rss
06-29-2016, 07:50 AM
من آية : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ...)
من موارد التقوى في التنزيل : ورودها مضافة إلى أصحابها الذين اتصفوا بها فَهُمْ من قام بهم مَعْنَاهَا ، في نحو قوله تعالى : (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فجاء السياق في سورة القتال يَسْتَوْفِي شطري القسمة ، فـ : (مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فدلالة "مِنْ" في "منهم" في الشطر الأول لا تخلو من بَيَانٍ لل*** فضلا عن ابتداء الغاية ، ولا تخلو من دلالة تبعيض فَانْقَسَمَ ال*** العام وهو الناس إلى من يستمع فلا يَنْتَفِعُ ، فحصل له من ا*** الظاهر والفهم الباطن ما به تقام الحجة فقد سمع اللفظ وفهم المعنى وإن لم ينتفع به فَيَكونَ ثَمَّ فقه معتبر ، فثم من يستمع ويدرك ، وهو ، مع ذلك ، لَا يَنْتَفِعُ بما سمع ، فَلَيْسَ يغني سمع شيئا إن لم يشفع بالفهم ، فهو شرط في إقامة الحجة وحصول التكليف الملزم ، ولا يَنْفَعُ الفهم إن لم يشفع بالامتثال ، فإن التصديق المجرد يحصل بالفهم ، كما فهم من فهم من مشركي قريش حجة الرسالة ، فَأَقَرُّوا بِالرُّبُوبِيَّةِ وأنكروا لازمها من الألوهية جحودا واستكبارا ، فضلا عن مخالفة ظاهرة لقياس العقل الصريح الذي يَقْضِي بالتسوية بين المتلازمين من جهة الاستدلال فَيُسَلِّمُ العقل بِاقْتِرَانِهِمَا ، فلا ينفع تصديق مجمل دون أن يشفع بانقياد في الباطن والظاهر يحمل صاحبه على ملازمة التقوى الباطنة ، وهي المنشأ ، والتقوى الظاهرة فهي المظهر الذي يغتذي من عقد القلب ، فإذا حصلت التقوى فسلم القلب من الشرك والكفر وكل ما يقدح في عقد الإسلام والإيمان ، فلازم ذلك حصول الإرادة الجازمة في الفعل والترك فلا يخالف الوحي في جليل أو دقيق ، في أصل أو فرع ، فَمَعْنَى التقوى ، من هذا الوجه ، يعم الدين كله ، فهو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، يعم الباطن ، فتقوى القلب أن يعظم الشعائر ، فـ : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، والتعظيم ينصرف ، بادي الرأي ، إلى عمل القلب ، ولا يحصل إلا بِتَصَوُّرٍ أول ، كسائر ما يعتقد القلب وينتحل ، فتلك تقوى باطنة لا تنفك آثارها في الخارج تظهر في القول والعمل ، في العبادة والحكم ، في التصور العام لقضايا ال**ير في الحال والمآل ، من توحيد به يصلح عقد الباطن ، وتشريع به يصلح فعل الظاهر إن بالنظر في آحاد من توجه إليهم التكليف ، أو جماعات لا يستقيم أمرها ولا يكمل دينها إلا أن تعظم الوحي فيكون الرائد الصادق في جميع مَحَالِّ النِّزَاعِ ، فيعظم القلب شَعَائِرَ الله ، جل وعلا ، وذلك معنى يَعُمُّ ، فالإضافة فيه مئنة من عُمُومٍ يَتَجَاوَزُ العموم المعهود في دلالة الشعيرة التي تقتصر على عبادات الجوارح ، فيعم جميع شرائع الدين القولية والعملية ، الباطنة والظاهرة ، الشريعة الآمرة والسياسة الحاكمة ، فجاء هذا الوحي المنزل بما تحصل به تقوى القلب ، فَيَنْعَتِقُ من ربقة العبودية لغير الله ، جل وعلا ، فالتقوى مادة تحسم الطغيان ، والنبوة مادة في التصور والحكم تحرر العبيد الأحرار ! ، فقد وقعوا في رق الشبهة والشهوة وكلٌّ قد اتخذ معبودا في الذهن أو في الخارج ، فجاءت النبوة لتهدم الأصنام المحسوسة والمعقولة وهي سَبَبُ كُلِّ هم وحزن في الأولى والآخرة إذ تحرف الفطرة عن جادة العدل والاستقامة ، فَتَكُونُ المعيشة ضنكا ! ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فذلك من العموم القياسي فِي دِلَالَةِ اللِّسَانِ ، فالشرط نَصٌّ في العموم ، كما قَرَّرَ أهل الأصول ، فتلك سنة تَعُمُّ جميع البشر ، ولكلِّ من خالف عن جادة التقوى ، جَادَّةِ النبوة ، لكلِّ من خالف عنها حظ من الضنك بِقَدْرِ مَا يُفَارِقُ من الوحي ، فَمِنْ مُعْرِضٍ على وجه ينقض كمال الدين الواجب إذ أعرض عن الأمر والنهي في أحكام الجوارح على وجه لا يقدح في أصل الدين *** يَقْتَرِفْ ما يَنْقُضُ الإيمان من عقد أو قول أو عمل ، فيكون الضنك والشؤم الذي يُسَوِّدُ الوجه ويضعف البدن ويوقع البغض والنفرة في قلوب الخلق ، فذلك شؤم العصيان كما أُثِرَ عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، فالتقوى أن تجتنب المعاصي والآثام ، من الكبائر والفواحش ، وأن تجتنب أسباب الغفلة ، ولو في الصغائر ، على وجه لا يستوجب عصمة ، فذلك مِمَّا لَا يُطَاقُ بما جبل عليه البشر من النسيان والذهول ، والفترة بعد الشرة ، *** يسلم من ذلك نبي معصوم ، فـ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فجاء الخبر مؤكد بالناسخ "إن" فضلا عن ضمير الشأن الذي اتصل به فهو مئنة من عظم الخطب ، واللام الداخلة على الخبر "ليغان" وزد عليه دلالة المضارعة فهي مئنة من استحضار للصورة ، وديمومة واستقبال إذ ذلك مما يتكرر فيعرض له صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حين لآخر ، وعروضه لغيره يثبت من باب أولى ، والغين كما يقول أهل اللسان يكافئ الغيم في الدلالة ، ويقاربه في اللفظ إذ النون والميم قد تقاربا في المخرج فكان التقارب في المعنى فرعا على التقارب في المبنى ، وكلاهمات مئنة من غارض غشيان لا يسلم منه
، كما تقدم ، أي إنسان ، ولو فترة عن الذكر ، فيستدفعه بالاستغفار كما قد ورد في الخبر ، مع قدر فارق ، بداهة ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فالغين على قلب الأنبياء عليهم السلام قد تكون حاله حال كمال ! في حق مَن دونهم مِن عامة الناس ، ف*** الغفلة ولو بفتور في الذكر لا يسلم منه بشر إذ تلك خاصة النوع الإنساني ، فيصيبه من النصب واللغوب ويصيبه من النسيان والذهول ما تَنَزَّهَ عنه الرب المعبود ، جل وعلا ، فـ : (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) ، فَعِلْمُ القرون الأولى وعلم كل جليل ودقيق في عالم الغيب والشهادة ، علمه عند الله ، جل وعلا ، فتلك عندية تفيد الاختصاص على جهة الاتصاف ، فالعلم المحيط من أخص أوصاف الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فحصل القدر الفارق بين المخلوق الناقص والخالق الكامل ، جل وعلا ، فلا يغيب ولا يأقل ، ولا يجهد ولا ينصب ، ولا يصيبه ما يصيب البشر من السآمة والملل ، والنسيان والذهول .... إلخ من أعراض النقص ، وإن كان ثم عصمة في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، فهي عصمة من الخطأ في النقل ، وعصمة من القادح في العدالة إذ يقبح في النقل والعقل أن يبعث ، جل وعلا ، مقدوحا في عدالته ليقيم به الحجة على الكافة ، فذلك ، من وجه ، قد يجري مجرى التكليف بما لا يطاق ، على وجه يجافي الحكمة والفطرة ، والشرع لا يجافيها ، خلافا لما قال بعض أهل الكلام أن جَوَّزُوا في حق الرب ، جل وعلا ، كل ممكن ، وإن قبيحا كالظلم وكإرسال الكذاب وتأييده بالمعجزات على وجه يضل به البشر وكتعذيب أهل الإيمان وَتَنْعِيمِ أهل الكفران ! ، فجاء الوحي يوجب ويمنع في حق الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، على وجه يواطئ صريح الحكمة وصحيح الفطرة ، فلا ينفك بشر عن إعراض ، وإن غفلة وفترة عن الذكر ، فيكون النقص ، ولو لماما ، كما تقدم من حاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فثم من يعرض عن فضيلة الذكر الزائد من النفل فيحصل له النقص على وجه لا ينقض كمال الدين الواجب ولا أصله الجامع من باب أولى وإنما يُنْقِصُ من كماله المستحب بِتَرْكٍ عارض لبعض النوافل لا على سبيل الترك المطلق ل*** النوافل أو الاستخفاف بالسنة وإنما طرأ فترة بعد شرة ، وثم من يعرض عن بعض الواجب فيقدح ذلك في كمال إيمانه الواجب دون أصله الجامع فيكون من الضنك قدر يزيد ، وثم من بلغت به الحال أن اقترف من القول أو العمل ، ظاهرا أو باطنا ، ما يقدح في أصل الدين ، فعظم الشؤم والضنك ، ولو تدبرته لوجدته ، أيضا ، مما يتفاوت ، ولو دركات سفلى ، فبعض الشر أهون من بعض ! ، فلا تكون سلامة من ذلك إلا بالتقوى ، فَبِهَا يجانب الإنسان ويفارق أسباب الهم والحزن الطارئ ، وكلما عظم حظ المكلف من التقوى ففارق من أسباب العصيان والكفران ما يقدح في حقيقة الإيمان ، كلما عظم حظه منها كانت السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فالشرط وعيد في الخبر يفيد أمرا ونهيا في الإنشاء ، فيفيد النهي عن الإعراض حذر الضنك ، فذلك المنطوق الَّذِي أفاده الشرط على جهة الدوران وجودا وعدما ، إذ الجزاء يدور مع الشرط على وجه يطرد فيه الحكم وينعكس ، فمن أعرض عن الذكر فإن له معيشة الضنك ، فذلك المنطوق ، ومن أقبل على الذكر فإن له معيشة السعة ، فذلك المفهوم ، فالفاء في : (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) ، مئنة من الاقتران الواجب في اللفظ إذ حُدَّ جزاء الشرط حَدَّ الاسم ، فجاء مؤكدا بالناسخ ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير "له" ، وزد عليه دلالة اللام على الاختصاص والاستحقاق في سياق الجزاء العادل ، فدلالة الشرط منطوقا النهي عن الإعراض ألا يطال المعرض جزاء العدل من المعيشة الضنك فضلا عن سوء المآل في دار القرار ، فـ : (نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، ودلالته مفهوما أن من أقبل على الذكر المشروع ، في العقد والقول والعمل ، فدلالة الذكر قد عمت إذ أضيفت إلى ضمير المتكلم ، ومرجعه الرَّبُّ الأعزُّ الأكرمُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أن من أقبل عليه فمعيشته معيشة السعادة ، ومآلة النجاة يوم ا***اب والجزاء ، وذلك يفيد الإنشاء أن لازموا الذكر في كل حال ، على وجه يعم جميع موارد الاختيار فلا ينصرف إلى ذكر اللسان المعهود فهو بعضه لا كله ، وإنما يعم جميع وجوه الذكر التي جاء بها الشرع والتي عمت ، كما تقدم ، جميع موارد الاختيار الفردي والجماعي ، العلمي والعملي والسياسي .... إلخ ، فالذكر وحده سبب في حصول السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، ولو تدبرت في الإضافة في "ذكري" لوجدتها تحتمل ، فإما أن تحمل على إضافة الفعل إلى المفعول ، فالذكر فعل العبد والرب ، جل وعلا ، هو المذكور ، فيذكره العبد مستحضرا وصفه الكامل ، جلالا وجمالا ، وهو ، مع ذلك ، يَتَأَوَّلُ آثار ذلك في عقده فيخلصه من مادة الشرك والكفر ، أكبرَ كان أو أصغرَ ، فيجتهد أن يحرر عقد الإيمان من كل ما يقدح في كماله الواجب أو أصله الجامع ، ويتأوله في القول والعمل ، على وجه تعم به التقوى جميعَ محالِّ التكليف فهو يجتهد في دفع أسباب النقص من موجبات العذاب ، فيجانب قدر استطاعته كل ما نهى عنه الشارع ، جل وعلا ، سواء أكان نهي التحريم عن الغايات المحرمة فهي في نفسها تفسد الحال إما نقصا أو نقضا ، على التفصيل المتقدم ، فمن المحرم ما ينقض كمال الإيمان الواجب ، سواء أكان من عامة المعاصي أم من خاصة الكبائر ، ف*** المعصية مما تفاوتت دركاته في الخارج ، فبعضها دون بعض ، ولو تأملتها لوجدتها تفضي إلى بعض ، فهي ، في نفسها ، مما حرم لذاته ، وهي ، من وجه آخر ، مما ينهى عنه سدا لذريعة محرم أعظم ، كالنهي عن المسكر ، على سبيل المثال ، فإنه مما نهي عنه لذاته ، بل النهي عنه مما يحفظ مقصدا رئيسا من مقاصد التشريع ، فحفظ العقل غاية عظمى في الشرع ، ولو تدبرته ، من وجه آخر ، لوجدته مما نهي عنه لغيره أن يصير ذريعة إلى محرم آخر كما أثر عن علي ، رضي الله عنه ، إذ اجتهد فجعل حد الشارب كحد القاذف ، إذ الشراب مظنة الهذيان في القول وذلك ما يقع فيه ، في العادة ، من *** السب والقذف ما يوجب الحد ، فاجتهد ، رضي الله عنه ، أن نَزَّلَ المعدوم منزلة الموجود لحصول الذريعة على وجه معتبر ، على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ من طعن في صحة الإسناد إليه ، وثم من لم يعتبر في بابٍ الأصل فيه المنع ، فالأصل في الحد المنع فهو عقوبة تطال صاحبها وتصيب مَعَرَّتُهَا من بعده ، فذلك مما يوجب التوقف إذ الأصل في المسلم العصمة إلا أن يقترف ما يوجب نقضها ، سواء بعقوبة مقدرة في الضرب على وجه يوجب الزجر ولا يحصل فيه إتلاف ، أو القطع فهو يوجب إتلاف بعض ، أو القتل فهو يوجب إتلافَ الجميع .
والشاهد أن الذاكر يجتهد فهو يجانب قدر استطاعته كل ما نهى عنه الشارع ، جل وعلا ، سواء أكان نهي التحريم عن الغايات المحرمة أم نهي التَّنْزِيهِ عن الذرائع المفضية إلى المحرم ، وَلَوْ مباحة في الأصل ، فهي تدخل في حد الكراهة بما كان من إفراط في تعاطي الفضول ، فيذكر ربه ، جل وعلا ، على وجه يحصل فيه الإقبال وذلك يوجب انتفاء ضده من الإعراض سواء أكان إعراضا ينقص من الإيمان الواجب ، أو يفحش فهو ينقض الأصل الجامع ، وقد تحمل الإضافة في "ذكري" ، من وجه آخر ، على إضافة الفعل إلى الفاعل ، فالذكر هو الوحي ، وهو وصف الرب ، جل وعلا ، فالوحي كلامه المنزل ، ودلالته تستغرق كل ما بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَبَيَّنَ من أصول الدين وفروعه ، إن منطوقا أو مفهوما ، إن بنص أو قياس معتبر استعمل منه في مواضع ما أبان عن حجية صحيحة في الأصول ما لم يخالف النص المنقول ، فهو ، كما تقدم مرارا ، هَدَرٌ فاسد الاعتبار إن خالف النص أو الإجماع ، فيعم جميع الكلم المنزَّل ، وجميع الحكم المشرَّعِ ، إن في العقد أو في الشرع أو في السياسة ..... إلخ ، فدلالته من هذا الوجه تضاهي دلالة الإضافة فيما تقدم في قوله تعالى : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، فإن الشعائر هي فحوى الوحي ، وهو ، كما تقدم ، وصف الرب ، جل وعلا ، فهو الكلام والحكم ، فالإضافة إضافة وصف إلى موصوف ولا تخلو من دلالة التشريف ، وذلك مما يرشح دلالة التعظيم ، صدر الآية ، وهو تعظيم لا يحصل بدعوى محضة تكذبها الحال الباطنة والظاهرة ، وإنما يكون بالتصديق الباطن مشفوعا بالإذعان والإقرار الكامل ، مع استسلام يضاهيه وانقياد بالطاعة ما بطن منها فهي المنشأ ، وما ظهر فهي الْمَظْهَرُ ال**دِّق ، كما تقدم ، فَتَعُمُّ الشَّعَائِرُ محال التكليف جميعا ، وتعم جميع موارد الاختيار عقدا وشرعا ، فعلا وتركا ، سلما وحربا ، ما خص الفرد وعم الجماعة ، فهي معنى يَسْتَغْرِقُ شَعَائِرَ التعبد فهي ، كما تقدم ، ما يتبادر إلى الذهن ، وَيَسْتَغْرِقُ جميع أجناس التكليف الباطن والظاهر ، من العقد والقول والعمل ، فجاء الحد أيضا حَدَّ الشرط فيفيد ما تقدم من الدوران إن في الخبر أو في الإنشاء ، فمن عظم الشعائر فهي سبب في حصول التقوى ، فدلالة "مِنْ" من هذا الوجه تحتمل السببية ، فإن تعظيم الشعائر وامتثال ما توجبه من الفعل والترك ، كل أولئك سبب في حصول التقوى ، محل الشاهد ، على وجه عم بالإضافة "تقوى القلوب" ، وإضافتها إلى القلوب ، عند التدبر والنظر ، من إضافة الفعل إلى الفاعل ، بالنظر في المحل الباطن ، وذلك يجري مجرى الدعاء أَنْ : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا" ، فالنفس هي الفاعلة بما تجتهد في تحصيله من أسباب التقوى ، فتطلب الهداية بيانا وامتثالا ، فكانت المنة الأعم بهداية البيان ، وكان ثم منة أخص بهداية الإلهام والتوفيق ، فقد اجتهدوا أن يهتدوا ففتشوا طلبا للحق بدليله ، فذلك العلم النافع *** يكن أمرهم تقليدا يذم ، أو تخرصا لا يفيد صاحبه إلا الظن ، فـ : (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، الظن المذموم الذي لا يغني من الحق شيئا ، فليس ظن الرجحان الذي عُهِدَ في الاصطلاح المتأخر فذلك ظن يفيد علما معتبرا وإن كان دون اليقين الذي يفيده الخبر المتواتر أو اللفظ قاطع الدلالة فلا يحتمل فهو نص في محل النِّزَاعِ إن بالنظر في دلالة اللفظ في أصل الوضع ، أو بالنظر في قرينة السياق فثم ظاهر انضم إليه من دلالة السياق ما بلغ به حد القطع الجازم وإن أفاد ابتداء الظن الراجح ، فطلب من طلب مادة الهداية ، فَحَصَلَتْ لَهُ الزِّيَادَةُ ، فذلك شطر ثان يقاسم الشطر الأول مِمَّا تَقَدَّمَ من قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فحصل الاستماع الذي تقام به الحجة فذلك هدى البيان والإرشاد ، ولم يحصل القدر الزائد من هدى الإلهام والتوفيق ، بل سألوا بعدها تهكما ! : (مَاذَا قَالَ آنِفًا) ، وهم قد سمعوا وفهموا فسألوا سؤال من يتجاهل استخفافا ، فكان الذم في الخبر الذي ختمت به الآية ، فـ : (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فثم قصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر يحمل على الحقيقة بالنظر في وصف المخاطبين لا في أعيانهم ، فثم غيرهم ممن حصل له ما حصل لهم من الطبع وزيادة ! ، وهو ، من وجه آخر ، يحمل على القصر الإضافي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده في حق المخاطب وذلك ما يدل بلحن الخطاب على عموم يستغرق غيرهم في سياق الإنشاء تحذيرا من حالهم فثم دلالة نهي ألا يكون حظ السامع من الخبر إقامة الحجة دون القدر الزائد من الاهتداء بهداها ليدخل في حد الشطر الثاني : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فذلك ، أيضا ، خبر يفيد الإنشاء ، فثم مقابلة بين الشطر الأول ، وهو مورد ذم يوجب الانتهاء ، فجاء الذم ، كما تقدم ، على جهة القصر بتعريف الجزأين ، اسم الإشارة إلى البعيد على جهة التحقير والتصغير "أولئك" فذلك مما حصل فيه اشتراك في *** البعد الأعم ، وحصل فيه الافتراق بالنظر في دلالة السياق ، فقد يشهد تارة لمعنى التعظيم ، كما في قوله تعالى : (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، وقد يشهد أخرى لمعنى التحقير ، كما في هذا السياق : (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ، فجاء القصر بتعريف الجزأين "أولئك" والموصول "الذين" ، وثم عطف تلازم بين الطبع واتباع الهوى ، فإن الطبع الكوني ، وهو فعل جلال اتصف به ، جل وعلا ، على وجه يليق بجلاله لا يكون فيه ما زعم أهل الاعتزال من ظلم التزموه وليس بلازم فذلك من شؤم القياس الفاسد ، إذ قاسوا فعل الرب ، جل وعلا ، وهو الخالق العليم الحكيم القدير الذي يضع مادة الهداية في المحل القابل لها ، ويضع في المقابل مادة الغواية في المحل القابل لها ، فيحصل من معنى الحكمة ما يحسن الثناء به على رب العزة ، جل وعلا ، فهي تقضي أن يوضع الشيء في المحل القابل له على وجه يحصل به من تدافع الأضداد ما به صلاح الأكوان ، وما به تأويل آخر صحيح في الخارج لآثار أوصاف رَبِّنَا الفاعل ، جل وعلا ، بالقدرة والحكمة ، كما تقدم ، فقدرة جلال وحكمة جمال ، إن في الخير فضلا ، أو في الشر عدلا وهو ، كما تقدم مرارا ، من الشر الطارئ الذي به يحصل من الخير ما هو أعظم ، وذلك قياس الحكمة في موارد التعارض أن يحتمل الشر الأدنى دفعا لشر أعظم ، أو استجلابا لخير أعظم ، فقاس من قاس فعل الرب ، جل وعلا ، على فعل العبد فوقع في التشبيه ووقع في نظيره من التعطيل أن نفى من وصف الكمال ما انفرد به ، جل وعلا ، فمن ألحقه بالمخلوق في القياس فقد جرده مما اتصف به من الكمال المطلق ، فالتزم لأجل ذلك من اللازم الباطل أن يَنْفِيَ فعل الطبع على القلوب بمقتضى العدل والحكمة ، فذلك ، بزعمه ! ، ظلم يجب تنزيه الرب ، جل وعلا ، عنه فكان أن وصفه بالعجز *** يخلق أفعال العباد ولا يقدر أن يهديهم أو يضلهم فلهم وحدهم مشيئة مطلقة تضاهي المشيئة الربانية بل وربما تزيد عليها فتقهرها ! ، فيريد الخالق ، جل وعلا ، شيئا ، ويريد المخلوق شيئا فترجح إرادة المخلوق إرادة الخالق ، جل وعلا ، وذلك أمر ظهر بطلانه على وجه أغنى الناظر أن يماري ويجادل ! ، ووقع من وقع في الضد من مقال الجبر ، فأثبت القدرة ونفى العدل ، وغلا في باب التجويز حتى التزم وصف الرب ، جل وعلا ، بالظلم إذ يسوي بين المؤمن الطائع والكافر الفاجر ، فيجوز أن يعذب الاثنين أو يرحمهما جميعا مع اختلاف الوصف على وجه تقضي الحكمة في القياس أن يُفَرَّقَ بين الحكم إذ افترق الوصف ، فافتراق الحكم من افتراق الوصف ، كما أن التسوية فيه من التسوية في الوصف ، فذلك مقتضى الحكمة والعدل في القياس ، وهو ما نفاه أولئك إذ غلوا في تقرير القدرة حتى بلغت بهم الحال أن نفوا الحكمة ، فسووا بين المختلفين ، بل وزاد من زاد فَجَوَّزَ تَنْعِيمِ الكافر وتعذيب المؤمن وذلك قدر يزيد في فساد النظر على التسوية بينهما ، إذ يضع الشيء في غير موضعه بل في ضده ! ، فذلك نفي للحكمة إمعانا في تقرير القدرة على وجه خالف به أولئك عن الأولين من نفاة القدرة إمعانا في تقرير الحكمة ، والفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين رذيلتين ، ففضيلة السنة في باب القدر وسط بين مقال أهل الاعتزال تفريطا ، ومقال أهل الجبر إفراطا ، وكلاهما قد التزم التعطيل في باب ، فثم من عطل في باب القدرة وهم أهل الاعتزال ، وثم من عطل في باب الحكمة وهم أهل الجبر ، وأهل السنة هم الذين أثبتوا كلا الوجهين قدرة نافذة على الخلق وحكمة بالغة أن يضع السبب في المحل القابل له على وجه يصلح به الأمر ويعظم به الثناء على الرب جل وعلا .
ففعل الطبع ، كما تقدم ، من أفعال الجلال ، وهو كسائر أوصاف الأفعال مما قدم نوعه فهو أول يقوم بالذات القدسية من هذا الوجه ، وحدثت آحاده بمشيئة نافذة وحكمة بالغة أن تظهر آثار أفعال ربنا الخالق ، جل وعلا ، وظهورها يكون بكلمات التكوين وبها يكون صحيح التأويل في الخارج ، أن يقع المقدور في الشهادة على وجه يواطئ المعلوم في الغيب ، فلا زيادة ولا نقص ، وقد حد في هذا الموضع حد الماضي إمعانا في تقرير المعنى وذلك آكد في المساءة ، ولا يخلو كسائر أخبار الذم والوعيد من دلالة إنشاء للنهي والتحذير ، أَنْ خَالِفُوا عن جادتهم ألا يصيبكم ما أصابهم من طبع استغرق القلب ، ودلالة "على" وهي مئنة من استعلاء إن في ا*** أو في المعنى كما في هذا الموضع ، دلالة "على" ، هي ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فضلا عن عموم آخر بالإضافة في "قلوبهم" .
وفعل الطبع في سياق آخر مما حد على جهة المضارعة استحضارا للصورة فذلك آكد في الزجر ، كما في قول الرب جل وعلا : (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) ، ولا يخلو من دلالة تعليل صحيح على وجه تظهر به آثار الحكمة البالغة فمحل الطبع محل اتصف بالتكبر والتجبر وتلك صفات مذمومة في حق المخلوق وإن كانت محمودة في حق الخالق ، جل وعلا ، فـ : "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" ، فَثَمَّ وجه آخر يظهر في الحكمة إذ الوصف لا بد له من محل يقبل آثاره على وجه صحيح صريح في العقل الذي يقضي أن المحل الكامل يقبل أوصاف الجلال من الكبرياء والعظمة والجبروت ، فيحسن في حقه ، جل وعلا ، الاتصاف بها ، وأما المحل الناقص الضعيف فإنه لا يحتمل هذه الأوصاف وآثارها فيقبح في حقه الاتصاف بها ، فاطرد القياس وانعكس على وجه حسن فيه الحكم وقبح تبعا لكمال المحل أو نقصه ، وقد حد الفعل على جهة المضارعة ، كما تقدم ، فهو يشهد لما تقرر في باب الصفات الفعلية من حدوث الآحاد حالا واستقبالا فتلك دلالة المضارعة إذ لم يزل تأويل هذا الوصف يظهر في آحاد تَتْرَى يطبع الرب ، جل وعلا ، على قلوبها عدلا ، ولو شاء ، تبارك وتعالى ، لهداها فضلا .
فجاء القصر بتعريف الجزأين : اسم الإشارة والاسم الموصول ، ومناط الفائدة هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو فعل الطبع الكوني ، فليس الطبع على القلب من الشرع الذي يريده الرب ، جل وعلا ، إرادة التشريع ، وإنما قضى به بمشيئة نافذة تقترن ، كما تقدم ، بالحكمة البالغة ، وثم تلازم في العطف بين الطبع على القلب واتباع الهوى : (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فكلاهما سبب للآخر ، فالطبع على القلب يجعله في عمى فهو يتبع الهوى ، واتباع الهوى سبب في فساد المحل والطبع عليه ، وقد أضيف الهوى إلى أصحابه إضافة الوصف إلى الموصوف والفعل إلى الفاعل ، وهو مئنة من عموم يستغرق جميع الأهواء العلمية والعملية ، ولا ينفكان ، عند التدبر والنظر ، يقترنان ، ففساد التصور ذريعة إلى فساد الحكم ، وفساد الحكم في الخارج بالمخالفة عن أمر الشرع يزيد في مادة الطبع على القلب فلا يقبل الحق إذ فسدت الآلة *** تَعُدْ تَرَى بنور الوحي الهادي وإنما اتبعت الهوى الذي أضل صاحبه وما هدى .
ومن ثم جاء الشطر الثاني على جهة الوصل ، أيضا ، فـ : (الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فطلبوا الهداية في سائر مسائل الخلاف بالدليل الصحيح والاستدلال الصريح فاجتهدوا بعد أخلصوا القصد وتجردوا من الحظ طلبا للحق وإن خالف أهواءهم وما استحسنوا بالقياس والذوق ، ***ا طلبوا الهداية ، كان الجزاء من *** العمل ، فحسن أن يَرِدَ الجزاء على جهة الجناس اشتقاقا بين "اهتدوا" ، و "هدى" ، فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو تنكير "هدى" من دلالة تعظيم ، فزادهم هدى عظيما في العلم والعمل ، ***ا صح التصور توحيدا صح الحكم تشريعا على ما تقدم مرارا من التلازم السببي الوثيق بين التصور الباطن والحكم الظاهر ، ومن ثم عطف : (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فهما وصفا فعل فضلا يقابلان وصف الفعل عدلا في الطبع في الشطر الأول ، ولا يخلو العطف من دلالة تبيين لما أجمل من الهدى ، فتأويله التقوى ، ولا يخلو من دلالة تعاطف بين متلازمين على جهة السببية ، فإن هدى الرب ، جل وعلا ، بصيرة سبب في حصول التقوى النافعة ، فذلك الفضل ، كما أن طبعه ، جل وعلا ، على القلب فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا سبب في اتباع الأهواء وذلك العدل ، فاطرد الحكم وانعكس ، بالنظر في الدلالة الإنشائية في كلا الخبرين ، فالأول يحذر من اتباع الهوى لئلا يطبع على القلب والثاني يحض على طلب الهدى إذ به تحصل التقوى النافعة في الأولى والآخرة .
فآتهم تقواهم ، والإيتاء أعظم من الإعطاء فهو مما لا يقبل الرد وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، آكد في تقرير المنة ، وقد أضيفت التقوى إليهم ، كما أضيفت في سياق آخر إلى الأنفس ، فـ : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا" ، فتلك إضافة إلى الضمير العائد على النفس ، وهي إضافة إلى المحل الأعم ، وكما أضيفت إلى المحل الأخص كما تقدم في قول الرب جل وعلا : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، فتعظيم الشعائر سبب في تقوى القلوب ، وهو من *** التقوى التي تصلح بها الحال ، وهو بعض آثارها في الخارج فالتقوى وهي مظنة الاحتراز من المخالفة عن الأمر أو النهي ، التقوى سبب في تعظيم الشعائر ، وتعظيم الشعائر ، من وجه آخر ، بعض آثارها في الخارج ، وزد عليه ابتداء الغاية ، فتعظيم الشعائر ابتداء غاية هي حصول التقوى في القلب ، فاجتمعت في "مِنْ" هذه الدلالات جميعا على وجه يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك فذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يثري السياق بمعان صحيحة صريحة على وجه لا تكلف فيه ولا تعسف .
وثم من يستأنس بالزيادة في : (زَادَهُمْ هُدًى) ، على تقرير الزيادة في الإيمان وهو مذهب أهل السنة ، ولازمه النقص ولو لم ينص عليه ، فأثر عن بعض السبلف التوقف في النقص إذ لم يرد في النصوص صراحة فضلا أنه خشي أن يُتَّخَذَ إطلاقُ القول بالنقص ذريعة إلى تقرير مذهب الخوارج في نقض أصل الإيمان بحصول نقص طارئ بمعصية أو كبيرة تنقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ولازم إثبات الزيادة إثباتُ النقص ، ولو بالنظر أن من زاد إيمانه فغيره أنقص منه إن لم يباشر من أسباب الزيادة ما قد باشر .
والله أعلى وأعلم .
من موارد التقوى في التنزيل : ورودها مضافة إلى أصحابها الذين اتصفوا بها فَهُمْ من قام بهم مَعْنَاهَا ، في نحو قوله تعالى : (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فجاء السياق في سورة القتال يَسْتَوْفِي شطري القسمة ، فـ : (مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فدلالة "مِنْ" في "منهم" في الشطر الأول لا تخلو من بَيَانٍ لل*** فضلا عن ابتداء الغاية ، ولا تخلو من دلالة تبعيض فَانْقَسَمَ ال*** العام وهو الناس إلى من يستمع فلا يَنْتَفِعُ ، فحصل له من ا*** الظاهر والفهم الباطن ما به تقام الحجة فقد سمع اللفظ وفهم المعنى وإن لم ينتفع به فَيَكونَ ثَمَّ فقه معتبر ، فثم من يستمع ويدرك ، وهو ، مع ذلك ، لَا يَنْتَفِعُ بما سمع ، فَلَيْسَ يغني سمع شيئا إن لم يشفع بالفهم ، فهو شرط في إقامة الحجة وحصول التكليف الملزم ، ولا يَنْفَعُ الفهم إن لم يشفع بالامتثال ، فإن التصديق المجرد يحصل بالفهم ، كما فهم من فهم من مشركي قريش حجة الرسالة ، فَأَقَرُّوا بِالرُّبُوبِيَّةِ وأنكروا لازمها من الألوهية جحودا واستكبارا ، فضلا عن مخالفة ظاهرة لقياس العقل الصريح الذي يَقْضِي بالتسوية بين المتلازمين من جهة الاستدلال فَيُسَلِّمُ العقل بِاقْتِرَانِهِمَا ، فلا ينفع تصديق مجمل دون أن يشفع بانقياد في الباطن والظاهر يحمل صاحبه على ملازمة التقوى الباطنة ، وهي المنشأ ، والتقوى الظاهرة فهي المظهر الذي يغتذي من عقد القلب ، فإذا حصلت التقوى فسلم القلب من الشرك والكفر وكل ما يقدح في عقد الإسلام والإيمان ، فلازم ذلك حصول الإرادة الجازمة في الفعل والترك فلا يخالف الوحي في جليل أو دقيق ، في أصل أو فرع ، فَمَعْنَى التقوى ، من هذا الوجه ، يعم الدين كله ، فهو ، كما تقدم في مواضع سابقة ، يعم الباطن ، فتقوى القلب أن يعظم الشعائر ، فـ : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، والتعظيم ينصرف ، بادي الرأي ، إلى عمل القلب ، ولا يحصل إلا بِتَصَوُّرٍ أول ، كسائر ما يعتقد القلب وينتحل ، فتلك تقوى باطنة لا تنفك آثارها في الخارج تظهر في القول والعمل ، في العبادة والحكم ، في التصور العام لقضايا ال**ير في الحال والمآل ، من توحيد به يصلح عقد الباطن ، وتشريع به يصلح فعل الظاهر إن بالنظر في آحاد من توجه إليهم التكليف ، أو جماعات لا يستقيم أمرها ولا يكمل دينها إلا أن تعظم الوحي فيكون الرائد الصادق في جميع مَحَالِّ النِّزَاعِ ، فيعظم القلب شَعَائِرَ الله ، جل وعلا ، وذلك معنى يَعُمُّ ، فالإضافة فيه مئنة من عُمُومٍ يَتَجَاوَزُ العموم المعهود في دلالة الشعيرة التي تقتصر على عبادات الجوارح ، فيعم جميع شرائع الدين القولية والعملية ، الباطنة والظاهرة ، الشريعة الآمرة والسياسة الحاكمة ، فجاء هذا الوحي المنزل بما تحصل به تقوى القلب ، فَيَنْعَتِقُ من ربقة العبودية لغير الله ، جل وعلا ، فالتقوى مادة تحسم الطغيان ، والنبوة مادة في التصور والحكم تحرر العبيد الأحرار ! ، فقد وقعوا في رق الشبهة والشهوة وكلٌّ قد اتخذ معبودا في الذهن أو في الخارج ، فجاءت النبوة لتهدم الأصنام المحسوسة والمعقولة وهي سَبَبُ كُلِّ هم وحزن في الأولى والآخرة إذ تحرف الفطرة عن جادة العدل والاستقامة ، فَتَكُونُ المعيشة ضنكا ! ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فذلك من العموم القياسي فِي دِلَالَةِ اللِّسَانِ ، فالشرط نَصٌّ في العموم ، كما قَرَّرَ أهل الأصول ، فتلك سنة تَعُمُّ جميع البشر ، ولكلِّ من خالف عن جادة التقوى ، جَادَّةِ النبوة ، لكلِّ من خالف عنها حظ من الضنك بِقَدْرِ مَا يُفَارِقُ من الوحي ، فَمِنْ مُعْرِضٍ على وجه ينقض كمال الدين الواجب إذ أعرض عن الأمر والنهي في أحكام الجوارح على وجه لا يقدح في أصل الدين *** يَقْتَرِفْ ما يَنْقُضُ الإيمان من عقد أو قول أو عمل ، فيكون الضنك والشؤم الذي يُسَوِّدُ الوجه ويضعف البدن ويوقع البغض والنفرة في قلوب الخلق ، فذلك شؤم العصيان كما أُثِرَ عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، فالتقوى أن تجتنب المعاصي والآثام ، من الكبائر والفواحش ، وأن تجتنب أسباب الغفلة ، ولو في الصغائر ، على وجه لا يستوجب عصمة ، فذلك مِمَّا لَا يُطَاقُ بما جبل عليه البشر من النسيان والذهول ، والفترة بعد الشرة ، *** يسلم من ذلك نبي معصوم ، فـ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فجاء الخبر مؤكد بالناسخ "إن" فضلا عن ضمير الشأن الذي اتصل به فهو مئنة من عظم الخطب ، واللام الداخلة على الخبر "ليغان" وزد عليه دلالة المضارعة فهي مئنة من استحضار للصورة ، وديمومة واستقبال إذ ذلك مما يتكرر فيعرض له صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حين لآخر ، وعروضه لغيره يثبت من باب أولى ، والغين كما يقول أهل اللسان يكافئ الغيم في الدلالة ، ويقاربه في اللفظ إذ النون والميم قد تقاربا في المخرج فكان التقارب في المعنى فرعا على التقارب في المبنى ، وكلاهمات مئنة من غارض غشيان لا يسلم منه
، كما تقدم ، أي إنسان ، ولو فترة عن الذكر ، فيستدفعه بالاستغفار كما قد ورد في الخبر ، مع قدر فارق ، بداهة ، فحسنات الأبرار سيئات المقربين ، فالغين على قلب الأنبياء عليهم السلام قد تكون حاله حال كمال ! في حق مَن دونهم مِن عامة الناس ، ف*** الغفلة ولو بفتور في الذكر لا يسلم منه بشر إذ تلك خاصة النوع الإنساني ، فيصيبه من النصب واللغوب ويصيبه من النسيان والذهول ما تَنَزَّهَ عنه الرب المعبود ، جل وعلا ، فـ : (قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى) ، فَعِلْمُ القرون الأولى وعلم كل جليل ودقيق في عالم الغيب والشهادة ، علمه عند الله ، جل وعلا ، فتلك عندية تفيد الاختصاص على جهة الاتصاف ، فالعلم المحيط من أخص أوصاف الرب الحميد المجيد ، تبارك وتعالى ، فحصل القدر الفارق بين المخلوق الناقص والخالق الكامل ، جل وعلا ، فلا يغيب ولا يأقل ، ولا يجهد ولا ينصب ، ولا يصيبه ما يصيب البشر من السآمة والملل ، والنسيان والذهول .... إلخ من أعراض النقص ، وإن كان ثم عصمة في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، فهي عصمة من الخطأ في النقل ، وعصمة من القادح في العدالة إذ يقبح في النقل والعقل أن يبعث ، جل وعلا ، مقدوحا في عدالته ليقيم به الحجة على الكافة ، فذلك ، من وجه ، قد يجري مجرى التكليف بما لا يطاق ، على وجه يجافي الحكمة والفطرة ، والشرع لا يجافيها ، خلافا لما قال بعض أهل الكلام أن جَوَّزُوا في حق الرب ، جل وعلا ، كل ممكن ، وإن قبيحا كالظلم وكإرسال الكذاب وتأييده بالمعجزات على وجه يضل به البشر وكتعذيب أهل الإيمان وَتَنْعِيمِ أهل الكفران ! ، فجاء الوحي يوجب ويمنع في حق الرب الأعز الأكرم ، تبارك وتعالى ، على وجه يواطئ صريح الحكمة وصحيح الفطرة ، فلا ينفك بشر عن إعراض ، وإن غفلة وفترة عن الذكر ، فيكون النقص ، ولو لماما ، كما تقدم من حاله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ" ، فثم من يعرض عن فضيلة الذكر الزائد من النفل فيحصل له النقص على وجه لا ينقض كمال الدين الواجب ولا أصله الجامع من باب أولى وإنما يُنْقِصُ من كماله المستحب بِتَرْكٍ عارض لبعض النوافل لا على سبيل الترك المطلق ل*** النوافل أو الاستخفاف بالسنة وإنما طرأ فترة بعد شرة ، وثم من يعرض عن بعض الواجب فيقدح ذلك في كمال إيمانه الواجب دون أصله الجامع فيكون من الضنك قدر يزيد ، وثم من بلغت به الحال أن اقترف من القول أو العمل ، ظاهرا أو باطنا ، ما يقدح في أصل الدين ، فعظم الشؤم والضنك ، ولو تدبرته لوجدته ، أيضا ، مما يتفاوت ، ولو دركات سفلى ، فبعض الشر أهون من بعض ! ، فلا تكون سلامة من ذلك إلا بالتقوى ، فَبِهَا يجانب الإنسان ويفارق أسباب الهم والحزن الطارئ ، وكلما عظم حظ المكلف من التقوى ففارق من أسباب العصيان والكفران ما يقدح في حقيقة الإيمان ، كلما عظم حظه منها كانت السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فالشرط وعيد في الخبر يفيد أمرا ونهيا في الإنشاء ، فيفيد النهي عن الإعراض حذر الضنك ، فذلك المنطوق الَّذِي أفاده الشرط على جهة الدوران وجودا وعدما ، إذ الجزاء يدور مع الشرط على وجه يطرد فيه الحكم وينعكس ، فمن أعرض عن الذكر فإن له معيشة الضنك ، فذلك المنطوق ، ومن أقبل على الذكر فإن له معيشة السعة ، فذلك المفهوم ، فالفاء في : (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) ، مئنة من الاقتران الواجب في اللفظ إذ حُدَّ جزاء الشرط حَدَّ الاسم ، فجاء مؤكدا بالناسخ ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير "له" ، وزد عليه دلالة اللام على الاختصاص والاستحقاق في سياق الجزاء العادل ، فدلالة الشرط منطوقا النهي عن الإعراض ألا يطال المعرض جزاء العدل من المعيشة الضنك فضلا عن سوء المآل في دار القرار ، فـ : (نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، ودلالته مفهوما أن من أقبل على الذكر المشروع ، في العقد والقول والعمل ، فدلالة الذكر قد عمت إذ أضيفت إلى ضمير المتكلم ، ومرجعه الرَّبُّ الأعزُّ الأكرمُ ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، أن من أقبل عليه فمعيشته معيشة السعادة ، ومآلة النجاة يوم ا***اب والجزاء ، وذلك يفيد الإنشاء أن لازموا الذكر في كل حال ، على وجه يعم جميع موارد الاختيار فلا ينصرف إلى ذكر اللسان المعهود فهو بعضه لا كله ، وإنما يعم جميع وجوه الذكر التي جاء بها الشرع والتي عمت ، كما تقدم ، جميع موارد الاختيار الفردي والجماعي ، العلمي والعملي والسياسي .... إلخ ، فالذكر وحده سبب في حصول السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، ولو تدبرت في الإضافة في "ذكري" لوجدتها تحتمل ، فإما أن تحمل على إضافة الفعل إلى المفعول ، فالذكر فعل العبد والرب ، جل وعلا ، هو المذكور ، فيذكره العبد مستحضرا وصفه الكامل ، جلالا وجمالا ، وهو ، مع ذلك ، يَتَأَوَّلُ آثار ذلك في عقده فيخلصه من مادة الشرك والكفر ، أكبرَ كان أو أصغرَ ، فيجتهد أن يحرر عقد الإيمان من كل ما يقدح في كماله الواجب أو أصله الجامع ، ويتأوله في القول والعمل ، على وجه تعم به التقوى جميعَ محالِّ التكليف فهو يجتهد في دفع أسباب النقص من موجبات العذاب ، فيجانب قدر استطاعته كل ما نهى عنه الشارع ، جل وعلا ، سواء أكان نهي التحريم عن الغايات المحرمة فهي في نفسها تفسد الحال إما نقصا أو نقضا ، على التفصيل المتقدم ، فمن المحرم ما ينقض كمال الإيمان الواجب ، سواء أكان من عامة المعاصي أم من خاصة الكبائر ، ف*** المعصية مما تفاوتت دركاته في الخارج ، فبعضها دون بعض ، ولو تأملتها لوجدتها تفضي إلى بعض ، فهي ، في نفسها ، مما حرم لذاته ، وهي ، من وجه آخر ، مما ينهى عنه سدا لذريعة محرم أعظم ، كالنهي عن المسكر ، على سبيل المثال ، فإنه مما نهي عنه لذاته ، بل النهي عنه مما يحفظ مقصدا رئيسا من مقاصد التشريع ، فحفظ العقل غاية عظمى في الشرع ، ولو تدبرته ، من وجه آخر ، لوجدته مما نهي عنه لغيره أن يصير ذريعة إلى محرم آخر كما أثر عن علي ، رضي الله عنه ، إذ اجتهد فجعل حد الشارب كحد القاذف ، إذ الشراب مظنة الهذيان في القول وذلك ما يقع فيه ، في العادة ، من *** السب والقذف ما يوجب الحد ، فاجتهد ، رضي الله عنه ، أن نَزَّلَ المعدوم منزلة الموجود لحصول الذريعة على وجه معتبر ، على تفصيل في ذلك ، فَثَمَّ من طعن في صحة الإسناد إليه ، وثم من لم يعتبر في بابٍ الأصل فيه المنع ، فالأصل في الحد المنع فهو عقوبة تطال صاحبها وتصيب مَعَرَّتُهَا من بعده ، فذلك مما يوجب التوقف إذ الأصل في المسلم العصمة إلا أن يقترف ما يوجب نقضها ، سواء بعقوبة مقدرة في الضرب على وجه يوجب الزجر ولا يحصل فيه إتلاف ، أو القطع فهو يوجب إتلاف بعض ، أو القتل فهو يوجب إتلافَ الجميع .
والشاهد أن الذاكر يجتهد فهو يجانب قدر استطاعته كل ما نهى عنه الشارع ، جل وعلا ، سواء أكان نهي التحريم عن الغايات المحرمة أم نهي التَّنْزِيهِ عن الذرائع المفضية إلى المحرم ، وَلَوْ مباحة في الأصل ، فهي تدخل في حد الكراهة بما كان من إفراط في تعاطي الفضول ، فيذكر ربه ، جل وعلا ، على وجه يحصل فيه الإقبال وذلك يوجب انتفاء ضده من الإعراض سواء أكان إعراضا ينقص من الإيمان الواجب ، أو يفحش فهو ينقض الأصل الجامع ، وقد تحمل الإضافة في "ذكري" ، من وجه آخر ، على إضافة الفعل إلى الفاعل ، فالذكر هو الوحي ، وهو وصف الرب ، جل وعلا ، فالوحي كلامه المنزل ، ودلالته تستغرق كل ما بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَبَيَّنَ من أصول الدين وفروعه ، إن منطوقا أو مفهوما ، إن بنص أو قياس معتبر استعمل منه في مواضع ما أبان عن حجية صحيحة في الأصول ما لم يخالف النص المنقول ، فهو ، كما تقدم مرارا ، هَدَرٌ فاسد الاعتبار إن خالف النص أو الإجماع ، فيعم جميع الكلم المنزَّل ، وجميع الحكم المشرَّعِ ، إن في العقد أو في الشرع أو في السياسة ..... إلخ ، فدلالته من هذا الوجه تضاهي دلالة الإضافة فيما تقدم في قوله تعالى : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، فإن الشعائر هي فحوى الوحي ، وهو ، كما تقدم ، وصف الرب ، جل وعلا ، فهو الكلام والحكم ، فالإضافة إضافة وصف إلى موصوف ولا تخلو من دلالة التشريف ، وذلك مما يرشح دلالة التعظيم ، صدر الآية ، وهو تعظيم لا يحصل بدعوى محضة تكذبها الحال الباطنة والظاهرة ، وإنما يكون بالتصديق الباطن مشفوعا بالإذعان والإقرار الكامل ، مع استسلام يضاهيه وانقياد بالطاعة ما بطن منها فهي المنشأ ، وما ظهر فهي الْمَظْهَرُ ال**دِّق ، كما تقدم ، فَتَعُمُّ الشَّعَائِرُ محال التكليف جميعا ، وتعم جميع موارد الاختيار عقدا وشرعا ، فعلا وتركا ، سلما وحربا ، ما خص الفرد وعم الجماعة ، فهي معنى يَسْتَغْرِقُ شَعَائِرَ التعبد فهي ، كما تقدم ، ما يتبادر إلى الذهن ، وَيَسْتَغْرِقُ جميع أجناس التكليف الباطن والظاهر ، من العقد والقول والعمل ، فجاء الحد أيضا حَدَّ الشرط فيفيد ما تقدم من الدوران إن في الخبر أو في الإنشاء ، فمن عظم الشعائر فهي سبب في حصول التقوى ، فدلالة "مِنْ" من هذا الوجه تحتمل السببية ، فإن تعظيم الشعائر وامتثال ما توجبه من الفعل والترك ، كل أولئك سبب في حصول التقوى ، محل الشاهد ، على وجه عم بالإضافة "تقوى القلوب" ، وإضافتها إلى القلوب ، عند التدبر والنظر ، من إضافة الفعل إلى الفاعل ، بالنظر في المحل الباطن ، وذلك يجري مجرى الدعاء أَنْ : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا" ، فالنفس هي الفاعلة بما تجتهد في تحصيله من أسباب التقوى ، فتطلب الهداية بيانا وامتثالا ، فكانت المنة الأعم بهداية البيان ، وكان ثم منة أخص بهداية الإلهام والتوفيق ، فقد اجتهدوا أن يهتدوا ففتشوا طلبا للحق بدليله ، فذلك العلم النافع *** يكن أمرهم تقليدا يذم ، أو تخرصا لا يفيد صاحبه إلا الظن ، فـ : (إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا) ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، الظن المذموم الذي لا يغني من الحق شيئا ، فليس ظن الرجحان الذي عُهِدَ في الاصطلاح المتأخر فذلك ظن يفيد علما معتبرا وإن كان دون اليقين الذي يفيده الخبر المتواتر أو اللفظ قاطع الدلالة فلا يحتمل فهو نص في محل النِّزَاعِ إن بالنظر في دلالة اللفظ في أصل الوضع ، أو بالنظر في قرينة السياق فثم ظاهر انضم إليه من دلالة السياق ما بلغ به حد القطع الجازم وإن أفاد ابتداء الظن الراجح ، فطلب من طلب مادة الهداية ، فَحَصَلَتْ لَهُ الزِّيَادَةُ ، فذلك شطر ثان يقاسم الشطر الأول مِمَّا تَقَدَّمَ من قوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فحصل الاستماع الذي تقام به الحجة فذلك هدى البيان والإرشاد ، ولم يحصل القدر الزائد من هدى الإلهام والتوفيق ، بل سألوا بعدها تهكما ! : (مَاذَا قَالَ آنِفًا) ، وهم قد سمعوا وفهموا فسألوا سؤال من يتجاهل استخفافا ، فكان الذم في الخبر الذي ختمت به الآية ، فـ : (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فثم قصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر يحمل على الحقيقة بالنظر في وصف المخاطبين لا في أعيانهم ، فثم غيرهم ممن حصل له ما حصل لهم من الطبع وزيادة ! ، وهو ، من وجه آخر ، يحمل على القصر الإضافي إمعانا في تقرير المعنى وتوكيده في حق المخاطب وذلك ما يدل بلحن الخطاب على عموم يستغرق غيرهم في سياق الإنشاء تحذيرا من حالهم فثم دلالة نهي ألا يكون حظ السامع من الخبر إقامة الحجة دون القدر الزائد من الاهتداء بهداها ليدخل في حد الشطر الثاني : (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فذلك ، أيضا ، خبر يفيد الإنشاء ، فثم مقابلة بين الشطر الأول ، وهو مورد ذم يوجب الانتهاء ، فجاء الذم ، كما تقدم ، على جهة القصر بتعريف الجزأين ، اسم الإشارة إلى البعيد على جهة التحقير والتصغير "أولئك" فذلك مما حصل فيه اشتراك في *** البعد الأعم ، وحصل فيه الافتراق بالنظر في دلالة السياق ، فقد يشهد تارة لمعنى التعظيم ، كما في قوله تعالى : (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ، وقد يشهد أخرى لمعنى التحقير ، كما في هذا السياق : (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) ، فجاء القصر بتعريف الجزأين "أولئك" والموصول "الذين" ، وثم عطف تلازم بين الطبع واتباع الهوى ، فإن الطبع الكوني ، وهو فعل جلال اتصف به ، جل وعلا ، على وجه يليق بجلاله لا يكون فيه ما زعم أهل الاعتزال من ظلم التزموه وليس بلازم فذلك من شؤم القياس الفاسد ، إذ قاسوا فعل الرب ، جل وعلا ، وهو الخالق العليم الحكيم القدير الذي يضع مادة الهداية في المحل القابل لها ، ويضع في المقابل مادة الغواية في المحل القابل لها ، فيحصل من معنى الحكمة ما يحسن الثناء به على رب العزة ، جل وعلا ، فهي تقضي أن يوضع الشيء في المحل القابل له على وجه يحصل به من تدافع الأضداد ما به صلاح الأكوان ، وما به تأويل آخر صحيح في الخارج لآثار أوصاف رَبِّنَا الفاعل ، جل وعلا ، بالقدرة والحكمة ، كما تقدم ، فقدرة جلال وحكمة جمال ، إن في الخير فضلا ، أو في الشر عدلا وهو ، كما تقدم مرارا ، من الشر الطارئ الذي به يحصل من الخير ما هو أعظم ، وذلك قياس الحكمة في موارد التعارض أن يحتمل الشر الأدنى دفعا لشر أعظم ، أو استجلابا لخير أعظم ، فقاس من قاس فعل الرب ، جل وعلا ، على فعل العبد فوقع في التشبيه ووقع في نظيره من التعطيل أن نفى من وصف الكمال ما انفرد به ، جل وعلا ، فمن ألحقه بالمخلوق في القياس فقد جرده مما اتصف به من الكمال المطلق ، فالتزم لأجل ذلك من اللازم الباطل أن يَنْفِيَ فعل الطبع على القلوب بمقتضى العدل والحكمة ، فذلك ، بزعمه ! ، ظلم يجب تنزيه الرب ، جل وعلا ، عنه فكان أن وصفه بالعجز *** يخلق أفعال العباد ولا يقدر أن يهديهم أو يضلهم فلهم وحدهم مشيئة مطلقة تضاهي المشيئة الربانية بل وربما تزيد عليها فتقهرها ! ، فيريد الخالق ، جل وعلا ، شيئا ، ويريد المخلوق شيئا فترجح إرادة المخلوق إرادة الخالق ، جل وعلا ، وذلك أمر ظهر بطلانه على وجه أغنى الناظر أن يماري ويجادل ! ، ووقع من وقع في الضد من مقال الجبر ، فأثبت القدرة ونفى العدل ، وغلا في باب التجويز حتى التزم وصف الرب ، جل وعلا ، بالظلم إذ يسوي بين المؤمن الطائع والكافر الفاجر ، فيجوز أن يعذب الاثنين أو يرحمهما جميعا مع اختلاف الوصف على وجه تقضي الحكمة في القياس أن يُفَرَّقَ بين الحكم إذ افترق الوصف ، فافتراق الحكم من افتراق الوصف ، كما أن التسوية فيه من التسوية في الوصف ، فذلك مقتضى الحكمة والعدل في القياس ، وهو ما نفاه أولئك إذ غلوا في تقرير القدرة حتى بلغت بهم الحال أن نفوا الحكمة ، فسووا بين المختلفين ، بل وزاد من زاد فَجَوَّزَ تَنْعِيمِ الكافر وتعذيب المؤمن وذلك قدر يزيد في فساد النظر على التسوية بينهما ، إذ يضع الشيء في غير موضعه بل في ضده ! ، فذلك نفي للحكمة إمعانا في تقرير القدرة على وجه خالف به أولئك عن الأولين من نفاة القدرة إمعانا في تقرير الحكمة ، والفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين رذيلتين ، ففضيلة السنة في باب القدر وسط بين مقال أهل الاعتزال تفريطا ، ومقال أهل الجبر إفراطا ، وكلاهما قد التزم التعطيل في باب ، فثم من عطل في باب القدرة وهم أهل الاعتزال ، وثم من عطل في باب الحكمة وهم أهل الجبر ، وأهل السنة هم الذين أثبتوا كلا الوجهين قدرة نافذة على الخلق وحكمة بالغة أن يضع السبب في المحل القابل له على وجه يصلح به الأمر ويعظم به الثناء على الرب جل وعلا .
ففعل الطبع ، كما تقدم ، من أفعال الجلال ، وهو كسائر أوصاف الأفعال مما قدم نوعه فهو أول يقوم بالذات القدسية من هذا الوجه ، وحدثت آحاده بمشيئة نافذة وحكمة بالغة أن تظهر آثار أفعال ربنا الخالق ، جل وعلا ، وظهورها يكون بكلمات التكوين وبها يكون صحيح التأويل في الخارج ، أن يقع المقدور في الشهادة على وجه يواطئ المعلوم في الغيب ، فلا زيادة ولا نقص ، وقد حد في هذا الموضع حد الماضي إمعانا في تقرير المعنى وذلك آكد في المساءة ، ولا يخلو كسائر أخبار الذم والوعيد من دلالة إنشاء للنهي والتحذير ، أَنْ خَالِفُوا عن جادتهم ألا يصيبكم ما أصابهم من طبع استغرق القلب ، ودلالة "على" وهي مئنة من استعلاء إن في ا*** أو في المعنى كما في هذا الموضع ، دلالة "على" ، هي ، أيضا ، آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، فضلا عن عموم آخر بالإضافة في "قلوبهم" .
وفعل الطبع في سياق آخر مما حد على جهة المضارعة استحضارا للصورة فذلك آكد في الزجر ، كما في قول الرب جل وعلا : (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) ، ولا يخلو من دلالة تعليل صحيح على وجه تظهر به آثار الحكمة البالغة فمحل الطبع محل اتصف بالتكبر والتجبر وتلك صفات مذمومة في حق المخلوق وإن كانت محمودة في حق الخالق ، جل وعلا ، فـ : "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا، قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ" ، فَثَمَّ وجه آخر يظهر في الحكمة إذ الوصف لا بد له من محل يقبل آثاره على وجه صحيح صريح في العقل الذي يقضي أن المحل الكامل يقبل أوصاف الجلال من الكبرياء والعظمة والجبروت ، فيحسن في حقه ، جل وعلا ، الاتصاف بها ، وأما المحل الناقص الضعيف فإنه لا يحتمل هذه الأوصاف وآثارها فيقبح في حقه الاتصاف بها ، فاطرد القياس وانعكس على وجه حسن فيه الحكم وقبح تبعا لكمال المحل أو نقصه ، وقد حد الفعل على جهة المضارعة ، كما تقدم ، فهو يشهد لما تقرر في باب الصفات الفعلية من حدوث الآحاد حالا واستقبالا فتلك دلالة المضارعة إذ لم يزل تأويل هذا الوصف يظهر في آحاد تَتْرَى يطبع الرب ، جل وعلا ، على قلوبها عدلا ، ولو شاء ، تبارك وتعالى ، لهداها فضلا .
فجاء القصر بتعريف الجزأين : اسم الإشارة والاسم الموصول ، ومناط الفائدة هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو فعل الطبع الكوني ، فليس الطبع على القلب من الشرع الذي يريده الرب ، جل وعلا ، إرادة التشريع ، وإنما قضى به بمشيئة نافذة تقترن ، كما تقدم ، بالحكمة البالغة ، وثم تلازم في العطف بين الطبع على القلب واتباع الهوى : (طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ) ، فكلاهما سبب للآخر ، فالطبع على القلب يجعله في عمى فهو يتبع الهوى ، واتباع الهوى سبب في فساد المحل والطبع عليه ، وقد أضيف الهوى إلى أصحابه إضافة الوصف إلى الموصوف والفعل إلى الفاعل ، وهو مئنة من عموم يستغرق جميع الأهواء العلمية والعملية ، ولا ينفكان ، عند التدبر والنظر ، يقترنان ، ففساد التصور ذريعة إلى فساد الحكم ، وفساد الحكم في الخارج بالمخالفة عن أمر الشرع يزيد في مادة الطبع على القلب فلا يقبل الحق إذ فسدت الآلة *** تَعُدْ تَرَى بنور الوحي الهادي وإنما اتبعت الهوى الذي أضل صاحبه وما هدى .
ومن ثم جاء الشطر الثاني على جهة الوصل ، أيضا ، فـ : (الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فطلبوا الهداية في سائر مسائل الخلاف بالدليل الصحيح والاستدلال الصريح فاجتهدوا بعد أخلصوا القصد وتجردوا من الحظ طلبا للحق وإن خالف أهواءهم وما استحسنوا بالقياس والذوق ، ***ا طلبوا الهداية ، كان الجزاء من *** العمل ، فحسن أن يَرِدَ الجزاء على جهة الجناس اشتقاقا بين "اهتدوا" ، و "هدى" ، فذلك آكد في تقرير المعنى وتوكيده ، ولا يخلو تنكير "هدى" من دلالة تعظيم ، فزادهم هدى عظيما في العلم والعمل ، ***ا صح التصور توحيدا صح الحكم تشريعا على ما تقدم مرارا من التلازم السببي الوثيق بين التصور الباطن والحكم الظاهر ، ومن ثم عطف : (وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) ، فهما وصفا فعل فضلا يقابلان وصف الفعل عدلا في الطبع في الشطر الأول ، ولا يخلو العطف من دلالة تبيين لما أجمل من الهدى ، فتأويله التقوى ، ولا يخلو من دلالة تعاطف بين متلازمين على جهة السببية ، فإن هدى الرب ، جل وعلا ، بصيرة سبب في حصول التقوى النافعة ، فذلك الفضل ، كما أن طبعه ، جل وعلا ، على القلب فلا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا سبب في اتباع الأهواء وذلك العدل ، فاطرد الحكم وانعكس ، بالنظر في الدلالة الإنشائية في كلا الخبرين ، فالأول يحذر من اتباع الهوى لئلا يطبع على القلب والثاني يحض على طلب الهدى إذ به تحصل التقوى النافعة في الأولى والآخرة .
فآتهم تقواهم ، والإيتاء أعظم من الإعطاء فهو مما لا يقبل الرد وذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، آكد في تقرير المنة ، وقد أضيفت التقوى إليهم ، كما أضيفت في سياق آخر إلى الأنفس ، فـ : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا" ، فتلك إضافة إلى الضمير العائد على النفس ، وهي إضافة إلى المحل الأعم ، وكما أضيفت إلى المحل الأخص كما تقدم في قول الرب جل وعلا : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) ، فتعظيم الشعائر سبب في تقوى القلوب ، وهو من *** التقوى التي تصلح بها الحال ، وهو بعض آثارها في الخارج فالتقوى وهي مظنة الاحتراز من المخالفة عن الأمر أو النهي ، التقوى سبب في تعظيم الشعائر ، وتعظيم الشعائر ، من وجه آخر ، بعض آثارها في الخارج ، وزد عليه ابتداء الغاية ، فتعظيم الشعائر ابتداء غاية هي حصول التقوى في القلب ، فاجتمعت في "مِنْ" هذه الدلالات جميعا على وجه يستأنس به من يجوز دلالة العموم في المشترك فذلك ، كما تقدم مرارا ، مما يثري السياق بمعان صحيحة صريحة على وجه لا تكلف فيه ولا تعسف .
وثم من يستأنس بالزيادة في : (زَادَهُمْ هُدًى) ، على تقرير الزيادة في الإيمان وهو مذهب أهل السنة ، ولازمه النقص ولو لم ينص عليه ، فأثر عن بعض السبلف التوقف في النقص إذ لم يرد في النصوص صراحة فضلا أنه خشي أن يُتَّخَذَ إطلاقُ القول بالنقص ذريعة إلى تقرير مذهب الخوارج في نقض أصل الإيمان بحصول نقص طارئ بمعصية أو كبيرة تنقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فالإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، ولازم إثبات الزيادة إثباتُ النقص ، ولو بالنظر أن من زاد إيمانه فغيره أنقص منه إن لم يباشر من أسباب الزيادة ما قد باشر .
والله أعلى وأعلم .