rss
08-01-2016, 08:19 AM
من آية : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ ...........)
ومن قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، فجاء العطف بالواو ، وثم أخرى محذوفة فهي واو قسم محذوف دلت عليه لام الشرط أو لام الابتداء على تقدير : وَوَاللهِ لَئِنْ أَتَيْتَ الذين أوتوا الكتاب ، وَثَمَّ شَرْطٌ تَلَا القسم ، وقد حُدَّ على جهة الْقِلَّةِ فلا يَقَعُ إلا نَادِرًا ، فتلك دلالة "إن" الشرطية في اللسان ، وَالنَّادِرُ هنا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المعدوم ، فلا يؤمنون أبدا ، فحسن أن يَرِدَ الشرط على هذا الحد مَئِنَّةً من الْقِلَّةِ التي تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العدم كما في قوله تعالى : (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، فلا يؤمنون أبدا بقرينة ما تقدم من لعنهم بسبب كفرهم ، فالباء مئنة من السببية ، ولا تخلو من معنى ال**احبة فاللعن يصاحبهم ويلازمهم ملازمة الكفر لأعيانهم فلا ينفك يقترن بها إذ هو من الوصف المعنوي الذي يقوم بالذات ، فإذا فارقوه وآمنوا فارقهم الحكم فهو يدور مع الوصف وجودا وعدما ، فيدور حكم اللعن مع وصف الكفر وجودا وعدما .
وذلك ، عند التدبر والنظر ، من قدر التكوين النافذ ، فإن الله ، جل وعلا ، قد طبع القلوب على أنحاء وأوجه ، فلكلٍّ قلب يَنْظُرُ وَيَتَدَبَّرُ ، ولكل قلب من الخصائص ما يخالف الآخر ، فهو يقبل من آثار التصور والإرادة ما لا يقبل غيره ، فالقلوب أوعية قَدْ فَطَرَهَا رب الخليقة ، تبارك وتعالى ، أن تَقْبَلَ من آثار الوحي والشريعة أو تَرُدَّ منها بقدر ما جُبِلَتْ عليه من صلاح أو فساد ، فالقياس يطرد وينعكس ، فَثَمَّ من القلوب ما صَلُحَ فهو يقبل من آثار الوحي ما به يغتذي الغذاء النافع ، وهو ، مع ذلك يَتَفَاوَتُ ، فَيَتَفَاوَتُ الغذاء فمنه غذاء العلم ، ومنه غذاء العمل ، فمنه التصور الأول فهو المبدأ ، ومنه الحكم التَّالِي فهو الْمُنْتَهَى ، والحكم منه ما بَطَنَ من إرادة ، وما ظهر من قول أو عمل ، من فعل أو تَرْكٍ ، على وجه يجعل حقيقة العلم والتصديق ، إن تصورها الرشيد ، حقيقة تعم جميع أجزاء الاختيار ، من ميل باطن ينشأ من تصور حَسُنَ أو قَبُحَ فيكون منه الحب والبغض ، وَبَعْدَهَا تَظْهَرُ الآثار في الأقوال والأعمال ، وَتَتَفَاوَتُ القلوب ، من وجه آخر ، فهي أوعية تحمل من الخير أو الشر بقدرها ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له ، فيكون التفاوت في الصلاح ، فثم صالح وثم أصلح ، وَكُلَّمَا استمد الناظر مادة النظر والاستدلال من الوحي كان أصلح في التصور والحكم ، فإن الصادر من الجوارح فَرْعٌ عن الوارد من الأدلة والشواهد فِإِنْ صَحَّ الوارد اغْتَذَى القلب غذاءً يَنْفَعُهُ فحصل له من الخير ما يُسْعِدُهُ في الأولى وَيُنْجِيهِ في الآخرة ، وإن فَسَدَ الوارد فَسَدَ التصور والحكم فكانت الجناية العظمى التي تُهْلِكُ صاحبها في الأولى والثانية ، فَعَيْشُهُ في الدنيا ضنك وعاقبته في الآخرة خُسْرٌ ، فكل محل يقبل من الأسباب ما لا يقبل الآخر تبعا لاختلاف الحقائق والأوصاف ، فيحصل التفاوت من هذا الوجه ، إن في الدرجات إيمانا أو الدركات كفرانا ، فثم إيمان يتفاوت فدرجاته بعضها فوق بعض ، فَيَزِيدُ الإيمان وَيَنْقُصُ ، إن في الباطن فالعقد يَرْسُخُ بمطالعة ألفاظ الأدلة ومعالجة وجوه الاستدلال ، فيدرك من معاني الخير إثباتا ونفيا ما لا يدرك من آمن تقليدا ، وَإِنْ صَحَّ إيمانه في الجملة إلا أنه ، بَدَاهَةً ، لا يعدل إيمان الناظر المحقق الذي آمن إيمان الفطنة لا إيمان الصدفة ، كما يطلق عليه بعض من كتب في هذا الأمر ، فعالج من أسباب النظر والاستدلال ما لم يعالج المقلِّدُ ، فعنده من العلم ما رفع قدره ودرجته ، فـ : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، فَنُكِّرَتْ الدرجات مئنة من النَّوْعِيَّةِ ومئنة من الكثرة والتَّفَاوُتِ فبعضها فوق بعض حاصل ، ومئنة من التعظيم ، في نفس الآن ، فهي درجات علم وتحقيق وذلك ما يمدح في القياس الصريح ، فقد أجمع العقلاء إلا من شذ من المسفسطة والمجانين أن العلم مناط مدح ، وأن الجهل ، في المقابل ، مناط ذم ، فالقياس يطرد وينعكس ، فدرجات العلم عظمى ، ودركات الجهل صغرى ، ودرجات العلم تَتَفَاوَتُ فَثَمَّ من يحفظ ولا يفقه ، فلا آلة نظر واستدلال عنده بها يستنبط ما خفي من المعاني الثانوية اللطيفة فيقتصر على درك المعاني الأولية الجلية التي يدركها كل ناظر ، بادي الرأي ، وثم من يحفظ ويفقه فقها لا يبلغ درجة الاجتهاد المطلق ، وإنما يجتهد أن يرجح ، فثم اجتهاد الانتقاء والاختيار من الأقوال ، كما اصطلح عليه بعض أهل الأصول ، فهو يَنْتَقِي من الأقوال ما هو أَقْرَبُ إلى نصوص الأدلة وروح الشريعة لا على وجه يفضي إلى إهدار الأحكام بذريعة التيسير ! ، فذلك من تَتَبُّعِ الرخص المذموم فليست رخص الشرع وإنما هي زلات المجتهدين والمفتين مع أنه قد يُحَمِّلُ الفتوى ما لا تحتمل فيكون مناطها خاصا على وجه قد يبلغ بها حد الواقعة العينية فإذا به يوسع الأمر ويزيد في الحد حتى يبلغ به حد العموم المستغرق فاستدل بلفظ المجتهد ولم يَرْعَ قصده في الفتيا فهو يشبه من تمثل صورة عابد في عبادته دون أن يقوم بقلبه من معاني العبودية ما قام بقلب الأول فَشَابَهَهُ في الصورة دون الحقيقة فما أغنت عنه صورة الظاهر شيئا إذ لم يوافقه في حقيقة الباطن والقصد وعليها مدار الأمر ! ، فيكون الانتقاء ، في هذه الحال ، انتقاء الهوى أن يختار من الأقوال ما يوافق هواه فلا يكون مستنده في الترجيح ما اصطلح عليه أهل التحقيق من طَرَائِقِ الاستنباط ووجوه الترجيح بين الأخبار رواية ودراية ، فثم ما اصطلح عليه أهل النظر من ترجيح بين الأخبار ، فَثَمَّ صحيح وحسن وضعيف ، وهي في نفسها تَتَفَاوَتُ ، فالصحيح درجات ، إذ بعضه أصح من بعض ، فَيُقَدَّمُ الأصح على الصحيح ، وإن كان كلاهما أهلا للاستدلال الناصح ، وإن خالف في ذلك من خالف ، من أهل الكلام ، إذ قصروا الاستدلال في الإلهيات والغيبيات على ما تواتر من الكتاب والخبر ، وَرَدُّوا ما كان آحادا وإن صح إسناده ، فهو أهل أن يحتج به إن في الخبر أو في الحكم ، إن في العلم أو في العمل ، فحصل التفريق بلا دليل على وجه يخالف قياس العقل الصريح ، فإنه يقضي أن يسوى بين نصوص الشرع ، فما صح فهو أهل أن يستدل به في جميع الأبواب لا في باب دون آخر ، فذلك من التفريق بين المتماثل ! ، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون الصحيح حجة في الصلاة والزكاة ولا يكون حجة في الأسماء والصفات ، فَيُنْتَفَعُ بدرجات الصحيح ، في الترجيح ، فبعضها أصح من بعض ، كما تقدم ، وقياس العقل الصريح أن يقدم الأصح على الصحيح إن كان كلاهما نصا في محل النزاع ، فقد يكون الصحيح الأدنى نصا في محل النزاع أو أقرب في الدلالة من الأصح الأعلى ، فهو نص ، كما تقدم ، والأصح ظاهر ، فيقدم النص الصحيح على الظاهر الأصح ، وإن كان دليل النص في الصحة دون دليل الظاهر ، ما لم يبلغ حد الضعف أو الكذب ، بداهة ، فالضعيف ليس بحجة إلا إذا كان ضعفه محتملا فينجبر بآخر مثله على وجه يَبْلُغُ به حد ا***ن ، وا***ن ، في الجملة ، مناط احتجاج صحيح ، وإن كان دون الصحيح إلا أنه قد يُقَدَّمُ ، من وجه يدق ، إن كان أدل على المطلوب ، فقد أُمِنَ الضعفُ ، فا***ن ، من وجه آخر ، نوع من الصحيح ، وإن كان أدنى أنواعه ، إلا أن وصف الصحة والقبول له يثبت على وجه يجعله كالصحيح حجة إلا إذا صير إلى الترجيح فيقدم الصحيح ، وذلك ، كما تقدم ، إن استوت الدلالة فكان كلاهما نصا في محل النزاع ، أو ظاهرا أو مفسرا أو محكما ..... إلخ فتساويا في الدلالة اللفظية ، خلاف ما لو كان أحدهما أدل على المطلوب فيقدم في الاستدلال ، وإن كان الأدنى في الصحة ، ما لم يبلغ حد الضعف ، كما تقدم ، فلفظ ا***ن إن كان نصا يقدم على لفظ الصحيح إن كان ظاهرا يحتمل لا سيما إن ضعف وجه الاستدلال فكان بعيدا يفتقر إلى القرائن ما لا يفتقر الظاهر القريب ، فكلما دق وجه التأويل على وجه يقدم فيه البعيد على القريب ، والخفي على المتبادر ، والمرجوح على الراجح ، كلما دق وجه التأويل كان افتقاره إلى القرينة أقوى ، ولفظ ا***ن إن كان مفسرا فهو يقدم على نص الصحيح إن كان نصا ، ولفظ ا***ن إن كان محكما فهو يقدم على لفظ الصحيح إن كان مفسَّرًا ، والمتأخر الناسخ يقدم على المتقدم المنسوخ ، إن تعذر الجمع وَعُلِمَ زَمَنَ الورود ، فيقدم الناسخ ما كان إسناده صحيحا مقبولا وإن كان دون الأصح الأعلى ، يقدم على المنسوخ المتقدم وإن كان دليله أصح ، فدلالة المتأخر على المطلوب أخص ، فذلك يجري مجرى التعارض بين العام والخاص ، لا سيما على قول من ينكر النسخ ، فهو عنده يجري مجرى التخصيص في الأزمان ، فخص زمن تقدم بإباحة ثم ورد الدليل الناسخ فخص زمن تأخر بحظر ، أو العكس ، وَثَمَّ ، من المحققين من أصحاب المذاهب المتبوعة ، ثَمَّ من رجح بالنظر في الإسناد ، فقدم الأصح أو الأكثر طرقا ، وإن تقدم ، على ما هو دونه في الصحة وتعدد الطرق ، وإن تأخر ، وكان صحيحا في الجملة ، فأرجع الأمر إلى الترجيح بَيْنِ الطرق وَأَخَّرَ النظر في الألفاظ ، وإن كان الجميع صحيحا إلا أنه لا ينظر ابتداء إلا في الصحة ، فيرجح الأصح وإن كان دون الصحيح في الدلالة ، فدلالة الناسخ أقوى من دلالة المنسوخ ، ودلالة المتأخر إن صح أقوى من دلالة المتقدم وإن كان أصح ، فالمنسوخ يجري مجرى المتشابه الذي يرد إلى المحكم من الناسخ المتأخر ، وذلك أمر ينشعب على وجه لا تكاد فروعه تحصى وفيها من اللطف والدقة مع إحكامٍ يوافق صريح العقل والنظر ، فيها من ذلك ما يَعْجَبُ الناظر فيه من دقة أهل الشأن إن في تحرير الألفاظ صحة وضعفا ، أو في تحرير المعاني نصا وظاهرا ..... إلخ ، فالصحيح درجات فيقدم الأصح على الصحيح ما لم ترد قرينة تعرض للمفوق فتجعله فائقا راجحا ، كما نوه بعض المحققين من أهل الشأن ، فحديث الصحيحين أصح ، ولكن قد يوجد خارجهما ما هو أصح ، *** يشترطا جمع الصحيح كله فقد يفوتهما في باب ما هو على شرطهما الأصح ، فيوردان الصحيح ، وَيَرِدُ الأصح ، في المقابل ، في كتاب آخر ، فيقدم على حديثهما من هذا الوجه ، بالنظر في معيار محكم يقدم على درجة الكتاب في الجملة فقد يكون الكتاب في الجملة أصح وأعلى رتبة ، ولكن ثم في ثَنَايَاهُ خبر لا يبلغ درجة الصحة العليا التي اشترطها ال**نف ، فيكون الخبر عند غيره بإسناد أصح فيقدم من هذا الوجه ، وإن كان الكتاب الأول في الجملة أصح من الكتاب الثاني ، وذلك ، أيضا ، من النظر الذي يَدِقُّ ، فلا يحكم بادي الرأي على خبر أنه أصح إذ ورد في كتاب أصح فقد يعرض للمفوق المرجوح ، كما تقدم ، ما يجعله فائقا راجحا ، فنظر الجملة يخالف نظر التفصيل ، فَفِي التَّفْصِيلِ تَرَى من الاختلاف ما لا تَرَى في نظر الجملة ، فهو يفتقر في كل موضع إلى نظر أخص ، وإن كان دليل الجملة في الترجيح دليلا معتبرا فالظاهر تَقَدُّمُ خبرِ الصحيحين مطلقا ، فذلك أصل يستصحب يجري مجرى التغليب فهو كالظاهر المحتمل راجحا أعلى يظهر بادي الرأي مع احتماله ضدا مرجوحا لا يتعين ال**ير إليه ، بادي الرأي ، حتى ترد قرينة من خارج فهي معنى زائد يصير المرجوح من الراجح فيقدم في هذا الموضع بعينه لقرينة صحيحة أوجبت العدول عن الأصل المستصحب وهو تقديم الراجح المتبادر على المرجوح الذي لا يَتَبَادَرُ ، فجاءت القرينة الخاصة تشهد للمرجوح في هذا الموضع بعينه فَتَعَيَّنَ تقديمه إذ صار راجحا فائقا ، والصحيح ، من وجه آخر ، ينقسم ، فَمِنْهُ صحيح لذاته استوفى شرائط الصحة ابتداء فلا يفتقر إلى طريق آخر يعضده ، فراويه عدل تام الضبط ، وإسناده قد اتصل وسلم من الشذوذ فلا يخالف رَاوِيهِ من هو أوثق أو أكثر عددا ، وسلم من العلة القادحة التي تخفى فلا تظهر ، بادي الرأي ، لكل ناظر ، فيجتهد المحقق أن يحرر الخبر إسنادا وَمَتْنًا من أسباب الاضطراب والضعف ، فَثَمَّ عِلَلٌ تخفى فلا تظهر ، بادي الرأي ، وذلك ما لا يُحْسِنُهُ كل أحد فلا يحسن يحرر هذه المواضع إلا خَبِيرٌ مُحَقِّقٌ ، فلا يُسَلَّمُ لخبر أنه صحيح إلا بعد التفتيش في إسناده ومتنه فالحكم على ظاهر الإسناد حكما أعم باتصال الإسناد لا يجزئ في الحكم بالصحة الاصطلاحية الأخص ، فقد يكون ثم انقطاع يخفى كما في المرسل الخفي ، فالانقطاع فيه يخفى إذ ثم تعاصر بين الرواي وَمَنْ علاه في الإسناد مع رواية تحتمل لا تصريح فيها بالتحديث ، فتكون الرواية بالعنعنة أو الأنأنة ..... إلخ من الصيغ المحتملة ولا يعلم للراوي تدليس ، فيكون من المرسل الخفي ، وانتفاء شبهة التدليس يجعل الأمر أعوص ، فلو كان مدلسا وروى بالعنعنة لظهر الأمر ووجب التوقف حتى ترد طريق أخرى فيها تصريح بالتحديث أو طريق أخرى تعضد هذه الطريق فضعفها يحتمل ، إذ المدلس من الضعيف المنجبر فإذا ورد من طريق أخرى فيها التصريح بالتحديث ، وصح إسنادها ، ارتفع الإشكال وارتقى الخبر إلى درجة الصحيح ، وإن ورد من طريق أخرى تعضد هذه الطريق كالضعيف المنجبر إذا تعددت طرقه فهو يرقى إلى رتبة الاحتجاج فيصير من ا***ن لغيره ، فأصله ضعيف ينجبر ضعفه فهو مما يحتمل ، ***ا تعددت طرقه بلغت به درجة ا***ن ، وإن كان دون ا***ن لذاته ، فمثله في ذلك كمثل الصحيح لذاته والصحيح لغيره ، فالصحيح لذاته يقدم على الصحيح لغيره ، وا***ن لذاته يقدم على ا***ن لغيره ، والصحيح لغيره حجة في نفسه فأدنى أحواله أن يكون حسنا ، بادي الرأي ، قد تعددت طرقه فارتقى إلى رتبة الصحة لقرينة من خارج ، وا***ن لغيره حجة كا***ن لذاته وإن كان دونه في الرتبة ، كما أن الصحيح لغيره دون الصحيح لذاته في الرتبة ، فالتفاوت في الأدلة ، كما تقدم ، ثابت ، وهو من وجوه الترجيح المعتبر ، فا***ن لغيره حجة وإن كان في الأصل ضعيفا ، إلا أن ضعفه مما يحتمل ، فليس شاذا أو منكرا أو متروكًا راويه مُتَّهَمٌ أو موضوعا راويه وضاع قد كذب .... إلخ من وجوه الضعف الشديد ، فكل أولئك مما لا يصلح ولو في الاعتبار فضلا أن يصلح في الاحتجاج ، كما ترى من صنائع بعض أهل الأهواء على وجه لا ينقضي منه العجب ، فهو يَرُدُّ دليل الآحاد الصحيح إذ لا يفيد اليقين ! ، وَتَرَاهُ في المقابل يستدل بضعيف أو موضوع ، بل ولعله لا يفقه يَمِيزُ الآية من الخبر ، وهو ، مع ذلك ، يقضي في الأخبار صحة وضعفا ، قبولا وردا ، ولو أفضى به الهوى أن يرد الصحيح ويقبل الضعيف ، فيحصل له من التخليط في الاستدلال والترجيح ما يخالف قياس العقل الصريح الذي يقضي بداهة بتقديم ما حقه التقديم من الصحيح وتأخير ما حقه التأخير من الضعيف ، فثم ، كما تقدم ، ضعيف يتفاوت ، فضعيف يحتمل ضعفه فيكاد يبلغ درجة ا***ن ، بل إن ا***ن في كلام أهل الشأن ، ممن تقدم من أهل التحقيق في الأخبار والآثار ، ا***ن في كلامهم يدخل في حد الضعيف وعليه يحمل احتجاج من احتج بالضعيف ، فقدمه على القياس ، كما اشتهر في مذهب أحمد ، رحمه الله ، فضعيف الحديث أحب إليه من القياس ، فلا يقصد ، بداهة ، الضعيف الذي اشتد ضعفه من الموضوع أو المكذوب أو المنكر أو الشاذ ، فكل أولئك مما لا يعتد به في الرواية ، فَهُوَ كَلَا رواية ، كما قرر أهل الشأن ، فلا يعتد به لا في الاعتبار فضلا عن الاحتجاج ، فليس كل ضعيف يعتبر ، بل لا بد أن يكون مما ينجبر فإذا انضم إليه ضعيف مثله أو أعلى منه في الرُّتْبَةِ وإن لم يخرج عن حد الضعف ، فإنه يعتضد به فيرقى إلى حد ا***ن ، فيكون من ا***ن لغيره ، والصحيح في الجملة يقدم على ا***ن ، ما لم يكن ا***ن أدل على المطلوب ، على تفصيل تقدم ، وا***ن في نفسه يَتَفَاوَتُ فبعضه أحسن من بعض ، كما أن الصحيح في نفسه يَتَفَاوَتُ فبعضه أصح من بعض ، وقل مثله في الضعيف فبعضه أضعف من بعض ، وذلك مما ينتفع به حال الترجيح بين الأدلة فهذا التفاوت بين درجات الخبر صحة وحسنا وضعفا ، والتفاوت الأخص في كل نوع ، فالصحيح وا***ن ، كما تقدم ، درجات بعضها فوق بعض ، والضعيف ، كما تقدم ، دركات بعضها دون بعض ، هذا التفاوت مما يدق فِي النَّظَرِ وبه يكون الترجيح حال التَّعَارُضِ وتعذر الجمع على وجه يَنْصَرِفُ إليه الذهن ، بادي الرأي ، فهو أولى إذ اعتبار الأدلة بالجمع أولى من إهدارها بالترجيح فهو يقضي باعتبار بعضها وإهمال بعض ، وقل مثله في التفاوت والترجيح بين وجوه الاستدلال فالألفاظ ، كما تقدم ، تَتَفَاوَتُ دلالتها على المعاني فبعضها أظهر من بعض ، وبعضها أخص من بعض ، وبعضها أدل على المطلوب من بعض فهي نص في محل النزاع ، وبعضها متشابه لا يزول إجماله إلا برده إلى محكمه ، وبعضها مجمل يفتقر إلى البيان ، سواء أكان الإجمال بغرابة لفظ تزول بالنظر في دلالات اللفظ في المعجم ، أم كان باشتراك فاللفظ يحتمل أكثر من وجه على سبيل البدل لا على سبيل الشمول فهي تختلف في دلالتها اختلافا ظاهرا فلا بد من قرينة من خارج تصرف المشترك إلى أحد الوجهين ، أو أحد الوجوه إن كان الاشتراك بين أكثر من مَعْنَيَيْنِ ، وقد ترجح القرينة ، من وجه آخر ، الجمع بين مَعْنَيَيْنِ أو أكثر من معاني المشترك فيصح حمله عليها جميعا في سياق واحد فَثَمَّ قرينة من خارج أوجبت العموم في دلالة المشترك .
والشاهد أن القلوب تتفاوت فهي أوعية تتراجح في السعة والفهم ، فبعضها أوسع من بعض فيحفظ ويفهم بعضٌ ما لا يحفظ ولا يفهم بعض آخر ، وثم التفاوت ، كما تقدم ، فثم من يحفظ ولا يفقه الفقه الدقيق فيقتصر على الظاهر المتبادر من الألفاظ ، وثم من يحفظ ويفقه فقها لا يبلغ درجة الاجتهاد المطلق ، فهو يُرَجِّحُ وَيَنْتَقِي لا على سبيل التشهي اتِّبَاعًا للهوى ، كما تجد من صنيع بعض أهل الأهواء فلا مستند لهم في الترجيح إلا الهوى فهو الذي يحسن ويقبح ، وهو الذي يضع معيار ال**الح والمفاسد ، وهو الذي يقضي فيها بالاعتبار أو الإلغاء ، وإن أفضى ذلك إلى اعتبار ما ألغاه الشرع ، أو إلغاء ما اعتبره فَيَحْتَجُّ ب**لحة متوهمة أن يَنْقُضَ أحكاما مُحَقَّقَةً ، فهو يخالف الوحي إن في مقاصدة الكلية أو أحكامه الجزئية فهواه أصل والوحي فرع ، ولا يرد الأصل ، بداهة ، بفرع ! ، وإنما غاية الفرع أن يستلحق بالأصل ، نافلة من القول تشهد ، فَلَيْسَ الوحي مناط الاحتجاج الأول ، وإنما هو شاهد يُعْتَبَرُ به نَافِلَةً بَعْدَ فريضة الهوى ! ، وهو ، كما تقدم ، مرارا ، مما حصل فيه التَّنَازُعُ من لدن أبى إبليس السجود فقدم هواه على محكم الوحي ، فَقَاسَ في مقابل النص الآمر بالسجود ، فأبى الانقياد لأمر الرب المعبود ، جل وعلا ، وذلك من شؤم القياس في مقابل النص ، فلا بد أن يكون الوحي هو الحاكم الآمر ، فهو الأصل الأول وما بعده فرع عنه ، فما يحصل في العقل من خواطر أو أقيسة هو من المتشابه الذي لا يقضى فيه باعتبار أو إلغاء إلا أن يُرَدَّ إلى المحكم من الوحي المنزَّل ، وذلك ، بداهة ، ما يأباه إبليس ويستكبر عنه ، ويأباه كل إبليس من الجن والإنس ، لا سيما في الأعصار المتأخرة ، إذ حجبت شمس النبوة بغيم كثيف من الوضع المحدث إن في الخبر أو في الحكم ، إن في العقد أو في الشرع أو في الأخلاق أو في السياسة ، فالوحي يَسْتَغْرِقُ كل اختيار يحصل إن في الْجِنَانِ تصورا أو في الأركانِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وثم ، في قسمة النظار من حملة هذا العلم ، ثَمَّ من بلغت درجته حد الاجتهاد المطلق ، فهو يزيد على المجتهد المرجِّح فَلَهُ من أهلية النظر والاستدلال أن يستنبط من النص بما أوتي من ملكة الحفظ والفقه ، فيدرك من طرائق الاستنباط ووجوه الأداء في اللسان ما يجعله أهلا للحكم والفتوى ، وإن لم يصب ، بداهة ، في كل قول ، فليس ذلك إلا لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيكون الخلاف بين المجتهدين ، إما الخلاف السائغ ، وإما الخلاف غير السائغ إن ضعف الدليل أو ضعف وجه الاستدلال ، ويعظم الخطب ، كما تقدم ، إن كان ثم هوى في النظر ، وإن خفي ، فقد يحصل لمجتهد من الهوى ما يحمله على ترجيح ما ليس بالراجح أو استنباط ما ليس بالناصح ، فيوجه دلالة اللفظ أن تشهد لما يهوى ، وذلك أمر يظهر فلا يخفى وجه التقصير والانحراف فيه ، لِقَرِينَةِ العصمة العامة أن تجمع الأمة على خطأ ، فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة في كل محال النِّزَاعِ العلمية والعملية ، وإن دقت وخفي وجه الحق فيها وذاع الباطل وفشا في أعصار درست فيها آثار النبوة أو كادت ، فحصل التَّنَازُعُ الذي قضت به سنة المدافعة بين الأضداد على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة في تَدْبِيرِ الكون فذلك من أعظم المنن من رب الخلق ، جل وعلا ، فهو الذي يدبر بالأمر والنهي ، إن في التشريع فالوحي قد جاء بأصدق خبر في الإثبات والنفي فهو يصحح التصور في الجنان فتحصل من قوة العلم ما تصح به الإرادة ، ومادتها العبادة وهي الاسم الجامع لما يحب ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال ، من الأفعال والتروك ، ما ظهر منها وما بطن ، فَبِهَا يصح الحكم في الخارج ، عم أو خص ، فَثَمَّ تدبير التشريع المحكم ، وثم ، في المقابل ، تدبير التكوين المتقن ، خلقا وإيجادا وإعدادا ، فالقلوب ، كما تقدم ، تَتَفَاوَتُ ، وكل إناء بما فيه ينضح ، من خير ينفع أو شر يقدح ، فَثَمَّ من ينضح إناء قلبه بعمل يَبْلُغُ به حد الأصل ، فيحصل له مطلق الإيمان ، من عقد تصديق وإقرار ، وإرادة قلب ترجح الانقياد في الجملة وإن فات صاحبها من القول والعمل ما يبلغ به حد الكمال الواجب ، فقد حصل له *** العمل دون استيفاء آحاده الواجبة فوقع منه الترك لا على وجه يوجب النقض للأصل بترك أعمال تركها ينقض أصل الدين ، فَثَمَّ موانع تحول بين القلب وبين أسباب الصلاح ، ما بطن منها من العقد وما ظهر من الشرع فكلها سبب في صلاح القلب ، فالظاهر يعضد الباطن ويؤيده فهو يشهد له ، من وجه ، ويزيد فيه ، من آخر ، فثم من الموانع ما يقدح في كمال الإيمان الواجب ، وثم منها ما يقدح في الأصل من نواقض الإيمان من الشرك والكفر والتكذيب ..... إلخ ، على وجه ينضح فيه القلب بمادة فساد تأتي على الأصل بالإبطال ، وذلك أعظم فساد ، وهو ، من وجه آخر ، من قضاء التكوين النافذ ، فَقَدْ جُبِلَ هذا القلب على الكفر والإعراض فلئن أَتَيْتَهُ بكل آية ما آمن ، كما في هذا الموضع ، فـ : (لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ) ، فذكر أهل الكتاب ، من هذا الوجه ، يجري مجرى التمثيل لعام بذكر بعض أفراده ، فهو يعم كل مُعْرِضٍ عن الحق فقد جُبِلَ قلبُه على بغضه ، وذلك من قدر التكوين المحكم إذ علم ، جل وعلا ، أزلا ، علم في هذا القلب فسادا عظيما ، فقدر المحل بالعلم الأول ألا يقبل آثار الحق المنزَّل ، فذلك موجب الحكمة ألا يقبل محل فاسد آثار الوحي الصالح ، ومع ذلك جاءت الرسل ، عليهم السلام ، بما يُقِيمُ الحجة فَبِهِ استبانت المحجة : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) ، فما ظلمه الرب ، جل وعلا ، شيئا ، إذ لم يمنعه حقا كان له بادي الرأي فذلك فضل الله ، جل وعلا ، يؤتيه من يشاء ، فإن أعطى ففضلا وإن منع فعدلا فلا يظلم ربك ، تبارك وتعالى ، أحدا ، فحكمة في إمداد كل محل بما يقبل من الأسباب ، على وجه يحصل به من تأويل سنة التَّدَافُعِ ما يستقيم به أمر هذا العالم ، فَثَمَّ القدرة والحكمة في الخلق والتدبير والتدافع ، ولا يستقيم الأمر إلا بذلك فأمر ونهي ، فثم من يؤمن وثم من يكفر وإن أوتي من الآيات ما أوتي ! ، فـ : (لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) ، فثم القسم المحذوف ، والقسم مئنة توكيد في اللفظ ، وثم الشرط وجوابه قد حذف لدلالة جواب القسم عليه : (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) ، والشرط ، أيضا ، مما يَتَقَرَّرُ به المعنى إذ ثم التلازم بين الشطرين ، الشرط والجزاء ، على وجه يواطئ صريح النظر والقياس ، وذكر أهل الكتاب ، كما تقدم ، خاص يجري مجرى التمثيل لعام ، وهو كل من أبى واستكبر أن يتبع الوحي المنزَّل فعارضه بالهوى أو الذوق ، ودلالة التغليب ، كما تقدم مرارا ، تستغرق كل مكلف ، فضمير الجمع المذكر يعم كل مكلف ، ذكرا كان أو أنثى ، شاهدا أو غائبا ، موجودا أو معدوما زمنَ الخطاب فضلا عن دلالة أعم بتوسيع المناط أن يستغرق كل مكذب لا المكذبين من أهل الكتاب فحسب ، وثم عموم آخر في : (بِكُلِّ آيَةٍ) ، والآية ، في هذا السياق ، تنصرف ، بادي الرأي ، إلى آية التكوين فوجه الإعجاز فيها مما يحصل به التحدي فيكون آكد في إقامة الحجة كما وقع لثمود وفرعون وكل من طلب آية في الكون تعجز ، فلا يؤمنون ، أبدا ، وإن أوتوا من الآيات ما أوتوا ، وقل مثله في كل جاحد مكذب قد طبع الرب الخالق المدبر ، جل وعلا ، على قلبه ، فلا يقبل آثار الحق ، أبدا ، وإن أتيته بكل آية ، والآية ، مع ذلك ، قد تُحْمَلُ على آية التشريع فلا يتبعونها وإن كان فيها من الصدق والعدل ما يحمل كل عاقل أن يخضع لها وينقاد فبها صلاح الحال والمآل ، فجاء الجواب : (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) ، عاما إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، والقبلة مئنة من الدين إذ التوجه إليها مئنة من كمال الانقياد والتسليم فذكرها ، أيضا ، يجري مجرى التمثيل لعام ، وهو الدين خبرا وحكما ، بخاص وهو قبلة الصلاة والدعاء ، ولا يخلو من دلالة تلازم بالنظر في معنى الانقياد إذ يتوجه الإنسان في الغالب إلى الشطر الذي يرضى ، فيكون ذلك من دلالة الظاهر ، إذ استقبل الوجهُ القبلةَ ، على الباطن إذ انقاد القلب وخضع لحكم الشرعة ، فاستقبال الظاهر القبلةَ مئنةٌ من استقبال القلب الشرعة فهي الحكم في كل أمر ، خبرا كان أو حكما ، فوحدها مناط التصديق والامتثال ، إذ جاءت بأصدق الأخبار وأعدل الأحكام ، ومن ثم جاءت المقابلة بشطر ثان : (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) ، وذلك من الخبر الذي يراد به الإنشاء على تقدير : فلا تتبع قبلتهم في أي أمر ، وإن دق ، على ما تقدم من عموم المعنى الذي يستغرق كافة أحكام الدين الخبرية والحكمية ، فضلا أنه إخبار بالحال ومقتضاها فاختلاف المرجع في العقد والشرع يوجب ، بداهة ، ألا يَتَّبِعَ المختلفون بَعْضَهُمْ بَعْضًا ، سواء أَخْتَلَفَتِ الملل فذلك أولى بعدم الاتباع ، أم كانوا في الجملة على ملة واحدة ، فجاء الشطر الثالث يستوفي أجزاء القسمة ، فـ : (مَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) ، فجاء النفي المؤكد بالباء الداخلة على الخبر "بتابع" ، وذلك اختلاف في القبلة تجد آثاره في اختلاف الأمم على طوائف وفرق ، ولم تسلم منه الأمة الخاتمة ، وإن كان خلافها دون خلاف الأمم المتقدمة ، فلئن كانت فرقها أكثر إلا أن أهل الحق فيها هم السواد الأعظم فضلا أن الحق فيها لم يضع كما ضاع في بقية الأمم ، فلا تخلو الأرض ، كما تقدم مرارا ، من قَائِمٍ لله ، جل وعلا ، بحجة ، ومن ثم جاء الوعيد بالنظر في تَقْرِيرِ الأحكام : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، وإن كان ذلك في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، من المحال ، لما تقرر مرارا من العصمة ، فهي عصمة من الشرك فهو أعظم الظلم ، فلا يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الظالمين الذين أشركوا وكفروا فاقترفوا من ناقض الدين أن اتبعوا أهواء الآخرين ، أيا كانت مللهم أو نحلهم أو طرائقهم في الفكر أو مذاهبهم في الشرع ، فالمعنى ، كما تقدم ، يعم ، فلا يستغرق السبب الخاص من أهل الكتاب الأول ، بل يعم كل مخالف للوحي مكذب ، وزد عليه عصمة تزيد من كل كبير أو صغير يقدح في المروءة والعدالة فذلك مما يَتَنَزَّهُ عنه آحاد العدول من عامة الأمة فكيف بسادة ولد آدم كافة من الرسل والأنبياء عليهم السلام ؟! ، وعموم الأهواء يستغرق جميع الأهواء إن في العقد أو في الشرع ، فيعم كل موارد التبديل في الأخبار بما يكون من التأويل الباطل سواء أقضى بنقض الدين فيكون الظلم في الآية هو الظلم الأكبر ، أم قضى بنقض كماله الواجب فهو تأويل يرفع الحكم ولا يرفع الإثم ، فيكون الظلم ختامَ الآية هو الظلم الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، وَقُلْ مثله في أهواء التشريع فقد يكون ذلك بمخالفة مناط ، عصيانا لا استباحة ، *** يُبَدِّلِ المناط وإنما تقصد مخالفته لا على جهة الاستباحة أو الاستهزاء ، فذلك الظلم الأصغر ، وقد يكون الهوى في هذا الباب بتعطيل المناط واستبدال المناط المحدث به ، ولو في حكم واحد فذلك مما ينقض أصل الدين وإن اقر بعصيانه فذلك من الناقض العملي الذي لا يشترط فيه الاستحلال الباطن ، فيكون الظلم ختامَ الآية هو الظلم الأكبر ، فكيف بمن عطل الأصل كله *** يَعُدْ الوحي حكما لا في أصل ولا في فرع وإن وافقه الحاكم فَعَرَضًا أو انتقاء لبعض الأحكام دون بعض فمرجعه في القضاء والفتيا الهوى الذي يقضي في الوحي ، فإذا استحسن بعضه آمن به ، وإذا استقبح آخر كفر به ، على وجه يوجب ، كما تقدم مرارا ، الإنكار ففيه مخالفة لقياس العقل الصريح الذي يقضي بالتسوية بين المتماثل فلا يقبل بعض ويرد آخر والجميع من عند الرب ، جل وعلا ، قد نزل ، فذلك مما أنكره التَّنْزِيلُ ووبخ فاعله في قوله تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) .
فجاء ختام الآية يَتَوَعَّدُ على وجه يعم فأطلق الفعل وهو الاتباع ، فأي اتباع لأهوائهم ، وقد عم لفظها ، أيضا ، بالإضافة في "أَهْوَاءَهُمْ" ، أي اتباع لها يلحق صاحبه بقبيل الظالمين ، وذلك مورد وعيد يحسن فيه التوكيد إمعانا في التحذير ، فجاء التوكيد بالقسم المقدر في : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، وهو يجري مجرى العطف للسبب على المسبَّب فسبب النهي عن اتباع أهوائهم أن ذلك يلحق صاحبه بقبيل الظالمين ، فيكون الختام جوابا لسؤال دل عليه السياق اقتضاء إذ : ما علة النهي عن اتباع أهوائهم ، فجاء الجواب مؤكدا بالقسم ، كما تقدم ، فضلا عن دلالة التلازم بين الشرط وجوابه المحذوف لدلالة جواب القسم عليه ، وثم احتراز في الشرط يَنْفِي العذر بالجهل فذلك من الإطناب احترازا في : (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، ودلالة "العلم" تعم فهي تستغرق كل موارد الوحي من الكتاب أو الخبر ، فكلها من عند الرب ، جل وعلا ، فهي من وصفه ، إذ الوحي كله من كلمه الشرعي الحاكم فاستدل من استدل من المحققين بهذه الآية أن القرآن غير مخلوق إذ يدخل في حد العلم فدلالة "أل" في "العلم" إما أن تعم فهي ال***ية المبينة للماهية في الذهن الاستغراقية لآحادها في الخارج ، فتستغرق علم التكوين وعلم التشريع معا ، وإما أن تكون مئنة من العهد لقرينة السياق فقد جاء النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمُ التشريع من الخبر والحكم ، والتنزيل على كلا الوجهين من علم الله ، جل وعلا ، وعلمه ، بداهة ، غير مخلوق ، فيكون القرآن ، من هذا الوجه ، غير مخلوق ، إذ هو من العلم غير المخلوق ، فذلك من الاحتراز بما ينفي العذر فكل من بلغته الرسالة على حد صحيح صريح فسمع اللفظ وأدرك من معناه ما يجزئ في قيام الحجة ، كل من كانت تلك حاله فلا عذر له إن خالف ، وثم توكيد في جواب القسم : (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، ثَمَّ توكيد بالناسخ المؤكد ، و "إِذًا" واللام الداخلة على خبر الناسخ "لَمِنَ الظالمين" إذ زحلقت فتأخرت لئلا يصدر الكلام بمؤكدين فذلك مما يثقل في النطق فتأخر أحدهما استصلاحا للفظ ، وزد عليه دلالة "من" ، وهي مئنة من بيان ال*** ، فكأنه من معدن الظلم نفسه فذلك آكد من قولك في غير التنزيل : إنك إذا لظالم ، وثم استغراق في لفظ "الظالمين" ، بحمل "أل" على الاستغراق لأعيان الظالمين أو الاستغراق لأوصاف الظلم وذلك آكد في الذم ، وقد تحمل "أل" على الوصل ، فيكون الاسم المشتق "ظالمين" صلتها ، فذلك يفيد بالقياس الصريح إناطة حكم الظلم بالوصف الذي تقدم صدر الشرط وهو اتباع أهوائهم ، وذلك ، مما يتفاوت ، كما تقدم ، فيحتمل الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، والظلم الأصغر الناقض لكماله الواجب ، وإن كانت قرائن السياق واللفظ من جهة الاستغراق للأعيان والأوصاف فضلا عن دلالة الإطلاق إذ تنصرف ألقاب الظلم والكفر ..... إلخ في باب الأسماء والأحكام ، تنصرف ، بادي الرأي ، إلى المعنى الأكبر ما لم تَرِدْ قَرِينَةٌ تصرفها إلى المعنى الأصغر ، ولا قرينة هنا بل القرينة تشهد لمعنى الظلم الأكبر أن أنيط الأمر بأهل الكتاب وهم كفار بالإجماع بعد ورود الشرع الخاتم وكفرهم به حسدا من عند أنفسهم وهوى يفرق بين المتماثل من الوحي النازل إذ آمنوا ببعضه ولم يؤمنوا ببعض ، وذلك ، كما تقدم ، معنى يعم كل من فَرَّقَ بين الوحي فجعله عضين فهو يؤمن بما يوافق هواه ويكفر بما لم يوافقه ! ، وتلك آفة العقل إذا رام التصدر والقضاء في الوحي المنزَّل فأبى استكبارا أن يكون خاضعا للوحي منقادا له في كل أمره خبرا وحكما ، شرعا وسياسة وَخُلُقًا ورياضة ..... إلخ ، فكل أولئك مما يرشح دلالة الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين وإن احتمل الظلم الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، على وجه تقدم ، فيصح من هذا الوجه أن يكون اللفظ مشتركا يحتمل وجهين فيحمل عليهما إذ يحتملهما ولو رَجَحَ أحدهما الآخر ، فلا يوجب ذلك رد الآخر إن احتمله اللفظ على وجه صحيح في النظر بلا تكلف أو تعسف في الاستدلال لا سيما على قول من يجوز العموم في دلالة المشترك .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، فجاء العطف بالواو ، وثم أخرى محذوفة فهي واو قسم محذوف دلت عليه لام الشرط أو لام الابتداء على تقدير : وَوَاللهِ لَئِنْ أَتَيْتَ الذين أوتوا الكتاب ، وَثَمَّ شَرْطٌ تَلَا القسم ، وقد حُدَّ على جهة الْقِلَّةِ فلا يَقَعُ إلا نَادِرًا ، فتلك دلالة "إن" الشرطية في اللسان ، وَالنَّادِرُ هنا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ المعدوم ، فلا يؤمنون أبدا ، فحسن أن يَرِدَ الشرط على هذا الحد مَئِنَّةً من الْقِلَّةِ التي تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ العدم كما في قوله تعالى : (وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، فلا يؤمنون أبدا بقرينة ما تقدم من لعنهم بسبب كفرهم ، فالباء مئنة من السببية ، ولا تخلو من معنى ال**احبة فاللعن يصاحبهم ويلازمهم ملازمة الكفر لأعيانهم فلا ينفك يقترن بها إذ هو من الوصف المعنوي الذي يقوم بالذات ، فإذا فارقوه وآمنوا فارقهم الحكم فهو يدور مع الوصف وجودا وعدما ، فيدور حكم اللعن مع وصف الكفر وجودا وعدما .
وذلك ، عند التدبر والنظر ، من قدر التكوين النافذ ، فإن الله ، جل وعلا ، قد طبع القلوب على أنحاء وأوجه ، فلكلٍّ قلب يَنْظُرُ وَيَتَدَبَّرُ ، ولكل قلب من الخصائص ما يخالف الآخر ، فهو يقبل من آثار التصور والإرادة ما لا يقبل غيره ، فالقلوب أوعية قَدْ فَطَرَهَا رب الخليقة ، تبارك وتعالى ، أن تَقْبَلَ من آثار الوحي والشريعة أو تَرُدَّ منها بقدر ما جُبِلَتْ عليه من صلاح أو فساد ، فالقياس يطرد وينعكس ، فَثَمَّ من القلوب ما صَلُحَ فهو يقبل من آثار الوحي ما به يغتذي الغذاء النافع ، وهو ، مع ذلك يَتَفَاوَتُ ، فَيَتَفَاوَتُ الغذاء فمنه غذاء العلم ، ومنه غذاء العمل ، فمنه التصور الأول فهو المبدأ ، ومنه الحكم التَّالِي فهو الْمُنْتَهَى ، والحكم منه ما بَطَنَ من إرادة ، وما ظهر من قول أو عمل ، من فعل أو تَرْكٍ ، على وجه يجعل حقيقة العلم والتصديق ، إن تصورها الرشيد ، حقيقة تعم جميع أجزاء الاختيار ، من ميل باطن ينشأ من تصور حَسُنَ أو قَبُحَ فيكون منه الحب والبغض ، وَبَعْدَهَا تَظْهَرُ الآثار في الأقوال والأعمال ، وَتَتَفَاوَتُ القلوب ، من وجه آخر ، فهي أوعية تحمل من الخير أو الشر بقدرها ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له ، فيكون التفاوت في الصلاح ، فثم صالح وثم أصلح ، وَكُلَّمَا استمد الناظر مادة النظر والاستدلال من الوحي كان أصلح في التصور والحكم ، فإن الصادر من الجوارح فَرْعٌ عن الوارد من الأدلة والشواهد فِإِنْ صَحَّ الوارد اغْتَذَى القلب غذاءً يَنْفَعُهُ فحصل له من الخير ما يُسْعِدُهُ في الأولى وَيُنْجِيهِ في الآخرة ، وإن فَسَدَ الوارد فَسَدَ التصور والحكم فكانت الجناية العظمى التي تُهْلِكُ صاحبها في الأولى والثانية ، فَعَيْشُهُ في الدنيا ضنك وعاقبته في الآخرة خُسْرٌ ، فكل محل يقبل من الأسباب ما لا يقبل الآخر تبعا لاختلاف الحقائق والأوصاف ، فيحصل التفاوت من هذا الوجه ، إن في الدرجات إيمانا أو الدركات كفرانا ، فثم إيمان يتفاوت فدرجاته بعضها فوق بعض ، فَيَزِيدُ الإيمان وَيَنْقُصُ ، إن في الباطن فالعقد يَرْسُخُ بمطالعة ألفاظ الأدلة ومعالجة وجوه الاستدلال ، فيدرك من معاني الخير إثباتا ونفيا ما لا يدرك من آمن تقليدا ، وَإِنْ صَحَّ إيمانه في الجملة إلا أنه ، بَدَاهَةً ، لا يعدل إيمان الناظر المحقق الذي آمن إيمان الفطنة لا إيمان الصدفة ، كما يطلق عليه بعض من كتب في هذا الأمر ، فعالج من أسباب النظر والاستدلال ما لم يعالج المقلِّدُ ، فعنده من العلم ما رفع قدره ودرجته ، فـ : (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) ، فَنُكِّرَتْ الدرجات مئنة من النَّوْعِيَّةِ ومئنة من الكثرة والتَّفَاوُتِ فبعضها فوق بعض حاصل ، ومئنة من التعظيم ، في نفس الآن ، فهي درجات علم وتحقيق وذلك ما يمدح في القياس الصريح ، فقد أجمع العقلاء إلا من شذ من المسفسطة والمجانين أن العلم مناط مدح ، وأن الجهل ، في المقابل ، مناط ذم ، فالقياس يطرد وينعكس ، فدرجات العلم عظمى ، ودركات الجهل صغرى ، ودرجات العلم تَتَفَاوَتُ فَثَمَّ من يحفظ ولا يفقه ، فلا آلة نظر واستدلال عنده بها يستنبط ما خفي من المعاني الثانوية اللطيفة فيقتصر على درك المعاني الأولية الجلية التي يدركها كل ناظر ، بادي الرأي ، وثم من يحفظ ويفقه فقها لا يبلغ درجة الاجتهاد المطلق ، وإنما يجتهد أن يرجح ، فثم اجتهاد الانتقاء والاختيار من الأقوال ، كما اصطلح عليه بعض أهل الأصول ، فهو يَنْتَقِي من الأقوال ما هو أَقْرَبُ إلى نصوص الأدلة وروح الشريعة لا على وجه يفضي إلى إهدار الأحكام بذريعة التيسير ! ، فذلك من تَتَبُّعِ الرخص المذموم فليست رخص الشرع وإنما هي زلات المجتهدين والمفتين مع أنه قد يُحَمِّلُ الفتوى ما لا تحتمل فيكون مناطها خاصا على وجه قد يبلغ بها حد الواقعة العينية فإذا به يوسع الأمر ويزيد في الحد حتى يبلغ به حد العموم المستغرق فاستدل بلفظ المجتهد ولم يَرْعَ قصده في الفتيا فهو يشبه من تمثل صورة عابد في عبادته دون أن يقوم بقلبه من معاني العبودية ما قام بقلب الأول فَشَابَهَهُ في الصورة دون الحقيقة فما أغنت عنه صورة الظاهر شيئا إذ لم يوافقه في حقيقة الباطن والقصد وعليها مدار الأمر ! ، فيكون الانتقاء ، في هذه الحال ، انتقاء الهوى أن يختار من الأقوال ما يوافق هواه فلا يكون مستنده في الترجيح ما اصطلح عليه أهل التحقيق من طَرَائِقِ الاستنباط ووجوه الترجيح بين الأخبار رواية ودراية ، فثم ما اصطلح عليه أهل النظر من ترجيح بين الأخبار ، فَثَمَّ صحيح وحسن وضعيف ، وهي في نفسها تَتَفَاوَتُ ، فالصحيح درجات ، إذ بعضه أصح من بعض ، فَيُقَدَّمُ الأصح على الصحيح ، وإن كان كلاهما أهلا للاستدلال الناصح ، وإن خالف في ذلك من خالف ، من أهل الكلام ، إذ قصروا الاستدلال في الإلهيات والغيبيات على ما تواتر من الكتاب والخبر ، وَرَدُّوا ما كان آحادا وإن صح إسناده ، فهو أهل أن يحتج به إن في الخبر أو في الحكم ، إن في العلم أو في العمل ، فحصل التفريق بلا دليل على وجه يخالف قياس العقل الصريح ، فإنه يقضي أن يسوى بين نصوص الشرع ، فما صح فهو أهل أن يستدل به في جميع الأبواب لا في باب دون آخر ، فذلك من التفريق بين المتماثل ! ، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون الصحيح حجة في الصلاة والزكاة ولا يكون حجة في الأسماء والصفات ، فَيُنْتَفَعُ بدرجات الصحيح ، في الترجيح ، فبعضها أصح من بعض ، كما تقدم ، وقياس العقل الصريح أن يقدم الأصح على الصحيح إن كان كلاهما نصا في محل النزاع ، فقد يكون الصحيح الأدنى نصا في محل النزاع أو أقرب في الدلالة من الأصح الأعلى ، فهو نص ، كما تقدم ، والأصح ظاهر ، فيقدم النص الصحيح على الظاهر الأصح ، وإن كان دليل النص في الصحة دون دليل الظاهر ، ما لم يبلغ حد الضعف أو الكذب ، بداهة ، فالضعيف ليس بحجة إلا إذا كان ضعفه محتملا فينجبر بآخر مثله على وجه يَبْلُغُ به حد ا***ن ، وا***ن ، في الجملة ، مناط احتجاج صحيح ، وإن كان دون الصحيح إلا أنه قد يُقَدَّمُ ، من وجه يدق ، إن كان أدل على المطلوب ، فقد أُمِنَ الضعفُ ، فا***ن ، من وجه آخر ، نوع من الصحيح ، وإن كان أدنى أنواعه ، إلا أن وصف الصحة والقبول له يثبت على وجه يجعله كالصحيح حجة إلا إذا صير إلى الترجيح فيقدم الصحيح ، وذلك ، كما تقدم ، إن استوت الدلالة فكان كلاهما نصا في محل النزاع ، أو ظاهرا أو مفسرا أو محكما ..... إلخ فتساويا في الدلالة اللفظية ، خلاف ما لو كان أحدهما أدل على المطلوب فيقدم في الاستدلال ، وإن كان الأدنى في الصحة ، ما لم يبلغ حد الضعف ، كما تقدم ، فلفظ ا***ن إن كان نصا يقدم على لفظ الصحيح إن كان ظاهرا يحتمل لا سيما إن ضعف وجه الاستدلال فكان بعيدا يفتقر إلى القرائن ما لا يفتقر الظاهر القريب ، فكلما دق وجه التأويل على وجه يقدم فيه البعيد على القريب ، والخفي على المتبادر ، والمرجوح على الراجح ، كلما دق وجه التأويل كان افتقاره إلى القرينة أقوى ، ولفظ ا***ن إن كان مفسرا فهو يقدم على نص الصحيح إن كان نصا ، ولفظ ا***ن إن كان محكما فهو يقدم على لفظ الصحيح إن كان مفسَّرًا ، والمتأخر الناسخ يقدم على المتقدم المنسوخ ، إن تعذر الجمع وَعُلِمَ زَمَنَ الورود ، فيقدم الناسخ ما كان إسناده صحيحا مقبولا وإن كان دون الأصح الأعلى ، يقدم على المنسوخ المتقدم وإن كان دليله أصح ، فدلالة المتأخر على المطلوب أخص ، فذلك يجري مجرى التعارض بين العام والخاص ، لا سيما على قول من ينكر النسخ ، فهو عنده يجري مجرى التخصيص في الأزمان ، فخص زمن تقدم بإباحة ثم ورد الدليل الناسخ فخص زمن تأخر بحظر ، أو العكس ، وَثَمَّ ، من المحققين من أصحاب المذاهب المتبوعة ، ثَمَّ من رجح بالنظر في الإسناد ، فقدم الأصح أو الأكثر طرقا ، وإن تقدم ، على ما هو دونه في الصحة وتعدد الطرق ، وإن تأخر ، وكان صحيحا في الجملة ، فأرجع الأمر إلى الترجيح بَيْنِ الطرق وَأَخَّرَ النظر في الألفاظ ، وإن كان الجميع صحيحا إلا أنه لا ينظر ابتداء إلا في الصحة ، فيرجح الأصح وإن كان دون الصحيح في الدلالة ، فدلالة الناسخ أقوى من دلالة المنسوخ ، ودلالة المتأخر إن صح أقوى من دلالة المتقدم وإن كان أصح ، فالمنسوخ يجري مجرى المتشابه الذي يرد إلى المحكم من الناسخ المتأخر ، وذلك أمر ينشعب على وجه لا تكاد فروعه تحصى وفيها من اللطف والدقة مع إحكامٍ يوافق صريح العقل والنظر ، فيها من ذلك ما يَعْجَبُ الناظر فيه من دقة أهل الشأن إن في تحرير الألفاظ صحة وضعفا ، أو في تحرير المعاني نصا وظاهرا ..... إلخ ، فالصحيح درجات فيقدم الأصح على الصحيح ما لم ترد قرينة تعرض للمفوق فتجعله فائقا راجحا ، كما نوه بعض المحققين من أهل الشأن ، فحديث الصحيحين أصح ، ولكن قد يوجد خارجهما ما هو أصح ، *** يشترطا جمع الصحيح كله فقد يفوتهما في باب ما هو على شرطهما الأصح ، فيوردان الصحيح ، وَيَرِدُ الأصح ، في المقابل ، في كتاب آخر ، فيقدم على حديثهما من هذا الوجه ، بالنظر في معيار محكم يقدم على درجة الكتاب في الجملة فقد يكون الكتاب في الجملة أصح وأعلى رتبة ، ولكن ثم في ثَنَايَاهُ خبر لا يبلغ درجة الصحة العليا التي اشترطها ال**نف ، فيكون الخبر عند غيره بإسناد أصح فيقدم من هذا الوجه ، وإن كان الكتاب الأول في الجملة أصح من الكتاب الثاني ، وذلك ، أيضا ، من النظر الذي يَدِقُّ ، فلا يحكم بادي الرأي على خبر أنه أصح إذ ورد في كتاب أصح فقد يعرض للمفوق المرجوح ، كما تقدم ، ما يجعله فائقا راجحا ، فنظر الجملة يخالف نظر التفصيل ، فَفِي التَّفْصِيلِ تَرَى من الاختلاف ما لا تَرَى في نظر الجملة ، فهو يفتقر في كل موضع إلى نظر أخص ، وإن كان دليل الجملة في الترجيح دليلا معتبرا فالظاهر تَقَدُّمُ خبرِ الصحيحين مطلقا ، فذلك أصل يستصحب يجري مجرى التغليب فهو كالظاهر المحتمل راجحا أعلى يظهر بادي الرأي مع احتماله ضدا مرجوحا لا يتعين ال**ير إليه ، بادي الرأي ، حتى ترد قرينة من خارج فهي معنى زائد يصير المرجوح من الراجح فيقدم في هذا الموضع بعينه لقرينة صحيحة أوجبت العدول عن الأصل المستصحب وهو تقديم الراجح المتبادر على المرجوح الذي لا يَتَبَادَرُ ، فجاءت القرينة الخاصة تشهد للمرجوح في هذا الموضع بعينه فَتَعَيَّنَ تقديمه إذ صار راجحا فائقا ، والصحيح ، من وجه آخر ، ينقسم ، فَمِنْهُ صحيح لذاته استوفى شرائط الصحة ابتداء فلا يفتقر إلى طريق آخر يعضده ، فراويه عدل تام الضبط ، وإسناده قد اتصل وسلم من الشذوذ فلا يخالف رَاوِيهِ من هو أوثق أو أكثر عددا ، وسلم من العلة القادحة التي تخفى فلا تظهر ، بادي الرأي ، لكل ناظر ، فيجتهد المحقق أن يحرر الخبر إسنادا وَمَتْنًا من أسباب الاضطراب والضعف ، فَثَمَّ عِلَلٌ تخفى فلا تظهر ، بادي الرأي ، وذلك ما لا يُحْسِنُهُ كل أحد فلا يحسن يحرر هذه المواضع إلا خَبِيرٌ مُحَقِّقٌ ، فلا يُسَلَّمُ لخبر أنه صحيح إلا بعد التفتيش في إسناده ومتنه فالحكم على ظاهر الإسناد حكما أعم باتصال الإسناد لا يجزئ في الحكم بالصحة الاصطلاحية الأخص ، فقد يكون ثم انقطاع يخفى كما في المرسل الخفي ، فالانقطاع فيه يخفى إذ ثم تعاصر بين الرواي وَمَنْ علاه في الإسناد مع رواية تحتمل لا تصريح فيها بالتحديث ، فتكون الرواية بالعنعنة أو الأنأنة ..... إلخ من الصيغ المحتملة ولا يعلم للراوي تدليس ، فيكون من المرسل الخفي ، وانتفاء شبهة التدليس يجعل الأمر أعوص ، فلو كان مدلسا وروى بالعنعنة لظهر الأمر ووجب التوقف حتى ترد طريق أخرى فيها تصريح بالتحديث أو طريق أخرى تعضد هذه الطريق فضعفها يحتمل ، إذ المدلس من الضعيف المنجبر فإذا ورد من طريق أخرى فيها التصريح بالتحديث ، وصح إسنادها ، ارتفع الإشكال وارتقى الخبر إلى درجة الصحيح ، وإن ورد من طريق أخرى تعضد هذه الطريق كالضعيف المنجبر إذا تعددت طرقه فهو يرقى إلى رتبة الاحتجاج فيصير من ا***ن لغيره ، فأصله ضعيف ينجبر ضعفه فهو مما يحتمل ، ***ا تعددت طرقه بلغت به درجة ا***ن ، وإن كان دون ا***ن لذاته ، فمثله في ذلك كمثل الصحيح لذاته والصحيح لغيره ، فالصحيح لذاته يقدم على الصحيح لغيره ، وا***ن لذاته يقدم على ا***ن لغيره ، والصحيح لغيره حجة في نفسه فأدنى أحواله أن يكون حسنا ، بادي الرأي ، قد تعددت طرقه فارتقى إلى رتبة الصحة لقرينة من خارج ، وا***ن لغيره حجة كا***ن لذاته وإن كان دونه في الرتبة ، كما أن الصحيح لغيره دون الصحيح لذاته في الرتبة ، فالتفاوت في الأدلة ، كما تقدم ، ثابت ، وهو من وجوه الترجيح المعتبر ، فا***ن لغيره حجة وإن كان في الأصل ضعيفا ، إلا أن ضعفه مما يحتمل ، فليس شاذا أو منكرا أو متروكًا راويه مُتَّهَمٌ أو موضوعا راويه وضاع قد كذب .... إلخ من وجوه الضعف الشديد ، فكل أولئك مما لا يصلح ولو في الاعتبار فضلا أن يصلح في الاحتجاج ، كما ترى من صنائع بعض أهل الأهواء على وجه لا ينقضي منه العجب ، فهو يَرُدُّ دليل الآحاد الصحيح إذ لا يفيد اليقين ! ، وَتَرَاهُ في المقابل يستدل بضعيف أو موضوع ، بل ولعله لا يفقه يَمِيزُ الآية من الخبر ، وهو ، مع ذلك ، يقضي في الأخبار صحة وضعفا ، قبولا وردا ، ولو أفضى به الهوى أن يرد الصحيح ويقبل الضعيف ، فيحصل له من التخليط في الاستدلال والترجيح ما يخالف قياس العقل الصريح الذي يقضي بداهة بتقديم ما حقه التقديم من الصحيح وتأخير ما حقه التأخير من الضعيف ، فثم ، كما تقدم ، ضعيف يتفاوت ، فضعيف يحتمل ضعفه فيكاد يبلغ درجة ا***ن ، بل إن ا***ن في كلام أهل الشأن ، ممن تقدم من أهل التحقيق في الأخبار والآثار ، ا***ن في كلامهم يدخل في حد الضعيف وعليه يحمل احتجاج من احتج بالضعيف ، فقدمه على القياس ، كما اشتهر في مذهب أحمد ، رحمه الله ، فضعيف الحديث أحب إليه من القياس ، فلا يقصد ، بداهة ، الضعيف الذي اشتد ضعفه من الموضوع أو المكذوب أو المنكر أو الشاذ ، فكل أولئك مما لا يعتد به في الرواية ، فَهُوَ كَلَا رواية ، كما قرر أهل الشأن ، فلا يعتد به لا في الاعتبار فضلا عن الاحتجاج ، فليس كل ضعيف يعتبر ، بل لا بد أن يكون مما ينجبر فإذا انضم إليه ضعيف مثله أو أعلى منه في الرُّتْبَةِ وإن لم يخرج عن حد الضعف ، فإنه يعتضد به فيرقى إلى حد ا***ن ، فيكون من ا***ن لغيره ، والصحيح في الجملة يقدم على ا***ن ، ما لم يكن ا***ن أدل على المطلوب ، على تفصيل تقدم ، وا***ن في نفسه يَتَفَاوَتُ فبعضه أحسن من بعض ، كما أن الصحيح في نفسه يَتَفَاوَتُ فبعضه أصح من بعض ، وقل مثله في الضعيف فبعضه أضعف من بعض ، وذلك مما ينتفع به حال الترجيح بين الأدلة فهذا التفاوت بين درجات الخبر صحة وحسنا وضعفا ، والتفاوت الأخص في كل نوع ، فالصحيح وا***ن ، كما تقدم ، درجات بعضها فوق بعض ، والضعيف ، كما تقدم ، دركات بعضها دون بعض ، هذا التفاوت مما يدق فِي النَّظَرِ وبه يكون الترجيح حال التَّعَارُضِ وتعذر الجمع على وجه يَنْصَرِفُ إليه الذهن ، بادي الرأي ، فهو أولى إذ اعتبار الأدلة بالجمع أولى من إهدارها بالترجيح فهو يقضي باعتبار بعضها وإهمال بعض ، وقل مثله في التفاوت والترجيح بين وجوه الاستدلال فالألفاظ ، كما تقدم ، تَتَفَاوَتُ دلالتها على المعاني فبعضها أظهر من بعض ، وبعضها أخص من بعض ، وبعضها أدل على المطلوب من بعض فهي نص في محل النزاع ، وبعضها متشابه لا يزول إجماله إلا برده إلى محكمه ، وبعضها مجمل يفتقر إلى البيان ، سواء أكان الإجمال بغرابة لفظ تزول بالنظر في دلالات اللفظ في المعجم ، أم كان باشتراك فاللفظ يحتمل أكثر من وجه على سبيل البدل لا على سبيل الشمول فهي تختلف في دلالتها اختلافا ظاهرا فلا بد من قرينة من خارج تصرف المشترك إلى أحد الوجهين ، أو أحد الوجوه إن كان الاشتراك بين أكثر من مَعْنَيَيْنِ ، وقد ترجح القرينة ، من وجه آخر ، الجمع بين مَعْنَيَيْنِ أو أكثر من معاني المشترك فيصح حمله عليها جميعا في سياق واحد فَثَمَّ قرينة من خارج أوجبت العموم في دلالة المشترك .
والشاهد أن القلوب تتفاوت فهي أوعية تتراجح في السعة والفهم ، فبعضها أوسع من بعض فيحفظ ويفهم بعضٌ ما لا يحفظ ولا يفهم بعض آخر ، وثم التفاوت ، كما تقدم ، فثم من يحفظ ولا يفقه الفقه الدقيق فيقتصر على الظاهر المتبادر من الألفاظ ، وثم من يحفظ ويفقه فقها لا يبلغ درجة الاجتهاد المطلق ، فهو يُرَجِّحُ وَيَنْتَقِي لا على سبيل التشهي اتِّبَاعًا للهوى ، كما تجد من صنيع بعض أهل الأهواء فلا مستند لهم في الترجيح إلا الهوى فهو الذي يحسن ويقبح ، وهو الذي يضع معيار ال**الح والمفاسد ، وهو الذي يقضي فيها بالاعتبار أو الإلغاء ، وإن أفضى ذلك إلى اعتبار ما ألغاه الشرع ، أو إلغاء ما اعتبره فَيَحْتَجُّ ب**لحة متوهمة أن يَنْقُضَ أحكاما مُحَقَّقَةً ، فهو يخالف الوحي إن في مقاصدة الكلية أو أحكامه الجزئية فهواه أصل والوحي فرع ، ولا يرد الأصل ، بداهة ، بفرع ! ، وإنما غاية الفرع أن يستلحق بالأصل ، نافلة من القول تشهد ، فَلَيْسَ الوحي مناط الاحتجاج الأول ، وإنما هو شاهد يُعْتَبَرُ به نَافِلَةً بَعْدَ فريضة الهوى ! ، وهو ، كما تقدم ، مرارا ، مما حصل فيه التَّنَازُعُ من لدن أبى إبليس السجود فقدم هواه على محكم الوحي ، فَقَاسَ في مقابل النص الآمر بالسجود ، فأبى الانقياد لأمر الرب المعبود ، جل وعلا ، وذلك من شؤم القياس في مقابل النص ، فلا بد أن يكون الوحي هو الحاكم الآمر ، فهو الأصل الأول وما بعده فرع عنه ، فما يحصل في العقل من خواطر أو أقيسة هو من المتشابه الذي لا يقضى فيه باعتبار أو إلغاء إلا أن يُرَدَّ إلى المحكم من الوحي المنزَّل ، وذلك ، بداهة ، ما يأباه إبليس ويستكبر عنه ، ويأباه كل إبليس من الجن والإنس ، لا سيما في الأعصار المتأخرة ، إذ حجبت شمس النبوة بغيم كثيف من الوضع المحدث إن في الخبر أو في الحكم ، إن في العقد أو في الشرع أو في الأخلاق أو في السياسة ، فالوحي يَسْتَغْرِقُ كل اختيار يحصل إن في الْجِنَانِ تصورا أو في الأركانِ قَوْلًا وَفِعْلًا ، وثم ، في قسمة النظار من حملة هذا العلم ، ثَمَّ من بلغت درجته حد الاجتهاد المطلق ، فهو يزيد على المجتهد المرجِّح فَلَهُ من أهلية النظر والاستدلال أن يستنبط من النص بما أوتي من ملكة الحفظ والفقه ، فيدرك من طرائق الاستنباط ووجوه الأداء في اللسان ما يجعله أهلا للحكم والفتوى ، وإن لم يصب ، بداهة ، في كل قول ، فليس ذلك إلا لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيكون الخلاف بين المجتهدين ، إما الخلاف السائغ ، وإما الخلاف غير السائغ إن ضعف الدليل أو ضعف وجه الاستدلال ، ويعظم الخطب ، كما تقدم ، إن كان ثم هوى في النظر ، وإن خفي ، فقد يحصل لمجتهد من الهوى ما يحمله على ترجيح ما ليس بالراجح أو استنباط ما ليس بالناصح ، فيوجه دلالة اللفظ أن تشهد لما يهوى ، وذلك أمر يظهر فلا يخفى وجه التقصير والانحراف فيه ، لِقَرِينَةِ العصمة العامة أن تجمع الأمة على خطأ ، فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة في كل محال النِّزَاعِ العلمية والعملية ، وإن دقت وخفي وجه الحق فيها وذاع الباطل وفشا في أعصار درست فيها آثار النبوة أو كادت ، فحصل التَّنَازُعُ الذي قضت به سنة المدافعة بين الأضداد على وجه تظهر به آثار القدرة والحكمة في تَدْبِيرِ الكون فذلك من أعظم المنن من رب الخلق ، جل وعلا ، فهو الذي يدبر بالأمر والنهي ، إن في التشريع فالوحي قد جاء بأصدق خبر في الإثبات والنفي فهو يصحح التصور في الجنان فتحصل من قوة العلم ما تصح به الإرادة ، ومادتها العبادة وهي الاسم الجامع لما يحب ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال ، من الأفعال والتروك ، ما ظهر منها وما بطن ، فَبِهَا يصح الحكم في الخارج ، عم أو خص ، فَثَمَّ تدبير التشريع المحكم ، وثم ، في المقابل ، تدبير التكوين المتقن ، خلقا وإيجادا وإعدادا ، فالقلوب ، كما تقدم ، تَتَفَاوَتُ ، وكل إناء بما فيه ينضح ، من خير ينفع أو شر يقدح ، فَثَمَّ من ينضح إناء قلبه بعمل يَبْلُغُ به حد الأصل ، فيحصل له مطلق الإيمان ، من عقد تصديق وإقرار ، وإرادة قلب ترجح الانقياد في الجملة وإن فات صاحبها من القول والعمل ما يبلغ به حد الكمال الواجب ، فقد حصل له *** العمل دون استيفاء آحاده الواجبة فوقع منه الترك لا على وجه يوجب النقض للأصل بترك أعمال تركها ينقض أصل الدين ، فَثَمَّ موانع تحول بين القلب وبين أسباب الصلاح ، ما بطن منها من العقد وما ظهر من الشرع فكلها سبب في صلاح القلب ، فالظاهر يعضد الباطن ويؤيده فهو يشهد له ، من وجه ، ويزيد فيه ، من آخر ، فثم من الموانع ما يقدح في كمال الإيمان الواجب ، وثم منها ما يقدح في الأصل من نواقض الإيمان من الشرك والكفر والتكذيب ..... إلخ ، على وجه ينضح فيه القلب بمادة فساد تأتي على الأصل بالإبطال ، وذلك أعظم فساد ، وهو ، من وجه آخر ، من قضاء التكوين النافذ ، فَقَدْ جُبِلَ هذا القلب على الكفر والإعراض فلئن أَتَيْتَهُ بكل آية ما آمن ، كما في هذا الموضع ، فـ : (لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ) ، فذكر أهل الكتاب ، من هذا الوجه ، يجري مجرى التمثيل لعام بذكر بعض أفراده ، فهو يعم كل مُعْرِضٍ عن الحق فقد جُبِلَ قلبُه على بغضه ، وذلك من قدر التكوين المحكم إذ علم ، جل وعلا ، أزلا ، علم في هذا القلب فسادا عظيما ، فقدر المحل بالعلم الأول ألا يقبل آثار الحق المنزَّل ، فذلك موجب الحكمة ألا يقبل محل فاسد آثار الوحي الصالح ، ومع ذلك جاءت الرسل ، عليهم السلام ، بما يُقِيمُ الحجة فَبِهِ استبانت المحجة : (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) ، فما ظلمه الرب ، جل وعلا ، شيئا ، إذ لم يمنعه حقا كان له بادي الرأي فذلك فضل الله ، جل وعلا ، يؤتيه من يشاء ، فإن أعطى ففضلا وإن منع فعدلا فلا يظلم ربك ، تبارك وتعالى ، أحدا ، فحكمة في إمداد كل محل بما يقبل من الأسباب ، على وجه يحصل به من تأويل سنة التَّدَافُعِ ما يستقيم به أمر هذا العالم ، فَثَمَّ القدرة والحكمة في الخلق والتدبير والتدافع ، ولا يستقيم الأمر إلا بذلك فأمر ونهي ، فثم من يؤمن وثم من يكفر وإن أوتي من الآيات ما أوتي ! ، فـ : (لَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) ، فثم القسم المحذوف ، والقسم مئنة توكيد في اللفظ ، وثم الشرط وجوابه قد حذف لدلالة جواب القسم عليه : (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) ، والشرط ، أيضا ، مما يَتَقَرَّرُ به المعنى إذ ثم التلازم بين الشطرين ، الشرط والجزاء ، على وجه يواطئ صريح النظر والقياس ، وذكر أهل الكتاب ، كما تقدم ، خاص يجري مجرى التمثيل لعام ، وهو كل من أبى واستكبر أن يتبع الوحي المنزَّل فعارضه بالهوى أو الذوق ، ودلالة التغليب ، كما تقدم مرارا ، تستغرق كل مكلف ، فضمير الجمع المذكر يعم كل مكلف ، ذكرا كان أو أنثى ، شاهدا أو غائبا ، موجودا أو معدوما زمنَ الخطاب فضلا عن دلالة أعم بتوسيع المناط أن يستغرق كل مكذب لا المكذبين من أهل الكتاب فحسب ، وثم عموم آخر في : (بِكُلِّ آيَةٍ) ، والآية ، في هذا السياق ، تنصرف ، بادي الرأي ، إلى آية التكوين فوجه الإعجاز فيها مما يحصل به التحدي فيكون آكد في إقامة الحجة كما وقع لثمود وفرعون وكل من طلب آية في الكون تعجز ، فلا يؤمنون ، أبدا ، وإن أوتوا من الآيات ما أوتوا ، وقل مثله في كل جاحد مكذب قد طبع الرب الخالق المدبر ، جل وعلا ، على قلبه ، فلا يقبل آثار الحق ، أبدا ، وإن أتيته بكل آية ، والآية ، مع ذلك ، قد تُحْمَلُ على آية التشريع فلا يتبعونها وإن كان فيها من الصدق والعدل ما يحمل كل عاقل أن يخضع لها وينقاد فبها صلاح الحال والمآل ، فجاء الجواب : (مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) ، عاما إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، والقبلة مئنة من الدين إذ التوجه إليها مئنة من كمال الانقياد والتسليم فذكرها ، أيضا ، يجري مجرى التمثيل لعام ، وهو الدين خبرا وحكما ، بخاص وهو قبلة الصلاة والدعاء ، ولا يخلو من دلالة تلازم بالنظر في معنى الانقياد إذ يتوجه الإنسان في الغالب إلى الشطر الذي يرضى ، فيكون ذلك من دلالة الظاهر ، إذ استقبل الوجهُ القبلةَ ، على الباطن إذ انقاد القلب وخضع لحكم الشرعة ، فاستقبال الظاهر القبلةَ مئنةٌ من استقبال القلب الشرعة فهي الحكم في كل أمر ، خبرا كان أو حكما ، فوحدها مناط التصديق والامتثال ، إذ جاءت بأصدق الأخبار وأعدل الأحكام ، ومن ثم جاءت المقابلة بشطر ثان : (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) ، وذلك من الخبر الذي يراد به الإنشاء على تقدير : فلا تتبع قبلتهم في أي أمر ، وإن دق ، على ما تقدم من عموم المعنى الذي يستغرق كافة أحكام الدين الخبرية والحكمية ، فضلا أنه إخبار بالحال ومقتضاها فاختلاف المرجع في العقد والشرع يوجب ، بداهة ، ألا يَتَّبِعَ المختلفون بَعْضَهُمْ بَعْضًا ، سواء أَخْتَلَفَتِ الملل فذلك أولى بعدم الاتباع ، أم كانوا في الجملة على ملة واحدة ، فجاء الشطر الثالث يستوفي أجزاء القسمة ، فـ : (مَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) ، فجاء النفي المؤكد بالباء الداخلة على الخبر "بتابع" ، وذلك اختلاف في القبلة تجد آثاره في اختلاف الأمم على طوائف وفرق ، ولم تسلم منه الأمة الخاتمة ، وإن كان خلافها دون خلاف الأمم المتقدمة ، فلئن كانت فرقها أكثر إلا أن أهل الحق فيها هم السواد الأعظم فضلا أن الحق فيها لم يضع كما ضاع في بقية الأمم ، فلا تخلو الأرض ، كما تقدم مرارا ، من قَائِمٍ لله ، جل وعلا ، بحجة ، ومن ثم جاء الوعيد بالنظر في تَقْرِيرِ الأحكام : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، وإن كان ذلك في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، من المحال ، لما تقرر مرارا من العصمة ، فهي عصمة من الشرك فهو أعظم الظلم ، فلا يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الظالمين الذين أشركوا وكفروا فاقترفوا من ناقض الدين أن اتبعوا أهواء الآخرين ، أيا كانت مللهم أو نحلهم أو طرائقهم في الفكر أو مذاهبهم في الشرع ، فالمعنى ، كما تقدم ، يعم ، فلا يستغرق السبب الخاص من أهل الكتاب الأول ، بل يعم كل مخالف للوحي مكذب ، وزد عليه عصمة تزيد من كل كبير أو صغير يقدح في المروءة والعدالة فذلك مما يَتَنَزَّهُ عنه آحاد العدول من عامة الأمة فكيف بسادة ولد آدم كافة من الرسل والأنبياء عليهم السلام ؟! ، وعموم الأهواء يستغرق جميع الأهواء إن في العقد أو في الشرع ، فيعم كل موارد التبديل في الأخبار بما يكون من التأويل الباطل سواء أقضى بنقض الدين فيكون الظلم في الآية هو الظلم الأكبر ، أم قضى بنقض كماله الواجب فهو تأويل يرفع الحكم ولا يرفع الإثم ، فيكون الظلم ختامَ الآية هو الظلم الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، وَقُلْ مثله في أهواء التشريع فقد يكون ذلك بمخالفة مناط ، عصيانا لا استباحة ، *** يُبَدِّلِ المناط وإنما تقصد مخالفته لا على جهة الاستباحة أو الاستهزاء ، فذلك الظلم الأصغر ، وقد يكون الهوى في هذا الباب بتعطيل المناط واستبدال المناط المحدث به ، ولو في حكم واحد فذلك مما ينقض أصل الدين وإن اقر بعصيانه فذلك من الناقض العملي الذي لا يشترط فيه الاستحلال الباطن ، فيكون الظلم ختامَ الآية هو الظلم الأكبر ، فكيف بمن عطل الأصل كله *** يَعُدْ الوحي حكما لا في أصل ولا في فرع وإن وافقه الحاكم فَعَرَضًا أو انتقاء لبعض الأحكام دون بعض فمرجعه في القضاء والفتيا الهوى الذي يقضي في الوحي ، فإذا استحسن بعضه آمن به ، وإذا استقبح آخر كفر به ، على وجه يوجب ، كما تقدم مرارا ، الإنكار ففيه مخالفة لقياس العقل الصريح الذي يقضي بالتسوية بين المتماثل فلا يقبل بعض ويرد آخر والجميع من عند الرب ، جل وعلا ، قد نزل ، فذلك مما أنكره التَّنْزِيلُ ووبخ فاعله في قوله تعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) .
فجاء ختام الآية يَتَوَعَّدُ على وجه يعم فأطلق الفعل وهو الاتباع ، فأي اتباع لأهوائهم ، وقد عم لفظها ، أيضا ، بالإضافة في "أَهْوَاءَهُمْ" ، أي اتباع لها يلحق صاحبه بقبيل الظالمين ، وذلك مورد وعيد يحسن فيه التوكيد إمعانا في التحذير ، فجاء التوكيد بالقسم المقدر في : (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، وهو يجري مجرى العطف للسبب على المسبَّب فسبب النهي عن اتباع أهوائهم أن ذلك يلحق صاحبه بقبيل الظالمين ، فيكون الختام جوابا لسؤال دل عليه السياق اقتضاء إذ : ما علة النهي عن اتباع أهوائهم ، فجاء الجواب مؤكدا بالقسم ، كما تقدم ، فضلا عن دلالة التلازم بين الشرط وجوابه المحذوف لدلالة جواب القسم عليه ، وثم احتراز في الشرط يَنْفِي العذر بالجهل فذلك من الإطناب احترازا في : (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، ودلالة "العلم" تعم فهي تستغرق كل موارد الوحي من الكتاب أو الخبر ، فكلها من عند الرب ، جل وعلا ، فهي من وصفه ، إذ الوحي كله من كلمه الشرعي الحاكم فاستدل من استدل من المحققين بهذه الآية أن القرآن غير مخلوق إذ يدخل في حد العلم فدلالة "أل" في "العلم" إما أن تعم فهي ال***ية المبينة للماهية في الذهن الاستغراقية لآحادها في الخارج ، فتستغرق علم التكوين وعلم التشريع معا ، وإما أن تكون مئنة من العهد لقرينة السياق فقد جاء النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم علمُ التشريع من الخبر والحكم ، والتنزيل على كلا الوجهين من علم الله ، جل وعلا ، وعلمه ، بداهة ، غير مخلوق ، فيكون القرآن ، من هذا الوجه ، غير مخلوق ، إذ هو من العلم غير المخلوق ، فذلك من الاحتراز بما ينفي العذر فكل من بلغته الرسالة على حد صحيح صريح فسمع اللفظ وأدرك من معناه ما يجزئ في قيام الحجة ، كل من كانت تلك حاله فلا عذر له إن خالف ، وثم توكيد في جواب القسم : (إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) ، ثَمَّ توكيد بالناسخ المؤكد ، و "إِذًا" واللام الداخلة على خبر الناسخ "لَمِنَ الظالمين" إذ زحلقت فتأخرت لئلا يصدر الكلام بمؤكدين فذلك مما يثقل في النطق فتأخر أحدهما استصلاحا للفظ ، وزد عليه دلالة "من" ، وهي مئنة من بيان ال*** ، فكأنه من معدن الظلم نفسه فذلك آكد من قولك في غير التنزيل : إنك إذا لظالم ، وثم استغراق في لفظ "الظالمين" ، بحمل "أل" على الاستغراق لأعيان الظالمين أو الاستغراق لأوصاف الظلم وذلك آكد في الذم ، وقد تحمل "أل" على الوصل ، فيكون الاسم المشتق "ظالمين" صلتها ، فذلك يفيد بالقياس الصريح إناطة حكم الظلم بالوصف الذي تقدم صدر الشرط وهو اتباع أهوائهم ، وذلك ، مما يتفاوت ، كما تقدم ، فيحتمل الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، والظلم الأصغر الناقض لكماله الواجب ، وإن كانت قرائن السياق واللفظ من جهة الاستغراق للأعيان والأوصاف فضلا عن دلالة الإطلاق إذ تنصرف ألقاب الظلم والكفر ..... إلخ في باب الأسماء والأحكام ، تنصرف ، بادي الرأي ، إلى المعنى الأكبر ما لم تَرِدْ قَرِينَةٌ تصرفها إلى المعنى الأصغر ، ولا قرينة هنا بل القرينة تشهد لمعنى الظلم الأكبر أن أنيط الأمر بأهل الكتاب وهم كفار بالإجماع بعد ورود الشرع الخاتم وكفرهم به حسدا من عند أنفسهم وهوى يفرق بين المتماثل من الوحي النازل إذ آمنوا ببعضه ولم يؤمنوا ببعض ، وذلك ، كما تقدم ، معنى يعم كل من فَرَّقَ بين الوحي فجعله عضين فهو يؤمن بما يوافق هواه ويكفر بما لم يوافقه ! ، وتلك آفة العقل إذا رام التصدر والقضاء في الوحي المنزَّل فأبى استكبارا أن يكون خاضعا للوحي منقادا له في كل أمره خبرا وحكما ، شرعا وسياسة وَخُلُقًا ورياضة ..... إلخ ، فكل أولئك مما يرشح دلالة الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين وإن احتمل الظلم الأصغر الناقض لكمال الدين الواجب ، على وجه تقدم ، فيصح من هذا الوجه أن يكون اللفظ مشتركا يحتمل وجهين فيحمل عليهما إذ يحتملهما ولو رَجَحَ أحدهما الآخر ، فلا يوجب ذلك رد الآخر إن احتمله اللفظ على وجه صحيح في النظر بلا تكلف أو تعسف في الاستدلال لا سيما على قول من يجوز العموم في دلالة المشترك .
والله أعلى وأعلم .