المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من دعاء : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي ..........."


rss
06-28-2016, 07:30 AM
من دعاء : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي ..........."
ومن دعاء : اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا :
فصدر الدعاء بالتوسل باسم الله الأعظم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، وحذفت الياء فَعِوَضُهَا الميم التي ألحقت بآخر الاسم الكريم "الله" ، وذلك نداء البعيد تعظيما على تقدير : يالله ، فالعبد يتوسل إلى ربه ، جل وعلا ، باسمه الأعظم ، أن يحقق له المطلبَ ، من التقوى التي بها صلاح الأمر في الأولى والآخرة ، فالتقوى في الأولى سبب في مفارقة ما يفسد الدين والبدن ، مما يقدح في أصل الفطرة الإيمانية من القوادح العلمية والعملية ، وما يقدح في أصل الفطرة الجبلية من خبيث المطعم والمشرب والمنكح ، والتقوى في الآخرة سبب في الوقاية الأعظم من العذاب الأكبر ، فمن اتقى فَفَارَقَ قادح الإيمان بالنظر في الأصل الجامع فقد اتقى في الآخرة عذاب الخلد ، وإن لم يوجب ذلك له اجتناب ما دونه من عذاب التطهير لعصاة الموحدين إن اقترف من الكبائر ما ينقض كمال الدين الواجب دون أصله الجامع ، ومن زاد فاتقى كبائر الإثم والفواحش إلا اللَّمَمَ فقد وعد ألا تمسه النار ابتدا إلا تحلة القسم : (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) ، فلا يشترط له السلامة من الصغائر فذلك مما لا يسلم منه أحد إلا من عصم بل ثم من جوز الصغائر في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، إلا صغائر الخسة التي تقدح في المروءة فتلك ذريعة إلى الطعن في نقلهم أن حصل لهم ما يقدح في العدالة ، وذلك يطعن في عدالة الآحاد من النقلة فكيف بمن بَلَّغَ الشرع وَبَيَّنَهُ البلاغ والبيان الأول ؟! ، فانتفاء ذلك في حقه يجب من باب أولى ، وهو من أعظم رحمات الرب ، جل وعلا ، أن بعثهم بأسباب التقوى ومكملات الفطرة ومقومات ما اعوج منها ، فلا تسلم إلا بتقوى يؤتيها ، جل وعلا ، من تزكى فأخذ بأسباب الشرع ، فاتقى ما يغضب الرب ، جل وعلا ، ويسخطه من عقد أو قول أو عمل ، على التفصيل المتقدم ، فهو يتراوح بين تقوى لما يقدح في أصل الدين وهي شرط رئيس في حصول مطلق النجاة ولو بعد عذاب تطهير في نار العصاة ، وتقوى لما يقدح في كماله الواجب فذلك شرط رئيس في حصول النجاة ابتداء رحمة كبرى ومنة عظمى من ربنا الأعلى عز جاهه وتقدست أسماؤه وصفاته .

فجاء التوسل بالاسم الأعظم ، ولا يخلو من دلالة تأله ، فصاحبه يتوسل بما حقق من التوحيد وما امتثل من التشريع فذلك التأويل الصحيح لمعنى التأله ، فليس ذلك دعوى تنتحل فتقبل من كل من ادعى حتى يقيم البينة من التأله الباطن تصديقا وانقيادا وإرادة باعثها الحب والبغض وما يكون منها من ولاء وبراء ، فتكون حركة القلب بما يوافق الوحي ، فهو يفرح لعلوه ويحب من اتبعه ويواليه فينصره ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فينصره بالقول والعمل ، بالنفس والمال ، فآثار العقد الباطن لا تنفك تظهر في الخارج ، فثم تلازم ، من وجه ، وتشاطر من آخر ، إذ القول والعمل ولاء لأهل الإيمان وبراء من أهل الكفران هو تأويل الحب والبغض في القلب ، وهما ، من وجه آخر ، باعث الإرادة فعلا وتركا ، وهما ، من وجه ثالث ، ناتج التصور ، فإن صح التصور بصحة المستمد العلمي فوحد العبدُ ربَّه ، جل وعلا ، في الاستمداد إن في العقد أو في الشرع فحقق معنى التأله الذي يتوسل به في الخبر ، فإن صح هذا التصور صح الحكم في الباطن حبا وبغضا وفي الخارج ولاء وبراء ، فتلك متلازمات قد بلغت حد الضرورة في النقل والعقل والفطرة وا*** وما شئت من طرائق الاستدلال الصحيح الصريح .

فتوسل من توسل باسم الله ، جل وعلا ، فذلك من التوسل بالأسماء والصفات ، ولا يخلو بالنظر في مادة الاشتقاق مادة "أله" لا يخلو من توسل آخر بالعمل الصالح فهو يتأله بتصديق الخبر وامتثال الحكم ، فيوحد الرب ، جل وعلا ، في العلم والعمل ، فعقد قلبه إثباتا ونفيا تأويل لخبر الوحي ، وعمل جوارحه فعلا وتركا تأويل لطلب الوحي ، فاستكمل شطري القسمة ، توحيد العلم الخبري ، وتوحيد العمل الطلبي ، أو توحيد الإرادة والقصد أن قصد بقوله وعمله ربه ، جل وعلا ، وحده *** يشرك معه غيره ، فكفر بأسباب الطاغوت فذلك ، أيضا ، من تقوى النفوس التي رام بلوغها في الدعاء أن توسل باسم الله ، جل وعلا ، رب الأرض والسماء ، فذلك من تقوى النفوس أن تفارق أسباب الطغيان إِنْ في نفسها ، أو في غيرها ، فلا تطغى في نفسها ولا تَتَّبِعُ طاغوتا من غيرها ، فتكفر بالطاغوت ، وذلك من التقوى سلبا إذ تحصل الوقاية من أسباب الشرك ، فيسلب المحل أسباب الفساد ، والمحل لا يصح في النقل أو العقل أو الفطرة أن يظل شاغرا فلا تحصل التقوى النافعة التي تؤتي أكلها إلا أن يشتغل المحل بأسباب التوحيد من العلم والنافع والعمل الصالح ، فثم تلازم لا يخفى بين السلب لسبب الفساد وقاية ، والإيجاب في المقابل لسبب الصلاح كفاية .

وجاء فعل الدعاء "آت" وضميره قد اسْتَتَرَ إيجابا ، والإيتاء مما يتعدى إلى مفعولين ، وهو مئنة من قبول لآثار الفاعل على وجه لا يقبل الرد ، وذلك آكد في استمداد التقوى من الرب الأعلى ، تبارك وتعالى ، والتقوى مما أضيف إلى الضمير في "تقواها" ، فَعَمَّ وجوه التقوى ، فَتَقْوَى النفس ، تقوى العقد وتقوى الشرع ، وإضافة التقوى إلى ضمير النفس من إضافة الفعل إلى الفاعل ، أو الوصف إلى الموصوفِ ، فَالتَّقْوَى كسائر المعاني المطلقة في الذهن مِمَّا يصح تجريده في الذهن على وجه يحصل به الحد الذي يَمِيزُهُ من غَيْرِهِ ، فالتقوى مما اشتق من مادة "وقى" ، والوقاية تحصل باتخاذ الوقاء الذي يحجز مادة الشر فلا تَنْفُذُ إلى البدن حال ا*** ، والقلب حال المعنى ، فَثَمَّ حمية محسوسة في البدن أن يَتَّقِيَ صاحبه من المطعوم والمشروب والمنكوح .... إلخ من أسباب ا*** ، أن يَتَّقِيَ منها ما يَضُرُّهُ ، وَثَمَّ حمية معقولة أن يَتَّقِيَ من أسباب الفساد فِي العقائد والشرائع ما يخدش صفاء الإيمان فهو حقيقة مركبة مبدؤها القلب ومظهرها القول والعمل ، على جهة التقاسم ، من وجه ، فَجَمِيعُهَا تدخل في حد الحقيقة الإيمانية المركبة ، وعلى جهة التلازم ، من وجه آخر ، فإن مبدأ الأمر من تصور القلب لا تنفك آثاره تظهر في الخارج ، في القول والعمل ، فالتقوى ، من هذا الوجه ، تَنْصَرِفُ إلى معنى الكف سَلْبًا دون الفعل إيجابا ، فمن يَتَّقِي أمرا فإنه يفارقه ويجانبه ، سواء أكان الوقاء محسوسا أم معقولا ، كما تَقَدَّمَ ، فمعنى التقوى ، من هذا الوجه ، يجري مجرى المشترك ، إذ يعم التقوى المحسوسة في الأبدان ، والتقوى المعقولة في الأديان ، فَثَمَّ اشتراك في أصل المعنى وهو مطلق الوقاية ، وثم افْتِرَاقٌ في الأنواع في الخارج ، وإن اشتركت جميعا في ال*** الأعم فذلك يجري مجرى التقسيم العقلي في العام والخاص ، فالعموم والخصوص درجات ، كما يقول أهل الأصول والنظر ، ف*** أعم فهو العام الذي لا أعم منه ، وهو التقوى ، وتحتها أنواع ، فثم تقوى محسوسة في الأبدان ، تحصل بمفارقة ما يضر من الخبائث والمحرمات إن في الأعيان أو في الأحوال ، فَثَمَّ أحوال تَضُرُّ البدن من هيئات مخصوصة علم بالبحث والتجريب أنها سبب في إضعاف البدن ، فَتَقْوَى الإنسان أن يقارفها يحول بينه وبين ضررها ، ولا يكون ، ذلك ، عند التدبر والنظر ، إلا بالتلبس بأضدادها ، فالكف المجرد أمر لا يتصور إذ لا ينفك يقترن بفعل الضد ، وذلك أصل يطرد في أفعال الجبلة وأحكام الشرعة فهو مما جبلت عليه النفوس بما ركز فيها من قوى ا*** والإرادة ، فلو قيل إن النوم المتقطع هيئة تضر البدن فيجب اتقاؤها ، فذلك يقضي ، بداهة ، أن يحرص الإنسان على النَّوْمِ الهادئ المتصل فَيَجْتَهِدَ في تحصيل أسبابه الشرعية والكونية ، وَيَتَحَرَّى أوقاتا يحصل فيها من الراحة ما يجم البدن فيكون النشاط بعد الكسل ، والشرة بعد الفترة التي لا يسلم منها بشر فَبِهَا يدرك العاقل القدر الفارق بين المخلوق والخالق ، جل وعلا ، فالمخلوق يكل ويسأم ، فيصيبه الجهد والتعب ، ولا يَزُولُ ذلك إلا أن ينام ، والنوم مظنة الغفلة والغيبوبة ، ولو صح ذلك في حق الرب ، جل وعلا ، لفسدت السماوات والأرض ، إذ من يَرُبُّ الكون فلا يأفل ولا يغيب ؟! ، لا بد أن يتصف بكمال الحياة فلا يمرض ولا يهرم ، فاستعاذ صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الهرم وسوء الكبر ، ونفى النوم عن ربه ، جل وعلا ، فـ : "إِنَّ اللهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ، وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ، وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ" ، إذ النوم ، كما تقدم ، مظنة الغفلة ، فجاء الخبر مؤكدا بـ : "إن" ، واسمية الجملة "الله لا ينام" ، فضلا عن تكرار الإسناد ، فالاسم الكريم "الله" مبتدأ في اللفظ فاعل في المعنى ، وثم فاعل آخر أسند إليه الفعل وهو الضمير المستتر جوازا في عامله "ينام" ، فهو فاعل في اللفظ والمعنى ، ومرجعه ما تقدم ذكره من الاسم الكريم "الله" فهو ، عند التدبر والنظر ، الرابط بين المبتدأ وجملة الخبر ، فلا ينام ، وذلك من العموم إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم من هذا الوجه ، ولا ينبغي له ذلك فهو مما امتنع في حقه ، عز وجل ، فذلك نقص مطلق في حق الرب المهيمن ، جل وعلا ، وإن كان كمالا في حق المخلوق فيشبه ذلك ، من وجه ، جملة أوصاف هي كمال في حق المخلوق نقص في حق الخالق ، جل وعلا ، كالنكاح والأكل والشرب فتلك وظائف في الأبدان المخلوقة تَنْفَعُ ولكنها لا تنفك عن افتقار وحاجة ونقص في الجبلة تَنَزَّهَ عنه ، بداهة ، رب العزة ، تبارك وتعالى ، فـ : "لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ" ، فذلك مما حد على جهة المضارعة استحضارا للصورة ومئنة من استمرار وديمومة ، فضلا عن الإطناب بـ : "أن" ال**درية والفعل الذي دخلت عليه "ينام" ، وزد عليه دلالة المضارعة فهي ، كما تقدم ، دلالة الديمومة والاستمرار ، وإن رشحت "أن" دلالة الاستقبال فاتصف الرب ، جل وعلا ، بهذا النفي لمعنى النقص أبدا فيدخل في حد اسمه الآخر فهو الآخر بكمال الذات والاسم والوصف والفعل والحكم ، والنفي ، كما تقرر في هذا الباب ، لا يراد لذاته ، وإنما يخلى المحل من وصف النقص ليحلى بوصف الكمال فيثبت في حقه ، تبارك وتعالى ، كمال الضد من الحياة الكاملة والقيومية العامة فهو القائم في ذاته الغني عن الأسباب المقيم لغيره بما يجري من أسباب الكون إقامة للأبدان وأسباب الشرع إقامة للأديان ، فكل أولئك مما يزيد في المعنى تقريرا وتوكيدا ، فيشبه ذلك ، من وجه ، النفي في قول الرب جل وعلا : (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) ، إذ لا ينفك ، كما تقدم ، عن نقص الافتقار والحاجة الذي تنزه عنه ، تبارك وتعالى ، فهو الغني عن الأسباب ، فذلك كمال الذات ولازمه أنه غني عن الشركاء فذلك كمال التصرف في الكون ربوبية وكمال الانفراد بالتأله عقدا باطنا وقولا وعملا ظاهرا ، فلا ينبغي له أن ينام إذ يرفع القسط بالأعمال ويخفضه بالأرزاق النازلة ، وقيل ، كما يذكر بعض المحققين ، قيل إن القسط هو الرزق ، فلكلٍّ قسط معلوم من الرزق المعقول في الخلائق والمحسوس في المطاعم ، فَيَرْفَعُ ويوسع ويخفض ويقتر على وجه تظهر فيه آثار الحكمة أن يضع الشيء في موضعه الذي يلائمه ولا يكون ذلك ، بداهة ، من نائم يغفو ! ، فذلك مما يَعْرِض للإنسان ، وقد تنزه عنه ، ضرورة ، رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فهو الخالق المدبر ، فيدبر أمر الكون بسنن محكم ، فأمره ينفذ في كل وقت ، فـ : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) ، فهو في شأن عظيم ، فَالتَّنْكِيرُ مئنة من التعظيم ، فذلك أمر لا يطيق عقل أن يحده فضلا أن يتجشمه ، فلا يطيقه إلا الرب ، جل وعلا ، بما له من كمال القدرة وعظيم الحكمة فعلم أزلا وقضى بمشيئة نافذة ، وأجرى الأرزاق ودبر الأحوال على وجه انتظم به أمر هذا العالم ، فكان ما تقدم في مواضع سابقة من تمانع في اسم الرب ، فهو الذي يرب ، خلق تقدير أول ، وخلق إيجاد ثان به يكون تأويل الخلق الأول ، وهو الذي يَرُبُّ بتدبير الخلق ، فيجري من الأرزاق ويحكم من السنن ما به انتظام الأمر ، فأجرى من رزق الأبدان ما به تحفظ ، وأجرى من سنن الأنام ما به تصح أعيانهم ، فالنوم في حق المخلوق ، كما تقدم ، كمال إذ به يجم البدن ويصان من التلف فإن قلة النوم تضعف البدن وتذهل العقل فلا يكاد يدرك البدائه فضلا عن العلوم النظرية التي تفتقر إلى آلة عقلية محكمة ، وَأَرْشَدَ ، جل وعلا ، بما رُكِزَ في الفطرة على وجه يواطئ جعل التكوين الأول ، فـ : (جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) ، أرشد إلى أوقات وأحوال يحسن فيها السكون ، فينام الإنسان فيها على وجه يَتَّقِي به أسباب المرض في العقل والبدن ، فتلك من التقوى في أسباب ا*** ، فضلا أن الشرع قد أمر بها ، ولو في الجملة ، فواطأ الشرعُ الكونَ ، فـ : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فعموم المعنى يستغرق كل أسباب الضرر التي يستجلبها الإنسان ، فقد يأثم ، ولو في الجملة ، إن لم يعط البدن حقه ، فـ : "إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ" ، فدلالة الأمر وإن كان مئنة من الإرشاد في موضع لا يذم فيه المخاطب ولو بالنظر في قصده الصالح ، إلا أن الأمر ، من وجه آخر ، لا يخلو من دلالة الإيجاب ، ومخالفته سبب في حصول الإثم ، كما قرر أهل الشأن ، فواطأ الشرعُ الكونَ ، من هذا الوجه ، فَتَقْوَى محسوسة قَدْ رُكِزَتْ أَسْبَابُهَا في البدن بما جبل عليه من حاجة وافتقار إلى الطعام والشراب والنوم ...... إلخ ، فَيَتَّقِي منها ما يضر ، كأطعمة وأشربة تضر فهي من الخبيث المحرم ، سواء أكانت أعيانها نجسة أم طاهرة ولكنها تضر ، كالسم ، على سبيل المثال ، فهو طاهر العين ولكنه ضار يؤذي بل ويقتل فاحتساء السم يحرم إذ هو سبب في حصول الهلكة ، فيدخل ذلك ، أيضا ، في عموم : (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) ، فالنهي يعم الفعل ويعم أسبابه وذرائعه ، فلا تقتلوا أنفسكم مباشرة لأسباب القتل ، فالنهي عن الشيء يستوجب النهي عن ذرائعه ، فتلك من دلالة العقل الصريح ، إذ تجري مجرى التلازم ، فثم تلازم في المأمورات والمنهيات ، فما أُمِرَ به أَمْرَ إيجاب أو ندب ، فذرائعه تلحق به إن كانت في نفسها مباحة ، فلا يصح التذرع بمحرم إلى واجب أو مندوب ، فلا يسرق الإنسان ثوبا يستر به عورته ليصلي ! ، ولا يغصب ماء ليتوضأ به ، فالسرقة والغصب محرمان فلا يتذرع بهما إلى الواجب من ستر العورة والصلاة والوضوء ، سواء أقيل بانفكاك الجهة وهو قول الجمهور ، فالذريعة محرمة والفعل صحيح مجزئ ولو في إسقاط الفرض في أحكام الدنيا ، فيصح ولا ثواب فيه على قول ، ويصح مع الثواب ، على قول آخر ، وإن حصل الإثم من جهة السرقة والغصب ، فالجهة ، كما تقدم ، قد انفكت ، فلا يتذرع بالحرام إلى الواجب ، سواء أقيل بانفكاك الجهة ، كما تقدم ، أم باتحادها على قول الحنابلة رحمهم الله فالتحريم يثبت من باب أولى ، إذ الصلاة والوضوء عندهم باطل ، فوجبت التقوى ، من هذا الوجه ، إن بطبائع التكوين فالنفس تَنْفِرُ ضرورة من كل ما يؤذيها أو يضرها ، سواء أكان محرما طاهر العين ، كالسم والحشيشة وسائر ما يسكر العقل وَيُغَيِّبُهُ على وجه محرم ، فقد يَحِلُّ في أحيان تغييب العقل بسبب مباح كمخدر في طب نافع ، فيجري الأمر مجرى التعارض بين **لحة عظمى وهي حفظ البدن ، وأخرى دونها وهي حفظ العقل ، فقدم ما حقه التقديم من مقصد التشريع الثاني ، وهو حفظ البدن ، وأخر حفظ العقل ، فتحتمل المفسدة الصغرى تحصيلا ل**لحة عظمى ترجحها فذلك قياس العقل الصريح في باب التراجح بين ال**الح والمفاسد على وجه صحيح معتبر يواطئ مقاصد التشريع العامة ولا يعارض أحكامه الخاصة ، فيشبه ذلك ، من وجه ، ما إذا غص طاعم فكاد يهلك *** يجد إلا خمرا ، فيجب عليه أن يشرب منه بقدر ما تندفع به الحاجة ، فذلك مما يُنَزَّلُ منزلة الضرورة التي تقدر بقدرها ، كما قال أهل الشأن ، فوجبت التقوى في هذا الباب إن بطبائع التكوين أم بمقاصد التشريع وأحكامه في حفظ النفس والعقل ، سواء أكانت الأعيان التي ينفر منها الطبع ويحرمها الشرع لما فيها من ضرر خالص أو راجح ، سواء أكانت طاهرة ، كما تقدم ، أم نجسة تضر ، فذلك مما ينفر منه الطبع وينهى عنه الشرع ، من باب أولى ، إذ انضم إلى معنى الضرر معنى القذر الذي تنفر منه النفوس ، فكل نجس فهو خبث نهى عنه الشرع وأيدته فطرة ا*** والعقل إذ يستقذره الطبع بما جبل عليه من سلامة في ا*** ، فاجتمع في هذا الباب تقوى الكون وتقوى الشرع ، فالشرع قد جاء بما يؤيد الفطرة الصحيحة ، فجاء يحرم ما يضر من الخبائث ، ويحل في المقابل ما ينفع من الطيبات ، فحرمت الخبائث إلا في أحوال تخرج عن حد العادة ، فلو تدبر فيها الناظر لوجد أن معنى الخبث وإن ثبت إلا أن ثم معارضا أرجح حال الضرورة يجعل ضرره أدنى ، فَثَمَّ نفع أعظم يستفيده صاحب الضرورة ما لا يستفيده غيره ، فيكون الضار في حقه نافعا إذ به يحصل مقصد أعظم فضلا أن قبول قواه الباطنة لآثار الضار إذا احتاجه ضرورة ، ذلك القبول ، كما يقول بعض المحققين ، يحسم مادة الضرر أو يُقَلِّلُهَا على وجه يرجح به جانب النفع ، فذلك ، أيضا ، مما واطأت فيه فطرة الكون حكمة الشرع ، فحرمت الخبائث لما فيها من ضرر ، فتقواها تحمي البدن وتحفظه ، فتلك تقوى بالنظر في أسباب ا*** قد جاء الشرع بما يواطئها ، على ما تقدم مرارا ، من انتفاء التعارض الزائف بَيْنَ النقل الصحيح والعقل الصريح ، والفطرة ، عند التدبر والنظر ، تلحق بالعقل من هذا الوجه ، فالشرع لا يجافيها ولا يأتي بما يضادها إلا إذا فسدت فاستحسنت القبيح ، إن في المعقولات ، فثم من استحسن الشرك بقياس فاسد ، أي فساد ، ففساد الاعتبار فيه ظاهر ، فهو ، من وجه ، قياس مع الفارق سوى فيه القائس إذ وقع في الشرك ولا يخلو من غلو في حق المخلوق وجفاء في حق الخالق ، جل وعلا ، وذلك فساد آخر في التصور ، فسوى فيه القائس بين أعظم متباينين ، الخالق ، جل وعلا ، الكامل ، والمخلوق الناقص ، فأي فارق في الوصف ولو بالنظر في دلالة المشتق إذ يجري المشتقان : الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، يجريان مجرى الأضداد ، فأي فارق في الوصف أعظم من ذلك على وجه يقضي بفارق آخر في الحكم على ما اطرد من التلازم الوثيق بين الوصف فهو السبب المنشئ ، وَالْحُكْمِ ، وهو الناشئ الحاصل من الوصف حصول المعلول من العلة ، فيدور المعلول مع علته وجودا وعدما ، إذ الأحكام قد أنيطت بأسماء ، وهذه الأسماء قد اشتقت من أوصاف ، هي ، عند التدبر والنظر ، مناط التعليل ، فتدور الأحكام مع الأوصاف المؤثرة الجالبة لها ، تدور معها وجودا وعدما ، والشرك ، من وجه آخر ، قياس فاسد الاعتبار إذ عارض النص الصحيح الصريح الذي بلغ حد التواتر والذي نهى عن الشرك فذلك ، يدخل في *** التقوى المعقولة ، فالنهي عن الشرك يستوجب الأمر بضده ، كما أن النهي عن الخبيث في ا*** يدل ضرورة على إباحة الطيب النافع من المطعم والمشرب والمنكح ، فالنهي عن الزنى ، على سبيل المثال ، يستوجب الأمر بما يباح من أسباب العفاف ، بل يبلغ الأمر فيه حد الندب أو الإيجاب إن خشي العنت ، والنهي عن الشرك ، من وجه آخر ، يستوجب النهي عن الذرائع التي توصل إليه ، فَنَهَى الشرع عن الغلو في البشر ، فـ : "لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ" ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، كان مبدأ الشرك ، وَنَهَى عن النظر في أحكام الوضع والاشتغال بها عن أحكام الشرع ، إن في العقائد والتصورات ، أو في الأحكام والتشريعات ، فالبلوى قد عمت التصور والحكم جميعا ، فزاحم ما زاحم من المذاهب المحدثة في الفكر زاحم عقد التوحيد الناصح في القلب ففسدت قوة العلم فَنُهِيَ عن الاشتغال بالنظر في الباطل سدا لذريعة الافتتان به فيعلق ما يعلق من شبهاته بالقلب على وجه يفسد العقد فَيَأْتِي على أصله بالإبطال أو يخدش كَمَالَهُ الْوَاجِبَ ، وزاحم ما زاحم في المقابل من الشرائع المحدثة زاحم شرع الوحي الناصح فهو مادة العدل الخالصة من شائبة الجور ، ولو تدبر الناظر ، لوجد الظلم في كلتا الحالين حاصلا بما قارف صاحبه من أسباب الشرك فهو أعظم الظلم ، سواء أكان في العقد أم في الشرع ، فـ : (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) ، و : "أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك" ، فثم ظلم عظيم أن يسوى بَيْنَ المخلوق الذي لم يخلق ، والخالق الذي خلق ورزق ودبر وأجرى من أسباب الخير ، المعقولة والمحسوسة ما به تصح الأديان والأبدان جميعا ، فحسن ، من هذا الوجه ، اتقاء أضدادها ، فذلك يدخل في حد الدعاء : "اللهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا" ، فالعموم ، من هذا الوجه ، يستغرق أسباب التقوى المحسوسة في الأبدان فيتقي ما يضرها من الخبائث ، ويستغرق ، أيضا ، أسباب التقوى المعقولة فيتقي ما يقدح في عقد الإيمان سواء أقدح في الأصل أم نقض الكمال الواجب إن تصورا في العلم الباطن أو حكما في العمل الظاهر على ما تقدمت الإشارة إليه مرارا من استغراق الحقيقة الإيمانية المركبة لما بطن من التصور وظهر من القول الناطق والعمل الشاهد في الخارج ، وهي ، من وجه ، تواطئ حقيقة التقوى أن استغرق كلاهما ما بطن وما ظهر من محال التكليف ، فالتقوى ، وإن كان مبدؤها في القلب ، فـ : "التقوى هاهنا ، التقوى هاهنا" ، ويشير صلى الله عليه وعلى آله وسلم بيده إلى صدره ، إلا أن آثارها لا تنفك تظهر في الخارج ، فتحصل التقوى باجتناب الأسباب الجالبة للعذاب ، ومنها المعقول الباطن ، ومنها المحسوس الظاهر ، وهو ، من وجه آخر ، يستوجب التلبس بأضدادها ، في الباطن والظاهر ، فلا تحصل الغاية من تقوى الشرك بمفارقة أسبابه وذرائعه لا تحصل إلا بالتلبس بضده من التوحيد ومقارفة أسبابه وذرائعه في المقابل ، وتلك سنة جارية في أمور الكون والشرع جميعا فلا ينفك اتقاء شيء يستوجب في المقابل التلبس بضده ، فتلك دلالة تلازم إن في ا*** أو في المعنى فلا يحصل النفع للبدن إلا باتقاء ما يضره والتلبس بما ينفعه ، وقل مثله في الدين فلا يصلح إلا باتقاء ما يقدح في أصله أو كماله الواجب من أسباب الردة والعصيان ، وذلك يَسْتَلْزِمُ التلبس بأضدادها من عقد التوحيد الناصح من الشرك ، وحكم التشريع الناصح من أسباب الجور .

والله أعلى وأعلم .

يتبع إن شاء الله .