rss
07-29-2016, 04:36 PM
ومن آية : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى .....)
من موارد التكذيب في التنزيل ، التكذيب بالآيات ، كما في قوله تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ، وذلك أمر يعم آيات الكون وآيات الشرع ، فثم من كذب بآيات الكون أن أشرك في الربوبية فَنَسَبَ أفعال الخلق والرزق والتدبير إلى غَيْرِ الرَّبِّ الحكيم القدير ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فحصل من الغلو ما ينقض أصل التوحيد إذ أَثْبَتَ لله ، جل وعلا ، الشَّرِيكَ وَالنَّدِيدَ في أوصاف هي من أخص أوصاف الربوبية ، فَإِنَّ الخلق لا يكون إلا بِعِلْمٍ وحكمة وقدرة ، والرِّزْقُ والتدبير لا يكون إلا بِرَحْمَةٍ وغنى ، فمن يرزق لا يفتقر إلى غيره أن يمده بأسباب الحياة ، فلا يصلح الفقير ، بداهة ، أن يكون رَبًّا ، إذ الرب يُدَبِّرُ أمر غيره فَهُوَ الذي يمد الكائنات بالأسباب ، وهو الذي ابتدأ خلق الأعيان بعلم التقدير الأول ، فجاءت الكائنات على أكمل صُورَةٍ وهيئة في الباطن والظاهر فَكُلٌّ قد يُسِّرَ لِمَا خُلِقَ له ، فكانت الحكمة أن خلق كل كائن لِغَايَةٍ ، وكانت القدرة أن خرج كل كائن إلى هذا العالم بمشيئة نافذة لا تَتَخَلَّفُ ولا تَتَبَدَّلُ ، ففي هذا الخلق آية عظمى على كمال الوصف الرَّبَّانِيِّ ، غنى عن الأسباب وقدرة على الإيجاد ، وحكمة في الإعداد ، ورحمة في الإمداد بأسباب الحياة ، سواء أكانت حياة الأديان العليا أم حياة الأبدان الدنيا ، فعمت المنة الرَّبَّانِيَّةُ الباطنَ والظاهرَ ، فالمخلوق يَفْتَقِرُ إلى الخالق ، جل وعلا ، في كافة أمره وَعَامَّةِ شأنه ، إِنْ في حاجة الْجِنَانِ إلى ما يصلحه ويسعده ، أو في حاجة الأبدان إلى ما يَحْفَظُهَا ، والخالق ، جَلَّ وَعَلَا ، في المقابل ، هو الغني الحميد فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، فغناه ذاتي لا علة له ، فَالْعِلَّةُ سَبَبٌ من خارج يدل على نقص في الذات على وجه لا يصح معه إطلاق وصف الغنى المطلق ، فكل مخلوق وإن بَلَغَ من الكمال ما بَلَغَ إلا أنه لا ينفك يفتقر إلى الأسباب التي يتبجح بها فيظن أنها دليل غناه ، وَلَوْ تَدَبَّرَ لوجدها تشهد ضرورة بِفَقْرِهِ ، فهو يحتج بَدَلِيلٍ يَنْقُضُ دعواه ! ، فحصل التَّفَاوُتُ بَيْنَ الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، على وجه يوجب إفراد الخالق ، جل وعلا ، بالطاعة مطلقا ، فآيات التكوين الَّتِي لا يَصِحُّ إِيمَانٌ مع التكذيب بها بِنِسْبَتِهَا إلى غَيْرِ الرب الخالق ، جل وعلا ، آيات التكوين ذريعة إلى التصديق بالوحي ، والوحي آيات تشريع تقابل آيات التكوين ، وذلك معنى يعم الخبر والإنشاء فلا تحصل طاعة تنفع إلا أن ينهج السالك جادة الوحي المنزَّل ، إن في خَبَرِهِ إِثْبَاتًا أو نَفْيًا ، أو في إنشائه أمرا وَنَهْيًا ، فلا ينجو الإنسان من الويل والعذاب إلا أن يصدق بآي الرحمن ، جل وعلا ، فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِ) ، جاء الاستفهام مئنة من الإنكار ولا يخلو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، لا يخلو من دلالة النَّفْيِ ، إما مبالغة وإما حقيقة فلا أعظم ظلما في باب الدعوى ، ممن افْتَرَى على الله ، جل وعلا ، كذبا ، فَتِلْكَ أَفْحَشُ دَعْوَى ، وَذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، عموم يَسْتَغْرِقُ جميع أجناس الكذب ، فَيَسْتَغْرِقُ الكذب في الخبر ، إن بالنقص كما أنكر من أنكر من متواتر التنزيل ، أو آمن به وأنكر ما أنكر من صحيح الخبر فإما أن يضعف وإما أن ينكر الاحتجاج به ، ولو صحيحا قد استوفى شرائط الصحة في الاصطلاح ، فهو خبر آحاد لا يفيد اليقين ! ، على وجه يفضي إلى التفريق بين بعض الكتاب وبعض بالنظر في معنى الكتاب الأعم فلا يقتصر على كتاب التنزيل المتواتر وإنما يعم كتاب التشريع الخاتم ، فيستغرق جميع نصوصه ، خبرا وإنشاء ، فمن فرق فاحتج بالخبر في أمر ونهي وأبى أن يحتج به في إثبات ونفي فقد فَرَّقَ بَيْنَ بعض الكتاب وبعض ، فَلَهُ حظ من عموم الإنكار والتوبيخ في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فيستغرق الذمُّ الكذبَ كله ، إن بالنقص ، كما تقدم ، أو بالزيادة ، كما صنع من صنع من وُضَّاعِ الأخبار على وجه انبرى له أئمة الشأن ، فوضعوا من معيار النقد إن في الإسناد أو في المتن ، وضعوا منه ما يُحْكِمُ السنة وَيَنْفِي عنها خبث الوضع وآفة الضعف ، فكانوا خير من أنكر على الظالم الذي يفتري الكذب في الخبر والإنشاء ، وإطلاق الظلم في نصوص الشرع يَنْصَرِفُ إلى ال*** الأكبر ما لم تَرِدْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلى ما دونه من أجناس دُنْيَا لا تأتي على أصل الحقيقة الإيمانية بالإبطال وإن قدحت في كمالها ، فإذا أطلق الظلم في نصوص الأسماء والأحكام فإنه يَنْصَرِفُ إلى الظلم الأكبر الذي يَنْقُضُ أصل الدين ، وذلك ما يستأنس به من حكم بكفر من تعمد الوضع على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَدْ تَقَصَّدَ تَبْدِيلَ الدين وتحريفه بالزيادة التي تخالف الأصل المتقرر إن في الأخبار أو في الأحكام ، ففي الأحكام أحلوا وحرموا على خلاف ما قضى به الوحي المحكم ، على وجه حصل به التعطيل للحق بما أحدث من الباطل ، وَوَضَعُوا من الخبر ، في المقابل ، ما يَنْفُونَ به ما ثَبَتَ من الإلهيات والسمعيات ، وَافْتَرَوُا ما افْتَرَوُا في النُّبُوَّاتِ أن نَسَبُوا إلى الأنبياء ، عليهم السلام ، من النَّقَائِصِ ما دل الشرع والعقل والفطرة على انتفائه ، فهو مما يقدح في آحاد البشر فكيف بصفوة الخلق ؟! ، مع عظم ما حُمِّلُوا من أمانة التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ وذلك يَقْضِي ، بداهة ، أن يكونوا على أكمل حال في الديانة والعدالة والضبط ، فلا قادح في الديانة أو العدالة ، ولا نقص في الحفظ ، فـ : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، فَمَا جَمَعَهُ إلا الرب ، جل وعلا ، أن يَسَّرَ الحفظ وَأَبَانَ عن وُجُوهِ الفهم ، فحصل بَلَاغُ اللفظ وَبَيَانُ المعنى على أكمل وجه فَانْتَفَى الريب والشك ، وقامت الحجة الرسالية على جميع الْبَرِيَّةِ إلا من لم تَبْلُغْهُ الرسالة السماوية على وجه يصح فيه العذر ، فلا إعراض ولا استكبار ، وإنما طلب للحق وإن ضل عنه *** يبلغه مع حرصه أن يُوَحِّدَ الخالق ، جل وعلا ، فهو على أصل الفطرة الأولى ، فطرة التوحيد ، وإن في الجملة ، فذلك يشبه ، من وجه ، حال الناس مبدأ الوحي ، فكانوا على التوحيد بلا تكليف ثم نَزَلَ الشرع شيئا فشيئا حتى حصلت المنة العظمى باكتمال الدين خَبَرًا وَحُكْمًا ، فَكَانَ الدين الْمُجْزِئُ ، أولَ الأمرِ ، تصديقا في الباطن وقولا في الظاهر وإرادة خير تَنْفِي خبث الشرك فقد بَرِئَتِ النفس من كل معبود يطاع سوى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فَانْتَفَى الشرك وثبت ضده من التوحيد ، ولو مجملا ، فكانت الإرادة الباطنة على جادة الرسالة الخاتمة التي جاءت لِتَخْلِيصِ معنى التوحيد في الباطن من شائبة الشرك ، أكبره وأصغره ، وهذه الإرادة لا بُدَّ لَهَا من أمر ونهي يطاع ، فَيَمْتَثِلُ المأمور الشرعَ ، فِعْلًا وَتَرْكًا ، فالطاعة مادة صالحة بها يكون الدليل الناصع على توحيد الباطن ، فكما يوحد الباطن في العقد ، يوحد الظاهر في الشرع ، في الفعل والترك ، فَلَمَّا كانت الحال مبدأ الرسالة ، ومبدأ خلق الإنسان ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" ، لما كانت الحال مبدأ الأمر توحيدا ، كان الأصل مما يستصحب حتى يرد الدليل ، فإما أن يقرر الأصل ويؤكده فضلا أنه يُبَيِّنُ ما أجمل منه فيزيد فيه من مادة التشريع ما يشهد لمادة التوحيد فيأتي التكليف بالأمر والنهي ، وشرطه العلم ، فمن جهل ولم يتقصد ذلك ، فلا يتجاهل الشرع بالانصراف عنه والإعراض فضلا أن ينضم إلى ذلك من العصيان بالإباء والاستكبار ما يوجب إساءة الظن فليس ذلك من العذر النافع ، وإنما ينفع العذر بالجهل في حق من لم يعلم مع اجتهاده أن يعلم ، أو اجتهاده في التأويل على وجه رام به الحق فَعُلِمَ من عامة أحواله استقامةٌ فليس رأسا في الباطل ، وليس ذا هوى يَرُومُ نَقْضَ الوحي انْتِصَارًا لما يَرَى من محدثات الرأي وشرائع الوضع ، فيستصحب أصل التوحيد ، كما تقدم ، ولذلك كان الأصل في أطفال الكفار أنهم على التوحيد الأول بما أجمل في الفطرة من آثار الميثاق الأول ، وهو ميثاق مجمل يَنْفَعُ صاحبه حتى يَرِدَ الدليل الناقل ، فإذا بلغ فَثَمَّ تكليف ثان بالشرع الذي يشهد لعقد التوحيد ، فيجب على من نشأ بين أبوين مسلمين من تكليف الشرع ، بالأمر والنهي ، ما يواطئ ما نشأ عليه من التوحيد ، ويجب على البالغ الذي نشأ بين أبوين كافرين ، فكان على دينهما ، يجب عليه أن يكفر بما نشأ عليه ، وأن يجدد عقد توحيد جديد يواطئ ميثاقه الأول *** يعد ينفعه بعد أن بَلَغَ على الكفر ، ويجب عليه مع ذلك ما يجب على البالغ المسلم من تكليف الأمر والنهي على الراجح من أقوال المحققين ، فالكافر يخاطب بفروع الشريعة ويخاطب بما لا تصح إلا به من عقد التوحيد الأول ، فالدليل الطارئ بعد البلوغ ، إما أن يقرر الأصل الأول ويؤكده فضلا أنه يُبَيِّنُ ما أجمل منه بما يُحَمَّلُ البالغ من تكليف الشَّرْعِ النَّازِلِ بالأمر والنهي ، فالتشريع يؤكد الفطرة الأولى ، من وجه ، وَيُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ منها من وجه آخر ، وإما أن يَرِدَ الدليل بما يوجب الانتقال عن الأصل فيكون طارئ الشرك والكفر ، فـ : "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" ، فيكون دليل الوحي في هذه الحال ، دليل التقويم لما اعوج من فطرة التوحيد قبل أن يكون دليل التبيين لما أجمل من التشريع فلا بد من تحقيق التوحيد قبل ذلك فهو شرط رئيس في صحة أي عمل ، إذ هو أصل الأصول وأول فرض على العباد ، فلا يصح ما بعده إلا أن يسلم من القادح الناقض .
والشاهد أن الظلم يعظم ، فهو ينقض الأصل ، بما يكون من الكذب على الرب ، جل وعلا ، والكذب على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، على وجه يفضي إلى تبديل الشرع وتحريفه ، فتكون الزيادة بتحليل الحرام وتحريم الحلال ، فذلك مما ينقض أصل الإيمان ، وهو أمر يَلْزَمُ كل معرض عن الوحي أن يحكم الأرض ، فتكون دولة التشريع للوضع المحدث على وجه يقدم فيه الهوى والذوق على الوحي حال التعارض ! ، فَيَأْبَى الهوى أن ينقاد لأي مرجع من خارج ، إن في الأخبار الغيبية أو في الأحكام الشرعية ، فلا يقبل من الوحي إلا ما يوافق الهوى والذوق ، وإلا فهو يجهر بِرَدِّهِ بل وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ ما أحدث من الأقيسة والأهواء ، إن فِي العلوم أو فِي الأعمال ، فلا يصدق إلا بما يوافق قياسه ، ولا يمتثل إلا لما يوافق هواه ، فصار الهوى هو الرائد في التصور والحكم ، فكل أولئك يدخل في عموم الإنكار صدرَ الآية : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) ، فإن دلالة "كذبا" في سياق الاستفهام مئنة من العموم ، فالنكرة في سياق الاستفهام مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فيعم كل كذب ، إن في العقد أو في الشرع ، فضلا عن معنى التقليل الذي استفيد من التنكير في "كذبا" بدلالة السياق ، فأي كذب ، ولو قل ، من أعظم الظلم إذ به يكون الافتراء على وحي السماء ، فدلالة التنكير مئنة من نوعية تَتَفَاوَتُ في الخارج فقد تبلغ غاية عظمى ، وقد تبلغ ، في المقابل ، غاية صغرى فيكون التنكير مئنة من التعظيم والتكثير ، أو مئنة من ضديهما من التحقير والتقليل فيجري مجرى الاشتراك في الأضداد فلا بد من قرينة من خارج تحسم النزاع فهي ترجح ضدا على آخر كما رجحت التقليل على ضده من التكثير في هذا الموضع .
وقد خرج بدلالة السياق ما كان من الخطأ ، فيطلق عليه ، أيضا ، اسم الكذب ، وإن لم يَتَقَصَّدْ صاحبه ذلك ، فالكذب في لغة أهل الحجاز يطلق على ما خالف الحق ، تَقَصَّدَ صاحبه أو لم يَتَقَصَّدْ ، فصار ذلك من المجمل الذي يفتقر إلى البيان ، بل قد يجري مجرى الأضداد بالنظر في معنى العمد ومعنى السهو ، فكلاهما يخبر بخلاف الحق ، ولكن الأول يذم ، والثاني يعذر ، فحصل التضاد من هذا الوجه ، فهو ، أيضا ، يَفْتَقِرُ إلى مرجح من خارج يقضي بأحدهما دون الآخر ، فَيَجْرِي الأمر مجرى الإجمال إما اشْتِرَاكًا بين ضدين ، أو ظاهرا يتبادر فهو إلى معنى الذم أقرب ، ولكنَّ القرينة ، من وجه آخر ، قد تصرف لفظ الكذب من المعنى الرَّاجِحِ وهو العمد إلى المعنى المرجوح وهو السهو ، فَيَكُونُ ذلك من التأويل الصحيح إذ ثَمَّ قرينة من السياق أو بساط الحال تشهد ، كما في خبر : "زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ" ، *** يقصد الكذب عمدا ، فعبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، حجازي يستعمل الكذب في القصد وضده من الخطأ ، وقرينة السياق أَنَّهُ أَرَادَ واحدا من أصحاب النبي المعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذه الْقَرِينَةُ تَنْفِي معنى العمد ، إذ ذلك يقدح في عدالة الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهو أمر قد بَلَغَ حد الضرورة العلمية والضرورة العقلية معا ، فجاء الوحي يقرر هذا الأصل على وجه بلغ حد التواتر الذي يفيد العلم الضروري ، والعقل ، لو تدبر الناظر ، العقل يدل على ذلك ضرورة فإن الحجة لا تقوم إلا بخبر صحيح صريح قد سلم من القادح ، ولا أعظم قدحا في الخبر من القدح في عدالة المخبِر أنه كاذب يفتري ، فذلك من أعظم الظلم الذي انْتَفَى في حق الآحاد من نَقَلَةِ الشريعة ممن سَبَرَ أهل الشأن أحوالهم ومروياتهم فكان لهم من كمال الحال وقوة الحافظة إذ ندر الخطأ فلا يسلم منه أحد إلا من عصم من الأنبياء ، عليهم السلام ، فعصمة التبليغ والتبيين في حقهم أمر واجب بالنقل والعقل أيضا ، فكان لآحاد الرواة من الأدلة ما يشهد بالعدالة والضبط على وجه يوجب الحكم بصحة النقل ، فكيف بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهم الذين زَكَّاهُمُ الوحي ، وهم الذين حصل لهم من قَرِينَةِ الشهود لِتَنَزُّلِ الوحي ما يجعل العناية بجمعه وحفظه أعظم ، فهم أقرب الناس إلى زمانه ، بل هم من عاصره وشهده ، واجتمع بصاحبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل ولازمه في حِلِّهِ وَتِرْحَالِهِ والعادة تقضي أن أقرب الناس ملازمة هم الأعلم بِقَوْلِ من يُلَازِمُونَ والأعلم بِقَصْدِهِ وَمُرَادِهِ ، والأعلم بأفعاله وأحواله كلها ، فضلا أن لهم من قَرِينَةِ اللسان ما يجعل بَيَانَهُمْ لألفاظ الشرع هو المقدم ، فَبِلِسَانِهِم نَزَلَ على وجه يجعل النَّظَرِيَّ من علوم اللسان نحوا وبلاغة ، وعلوم الاستنباط من الأصول والدلالات .... إلخ ، وهي مما تفنى الأعمار في تحصيله ، على وجه يجعل ذلك النظري الدقيق ، يجعله في حقهم من الضروري الذي يَبْلُغُ حد البداهة ، فهو عامة لفظهم وهو عرف مقالهم ، فحصل من كل أولئك قَرِينَةٌ صحيحة تُوجِبُ ضرورة صرف الكذب في الخبر المتقدم : "زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ" ، تُوجِبُ صَرْفَهُ إلى الخطأ ، فلا يسلم منه أحد من عامة الخلق إلا الْأَنْبِيَاءُ ، عليهم السلام ، كما تقدم مرارا من عصمة التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ ، وخطأ الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، مع ذلك ، خطأ لا يَسْتَتِرُ ، وإن دق ، ولا يقع إجماع عليه فذلك مما انْتَفَى في حق هذه الأمة في جميع طباقها ، وإن تأخرت ، وإن خفي الحق فيها وظهر الباطل وفشا فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة صحيحة صريحة تسلم من المعارضة في جميع محال النزاع ، سواء أكانت في العلم أم في العمل ، في العقد أم في الفقه أم في الحكم أم في السياسة ، ولا يكون ذلك إلا بِرَدِّهَا إلى الكتاب ، تأولا صحيحا للأمر في قول الرب جل وعلا : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وإنما تختلف الأنظار في هذا الرَّدِّ إلى الوحي ، فَثَمَّ من يَجْتَهِدُ فَيُصِيبُ ، وثم من يجتهد فيخطئ ، وثم من يَرُدُّ الأمر إلى الكتاب وله حظ نفس وهوى تَقَدَّمَ فهو يحمله أن يسلك من سبل التأويل ما يظهر بطلانه أو ضعفه ، وكلما عظم الهوى واستحكم فَتَمَكَّنَ من فؤاد الناظر ، كان تَأْوِيلُهُ أضعف وأشد بطلانا ، فكان الظلم أعظم بافتراء الكذب ، وهو أمر يعم ، كما تقدم ، من دلالة النكرة في سياق الاستفهام ، فهي في نفسها مئنة من نوعية ، والنوعية تستغرق آحادا ، فثم الكذب في العقد ، وثم الكذب في الشرع ، وثم الكذب بالتعطيل ، وثم الكذب بالتأويل ...... إلخ ، ***ا دخل عليها الاستفهام رشح هذه الدلالة استيفاءً لأنواع الكذب ، فكلها مما تعظم به الجناية على وجه رشح معنى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، وإن احتمل الظلم معناه الأصغر ، فَثَمَّ افتراء للكذب بِتَأْوِيلٍ ضعيف ، يَنْفَعُ صاحبه أن يَرْفَعَ الحكم ولا يَرْفَعَ الإثم ، كسائر موارد الخلاف غير السائغ على وجه لا يوجب الحكم بانتقاض أصل الدين الجامع وإنما غايته أن يقدح في الكمال الواجب فصاحبه من أهل الوعيد المؤقت ، وهو ، كما تقرر في باب الأسماء والأحكام ، هو تحت المشيئة ، فإن شاء الرب ، جل وعلا ، عَذَّبَهُ عذاب التأقيت فمآله إلى الجنان بعد تطهير الفؤاد والأركان من خبث الظلم الأصغر ، فثم توحيد في الجملة نفى خبث الظلم الأكبر فلا يجامعه في محل واحد ، وإن شاء عفا عنه ابتداء ، فمآله الجنان ابتداء أو انتهاء بعد حصول التطهير بكير النار التي أعدها ، جل وعلا ، لأهل العصيان من أهل التوحيد والإيمان .
فلا أحد أعظم جرما من هذا الكاذب ، ومن ثم جاء العطف بـ : "أو" استكمالا لشطري القسمة : (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) ، ولا يخلو السياق من قرينة ترشح نِيَابَةَ "أو" عن الواو ، فذلك من التأويل المقبول في الجملة إذ قرينة السياق وبساط الحال يشهد أن المفتري للكذب لا يَنْفَكُّ ، في غالب أمره ، يُكَذِّبُ من الآيات بقدر ما افترى ، فيستبدل الذي هو أدنى من الافتراء بالذي هو خير من نص الكتاب ، خبرا أو حكما ، ودلالة الآيات ، بادي الرأي ، دلالة القلة ، فالجمع المزيد بالألف والتاء من جموع القلة ، كما قرر أهل الشأن ، ***ا أضيف إلى الضمير في "آياته" اكتسب تعريفا في مبناه ، وعموما في معناه فاستغرق جميع الآيات الكونية والشرعية ، كما تقدم ، ولو تدبرت لوجدت ، أيضا ، تلازما في التكذيب بآيات الكون خلقا ورزقا وآيات الشرع خبرا وحكما ، فإن الشرك في الربوبية في الخلق أو التدبير أو التشريع لا ينفك يقترن بشرك آخر في الألوهية في العبادة والطاعة ، والمنشأ في الغالب غُلُوٌّ في المخلوق الناقص ، وجفاء ، في المقابل ، في الخالق الكامل ، جل وعلا ، ولا يَنْفَكَّانِ ، أيضا ، يَقْتَرِنَانِ ، فيغلو من يغلو في باب الخلق والتدبير فيعتقد الشريك في تدبير الكون وتسيير أموره على وجه يجعل المخلوق يَتَوَجَّهُ إلى مخلوق مثله طلبا لقضاء الحوائج بل قد يكون دونه فهو ميت يفتقر إلى من يدعو له أو يَتَصَدَّقُ عنه ! ، ويغلو من يغلو في باب التشريع فيعتقد في مخلوق مثله من العلم والحكمة التامة ما لا يجب إلا لرب العزة ، جل وعلا ، وإن حصل الاشتراك في أصل المعنى في الذهن ، فَثَمَّ فَارِقٌ ، أي فارق ، في الحقائق في الخارج ، فشتان علم الخالق ، جل وعلا ، وحكمته ، وعلم المخلوق وحكمته في المقابل ، فحصل التلازم بين التكذيب بآيات الكون وآيات الشرع فلا ينفك من أشرك في الربوبية يقع في شرك الألوهية ، إذ يغلو في مخلوق مثله ويعتقد له من أوصاف الربوبية ، علما وقدرة وتأثيرا وتدبيرا ما يُفْضِي إلى عبادته من دون الله ، جل وعلا ، إن عبادة ا*** الظاهرة بالركوع والسجود ، أو عبادة الطاعة بامتثال أمره ونهيه وإن خالف عن أمر الكتاب ونهيه فيسمع ويطيع لشرع محدث أو مبدل يضاهي الشرع المنزل ، فيقع في الشرك من هذا الوجه ، وهو ما حسن معه الختام بالذم والوعيد على حد الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين الفعل وحكمه ذما أو مدحا ، فجاء الوعيد والذم على حد التوكيد بالناسخ في قوله تعالى : (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ، فضلا عن دلالة ضمير الشأن فلا مرجع له تَقَدَّمَ ، وإنما يَرِدُ في السياق مَئِنَّةً من عظم الخطب وجلالة القدر ، وزد عليه دلالة العموم إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يفلح" ، فَانْتَفَى *** الفلاح وهو ما يرجح دلالة الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، وإن استغرق بمعناه الأعم جميع صور الظلم بتكذيب الوحي ، فقد يكون التكذيب لشبهة تأويل ضعيف لا يرفع الإثم وهو مع ذلك يرفع الحكم بالكفر وذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، في هذا الباب ، وهو ما يوجب تحري العدل والإنصاف في شأن جليل كشأن الأسماء والأحكام فلا يقضي فيه ، لا سيما في الأعيان في الخارج ممن اقترف من الظلم ما ينقض أصل الدين ، لا يقضي فيه إلا عليم بالحق رحيم بالخلق يَلْتَمِسُ العذرَ ما أمكن ، ولا يحمله ذلك أن يداهن أو يُفَرِّطَ ، فالحق ، كما تقدم مرارا ، فضيلة بين رَذِيلَتَيْنِ ، فحصل العموم ، من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة المضارعة استحضارا للصورة وطردا للحكم في كل قَرْنٍ ، فَقَدْ أُنِيطَ حكم الإجرام بمعنى صحيح في القياس وهو افتراء الكذب والتكذيب بالحق ، فيدور معه وجودا وعدما في كل عصر و**ر ، وفي حق كل أحد تقع منه هذه الجناية ، وذلك أصل في الحكم ، فإن الأحكام لا تُنَاطُ في الغالب بالأعيان إلا في موارد التخصيص لقرينة ، فذلك خروج وانتقال عن الأصل فلا يقبل إلا بدليل ناقل ، وإلا فالواجب الاستمساك بالأصل وهو إناطة الأحكام بِمَعَانٍ لا بأعيان ، فالأحكام تدور معها طردا وعكسا ، إيجابا وسلبا ، وقد استعير الفلح وهو الشق في الأرض إرادة البذر والنماء ، استعير لمعنى الفلح المعقول بما يوضع في القلب من بذر الإيمان وما يحصل منه في الأركان من نبت الطاعة والانقياد الباطن وَبَذْرُهُ الخبر الصادق ، والظاهر وَبَذْرُهُ الحكم العادل ، وقد يقال ، كما تقدم مرارا ، إن المعنى *** عام تنقسم موارده في الخارج وقرينة السياق هي التي تعين مراد المتكلم على وجه ينفي الحاجة إلى تكلف المجاز ، فلا استعارة ، وإنما ترجيح لوجه على آخر بقرينة السياق ، فيكون ظاهر اللفظ المركب من دلالة الوضع ودلالة السياق يكون حقيقة في بَيَانِ مراد المتكلم .
وعموم لفظ "المجرمون" إما أن يحمل على العموم المستغرق لآحاد المجرمين ، فيدخل فيه كل من أجرم ، سواء الإجرام الأكبر أو الإجرام الأصغر فيكون لكلٍّ حظه من عدم الفلاح بقدر جنايته ، وإما أن يحمل على عموم آخر يستغرق معاني الإجرام فذلك ما يرشح دلالة الإجرام الأكبر ، فيكون الظلم صدر الآية هو الظلم الأكبر ، ويكون الكذب والتكذيب على وجه ينقض أصل الدين ، وقد يقال ، أيضا ، إن دلالة "أل" دلالةُ الوصل إذ دخلت على اسم مشتق وهو اسم الفاعل من الرباعي "أجرم" ، فيكون ذلك من إناطة الحكم ، وهو عدم الفلاح ، بمعنى الإجرام الذي اشتق منه اسم الفاعل "مجرمون" ، فيدور معه وجودا وعدما ، فهو يفيد بالمفهوم ثُبُوتَ الْفَلِاحِ لمن أحسن فَصَدَقَ وَصَدَّقَ ، فدلالة الوعيد مئنة من النهي عن الكذب والتكذيب ، ودلالة الوعد مئنة من الأمر بالصدق والتصديق ، فاطرد اللفظ وانعكس ، إن في الخبر ذما بالمنطوق ومدحا بالمفهوم ، وما يستوجبانه من النهي عن الإجرام والأمر بضده من الإحسان ، ولا يخلو اللفظ من دلالة تغليب فجمع الذكور لا يُخْرِجُ بداهة من أجرم من الإناث وإنما يعم الحكم الجميع بقرينة العموم في التكليف .
وعدم الفلاح أمر قد أجمل وجاء بيانه في مواضع أخرى بشرت المكذِّبِينَ بالويل ، كما في قوله تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ، وبعذاب جهنم ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) ، فذلك جار على ما تقدم مرارا من إجمال في موضع من التَّنْزِيلِ يكون بيانه في آخر ، أو في جملة من المواضع الأخرى على وجه لا تكمل فيه صورة الاستدلال إلا بجمع أدلة الباب لفظا ، وجمع وجوه الاستدلال معنى .
والله أعلى وأعلم .
من موارد التكذيب في التنزيل ، التكذيب بالآيات ، كما في قوله تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ، وذلك أمر يعم آيات الكون وآيات الشرع ، فثم من كذب بآيات الكون أن أشرك في الربوبية فَنَسَبَ أفعال الخلق والرزق والتدبير إلى غَيْرِ الرَّبِّ الحكيم القدير ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فحصل من الغلو ما ينقض أصل التوحيد إذ أَثْبَتَ لله ، جل وعلا ، الشَّرِيكَ وَالنَّدِيدَ في أوصاف هي من أخص أوصاف الربوبية ، فَإِنَّ الخلق لا يكون إلا بِعِلْمٍ وحكمة وقدرة ، والرِّزْقُ والتدبير لا يكون إلا بِرَحْمَةٍ وغنى ، فمن يرزق لا يفتقر إلى غيره أن يمده بأسباب الحياة ، فلا يصلح الفقير ، بداهة ، أن يكون رَبًّا ، إذ الرب يُدَبِّرُ أمر غيره فَهُوَ الذي يمد الكائنات بالأسباب ، وهو الذي ابتدأ خلق الأعيان بعلم التقدير الأول ، فجاءت الكائنات على أكمل صُورَةٍ وهيئة في الباطن والظاهر فَكُلٌّ قد يُسِّرَ لِمَا خُلِقَ له ، فكانت الحكمة أن خلق كل كائن لِغَايَةٍ ، وكانت القدرة أن خرج كل كائن إلى هذا العالم بمشيئة نافذة لا تَتَخَلَّفُ ولا تَتَبَدَّلُ ، ففي هذا الخلق آية عظمى على كمال الوصف الرَّبَّانِيِّ ، غنى عن الأسباب وقدرة على الإيجاد ، وحكمة في الإعداد ، ورحمة في الإمداد بأسباب الحياة ، سواء أكانت حياة الأديان العليا أم حياة الأبدان الدنيا ، فعمت المنة الرَّبَّانِيَّةُ الباطنَ والظاهرَ ، فالمخلوق يَفْتَقِرُ إلى الخالق ، جل وعلا ، في كافة أمره وَعَامَّةِ شأنه ، إِنْ في حاجة الْجِنَانِ إلى ما يصلحه ويسعده ، أو في حاجة الأبدان إلى ما يَحْفَظُهَا ، والخالق ، جَلَّ وَعَلَا ، في المقابل ، هو الغني الحميد فلا يفتقر إلى سبب من خارج ، فغناه ذاتي لا علة له ، فَالْعِلَّةُ سَبَبٌ من خارج يدل على نقص في الذات على وجه لا يصح معه إطلاق وصف الغنى المطلق ، فكل مخلوق وإن بَلَغَ من الكمال ما بَلَغَ إلا أنه لا ينفك يفتقر إلى الأسباب التي يتبجح بها فيظن أنها دليل غناه ، وَلَوْ تَدَبَّرَ لوجدها تشهد ضرورة بِفَقْرِهِ ، فهو يحتج بَدَلِيلٍ يَنْقُضُ دعواه ! ، فحصل التَّفَاوُتُ بَيْنَ الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، على وجه يوجب إفراد الخالق ، جل وعلا ، بالطاعة مطلقا ، فآيات التكوين الَّتِي لا يَصِحُّ إِيمَانٌ مع التكذيب بها بِنِسْبَتِهَا إلى غَيْرِ الرب الخالق ، جل وعلا ، آيات التكوين ذريعة إلى التصديق بالوحي ، والوحي آيات تشريع تقابل آيات التكوين ، وذلك معنى يعم الخبر والإنشاء فلا تحصل طاعة تنفع إلا أن ينهج السالك جادة الوحي المنزَّل ، إن في خَبَرِهِ إِثْبَاتًا أو نَفْيًا ، أو في إنشائه أمرا وَنَهْيًا ، فلا ينجو الإنسان من الويل والعذاب إلا أن يصدق بآي الرحمن ، جل وعلا ، فجاء الاستفهام في قوله تعالى : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِ) ، جاء الاستفهام مئنة من الإنكار ولا يخلو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، لا يخلو من دلالة النَّفْيِ ، إما مبالغة وإما حقيقة فلا أعظم ظلما في باب الدعوى ، ممن افْتَرَى على الله ، جل وعلا ، كذبا ، فَتِلْكَ أَفْحَشُ دَعْوَى ، وَذَلِكَ ، كَمَا تَقَدَّمَ ، عموم يَسْتَغْرِقُ جميع أجناس الكذب ، فَيَسْتَغْرِقُ الكذب في الخبر ، إن بالنقص كما أنكر من أنكر من متواتر التنزيل ، أو آمن به وأنكر ما أنكر من صحيح الخبر فإما أن يضعف وإما أن ينكر الاحتجاج به ، ولو صحيحا قد استوفى شرائط الصحة في الاصطلاح ، فهو خبر آحاد لا يفيد اليقين ! ، على وجه يفضي إلى التفريق بين بعض الكتاب وبعض بالنظر في معنى الكتاب الأعم فلا يقتصر على كتاب التنزيل المتواتر وإنما يعم كتاب التشريع الخاتم ، فيستغرق جميع نصوصه ، خبرا وإنشاء ، فمن فرق فاحتج بالخبر في أمر ونهي وأبى أن يحتج به في إثبات ونفي فقد فَرَّقَ بَيْنَ بعض الكتاب وبعض ، فَلَهُ حظ من عموم الإنكار والتوبيخ في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) ، فيستغرق الذمُّ الكذبَ كله ، إن بالنقص ، كما تقدم ، أو بالزيادة ، كما صنع من صنع من وُضَّاعِ الأخبار على وجه انبرى له أئمة الشأن ، فوضعوا من معيار النقد إن في الإسناد أو في المتن ، وضعوا منه ما يُحْكِمُ السنة وَيَنْفِي عنها خبث الوضع وآفة الضعف ، فكانوا خير من أنكر على الظالم الذي يفتري الكذب في الخبر والإنشاء ، وإطلاق الظلم في نصوص الشرع يَنْصَرِفُ إلى ال*** الأكبر ما لم تَرِدْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلى ما دونه من أجناس دُنْيَا لا تأتي على أصل الحقيقة الإيمانية بالإبطال وإن قدحت في كمالها ، فإذا أطلق الظلم في نصوص الأسماء والأحكام فإنه يَنْصَرِفُ إلى الظلم الأكبر الذي يَنْقُضُ أصل الدين ، وذلك ما يستأنس به من حكم بكفر من تعمد الوضع على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم فَقَدْ تَقَصَّدَ تَبْدِيلَ الدين وتحريفه بالزيادة التي تخالف الأصل المتقرر إن في الأخبار أو في الأحكام ، ففي الأحكام أحلوا وحرموا على خلاف ما قضى به الوحي المحكم ، على وجه حصل به التعطيل للحق بما أحدث من الباطل ، وَوَضَعُوا من الخبر ، في المقابل ، ما يَنْفُونَ به ما ثَبَتَ من الإلهيات والسمعيات ، وَافْتَرَوُا ما افْتَرَوُا في النُّبُوَّاتِ أن نَسَبُوا إلى الأنبياء ، عليهم السلام ، من النَّقَائِصِ ما دل الشرع والعقل والفطرة على انتفائه ، فهو مما يقدح في آحاد البشر فكيف بصفوة الخلق ؟! ، مع عظم ما حُمِّلُوا من أمانة التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ وذلك يَقْضِي ، بداهة ، أن يكونوا على أكمل حال في الديانة والعدالة والضبط ، فلا قادح في الديانة أو العدالة ، ولا نقص في الحفظ ، فـ : (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) ، فَمَا جَمَعَهُ إلا الرب ، جل وعلا ، أن يَسَّرَ الحفظ وَأَبَانَ عن وُجُوهِ الفهم ، فحصل بَلَاغُ اللفظ وَبَيَانُ المعنى على أكمل وجه فَانْتَفَى الريب والشك ، وقامت الحجة الرسالية على جميع الْبَرِيَّةِ إلا من لم تَبْلُغْهُ الرسالة السماوية على وجه يصح فيه العذر ، فلا إعراض ولا استكبار ، وإنما طلب للحق وإن ضل عنه *** يبلغه مع حرصه أن يُوَحِّدَ الخالق ، جل وعلا ، فهو على أصل الفطرة الأولى ، فطرة التوحيد ، وإن في الجملة ، فذلك يشبه ، من وجه ، حال الناس مبدأ الوحي ، فكانوا على التوحيد بلا تكليف ثم نَزَلَ الشرع شيئا فشيئا حتى حصلت المنة العظمى باكتمال الدين خَبَرًا وَحُكْمًا ، فَكَانَ الدين الْمُجْزِئُ ، أولَ الأمرِ ، تصديقا في الباطن وقولا في الظاهر وإرادة خير تَنْفِي خبث الشرك فقد بَرِئَتِ النفس من كل معبود يطاع سوى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فَانْتَفَى الشرك وثبت ضده من التوحيد ، ولو مجملا ، فكانت الإرادة الباطنة على جادة الرسالة الخاتمة التي جاءت لِتَخْلِيصِ معنى التوحيد في الباطن من شائبة الشرك ، أكبره وأصغره ، وهذه الإرادة لا بُدَّ لَهَا من أمر ونهي يطاع ، فَيَمْتَثِلُ المأمور الشرعَ ، فِعْلًا وَتَرْكًا ، فالطاعة مادة صالحة بها يكون الدليل الناصع على توحيد الباطن ، فكما يوحد الباطن في العقد ، يوحد الظاهر في الشرع ، في الفعل والترك ، فَلَمَّا كانت الحال مبدأ الرسالة ، ومبدأ خلق الإنسان ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" ، لما كانت الحال مبدأ الأمر توحيدا ، كان الأصل مما يستصحب حتى يرد الدليل ، فإما أن يقرر الأصل ويؤكده فضلا أنه يُبَيِّنُ ما أجمل منه فيزيد فيه من مادة التشريع ما يشهد لمادة التوحيد فيأتي التكليف بالأمر والنهي ، وشرطه العلم ، فمن جهل ولم يتقصد ذلك ، فلا يتجاهل الشرع بالانصراف عنه والإعراض فضلا أن ينضم إلى ذلك من العصيان بالإباء والاستكبار ما يوجب إساءة الظن فليس ذلك من العذر النافع ، وإنما ينفع العذر بالجهل في حق من لم يعلم مع اجتهاده أن يعلم ، أو اجتهاده في التأويل على وجه رام به الحق فَعُلِمَ من عامة أحواله استقامةٌ فليس رأسا في الباطل ، وليس ذا هوى يَرُومُ نَقْضَ الوحي انْتِصَارًا لما يَرَى من محدثات الرأي وشرائع الوضع ، فيستصحب أصل التوحيد ، كما تقدم ، ولذلك كان الأصل في أطفال الكفار أنهم على التوحيد الأول بما أجمل في الفطرة من آثار الميثاق الأول ، وهو ميثاق مجمل يَنْفَعُ صاحبه حتى يَرِدَ الدليل الناقل ، فإذا بلغ فَثَمَّ تكليف ثان بالشرع الذي يشهد لعقد التوحيد ، فيجب على من نشأ بين أبوين مسلمين من تكليف الشرع ، بالأمر والنهي ، ما يواطئ ما نشأ عليه من التوحيد ، ويجب على البالغ الذي نشأ بين أبوين كافرين ، فكان على دينهما ، يجب عليه أن يكفر بما نشأ عليه ، وأن يجدد عقد توحيد جديد يواطئ ميثاقه الأول *** يعد ينفعه بعد أن بَلَغَ على الكفر ، ويجب عليه مع ذلك ما يجب على البالغ المسلم من تكليف الأمر والنهي على الراجح من أقوال المحققين ، فالكافر يخاطب بفروع الشريعة ويخاطب بما لا تصح إلا به من عقد التوحيد الأول ، فالدليل الطارئ بعد البلوغ ، إما أن يقرر الأصل الأول ويؤكده فضلا أنه يُبَيِّنُ ما أجمل منه بما يُحَمَّلُ البالغ من تكليف الشَّرْعِ النَّازِلِ بالأمر والنهي ، فالتشريع يؤكد الفطرة الأولى ، من وجه ، وَيُبَيِّنُ ما أُجْمِلَ منها من وجه آخر ، وإما أن يَرِدَ الدليل بما يوجب الانتقال عن الأصل فيكون طارئ الشرك والكفر ، فـ : "فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ" ، فيكون دليل الوحي في هذه الحال ، دليل التقويم لما اعوج من فطرة التوحيد قبل أن يكون دليل التبيين لما أجمل من التشريع فلا بد من تحقيق التوحيد قبل ذلك فهو شرط رئيس في صحة أي عمل ، إذ هو أصل الأصول وأول فرض على العباد ، فلا يصح ما بعده إلا أن يسلم من القادح الناقض .
والشاهد أن الظلم يعظم ، فهو ينقض الأصل ، بما يكون من الكذب على الرب ، جل وعلا ، والكذب على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، على وجه يفضي إلى تبديل الشرع وتحريفه ، فتكون الزيادة بتحليل الحرام وتحريم الحلال ، فذلك مما ينقض أصل الإيمان ، وهو أمر يَلْزَمُ كل معرض عن الوحي أن يحكم الأرض ، فتكون دولة التشريع للوضع المحدث على وجه يقدم فيه الهوى والذوق على الوحي حال التعارض ! ، فَيَأْبَى الهوى أن ينقاد لأي مرجع من خارج ، إن في الأخبار الغيبية أو في الأحكام الشرعية ، فلا يقبل من الوحي إلا ما يوافق الهوى والذوق ، وإلا فهو يجهر بِرَدِّهِ بل وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ ما أحدث من الأقيسة والأهواء ، إن فِي العلوم أو فِي الأعمال ، فلا يصدق إلا بما يوافق قياسه ، ولا يمتثل إلا لما يوافق هواه ، فصار الهوى هو الرائد في التصور والحكم ، فكل أولئك يدخل في عموم الإنكار صدرَ الآية : (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) ، فإن دلالة "كذبا" في سياق الاستفهام مئنة من العموم ، فالنكرة في سياق الاستفهام مئنة من العموم ، كما قرر أهل الأصول ، فيعم كل كذب ، إن في العقد أو في الشرع ، فضلا عن معنى التقليل الذي استفيد من التنكير في "كذبا" بدلالة السياق ، فأي كذب ، ولو قل ، من أعظم الظلم إذ به يكون الافتراء على وحي السماء ، فدلالة التنكير مئنة من نوعية تَتَفَاوَتُ في الخارج فقد تبلغ غاية عظمى ، وقد تبلغ ، في المقابل ، غاية صغرى فيكون التنكير مئنة من التعظيم والتكثير ، أو مئنة من ضديهما من التحقير والتقليل فيجري مجرى الاشتراك في الأضداد فلا بد من قرينة من خارج تحسم النزاع فهي ترجح ضدا على آخر كما رجحت التقليل على ضده من التكثير في هذا الموضع .
وقد خرج بدلالة السياق ما كان من الخطأ ، فيطلق عليه ، أيضا ، اسم الكذب ، وإن لم يَتَقَصَّدْ صاحبه ذلك ، فالكذب في لغة أهل الحجاز يطلق على ما خالف الحق ، تَقَصَّدَ صاحبه أو لم يَتَقَصَّدْ ، فصار ذلك من المجمل الذي يفتقر إلى البيان ، بل قد يجري مجرى الأضداد بالنظر في معنى العمد ومعنى السهو ، فكلاهما يخبر بخلاف الحق ، ولكن الأول يذم ، والثاني يعذر ، فحصل التضاد من هذا الوجه ، فهو ، أيضا ، يَفْتَقِرُ إلى مرجح من خارج يقضي بأحدهما دون الآخر ، فَيَجْرِي الأمر مجرى الإجمال إما اشْتِرَاكًا بين ضدين ، أو ظاهرا يتبادر فهو إلى معنى الذم أقرب ، ولكنَّ القرينة ، من وجه آخر ، قد تصرف لفظ الكذب من المعنى الرَّاجِحِ وهو العمد إلى المعنى المرجوح وهو السهو ، فَيَكُونُ ذلك من التأويل الصحيح إذ ثَمَّ قرينة من السياق أو بساط الحال تشهد ، كما في خبر : "زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ" ، *** يقصد الكذب عمدا ، فعبادة بن الصامت ، رضي الله عنه ، حجازي يستعمل الكذب في القصد وضده من الخطأ ، وقرينة السياق أَنَّهُ أَرَادَ واحدا من أصحاب النبي المعظم محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، هذه الْقَرِينَةُ تَنْفِي معنى العمد ، إذ ذلك يقدح في عدالة الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهو أمر قد بَلَغَ حد الضرورة العلمية والضرورة العقلية معا ، فجاء الوحي يقرر هذا الأصل على وجه بلغ حد التواتر الذي يفيد العلم الضروري ، والعقل ، لو تدبر الناظر ، العقل يدل على ذلك ضرورة فإن الحجة لا تقوم إلا بخبر صحيح صريح قد سلم من القادح ، ولا أعظم قدحا في الخبر من القدح في عدالة المخبِر أنه كاذب يفتري ، فذلك من أعظم الظلم الذي انْتَفَى في حق الآحاد من نَقَلَةِ الشريعة ممن سَبَرَ أهل الشأن أحوالهم ومروياتهم فكان لهم من كمال الحال وقوة الحافظة إذ ندر الخطأ فلا يسلم منه أحد إلا من عصم من الأنبياء ، عليهم السلام ، فعصمة التبليغ والتبيين في حقهم أمر واجب بالنقل والعقل أيضا ، فكان لآحاد الرواة من الأدلة ما يشهد بالعدالة والضبط على وجه يوجب الحكم بصحة النقل ، فكيف بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهم الذين زَكَّاهُمُ الوحي ، وهم الذين حصل لهم من قَرِينَةِ الشهود لِتَنَزُّلِ الوحي ما يجعل العناية بجمعه وحفظه أعظم ، فهم أقرب الناس إلى زمانه ، بل هم من عاصره وشهده ، واجتمع بصاحبه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل ولازمه في حِلِّهِ وَتِرْحَالِهِ والعادة تقضي أن أقرب الناس ملازمة هم الأعلم بِقَوْلِ من يُلَازِمُونَ والأعلم بِقَصْدِهِ وَمُرَادِهِ ، والأعلم بأفعاله وأحواله كلها ، فضلا أن لهم من قَرِينَةِ اللسان ما يجعل بَيَانَهُمْ لألفاظ الشرع هو المقدم ، فَبِلِسَانِهِم نَزَلَ على وجه يجعل النَّظَرِيَّ من علوم اللسان نحوا وبلاغة ، وعلوم الاستنباط من الأصول والدلالات .... إلخ ، وهي مما تفنى الأعمار في تحصيله ، على وجه يجعل ذلك النظري الدقيق ، يجعله في حقهم من الضروري الذي يَبْلُغُ حد البداهة ، فهو عامة لفظهم وهو عرف مقالهم ، فحصل من كل أولئك قَرِينَةٌ صحيحة تُوجِبُ ضرورة صرف الكذب في الخبر المتقدم : "زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ، فَقَالَ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَبَ أَبُو مُحَمَّدٍ" ، تُوجِبُ صَرْفَهُ إلى الخطأ ، فلا يسلم منه أحد من عامة الخلق إلا الْأَنْبِيَاءُ ، عليهم السلام ، كما تقدم مرارا من عصمة التَّبْلِيغِ والتَّبْيِينِ ، وخطأ الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، مع ذلك ، خطأ لا يَسْتَتِرُ ، وإن دق ، ولا يقع إجماع عليه فذلك مما انْتَفَى في حق هذه الأمة في جميع طباقها ، وإن تأخرت ، وإن خفي الحق فيها وظهر الباطل وفشا فلا بد من قائم لله ، جل وعلا ، بحجة صحيحة صريحة تسلم من المعارضة في جميع محال النزاع ، سواء أكانت في العلم أم في العمل ، في العقد أم في الفقه أم في الحكم أم في السياسة ، ولا يكون ذلك إلا بِرَدِّهَا إلى الكتاب ، تأولا صحيحا للأمر في قول الرب جل وعلا : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، وإنما تختلف الأنظار في هذا الرَّدِّ إلى الوحي ، فَثَمَّ من يَجْتَهِدُ فَيُصِيبُ ، وثم من يجتهد فيخطئ ، وثم من يَرُدُّ الأمر إلى الكتاب وله حظ نفس وهوى تَقَدَّمَ فهو يحمله أن يسلك من سبل التأويل ما يظهر بطلانه أو ضعفه ، وكلما عظم الهوى واستحكم فَتَمَكَّنَ من فؤاد الناظر ، كان تَأْوِيلُهُ أضعف وأشد بطلانا ، فكان الظلم أعظم بافتراء الكذب ، وهو أمر يعم ، كما تقدم ، من دلالة النكرة في سياق الاستفهام ، فهي في نفسها مئنة من نوعية ، والنوعية تستغرق آحادا ، فثم الكذب في العقد ، وثم الكذب في الشرع ، وثم الكذب بالتعطيل ، وثم الكذب بالتأويل ...... إلخ ، ***ا دخل عليها الاستفهام رشح هذه الدلالة استيفاءً لأنواع الكذب ، فكلها مما تعظم به الجناية على وجه رشح معنى الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، وإن احتمل الظلم معناه الأصغر ، فَثَمَّ افتراء للكذب بِتَأْوِيلٍ ضعيف ، يَنْفَعُ صاحبه أن يَرْفَعَ الحكم ولا يَرْفَعَ الإثم ، كسائر موارد الخلاف غير السائغ على وجه لا يوجب الحكم بانتقاض أصل الدين الجامع وإنما غايته أن يقدح في الكمال الواجب فصاحبه من أهل الوعيد المؤقت ، وهو ، كما تقرر في باب الأسماء والأحكام ، هو تحت المشيئة ، فإن شاء الرب ، جل وعلا ، عَذَّبَهُ عذاب التأقيت فمآله إلى الجنان بعد تطهير الفؤاد والأركان من خبث الظلم الأصغر ، فثم توحيد في الجملة نفى خبث الظلم الأكبر فلا يجامعه في محل واحد ، وإن شاء عفا عنه ابتداء ، فمآله الجنان ابتداء أو انتهاء بعد حصول التطهير بكير النار التي أعدها ، جل وعلا ، لأهل العصيان من أهل التوحيد والإيمان .
فلا أحد أعظم جرما من هذا الكاذب ، ومن ثم جاء العطف بـ : "أو" استكمالا لشطري القسمة : (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ) ، ولا يخلو السياق من قرينة ترشح نِيَابَةَ "أو" عن الواو ، فذلك من التأويل المقبول في الجملة إذ قرينة السياق وبساط الحال يشهد أن المفتري للكذب لا يَنْفَكُّ ، في غالب أمره ، يُكَذِّبُ من الآيات بقدر ما افترى ، فيستبدل الذي هو أدنى من الافتراء بالذي هو خير من نص الكتاب ، خبرا أو حكما ، ودلالة الآيات ، بادي الرأي ، دلالة القلة ، فالجمع المزيد بالألف والتاء من جموع القلة ، كما قرر أهل الشأن ، ***ا أضيف إلى الضمير في "آياته" اكتسب تعريفا في مبناه ، وعموما في معناه فاستغرق جميع الآيات الكونية والشرعية ، كما تقدم ، ولو تدبرت لوجدت ، أيضا ، تلازما في التكذيب بآيات الكون خلقا ورزقا وآيات الشرع خبرا وحكما ، فإن الشرك في الربوبية في الخلق أو التدبير أو التشريع لا ينفك يقترن بشرك آخر في الألوهية في العبادة والطاعة ، والمنشأ في الغالب غُلُوٌّ في المخلوق الناقص ، وجفاء ، في المقابل ، في الخالق الكامل ، جل وعلا ، ولا يَنْفَكَّانِ ، أيضا ، يَقْتَرِنَانِ ، فيغلو من يغلو في باب الخلق والتدبير فيعتقد الشريك في تدبير الكون وتسيير أموره على وجه يجعل المخلوق يَتَوَجَّهُ إلى مخلوق مثله طلبا لقضاء الحوائج بل قد يكون دونه فهو ميت يفتقر إلى من يدعو له أو يَتَصَدَّقُ عنه ! ، ويغلو من يغلو في باب التشريع فيعتقد في مخلوق مثله من العلم والحكمة التامة ما لا يجب إلا لرب العزة ، جل وعلا ، وإن حصل الاشتراك في أصل المعنى في الذهن ، فَثَمَّ فَارِقٌ ، أي فارق ، في الحقائق في الخارج ، فشتان علم الخالق ، جل وعلا ، وحكمته ، وعلم المخلوق وحكمته في المقابل ، فحصل التلازم بين التكذيب بآيات الكون وآيات الشرع فلا ينفك من أشرك في الربوبية يقع في شرك الألوهية ، إذ يغلو في مخلوق مثله ويعتقد له من أوصاف الربوبية ، علما وقدرة وتأثيرا وتدبيرا ما يُفْضِي إلى عبادته من دون الله ، جل وعلا ، إن عبادة ا*** الظاهرة بالركوع والسجود ، أو عبادة الطاعة بامتثال أمره ونهيه وإن خالف عن أمر الكتاب ونهيه فيسمع ويطيع لشرع محدث أو مبدل يضاهي الشرع المنزل ، فيقع في الشرك من هذا الوجه ، وهو ما حسن معه الختام بالذم والوعيد على حد الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين الفعل وحكمه ذما أو مدحا ، فجاء الوعيد والذم على حد التوكيد بالناسخ في قوله تعالى : (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ) ، فضلا عن دلالة ضمير الشأن فلا مرجع له تَقَدَّمَ ، وإنما يَرِدُ في السياق مَئِنَّةً من عظم الخطب وجلالة القدر ، وزد عليه دلالة العموم إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل "يفلح" ، فَانْتَفَى *** الفلاح وهو ما يرجح دلالة الظلم الأكبر الناقض لأصل الدين ، وإن استغرق بمعناه الأعم جميع صور الظلم بتكذيب الوحي ، فقد يكون التكذيب لشبهة تأويل ضعيف لا يرفع الإثم وهو مع ذلك يرفع الحكم بالكفر وذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، في هذا الباب ، وهو ما يوجب تحري العدل والإنصاف في شأن جليل كشأن الأسماء والأحكام فلا يقضي فيه ، لا سيما في الأعيان في الخارج ممن اقترف من الظلم ما ينقض أصل الدين ، لا يقضي فيه إلا عليم بالحق رحيم بالخلق يَلْتَمِسُ العذرَ ما أمكن ، ولا يحمله ذلك أن يداهن أو يُفَرِّطَ ، فالحق ، كما تقدم مرارا ، فضيلة بين رَذِيلَتَيْنِ ، فحصل العموم ، من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة المضارعة استحضارا للصورة وطردا للحكم في كل قَرْنٍ ، فَقَدْ أُنِيطَ حكم الإجرام بمعنى صحيح في القياس وهو افتراء الكذب والتكذيب بالحق ، فيدور معه وجودا وعدما في كل عصر و**ر ، وفي حق كل أحد تقع منه هذه الجناية ، وذلك أصل في الحكم ، فإن الأحكام لا تُنَاطُ في الغالب بالأعيان إلا في موارد التخصيص لقرينة ، فذلك خروج وانتقال عن الأصل فلا يقبل إلا بدليل ناقل ، وإلا فالواجب الاستمساك بالأصل وهو إناطة الأحكام بِمَعَانٍ لا بأعيان ، فالأحكام تدور معها طردا وعكسا ، إيجابا وسلبا ، وقد استعير الفلح وهو الشق في الأرض إرادة البذر والنماء ، استعير لمعنى الفلح المعقول بما يوضع في القلب من بذر الإيمان وما يحصل منه في الأركان من نبت الطاعة والانقياد الباطن وَبَذْرُهُ الخبر الصادق ، والظاهر وَبَذْرُهُ الحكم العادل ، وقد يقال ، كما تقدم مرارا ، إن المعنى *** عام تنقسم موارده في الخارج وقرينة السياق هي التي تعين مراد المتكلم على وجه ينفي الحاجة إلى تكلف المجاز ، فلا استعارة ، وإنما ترجيح لوجه على آخر بقرينة السياق ، فيكون ظاهر اللفظ المركب من دلالة الوضع ودلالة السياق يكون حقيقة في بَيَانِ مراد المتكلم .
وعموم لفظ "المجرمون" إما أن يحمل على العموم المستغرق لآحاد المجرمين ، فيدخل فيه كل من أجرم ، سواء الإجرام الأكبر أو الإجرام الأصغر فيكون لكلٍّ حظه من عدم الفلاح بقدر جنايته ، وإما أن يحمل على عموم آخر يستغرق معاني الإجرام فذلك ما يرشح دلالة الإجرام الأكبر ، فيكون الظلم صدر الآية هو الظلم الأكبر ، ويكون الكذب والتكذيب على وجه ينقض أصل الدين ، وقد يقال ، أيضا ، إن دلالة "أل" دلالةُ الوصل إذ دخلت على اسم مشتق وهو اسم الفاعل من الرباعي "أجرم" ، فيكون ذلك من إناطة الحكم ، وهو عدم الفلاح ، بمعنى الإجرام الذي اشتق منه اسم الفاعل "مجرمون" ، فيدور معه وجودا وعدما ، فهو يفيد بالمفهوم ثُبُوتَ الْفَلِاحِ لمن أحسن فَصَدَقَ وَصَدَّقَ ، فدلالة الوعيد مئنة من النهي عن الكذب والتكذيب ، ودلالة الوعد مئنة من الأمر بالصدق والتصديق ، فاطرد اللفظ وانعكس ، إن في الخبر ذما بالمنطوق ومدحا بالمفهوم ، وما يستوجبانه من النهي عن الإجرام والأمر بضده من الإحسان ، ولا يخلو اللفظ من دلالة تغليب فجمع الذكور لا يُخْرِجُ بداهة من أجرم من الإناث وإنما يعم الحكم الجميع بقرينة العموم في التكليف .
وعدم الفلاح أمر قد أجمل وجاء بيانه في مواضع أخرى بشرت المكذِّبِينَ بالويل ، كما في قوله تعالى : (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ، وبعذاب جهنم ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ) ، فذلك جار على ما تقدم مرارا من إجمال في موضع من التَّنْزِيلِ يكون بيانه في آخر ، أو في جملة من المواضع الأخرى على وجه لا تكمل فيه صورة الاستدلال إلا بجمع أدلة الباب لفظا ، وجمع وجوه الاستدلال معنى .
والله أعلى وأعلم .