rss
07-30-2016, 06:56 AM
من آية : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ...........)
ومن قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فذلك مِمَّا توجه فِيهِ العقاب بانْتِفَاءِ الكلام والنظر وَزِيدَ انْتِفَاءُ التَّزْكِيَةِ وهي مئنة من التطهير ولا يخلو عطفها على الكلام والنظر ، لا يخلو ذلك من دلالة التعاطف بين المتلازمين ، فالتزكية تحصل من كلام الرضى ونظره ، وهي ، من وجه آخر ، مما تحصل في الدار الأولى بسلوك جادة الوحي المنزل ، وهو كلام الرب ، جل وعلا ، خبرا وإنشاء ، فثم تلازم واقتران بَيْنَ الكلام والتزكية إن في الأولى أو في الآخرة ، ففي الأولى تكون تزكية النفس بتصديق الخبر بلا تأويل ، وامتثال الحكم بلا تعطيل ، وكلما كانت النفس إلى الوحي أقرب كانت أزكى وأطيب ، فَلَا تَكُونُ تَزْكِيَةٌ في الحال على وجه يحصل به تأويل الغاية من خلق الجن والإنس ، وهي العبادة وبها وحدها تكون السعادة والنجاة ، لا تكون هذه التزكية إلا أن يَتَأَوَّلَ النَّاظِرُ الوحيَ ، أخبارا وأحكاما ، فَيُصَدِّقَ وَيَمْتَثِلَ ، والتزكية كسائر أسماء الشرع وألقابه إذ يحصل فيها التفاوت ، فَثَمَّ قدر واجب لا يحصل مطلق الاسم إلا به ، وهو القدر اللازم لحصول أصل الدين المطلق ، وإن فات كماله الواجب ، فيحصل مطلق التزكية بأصل التوحيد في الباطن والظاهر ، في القول والعمل ، وذلك ما يشترط فيه انتفاء الناقض ، فلا بد من تخلية المحل من أسباب الشرك والكفر الأكبر فلا تجامع أصل التزكية من مطلق التوحيد ، إذ ثم تناقض بين أصل التوحيد وأصل التشريك ، أو بين أصل الإيمان وأصل الكفران ، فالتوحيد في الشطر الأول يقابل الإيمان في الشطر الثاني فالتوحيد أخص ، إذ أركان الإيمان تستغرق التوحيد فهو الركن الأول ، ركن الإيمان بالله ، جل وعلا ، ولا يكون ذلك إلا بتوحيد الله ، جل وعلا ، في الاسم والوصف ، وتوحيده في الفعل والحكم ربوبية ، فَلَهُ حكم التكوين إيجادا وإعداما ، إعطاء ومنعا ، وَلَهُ حكم التشريع ، إن في الخبر ، إثباتا ونفيا ، فثم تكليف أول بالتصديق ، وثم تكليف يلازمه إذ لا يخلو الخبر لا سيما في موارد الوعد والوعيد لا يخلو من دلالة الإنشاء ، فخبر الوعد لازمه إنشاء الأمر ، وخبر الوعيد ، كما في هذه الآية ، لازمه إنشاء النهي ، فاطرد الحكم وانعكس ، فيحصل التوحيد التام بتحرير أجناسه الثلاثة ، توحيد الخبر ، اسما ووصفا فذلك *** أول ، وتوحيد الفعل فذلك *** ثان ، وتوحيد العبد بأقواله وأفعاله ، ما بطن من عقد ، وما ظهر من شرع ، على وجه يحصل به أصل الدين الجامع ولا ينفع ، كما تقدم ، إلا أن يَنْتَفِيَ كل قادح في التوحيد ، إن من نواقضه الباطنة كاعتقاد الشرك أو النقص في حق الرب ، جل وعلا ، أو سوء الظن بالوحي على وجه يفضي إلى تعطيله وهو الأعلى واستبدال الوضع المحدث به ، وهو الأدنى ، إن في الأخبار فتأويلات المعطلة أدنى ، بداهة ، من أخبار الإثبات والنفي في كلام الوحي المحكم الذي به وحده يحصل التصور الصحيح وهو ، كما تقدم ، مبدأ العمل الصالح في النطق والفعل ، فيكون استبدال الأدنى من الوضع المحدث بالأعلى من الوحي المنزَّل إن في الأخبار ، كما تقدم ، أو في الأحكام ، ولو بِتَعْطِيلِ حكم واحد ، فذلك من إساءة الظن بِالرَّبِّ ، جل وعلا ، على وجه يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع ، فكيف إن عطل الشرع كله ، بتعطيل الأصل أن تكون السيادة للوحي ، ولو في الجملة ، وإن حصل نقص ففي تحقيق مناطه عصيانا لا استبدالا لغيره به كُفْرَانًا ، أو اقْتِرَافِ ما يَنْقُضُهُ من نواقض الدين الباطنة أو الظاهرة ، فكل أولئك مما يحصل به التوحيد الأخص الذي يقابل الإيمان الأعم ، فإن الإيمان ، كما تقدم ، أعم في الدلالة من التوحيد ، وذلك حال اجتماعهما في سياق واحد ، فالتوحيد بعض الإيمان ، فالإيمان اسم ذُو شعب وأركان أعلاها وآكدها إيجابا شعبة التوحيد ، وهي ، كما تقدم ، هي ، أيضا ، اسم ذو شعب وأركان ، فَثَمَّ توحيد الخبر ، وَثَمَّ توحيد الطلب ، وثم توحيد العلم وثم توحيد العمل ، ولو تدبرت في التوحيد ، من وجه آخر ، لوجدته يَعُمُّ محال التكليف ما بطن منها وما ظهر ، على وجه يكافئ الإيمان وَيُرَادِفُهُ ، ولو من وجه ، فإن من التوحيد توحيد العقد وهو يستغرق أركان الإيمان الستة فكلها من الأخبار التي يجب التصديق بها ، ولا يجزئ تصديق محض لا يشفع بلازمه من الإقرار والإذعان وكمال الانقياد ، وذلك قدر يزيد على مطلق التصديق ، ومن التوحيد توحيد النطق أن يشهد اللسان شهادة التوحيد ولا تَنْفَعُ هذه الشهادة إلا أن تشفع بشهادة الجوارح ، ولو ب*** العمل دون جميع آحاده ، فلا بد من حصول قدر من العمل به يحصل *** الحقيقة في الخارج من انقياد الجوارح ، فضلا عن التزام الشرع منهاجا يحكم ، وإن خالف في آحاد منه ، فعصيانا باعثه شهوة محرمة لا كفرانا باعثه شبهة يسيئ صاحبها الظن بالوحي أنه لا يجزئ في حصول الكفاية في الأولى والآخرة ، فمن ظن هذا الظن فإنه لا محالة مُحْدِثٌ في الديانة من الأحكام ما يضاهي أحكام الوحي إذ يظن فِيمَا يُحْدِثُ من الأحكام ، يظن فيه السلامة وذلك من الإعجاب بالرأي ، وإن شئت الدقة فَقُلْ من اتِّبَاعِ الهوى ، وهو مَنْشَأُ كُلِّ انحراف حصل من لدن حصل الشرك الأول ، فما كان إلا قياسا فاسدا وتشهيا في الإرادة أعرض أصحابه عن محكم الديانة التي جاءت بما يحسم مادة الشرك بِسَدِّ الذرائع المفضية إليه من الغلو إن في الأشخاص المحسوسة أو في الأفكار المعقولة ، فالغلو فِي قِيَاسِ العقل وإحسان الظن به فِي مُقَابِلِ إساءة الظن بالوحي ، كل أولئك من أعظم الذرائع المفضية إلى الشرك في التصور والحكم ، وهو ما نهى عنه الوحي ، فَنَهَى عن الإطراء الكاذب ، فـ : "لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ" ، ونهى عن الحكم بغير ما نَزَلَ من الوحي الشارع ، فذلك ، لو تدبرته ، من أفحش أَجْنَاسِ الْغُلُوِّ ، فثم إعجاب بالرأي والهوى يحمل صاحبه أن يستبدله بالوحي ، فهو مِمَّنْ فَسَدَ قِيَاسُهُ وإن زعم أنه صاحب عقل وحكمة ، فَلَوْ هُدِيَ وَسُدِّدَ وَأُعِينَ أن يسلك جادة الحق فهي الغاية في الحكمة التي يَنْتَحِلُهَا زورا ، لو حصل له شيء من ذلك ما استبدل الأدنى من الوضع بالأعلى من الوحي ، فكافأ التوحيدُ الإيمانَ من هذا الوجه ، فالتوحيد يستغرق الباطن اعتقادا ، وذلك يستغرق توحيد الاسم والوصف ، وتوحيد الفعل ، فعل الرُّبُوبِيَّةِ خَلْقًا وَتَدْبِيرًا وَتَشْرِيعًا .... إلخ ، ويستغرق الظاهر وهو توحيد التأله أن يفرد الرب ، جل وعلا ، بالعبادة ، ما بطن منها وما ظهر ، ما خص وما عم ، فَيَتَأَلَّهُ الفرد أن يطيع الأمر والنهي الخاص ، وَتَتَأَلَّهُ الجماعة أن تطيع في شرعها فلا تخرج عن منهاج ربها ، جل وعلا ، لا في قضاء ولا في سياسة .... إلخ .
والشاهد أن ثَمَّ تناقضا بين أصل التوحيد وأصل التشريك ، أو بين أصل الإيمان وأصل الكفران ، فالتوحيد ، كما تقدم ، يقابل الإيمان ، سواء أقيل إِنَّهُ بعضه ، أو إِنَّهُ يرادفه ، أو إِنَّهُ يَسْتَغْرِقُهُ وَيَزِيدُ عليه بالنظر في معنى التوحيد الأعم الذي يَسْتَغْرِقُ الباطن والظاهر ، والتشريك ، من وجه ثان يقابل الكفران ، فإن كل شرك كفر سواء أكان أصغر أم أكبر ، ولا عكس ، فدائرة الكفر أعم ، إذ منه كفر الشرك ، وكفر الكبر والإباء ، وكفر الإعراض ، وكفر التكذيب ...... إلخ ، ولو تَدَبَّرْتَهَا جميعا لوجدتها لا تخلوا من معنى الشرك ، وإن لَطُفَ وَدَقَّ ، فلا يكون كِبْرٌ إلا أن يكون ثم هوى ينازع الوحي منصب السيادة فيكون الشرك من هذا الوجه ، ولا يكون تكذيب إلا والمحل قد اشتغل بضد ما كذب ، فإن رد خبر الوحي أو عطل فإنه يشرك في التصور بما حل في القلب من معنى باطل هو نِتَاجُ التعطيل أو التأويل الفاسد ، فيحصل الشرك في التصور أن يُتَّخَذَ غير الوحي **در إخبار ومادة انتحال إن في الإثبات أو في النفي ، فيكون الشرك بهوى ينازع أخبار الوحي فهي معدن التصور الصحيح ، فيجتهد العقل إذ خرج عن سلطان الوحي يجتهد في تكذيب أخباره إما جهرا ، وإما خفية بتأويل لطيف يتذرع به أن يَرُدَّ أخبار الوحي فهو يؤمن باللفظ ويجتهد في تحريف المعنى أن يوافق ما يهوى فحقيقة الأمر أنه ما آمن بالكتاب المنزَّلِ إذ الإيمان بأي نص يكون إيمانا بلفظه رواية ومعناه دراية ، والمعنى لا يدرك بالهوى ، وإنما يدرك بما اشتهر في لسان المتكلم من دلالات الألفاظ وطرائق الأداء التي يحصل بها البيان ، فثم بيان الإفراد وهو دلالة المعجم ، وثم بَيَانٌ ثان وهو بَيَانُ التركيب بِالنَّظَرِ فِي قَرَائِنِ السياق الَّذِي وَرَدَ اللَّفْظُ فِيهِ ، وذلك مما عمت به البلوى في الخبر وفي الحكم جميعا ، فَثَمَّ من أهل الباطن من جاوز حد العقل واللسان فضلا عن مجاوزته حد التنزيل ، فتأول الأحكام قطعية الدلالة سواء أكانت من أحكام التكليف الخاصة من الصلاة والزكاة ..... إلخ ، أم من أحكام التشريع العامة فكان الاجتهاد في خطاب الباطن المعاصر ! ، خطاب الحداثة وما بعدها ، أن يجتهد النظار في التأويل فالوحي كتاب مفتوح فلا قدسية ولا عصمة وإنما يخضع لمعيار النقد البشري كأي نص أدبي ، فكان أن اجترأ من اجترأ فهو يطعن في دلالاته ويتأول أحكامه ، وقد يتلطف فيعظم الشرع بجعله منظومة قيم عليا لا أثر لها في التشريع المفصل ، وإنما غايتها نوع توجيه عام إلى مقاصد رئيسة أجمع عليها عقلاء الأمم فلا يحصل بها التمايز بين الملل والنحل ، وذلك ما يَنْزَعُ من الوحي معنى الفضل الذي امتاز به عن سائر مناهج الوضع ، فالكفر منه تكذيب ، فليس التكذيب نوعه الوحيد ، كما أن الإيمان يدخل في حده التصديق ، لا أنه محض التصديق المجرد الذي يحصل في القلب بلا أثر من إذعان وانقياد يَزِيدُ فَضْلًا عن عمل القلب فَأَيُّ تصور معتبر لا بد أن يحصل به في القلب إرادة فعل أو ترك ، وهذه الإرادة ، من وجه ، عمل باطن ، ومن وجه آخر ، منشأ العمل الظاهر ، في القول والعمل ، في الفعل والترك ، فلا يقتصر الناظر في حد الكفر على التكذيب فمنه أنواع ، كما تقدم ، كما لا يقتصر في حد الإيمان على التصديق ، فالإيمان اسم ذو شعب وأركان منها الباطن ومنها الظاهر ، منها ما يزول أصل الدين بزواله ، ومنها ما يزول كماله الواجب بزواله ، فثم هيئة مجموعة من اعتقاد وقول وعمل ، وكل شطر منها تحته أنواع من الاعتقادات والأقوال والأعمال ، والأنواع تحتها آحاد على وجه لو تدبره المكلف لعلم عظم جنايةِ من انتحل الإرجاء إذ أخرج من الإيمان جملة عظيمة من الشعب فيكاد الإيمان بهذا الحد الجامع يستغرق جميع أحوال المكلف من العقد الباطن والشرع الظاهر ، فلا يخلو من تكليف ، ولو بالسكوت ، فـ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" ، أو بالترك ، فـ : "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" ، والهجر ترك لا يتلبس صاحبه بالفعل ، وكذلك الكفر الذي يقابل الإيمان فهو اسم ذو شعب ، ومنها أصول ، فأصل الكفر التكذيب والجحود فلا يجامع ، بداهة ، أصل الإيمان من التصديق والإقرار ، فثم من الكفر أصل فلا يجامع بداهة أصل الإيمان في محل واحد ، فهما ، كما قرر أهل النظر ، نقيضان ، لا يجتمعان ولا يرتفعان فلا بد من ثبوت أحدهما في المحل وارتفاع الآخر وانتفائه ، وثم من الكفر شعب تنقض أصل الإيمان ، إن بالفعل كالسجود لغير الله ، جل وعلا ، أو بالترك ، كترك التحاكم إلى الوحي ، على تفصيل في ذلك ، وثم منه شعب تَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، وهي شعب الكفر الأصغر فلا تقدح في الأصل ، وإن كانت ، من وجه آخر ، بَرِيدَ الكفر الأكبر ، فهي محرمة لذاتها ، من وجه ، ومحرمة لغيرها أنها ذريعة إلى الكفر الأكبر فَيُنْهَى عَنْهَا سدا لذريعة الكفر الأكبر ، فلا تقدح ابتداء في أصل الإيمان إلا أن تستحل أو يقترفها المكلف استخفافا بالوحي واستهزاء ، فتقدح ، ابتداء ، في الكمال الواجب دون الأصل الجامع ، فَتُنْقِصُ من الإيمان ، على وجه يحصل فيه التدافع بين مادة الخير ومادة الشر ، والقلب لمن غَلَبَ ، فإن تَزَكَّى بمادة الوحي قَوِيَ الخير وغلب وإن أعرض عنها ضعف الإيمان ونقص ، بل قد ينتقض إما بجحد أصل الإيمان أو اقتراف ناقض له ، إن باطنا أو ظاهرا ، فحصل التقابل بين الشرك والكفر ، كما حصل بين التوحيد والإيمان ، وكان الجزاء ، أيضا ، من *** العمل ، فمن لم يَتَزَكَّ بالوحي في الأولى فيقبل على كلام الرب ، جل وعلا ، تلاوة ونظرا وتأويلا صحيحا أن يصدق الخبر ويمتثل الحكم في كل دقيق وجليل في مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف فلا يحصل إيمان ينفع إلا أن يكون الوحي هو المرجع حال التنازع ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وحال التَّوَافُقِ من باب أولى ، فذكر التنازع في هذا السياق لا يخصصه ، وإنما يجري مجرى التمثيل لعام بِذِكْرِ أحد شطريه ، فلا تخلو الحال من اتفاق واختلاف ، تَوَافُقٍ وَتَنَازُعٍ ، ولا يحصل إيمان يَنْفَعُ إلا بكمال التسليم للوحي في كِلْتَا الحالين ، فمن لم يَتَزَكَّ بالوحي في الأولى تلاوة ونظرا وتصديقا وامتثالا ، كما تقدم ، فجزاؤه من *** العمل ، فـ : (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، فلا تحصل تَزْكِيَةٌ في الآخرة إن لم تكن تَزْكِيَةٌ تضاهيها في الأولى بانتهاج الوحي تصديقا وامتثالا ، فثم تلازم بين الحالين ، تلازم السبَّب والمسبَّب ، فتزكية النفس في الأولى سَبَبٌ في تزكية الرب ، جل وعلا ، لها في الآخرة ، وذلك ما يحصل بالكلام والنظر ، على جهة الرضى ، وإلا فثم كلام ونظر على جهة التسخط ، فذلك من أعظم العقاب وأشده ، فوجب التقييد من هذا الوجه ، فلا يكلمهم ولا ينظر إليهم على حد الرضى بما تحصل به التزكية ، وتلك في المقابل ، أعظم المنن من مُنْزِلِ الملل ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فجاء الوعيد خبرا : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وقد صدر بالناسخ إمعانا في التوكيد ، وِزِدْ عليه دلالة الاسمية ودلالة العموم في الموصول "الذين" ولا يخلو من دلالة إجمال يفتقر إلى البيان وهو ما يحصل به التشويق وذلك آكد في التقرير والترسيخ للمعنى ، ولا يخلو من دلالة صريحة في الاستدلال أن جاءت الصلة "يشترون" مناط تعليل صحيح على وجه يدركه العقل فيحصل به الاعتبار في الطرد والعكس ، ومعنى الاشتراء الذي اشتقت منه الصلة مما استعير من شراء السلع المحسوسة لشراء السلع المعقولة ، فالباء في "بعهد الله" مئنة من الثمنية إذ تدخل على الثمن فقد بذل العهد واليمين ثمنا لِعَرَضٍ قليل ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الاشتراء في أصل الوضع مئنة من مطلق الاستبدال وهو *** تنقسم موارده في الخارج فثم استبدال محسوس وآخر معقول ، كما في هذا السياق ، والقرينة هي التي تعين مراد المتكلم فلا حاجة إلى تكلف مجاز باستعارة أو نحوه ، فالاشتراء حقيقة في مطلق الاستبدال وهو ، كما تقدم ، يعم كلا الوجهين ، المحسوس والمعقول على جهة الحقيقة بأصل الوضع والسياق يرجح أحدهما فيكون ذلك من المجمل بالاشتراك فلا بد من دليل من خارج يرجح أحد وجهي المشترك ، وقد حدت الصلة "يشترون" على جهة المضارعة فَبِهَا يستحضر المعنى في سياق الذم فهو آكد في تَنْفِيرِ الناظر من سبب الوعيد الهائل ، فضلا أنه معنى يتكرر في كل عصر و**ر ، فحسن أن يرد الفعل مضارعا ليستغرق الجميع ممن آثروا الأولى فباعوا لأجلها الآخرة ، وقد أضيف العهد إلى الرب ، جل وعلا ، فإما أن يكون ذلك من إضافة الوصف إلى الموصوف فعهد الله ، جل وعلا ، ما أَنْزَلَ على رسله ، عليهم السلام ، من أخبار التوحيد وأحكام التشريع ، وذلك من كلامه ، وكلامه من وصفه ، كما قرر أهل الشأن ، وقد يكون من إضافة المخلوق إلى الخالق ، بالنظر في فعل العبد إذ يلتزم العهد فيصدق ويمتثل فذلك فعلٌ مخلوقٌ يوقعه المكلف على وجه أنيط به المدح إن آمن ، والذم إن كفر ، وقل مثله في الأيمان ، فهي أيمان التوحيد ، والتوحيد إن نظر في مادته فهي وحي يضاف إلى الرب ، جل وعلا ، إضافة الكلام إلى المتكلم ، فهو من إضافة الوصف إلى الموصوف ، كما تقدم ، وإن نُظِرَ في اكتساب المكلَّف لأسبابه فهو من فِعْلِهِ فَتَكُونُ الإضافة في : (أَيْمَانِهِمْ) ، إضافة فعل إلى فاعل يكتسب ، أو إضافة وصف إلى موصوف ، فاليمين توحيدا ، بالتصديق والامتثال ، من وصف الموحد الذي يقوم به فلا يستقل في الخارج بنفسه وإنما يقوم بذات توصف به فهي تصدق وتمتثل .
والوعيد في الآية يفيد الإنشاء نهيا أن يشتري المكلف بعهد الله ، ويمينه ثمنا قليلا ، فالوعيد خبرا يستلزم في دلالة العقل الصريح ، يستلزم النهي إنشاء ، ويستلزم ، من وجه آخر ، على جهة التلازم ، طردا وعكسا ، يستلزم الأمر بضده لِيَسْلَمَ المكلف من الوعيد ، وهو ، أيضا ، يفيد الوعد بدلالة الطرد والعكس ، فمن عَظَّمَ العهد واليمين فَلَهُ من كلام الرضى ونظره وتزكيته ما لا يكون لمن لم يعظم العهد واليمين فاشترى به الثمن القليل ، فلا حظ له في الآخرة ولا نصيب ، فـ : (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ، فجاء الخبر على حد الاسمية مئنة من الثبوت وذلك آكد في المساءة بالوعيد ، وقد أشار إليهم إشارة البعيد مئنة من التحقير ، والإشارة بالبعيد ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما يجري مجرى الأضداد إذ تحتمل التعظيم وضده من التحقير وقرينة السياق هي التي ترجح أحد الوجهين ، وقد رجحت هنا معنى التحقير ، كما تقدم ، فالإشارة إلى مذموم دَنِيِّ الرُّتْبَةِ بَعِيدِ الدَّرَكَةِ ، وجاء الخبر ، أيضا ، على حد الاسمية ، فـ : (لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ، فضلا عن دلالة العموم ، فقد وردت النكرة في سياق النفي فأفادت العموم ، من هذا الوجه ، فلا خلاق لهم ، أي خلاق ! ، لا الخلاق المعقول رضى من رب العبيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ولا الخلاق المحسوس باللذات في دار النعيم ، وذلك ما يرشح دلالة الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فيكون العهد صدر الآية عهد التوحيد ، ويكون اليمين يَمِينَ الإيمان التي لا تحصل نجاة في الآخرة إلا بها ، وإلا فلا خلاق ولا حظ ، ولا يكون نَفْيُ ذلك على جهة العموم إلا في حق الكافر الذي جحد وكذب ، ابتداء ، أو اقترف من القول أو العمل ما ينقض أصل الدين سواء أكان ذلك في الباطن أم في الظاهر ، وثم إجمال إذ نفى الحظ ، ومن ثم جاء البيان بإطناب آخر يزيد في النكاية وذلك آكد في التحذير ، ولا يخلو التعاطف من دلالة خصوص بعد عموم ، فلا حظ لهم من الخير ، ومن أعظمه وأشرفه الكلام والنظر والتزكية ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة التعاطف بين المسبَّب والسبب ، فلا يكون ثم حظ يَنْفَعُ في الآخرة إلا أن يكون ثم كلام الرضى ونظره وَتَزْكِيَتُهُ ، وقد أطنب بتكرار أداة النفي في قوله تعالى : (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ) ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى على ما تقدم مرارا من زيادة المعنى فرعا على زيادة المبنى ، ومن ثَمَّ جاء الختام بالوعيد على حد الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير في قوله تعالى : (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فضلا عن دلالة اللام فهي لام الاستحقاق والاختصاص ، وذلك آكد في النكاية فضلا عن دلالة العموم إذ الضمير في "لهم" ضمير الجمع وهو ما يعم كل من تقدم ذكره على حد الوصل العام في "الذين" ، ومناط الفائدة المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو اشتراؤهم بعهد الله ، جل وعلا ، وأيمانهم ثَمَنًا قليلا من عرض الدنيا ، وإن كان جليلا في معيار البشر من جاه يعظم أو مال يكثر فكل ما تباع لأجله الأخرة من عرض الدنيا ، كله قليل حقير وإن كثر وعظم في معيار البشر ، فدلالة الضمير في الوعيد في : (لَهُمْ) ، دلالة الضمير إذ يعم بالنظر في معنى التغليب فيعم كل من يصدق فيه المعنى الذي اشتقت منه الصلة صدر الآية فهو مناط التعليل ، فيعم الرجل والمرأة ، الشاهد والغائب ، الموجود والمعدوم ، وذلك ، أيضا ، آكد في النكاية إذ يعمهم العذاب جميعا ، وقد نكر العذاب مئنة من التعظيم ، فضلا أنه يوطئ لوصفه وهو ما يزيد في النكاية فهو العذاب الأليم ، وذلك وصف المبالغة وهو آكد في الوعيد ، فضلا أنه مما ناب عن اسم الفاعل فهو المؤلِم ، فمؤلِم اسم فاعل من الرباعي آلم وذلك حد المبالغة كما قرر صاحب الكتاب ، رحمه الله ، فلا تكون فعيل مئنة من المبالغة إلا إن كان تأويلها في المعنى اسم فاعل من مادتها ، والوصف بالأليم مما يرشح دلالة الفعل الناقض لأصل الدين باستقراء موارد التنزيل فلا يكون العذاب الأليم في الغالب إلا لمن كفر الكفر الأكبر ، وإن احتمل في مواضع الكفر الأصغر ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فالإلحاد بالظلم في الحرم منه الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، ومنه العصيان الناقض لكماله الواجب ، فيكون العذابب الأليم في هذا السياق محل اشتراك فيصح حمله على كلا الوجهين ، فيحمل في أحوال على ما دون العذاب المؤبد في نار الخلد ، فقد يحمل على عذاب مؤقت في نار التطهير لمن اقترف في الحرم معصية لا استحلالا ولا استهزاء ، وهي في نفسها مما لا ينقض أصل الإيمان ، فيحمل على كلا الوجهين ، كما تقدم ، على قول من يجيز عموم الدلالة في اللفظ المشترك .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فذلك مِمَّا توجه فِيهِ العقاب بانْتِفَاءِ الكلام والنظر وَزِيدَ انْتِفَاءُ التَّزْكِيَةِ وهي مئنة من التطهير ولا يخلو عطفها على الكلام والنظر ، لا يخلو ذلك من دلالة التعاطف بين المتلازمين ، فالتزكية تحصل من كلام الرضى ونظره ، وهي ، من وجه آخر ، مما تحصل في الدار الأولى بسلوك جادة الوحي المنزل ، وهو كلام الرب ، جل وعلا ، خبرا وإنشاء ، فثم تلازم واقتران بَيْنَ الكلام والتزكية إن في الأولى أو في الآخرة ، ففي الأولى تكون تزكية النفس بتصديق الخبر بلا تأويل ، وامتثال الحكم بلا تعطيل ، وكلما كانت النفس إلى الوحي أقرب كانت أزكى وأطيب ، فَلَا تَكُونُ تَزْكِيَةٌ في الحال على وجه يحصل به تأويل الغاية من خلق الجن والإنس ، وهي العبادة وبها وحدها تكون السعادة والنجاة ، لا تكون هذه التزكية إلا أن يَتَأَوَّلَ النَّاظِرُ الوحيَ ، أخبارا وأحكاما ، فَيُصَدِّقَ وَيَمْتَثِلَ ، والتزكية كسائر أسماء الشرع وألقابه إذ يحصل فيها التفاوت ، فَثَمَّ قدر واجب لا يحصل مطلق الاسم إلا به ، وهو القدر اللازم لحصول أصل الدين المطلق ، وإن فات كماله الواجب ، فيحصل مطلق التزكية بأصل التوحيد في الباطن والظاهر ، في القول والعمل ، وذلك ما يشترط فيه انتفاء الناقض ، فلا بد من تخلية المحل من أسباب الشرك والكفر الأكبر فلا تجامع أصل التزكية من مطلق التوحيد ، إذ ثم تناقض بين أصل التوحيد وأصل التشريك ، أو بين أصل الإيمان وأصل الكفران ، فالتوحيد في الشطر الأول يقابل الإيمان في الشطر الثاني فالتوحيد أخص ، إذ أركان الإيمان تستغرق التوحيد فهو الركن الأول ، ركن الإيمان بالله ، جل وعلا ، ولا يكون ذلك إلا بتوحيد الله ، جل وعلا ، في الاسم والوصف ، وتوحيده في الفعل والحكم ربوبية ، فَلَهُ حكم التكوين إيجادا وإعداما ، إعطاء ومنعا ، وَلَهُ حكم التشريع ، إن في الخبر ، إثباتا ونفيا ، فثم تكليف أول بالتصديق ، وثم تكليف يلازمه إذ لا يخلو الخبر لا سيما في موارد الوعد والوعيد لا يخلو من دلالة الإنشاء ، فخبر الوعد لازمه إنشاء الأمر ، وخبر الوعيد ، كما في هذه الآية ، لازمه إنشاء النهي ، فاطرد الحكم وانعكس ، فيحصل التوحيد التام بتحرير أجناسه الثلاثة ، توحيد الخبر ، اسما ووصفا فذلك *** أول ، وتوحيد الفعل فذلك *** ثان ، وتوحيد العبد بأقواله وأفعاله ، ما بطن من عقد ، وما ظهر من شرع ، على وجه يحصل به أصل الدين الجامع ولا ينفع ، كما تقدم ، إلا أن يَنْتَفِيَ كل قادح في التوحيد ، إن من نواقضه الباطنة كاعتقاد الشرك أو النقص في حق الرب ، جل وعلا ، أو سوء الظن بالوحي على وجه يفضي إلى تعطيله وهو الأعلى واستبدال الوضع المحدث به ، وهو الأدنى ، إن في الأخبار فتأويلات المعطلة أدنى ، بداهة ، من أخبار الإثبات والنفي في كلام الوحي المحكم الذي به وحده يحصل التصور الصحيح وهو ، كما تقدم ، مبدأ العمل الصالح في النطق والفعل ، فيكون استبدال الأدنى من الوضع المحدث بالأعلى من الوحي المنزَّل إن في الأخبار ، كما تقدم ، أو في الأحكام ، ولو بِتَعْطِيلِ حكم واحد ، فذلك من إساءة الظن بِالرَّبِّ ، جل وعلا ، على وجه يَنْقُضُ أصلَ الدين الجامع ، فكيف إن عطل الشرع كله ، بتعطيل الأصل أن تكون السيادة للوحي ، ولو في الجملة ، وإن حصل نقص ففي تحقيق مناطه عصيانا لا استبدالا لغيره به كُفْرَانًا ، أو اقْتِرَافِ ما يَنْقُضُهُ من نواقض الدين الباطنة أو الظاهرة ، فكل أولئك مما يحصل به التوحيد الأخص الذي يقابل الإيمان الأعم ، فإن الإيمان ، كما تقدم ، أعم في الدلالة من التوحيد ، وذلك حال اجتماعهما في سياق واحد ، فالتوحيد بعض الإيمان ، فالإيمان اسم ذُو شعب وأركان أعلاها وآكدها إيجابا شعبة التوحيد ، وهي ، كما تقدم ، هي ، أيضا ، اسم ذو شعب وأركان ، فَثَمَّ توحيد الخبر ، وَثَمَّ توحيد الطلب ، وثم توحيد العلم وثم توحيد العمل ، ولو تدبرت في التوحيد ، من وجه آخر ، لوجدته يَعُمُّ محال التكليف ما بطن منها وما ظهر ، على وجه يكافئ الإيمان وَيُرَادِفُهُ ، ولو من وجه ، فإن من التوحيد توحيد العقد وهو يستغرق أركان الإيمان الستة فكلها من الأخبار التي يجب التصديق بها ، ولا يجزئ تصديق محض لا يشفع بلازمه من الإقرار والإذعان وكمال الانقياد ، وذلك قدر يزيد على مطلق التصديق ، ومن التوحيد توحيد النطق أن يشهد اللسان شهادة التوحيد ولا تَنْفَعُ هذه الشهادة إلا أن تشفع بشهادة الجوارح ، ولو ب*** العمل دون جميع آحاده ، فلا بد من حصول قدر من العمل به يحصل *** الحقيقة في الخارج من انقياد الجوارح ، فضلا عن التزام الشرع منهاجا يحكم ، وإن خالف في آحاد منه ، فعصيانا باعثه شهوة محرمة لا كفرانا باعثه شبهة يسيئ صاحبها الظن بالوحي أنه لا يجزئ في حصول الكفاية في الأولى والآخرة ، فمن ظن هذا الظن فإنه لا محالة مُحْدِثٌ في الديانة من الأحكام ما يضاهي أحكام الوحي إذ يظن فِيمَا يُحْدِثُ من الأحكام ، يظن فيه السلامة وذلك من الإعجاب بالرأي ، وإن شئت الدقة فَقُلْ من اتِّبَاعِ الهوى ، وهو مَنْشَأُ كُلِّ انحراف حصل من لدن حصل الشرك الأول ، فما كان إلا قياسا فاسدا وتشهيا في الإرادة أعرض أصحابه عن محكم الديانة التي جاءت بما يحسم مادة الشرك بِسَدِّ الذرائع المفضية إليه من الغلو إن في الأشخاص المحسوسة أو في الأفكار المعقولة ، فالغلو فِي قِيَاسِ العقل وإحسان الظن به فِي مُقَابِلِ إساءة الظن بالوحي ، كل أولئك من أعظم الذرائع المفضية إلى الشرك في التصور والحكم ، وهو ما نهى عنه الوحي ، فَنَهَى عن الإطراء الكاذب ، فـ : "لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ" ، ونهى عن الحكم بغير ما نَزَلَ من الوحي الشارع ، فذلك ، لو تدبرته ، من أفحش أَجْنَاسِ الْغُلُوِّ ، فثم إعجاب بالرأي والهوى يحمل صاحبه أن يستبدله بالوحي ، فهو مِمَّنْ فَسَدَ قِيَاسُهُ وإن زعم أنه صاحب عقل وحكمة ، فَلَوْ هُدِيَ وَسُدِّدَ وَأُعِينَ أن يسلك جادة الحق فهي الغاية في الحكمة التي يَنْتَحِلُهَا زورا ، لو حصل له شيء من ذلك ما استبدل الأدنى من الوضع بالأعلى من الوحي ، فكافأ التوحيدُ الإيمانَ من هذا الوجه ، فالتوحيد يستغرق الباطن اعتقادا ، وذلك يستغرق توحيد الاسم والوصف ، وتوحيد الفعل ، فعل الرُّبُوبِيَّةِ خَلْقًا وَتَدْبِيرًا وَتَشْرِيعًا .... إلخ ، ويستغرق الظاهر وهو توحيد التأله أن يفرد الرب ، جل وعلا ، بالعبادة ، ما بطن منها وما ظهر ، ما خص وما عم ، فَيَتَأَلَّهُ الفرد أن يطيع الأمر والنهي الخاص ، وَتَتَأَلَّهُ الجماعة أن تطيع في شرعها فلا تخرج عن منهاج ربها ، جل وعلا ، لا في قضاء ولا في سياسة .... إلخ .
والشاهد أن ثَمَّ تناقضا بين أصل التوحيد وأصل التشريك ، أو بين أصل الإيمان وأصل الكفران ، فالتوحيد ، كما تقدم ، يقابل الإيمان ، سواء أقيل إِنَّهُ بعضه ، أو إِنَّهُ يرادفه ، أو إِنَّهُ يَسْتَغْرِقُهُ وَيَزِيدُ عليه بالنظر في معنى التوحيد الأعم الذي يَسْتَغْرِقُ الباطن والظاهر ، والتشريك ، من وجه ثان يقابل الكفران ، فإن كل شرك كفر سواء أكان أصغر أم أكبر ، ولا عكس ، فدائرة الكفر أعم ، إذ منه كفر الشرك ، وكفر الكبر والإباء ، وكفر الإعراض ، وكفر التكذيب ...... إلخ ، ولو تَدَبَّرْتَهَا جميعا لوجدتها لا تخلوا من معنى الشرك ، وإن لَطُفَ وَدَقَّ ، فلا يكون كِبْرٌ إلا أن يكون ثم هوى ينازع الوحي منصب السيادة فيكون الشرك من هذا الوجه ، ولا يكون تكذيب إلا والمحل قد اشتغل بضد ما كذب ، فإن رد خبر الوحي أو عطل فإنه يشرك في التصور بما حل في القلب من معنى باطل هو نِتَاجُ التعطيل أو التأويل الفاسد ، فيحصل الشرك في التصور أن يُتَّخَذَ غير الوحي **در إخبار ومادة انتحال إن في الإثبات أو في النفي ، فيكون الشرك بهوى ينازع أخبار الوحي فهي معدن التصور الصحيح ، فيجتهد العقل إذ خرج عن سلطان الوحي يجتهد في تكذيب أخباره إما جهرا ، وإما خفية بتأويل لطيف يتذرع به أن يَرُدَّ أخبار الوحي فهو يؤمن باللفظ ويجتهد في تحريف المعنى أن يوافق ما يهوى فحقيقة الأمر أنه ما آمن بالكتاب المنزَّلِ إذ الإيمان بأي نص يكون إيمانا بلفظه رواية ومعناه دراية ، والمعنى لا يدرك بالهوى ، وإنما يدرك بما اشتهر في لسان المتكلم من دلالات الألفاظ وطرائق الأداء التي يحصل بها البيان ، فثم بيان الإفراد وهو دلالة المعجم ، وثم بَيَانٌ ثان وهو بَيَانُ التركيب بِالنَّظَرِ فِي قَرَائِنِ السياق الَّذِي وَرَدَ اللَّفْظُ فِيهِ ، وذلك مما عمت به البلوى في الخبر وفي الحكم جميعا ، فَثَمَّ من أهل الباطن من جاوز حد العقل واللسان فضلا عن مجاوزته حد التنزيل ، فتأول الأحكام قطعية الدلالة سواء أكانت من أحكام التكليف الخاصة من الصلاة والزكاة ..... إلخ ، أم من أحكام التشريع العامة فكان الاجتهاد في خطاب الباطن المعاصر ! ، خطاب الحداثة وما بعدها ، أن يجتهد النظار في التأويل فالوحي كتاب مفتوح فلا قدسية ولا عصمة وإنما يخضع لمعيار النقد البشري كأي نص أدبي ، فكان أن اجترأ من اجترأ فهو يطعن في دلالاته ويتأول أحكامه ، وقد يتلطف فيعظم الشرع بجعله منظومة قيم عليا لا أثر لها في التشريع المفصل ، وإنما غايتها نوع توجيه عام إلى مقاصد رئيسة أجمع عليها عقلاء الأمم فلا يحصل بها التمايز بين الملل والنحل ، وذلك ما يَنْزَعُ من الوحي معنى الفضل الذي امتاز به عن سائر مناهج الوضع ، فالكفر منه تكذيب ، فليس التكذيب نوعه الوحيد ، كما أن الإيمان يدخل في حده التصديق ، لا أنه محض التصديق المجرد الذي يحصل في القلب بلا أثر من إذعان وانقياد يَزِيدُ فَضْلًا عن عمل القلب فَأَيُّ تصور معتبر لا بد أن يحصل به في القلب إرادة فعل أو ترك ، وهذه الإرادة ، من وجه ، عمل باطن ، ومن وجه آخر ، منشأ العمل الظاهر ، في القول والعمل ، في الفعل والترك ، فلا يقتصر الناظر في حد الكفر على التكذيب فمنه أنواع ، كما تقدم ، كما لا يقتصر في حد الإيمان على التصديق ، فالإيمان اسم ذو شعب وأركان منها الباطن ومنها الظاهر ، منها ما يزول أصل الدين بزواله ، ومنها ما يزول كماله الواجب بزواله ، فثم هيئة مجموعة من اعتقاد وقول وعمل ، وكل شطر منها تحته أنواع من الاعتقادات والأقوال والأعمال ، والأنواع تحتها آحاد على وجه لو تدبره المكلف لعلم عظم جنايةِ من انتحل الإرجاء إذ أخرج من الإيمان جملة عظيمة من الشعب فيكاد الإيمان بهذا الحد الجامع يستغرق جميع أحوال المكلف من العقد الباطن والشرع الظاهر ، فلا يخلو من تكليف ، ولو بالسكوت ، فـ : "مَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ" ، أو بالترك ، فـ : "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" ، والهجر ترك لا يتلبس صاحبه بالفعل ، وكذلك الكفر الذي يقابل الإيمان فهو اسم ذو شعب ، ومنها أصول ، فأصل الكفر التكذيب والجحود فلا يجامع ، بداهة ، أصل الإيمان من التصديق والإقرار ، فثم من الكفر أصل فلا يجامع بداهة أصل الإيمان في محل واحد ، فهما ، كما قرر أهل النظر ، نقيضان ، لا يجتمعان ولا يرتفعان فلا بد من ثبوت أحدهما في المحل وارتفاع الآخر وانتفائه ، وثم من الكفر شعب تنقض أصل الإيمان ، إن بالفعل كالسجود لغير الله ، جل وعلا ، أو بالترك ، كترك التحاكم إلى الوحي ، على تفصيل في ذلك ، وثم منه شعب تَنْقُضُ كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، وهي شعب الكفر الأصغر فلا تقدح في الأصل ، وإن كانت ، من وجه آخر ، بَرِيدَ الكفر الأكبر ، فهي محرمة لذاتها ، من وجه ، ومحرمة لغيرها أنها ذريعة إلى الكفر الأكبر فَيُنْهَى عَنْهَا سدا لذريعة الكفر الأكبر ، فلا تقدح ابتداء في أصل الإيمان إلا أن تستحل أو يقترفها المكلف استخفافا بالوحي واستهزاء ، فتقدح ، ابتداء ، في الكمال الواجب دون الأصل الجامع ، فَتُنْقِصُ من الإيمان ، على وجه يحصل فيه التدافع بين مادة الخير ومادة الشر ، والقلب لمن غَلَبَ ، فإن تَزَكَّى بمادة الوحي قَوِيَ الخير وغلب وإن أعرض عنها ضعف الإيمان ونقص ، بل قد ينتقض إما بجحد أصل الإيمان أو اقتراف ناقض له ، إن باطنا أو ظاهرا ، فحصل التقابل بين الشرك والكفر ، كما حصل بين التوحيد والإيمان ، وكان الجزاء ، أيضا ، من *** العمل ، فمن لم يَتَزَكَّ بالوحي في الأولى فيقبل على كلام الرب ، جل وعلا ، تلاوة ونظرا وتأويلا صحيحا أن يصدق الخبر ويمتثل الحكم في كل دقيق وجليل في مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف فلا يحصل إيمان ينفع إلا أن يكون الوحي هو المرجع حال التنازع ، فـ : (إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وحال التَّوَافُقِ من باب أولى ، فذكر التنازع في هذا السياق لا يخصصه ، وإنما يجري مجرى التمثيل لعام بِذِكْرِ أحد شطريه ، فلا تخلو الحال من اتفاق واختلاف ، تَوَافُقٍ وَتَنَازُعٍ ، ولا يحصل إيمان يَنْفَعُ إلا بكمال التسليم للوحي في كِلْتَا الحالين ، فمن لم يَتَزَكَّ بالوحي في الأولى تلاوة ونظرا وتصديقا وامتثالا ، كما تقدم ، فجزاؤه من *** العمل ، فـ : (لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) ، فلا تحصل تَزْكِيَةٌ في الآخرة إن لم تكن تَزْكِيَةٌ تضاهيها في الأولى بانتهاج الوحي تصديقا وامتثالا ، فثم تلازم بين الحالين ، تلازم السبَّب والمسبَّب ، فتزكية النفس في الأولى سَبَبٌ في تزكية الرب ، جل وعلا ، لها في الآخرة ، وذلك ما يحصل بالكلام والنظر ، على جهة الرضى ، وإلا فثم كلام ونظر على جهة التسخط ، فذلك من أعظم العقاب وأشده ، فوجب التقييد من هذا الوجه ، فلا يكلمهم ولا ينظر إليهم على حد الرضى بما تحصل به التزكية ، وتلك في المقابل ، أعظم المنن من مُنْزِلِ الملل ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فجاء الوعيد خبرا : (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وقد صدر بالناسخ إمعانا في التوكيد ، وِزِدْ عليه دلالة الاسمية ودلالة العموم في الموصول "الذين" ولا يخلو من دلالة إجمال يفتقر إلى البيان وهو ما يحصل به التشويق وذلك آكد في التقرير والترسيخ للمعنى ، ولا يخلو من دلالة صريحة في الاستدلال أن جاءت الصلة "يشترون" مناط تعليل صحيح على وجه يدركه العقل فيحصل به الاعتبار في الطرد والعكس ، ومعنى الاشتراء الذي اشتقت منه الصلة مما استعير من شراء السلع المحسوسة لشراء السلع المعقولة ، فالباء في "بعهد الله" مئنة من الثمنية إذ تدخل على الثمن فقد بذل العهد واليمين ثمنا لِعَرَضٍ قليل ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الاشتراء في أصل الوضع مئنة من مطلق الاستبدال وهو *** تنقسم موارده في الخارج فثم استبدال محسوس وآخر معقول ، كما في هذا السياق ، والقرينة هي التي تعين مراد المتكلم فلا حاجة إلى تكلف مجاز باستعارة أو نحوه ، فالاشتراء حقيقة في مطلق الاستبدال وهو ، كما تقدم ، يعم كلا الوجهين ، المحسوس والمعقول على جهة الحقيقة بأصل الوضع والسياق يرجح أحدهما فيكون ذلك من المجمل بالاشتراك فلا بد من دليل من خارج يرجح أحد وجهي المشترك ، وقد حدت الصلة "يشترون" على جهة المضارعة فَبِهَا يستحضر المعنى في سياق الذم فهو آكد في تَنْفِيرِ الناظر من سبب الوعيد الهائل ، فضلا أنه معنى يتكرر في كل عصر و**ر ، فحسن أن يرد الفعل مضارعا ليستغرق الجميع ممن آثروا الأولى فباعوا لأجلها الآخرة ، وقد أضيف العهد إلى الرب ، جل وعلا ، فإما أن يكون ذلك من إضافة الوصف إلى الموصوف فعهد الله ، جل وعلا ، ما أَنْزَلَ على رسله ، عليهم السلام ، من أخبار التوحيد وأحكام التشريع ، وذلك من كلامه ، وكلامه من وصفه ، كما قرر أهل الشأن ، وقد يكون من إضافة المخلوق إلى الخالق ، بالنظر في فعل العبد إذ يلتزم العهد فيصدق ويمتثل فذلك فعلٌ مخلوقٌ يوقعه المكلف على وجه أنيط به المدح إن آمن ، والذم إن كفر ، وقل مثله في الأيمان ، فهي أيمان التوحيد ، والتوحيد إن نظر في مادته فهي وحي يضاف إلى الرب ، جل وعلا ، إضافة الكلام إلى المتكلم ، فهو من إضافة الوصف إلى الموصوف ، كما تقدم ، وإن نُظِرَ في اكتساب المكلَّف لأسبابه فهو من فِعْلِهِ فَتَكُونُ الإضافة في : (أَيْمَانِهِمْ) ، إضافة فعل إلى فاعل يكتسب ، أو إضافة وصف إلى موصوف ، فاليمين توحيدا ، بالتصديق والامتثال ، من وصف الموحد الذي يقوم به فلا يستقل في الخارج بنفسه وإنما يقوم بذات توصف به فهي تصدق وتمتثل .
والوعيد في الآية يفيد الإنشاء نهيا أن يشتري المكلف بعهد الله ، ويمينه ثمنا قليلا ، فالوعيد خبرا يستلزم في دلالة العقل الصريح ، يستلزم النهي إنشاء ، ويستلزم ، من وجه آخر ، على جهة التلازم ، طردا وعكسا ، يستلزم الأمر بضده لِيَسْلَمَ المكلف من الوعيد ، وهو ، أيضا ، يفيد الوعد بدلالة الطرد والعكس ، فمن عَظَّمَ العهد واليمين فَلَهُ من كلام الرضى ونظره وتزكيته ما لا يكون لمن لم يعظم العهد واليمين فاشترى به الثمن القليل ، فلا حظ له في الآخرة ولا نصيب ، فـ : (أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ، فجاء الخبر على حد الاسمية مئنة من الثبوت وذلك آكد في المساءة بالوعيد ، وقد أشار إليهم إشارة البعيد مئنة من التحقير ، والإشارة بالبعيد ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما يجري مجرى الأضداد إذ تحتمل التعظيم وضده من التحقير وقرينة السياق هي التي ترجح أحد الوجهين ، وقد رجحت هنا معنى التحقير ، كما تقدم ، فالإشارة إلى مذموم دَنِيِّ الرُّتْبَةِ بَعِيدِ الدَّرَكَةِ ، وجاء الخبر ، أيضا ، على حد الاسمية ، فـ : (لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) ، فضلا عن دلالة العموم ، فقد وردت النكرة في سياق النفي فأفادت العموم ، من هذا الوجه ، فلا خلاق لهم ، أي خلاق ! ، لا الخلاق المعقول رضى من رب العبيد ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، ولا الخلاق المحسوس باللذات في دار النعيم ، وذلك ما يرشح دلالة الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين الجامع فيكون العهد صدر الآية عهد التوحيد ، ويكون اليمين يَمِينَ الإيمان التي لا تحصل نجاة في الآخرة إلا بها ، وإلا فلا خلاق ولا حظ ، ولا يكون نَفْيُ ذلك على جهة العموم إلا في حق الكافر الذي جحد وكذب ، ابتداء ، أو اقترف من القول أو العمل ما ينقض أصل الدين سواء أكان ذلك في الباطن أم في الظاهر ، وثم إجمال إذ نفى الحظ ، ومن ثم جاء البيان بإطناب آخر يزيد في النكاية وذلك آكد في التحذير ، ولا يخلو التعاطف من دلالة خصوص بعد عموم ، فلا حظ لهم من الخير ، ومن أعظمه وأشرفه الكلام والنظر والتزكية ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة التعاطف بين المسبَّب والسبب ، فلا يكون ثم حظ يَنْفَعُ في الآخرة إلا أن يكون ثم كلام الرضى ونظره وَتَزْكِيَتُهُ ، وقد أطنب بتكرار أداة النفي في قوله تعالى : (وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ) ، وذلك ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى على ما تقدم مرارا من زيادة المعنى فرعا على زيادة المبنى ، ومن ثَمَّ جاء الختام بالوعيد على حد الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير في قوله تعالى : (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، فضلا عن دلالة اللام فهي لام الاستحقاق والاختصاص ، وذلك آكد في النكاية فضلا عن دلالة العموم إذ الضمير في "لهم" ضمير الجمع وهو ما يعم كل من تقدم ذكره على حد الوصل العام في "الذين" ، ومناط الفائدة المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو اشتراؤهم بعهد الله ، جل وعلا ، وأيمانهم ثَمَنًا قليلا من عرض الدنيا ، وإن كان جليلا في معيار البشر من جاه يعظم أو مال يكثر فكل ما تباع لأجله الأخرة من عرض الدنيا ، كله قليل حقير وإن كثر وعظم في معيار البشر ، فدلالة الضمير في الوعيد في : (لَهُمْ) ، دلالة الضمير إذ يعم بالنظر في معنى التغليب فيعم كل من يصدق فيه المعنى الذي اشتقت منه الصلة صدر الآية فهو مناط التعليل ، فيعم الرجل والمرأة ، الشاهد والغائب ، الموجود والمعدوم ، وذلك ، أيضا ، آكد في النكاية إذ يعمهم العذاب جميعا ، وقد نكر العذاب مئنة من التعظيم ، فضلا أنه يوطئ لوصفه وهو ما يزيد في النكاية فهو العذاب الأليم ، وذلك وصف المبالغة وهو آكد في الوعيد ، فضلا أنه مما ناب عن اسم الفاعل فهو المؤلِم ، فمؤلِم اسم فاعل من الرباعي آلم وذلك حد المبالغة كما قرر صاحب الكتاب ، رحمه الله ، فلا تكون فعيل مئنة من المبالغة إلا إن كان تأويلها في المعنى اسم فاعل من مادتها ، والوصف بالأليم مما يرشح دلالة الفعل الناقض لأصل الدين باستقراء موارد التنزيل فلا يكون العذاب الأليم في الغالب إلا لمن كفر الكفر الأكبر ، وإن احتمل في مواضع الكفر الأصغر ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) ، فالإلحاد بالظلم في الحرم منه الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، ومنه العصيان الناقض لكماله الواجب ، فيكون العذابب الأليم في هذا السياق محل اشتراك فيصح حمله على كلا الوجهين ، فيحمل في أحوال على ما دون العذاب المؤبد في نار الخلد ، فقد يحمل على عذاب مؤقت في نار التطهير لمن اقترف في الحرم معصية لا استحلالا ولا استهزاء ، وهي في نفسها مما لا ينقض أصل الإيمان ، فيحمل على كلا الوجهين ، كما تقدم ، على قول من يجيز عموم الدلالة في اللفظ المشترك .
والله أعلى وأعلم .