقتها أشعة الشمس،كقطعة حلوى تتلون أمام عين طفل، لتغريه بالمجيء إليها.
استنشقتُ نسيم الصبح و هرعتُ إلى نافذتي، فهذه الأنسام الصباحية تعادل بالنسبة لي فنجان قهوة لرجل سويسري يُدمنُ قهوة الصباح البرازيلية.
ألقيتُ نظرة على كل ما تطل عليه نافذتي؛ لأرى كيف تدبُّ الحياة في شرايين هذه الأرض التي سكنت ليلاً، و كيف تحلِّقُ الطيور كأنها تُحيي الجميع.
يبدو أنه سيكون يوماً مشمساً كسابقه؛ ها هو العم سعد يفتح متجر المؤن الصغير، و بالقرب منه ينزل العم كامل العجوز دافعاً عربته في اتجاه سوق الخضر البعيد
... و من أبعد المنازل عن نافذتي أستطيع أن أرى ابن خالد ذلك الشقي الذي يخطف قبعة أخيه و يركض نحو المدرسة ليلحق به الآخر متوعداً،
ثم يتعلق بصري أخيراً بهذا المنزل الصغير الواقع أسفل نافذتي الذي انتقل إليه جاري الجديد و طفله غريب الأطوار قبل سبعة أيام.
هذا الطفل لا يتصرف كسائر الأطفال، دائماً ما أراه يحمل مجرفة صغيرة و يحفر هنا و هناك،
ظننتُ في البداية أنه مهووس بلعبة البحث عن الكنز، لكنه لم يكن يلعب!
و تبادر إلى ذهني إما أن يكون هذا الطفل مجنوناً أو به مس.
يذهلني إصراره؛ لا يكل و لا يمل، و عندما ينهكه الحفر يأخذ استراحة ثم يستأنف عمله،
لم يكن لديه وقت ليلعب أو يركض مع الأطفال و كأنه حرّم ذلك على نفسه أو تزوج بالأرض،
بل لعله وُلدَ ليحفر حتى سطَّّر الأرض حول منزله بمجرفته!
ذات يوم تعرّض والده المكلوم- الذي اتخذ هو الآخر من الحزن كسوة- للتوبيخ بسببه؛
و ذلك عندما وصل تنقيب صغيره إلى حدود حديقة جاري علّام ذلك الواقع في حب حديقته،
أُسقِطَ في يد الوالد المسكين و اعتذرَ مراراً، ثم أخذ طفله بعد أن عنّفه بشدة.
ظننتُ أنه سيعدل عن الحفر بعد ما حلَّ عليه من حنق والده و نقمته، لكنه لم يفعل!
في ذلك اليوم أنبّأني وجه والده الكئيب أن لهذا الطفل حكاية عليّ أن أسمعه يرويها.
تمتمتُ لنفسي و أنا أحكم ربطة عنقي و أستعد للذهاب إلى عملي "يبدو أنه لم يستيقظ بعد، فحملة التنقيب لم تبدأ و محيط منزله لا يزال نائماً."
و في طريق عودتي إلى المنزل رأيته على حالته المعتادة كما توقعت؛ كان يسند ذقنه على يديه القابضة على طرف المجرفة،
و وجهه القرمزي يتصببُ عرقاً و هو يلتقط أنفاسه بتتابع... هذه هي هيئته عندما يأخذ استراحة،
و بعد دقائق ينهض و يعاود عمله كرجل مجتهد؛ دؤوب على عمله.
تأملته حتى رفع مجرفته و عاد ليحفر، ثم تطاولت رقبتي على سور منزلهم الأبيض القصير و سألته بفضول: عمَّ تبحث؟
التفت إليَّ و قد انتبه لوجودي لتوه، فغر فاه للحظات جعلتني ألاحظ-لأول مرة- ذلك الدمع المترقرق في عينيه،
ثم أجابني إجابة قصم بها ظهري و أخرس بها أحرفي: اشتقتُ لِأمي؛ لقد دفنوها في مكانٍ ما تحت الأرض.
تسمّرتُ في مكاني؛ ففي تلك اللحظة غاب كل شيء عن الوجود أمامي إلا هذا الطفل و مجرفته و كلماته التي قالها لترتد محدثةً صدىً في أذنيَّ.
ببراءة الدنيا عاد لعمله و كأن لا عجب أو غرابة فيما قاله، بل لعله لا يملك وقتاً يضيعه في تأمل دهشتي.
سرت في جسدي قشعريرة و انتابتني رغبة في البكاء. أشفقتُ عليه كثيراً، ثم خطرت ببالي فكرة.
اعتقدتُ أنها ستردعه عن فعله أو تقنعه بالعدول عن قراره الصارم هذا، فقلتُُ له: ألا تخشى أن تؤذي جسدها بهذه المجرفة؟
جفل و انتفض كمن مسّه تيار كهربائي، حدّق بي، ثم تأمل المجرفة في يده و ارتجفت شفتاه من هول الصورة التي تخيّلها.
قذف بالمجرفة خلفه و ظننتُ أنني نجحتُ و انتشلته مما هو فيه، لكنني عجبتُ منه إذ خرّ إلى الأرض و شمّر عن ساعديه.
توجستُ مما هو عازم على فعله و هتفتُ به: ماذا بك؟
نظر إليّ و قال فيما يشبه الهمس: سأحفر بيدي!
و منذُ ذلك الحين ما زال يحفر...