المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ابحث عن طفل العيد بداخلك...!


rss
07-17-2016, 10:31 AM
ابحث عن طفل العيد بداخلك...!

تتكرَّر علينا مناسبة العيد كل عام، ومع كل كرَّة نستلهم النزاعات المزمنة، والعداوات الأبدية، التي تذكيها أحداثُ هذه المناسبة البريئة، حتى أصبحَت ذكرى لكلِّ أمر مؤلم، وساحة انتقام من النفس وعليها، وهدرًا للأوقات الثمينة فيما لا فائدة منه، وبعدًا رهيبًا عن مظاهر العيد الحقيقية؛ وذلك - بكل بساطة - لأننا تحوَّلنا إلى آلات تصنع الألم، وتقتل الأُنسَ والبهجة؛ فلذلك يأتينا عيدٌ تلو آخر ونحن لم نتغيَّر؛ بل نزداد سوءًا على سوء، نَكبَر وتَكبَر فينا الجفوة، وتتوسَّع فينا بؤرة ا***د المهلكة، التي كانت نقطة ليس لها أي اعتبار في عالمنا الطفولي!

ابحث عن طفل العيد بداخلك، أَيقِظْه من نومه العميق داخل كهوف ماديَّتك، نبِّهه من غفلته الطويلة، فُكَّ عنه قيودَ الحقد وا***د التي كبَّلته زمنًا تلو آخر، أخبِرْه أن العيد قد أشرقَت شمسه، حاملةً الفرحَ والمرح فوق أشعتها، متسللة إلى قلوب الأطفال التي لا تعرف إلَّا البراءةَ والسعادة، أطلِق له العنان، فهو يعرف كيف يَستقبل تلك اللحظات بكل عفويَّة تامَّة.

أبعِد الأحزانَ والهموم عن قلبك، عش اللَّحظةَ بكل تجلِّياتها الطفولية، حتمًا ستتجاوز عداواتك ونزاعاتك، راكبًا على مَتن سفينة العفو والصَّفح والتسامح، معلنًا حربًا ضروسًا على جنود الحقد والبغضاء والتشاحنِ، سوف تلتحم خيوطُ صلة الأرحام، وينجلي عن قلبك الظَّلام، وتعيش في أمنٍ وسلام.

ولم تخفَ على أديبٍ ك**طفى الرافعي حقيقةُ العيد، التي استلهمها من عيون الأطفالِ الأمينة، وأفعالهم السليمة، ونقتضب من حديثه الطويل ما يَكفينا للوصول إلى الحقيقة، ونتقصَّى معه مكامن الفرح والسرور؛ حيث يقول:
♦ "خرجتُ أجتلي العيد في مظهره الحقيقيِّ على هؤلاء الأطفال السُّعداء، على وجوههم النضرة التي كبرَت فيها ابتسامات الرضاع فصارت ضحكات، وهذه العيون الحالمة، التي إذا بكت، بكت بدموع لا ثقل لها".

♦ ويمضي الرافعي: "على هؤلاء الأطفال السُّعداء الذين لا يعرفون قياسًا للزمن إلا بالسرور"، السرور الذي أضحى ينشده الكبارُ بأموالهم، أو ببعث الثَّأر والكلمة والكلمتين التي قيلت يوم كذا وكذا، أو الهفوة التي صدرَت من قريبٍ أو بعيد.

♦ ويكمل رحلة التقصِّي: "فيبنون كلَّ شيء على أحد المعنيين الثابتين في نفس الطفل: الحب الخالص، واللَّهو الخالص، ويَبتعدون بطبيعتهم عن أكاذيب الحياة؛ فيكون هذا بعينه هو قربهم من حقيقتها السعيدة"، فكلَّما اقتربَت نفسك من المادة، تضل في غربةٍ روحية، وسوف تتلاشى الحياة!

♦ ونسير مع الرافعي وهو يقول: "هؤلاء الأطفال الذين هم السُّهولة قبل أن تتعقَّد، والذين يرون العالم في أول ما يَنمو الخيال ويتجاوز ويمتد، ويفتِّشون الأقدار من ظاهرها؛ ولا يستبطنون كي لا يتألَّموا بلا طائل، ويأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها".

في إشارة منه أنَّهم يأخذون بظواهر الأمور، ولا يتعمَّقون فيها كي لا يخسروا فرحتهم، وهكذا السَّعادة تتماشى مع البساطة والقلَّة، والتغافل والتغابي.

ويذكر حِكمتهم العليا التي تتجلَّى في أن الفِكر السامي هو جعل السرور فكرًا، وإظهاره في العمل.
أمَّا شِعْرهم العذب، فهو أنَّ الجمال والحبَّ ليسا في شيء إلا في تجميل النَّفس وإظهارها عاشقة للفرح، واصفًا إياهم بالفلاسفة الذين تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية؛ وهي أنَّ الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنَّة، ويشير إلى أن الطفل قَنوع، يرضى بما يمتلك ولو كان قليلًا؛ فهو قد يقلب عينيه في نساء كثيرات، ولكن تبقى أمُّه هي أجملهن وإن كانت شوهاء.

فأمُّه وحدها هي هي أمُّ قلبه، ثمَّ لا معنى للكثرة في هذا القلب، هكذا هم يقنعون بما يَجدونه، ولا يَبحثون عن الاستزادة، وتلك حِكمتهم العظيمة التي يهدونها للحكماء أيًّا كانوا.

♦ ويتحسَّر على نفسه وممَّن هم في عمره قائلًا: يا أسفا علينا نحن الكبار، ما أبعدنا عن سرِّ الخلق بآثام العمر، والشهوات الكافِرة التي لا تؤمن إلَّا بالمادَّة.

♦ منعطف أخير.. إن كنت تريد أن تَفهم العيدَ السعيد، كن طفوليًّا من الداخل، تجِد عدم الاكتراث لمشاغل الحياة ومشاكلها، كن طفلًا جديدًا كثوبك الجديد وكيومِك الجديد أيضًا.
</ul>