rss
05-26-2016, 02:57 PM
من آية : (قَالَ لَا تَثْرِيبَ .........)
مما تقرر في دلالة الشرع واللسان : أن الدعاء يكون لمطلوب لم يقع ففعل الدعاء قد محضت دلالته للاستقبال طلبا لمرجو آت أو استدفاعا لشر آت ، فالسائل يَرْجُو ولا يكون رجاء إلا لممكن لم يقع ، فهو يحتمل الإجابة أو الرَّدِّ ، فالداعي يروم الإجابة ، والرب ، جل وعلا ، قدير حكيم ، قد يعطي الداعي سؤله فدعاؤه سبب في حصول المراد ، ولكن هذا السبب لا بد له من جملة شرائط ، كأكل الحلال ، والدعاء بخير لا إثم ، والتأني لا العجلة فيستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، كما في الخبر ، .... إلخ ، ولا بد من انتفاء الموانع ، وقد تقضي الحكمة ألا يعجل ، تبارك وتعالى ، بالإجابة ، فيرد بالدعاء قضاء أعظم ، أو يدخر لصاحبه في الآخرة ، فجاء الدعاء في مواضع على حد الإخبار ، كما في حديث : "يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ" ، فهو خبر بمضارع أريد به إنشاء الدعاء استقبالا ، فقرينة السياق قد محضت دلالة الخبر للإنشاء ، فذلك يجري مجرى المجاز المركب استعارة لتركيب فِي الدلالة على آخر ، وذلك ، لو تدبرت ، أمر يُتَوَسَّعُ في دلالته ، فكل نص يخبر عن وعد خير ، فهو يستلزم الأمر به ، وكل نص ، في المقابل ، يخبر عن وعيد شر ، فهو يستلزم النهي عنه ، فاطرد القياس وانعكس ، ففي نحو قوله تعالى : (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) ، يجري النفي مجرى الإنشاء ، أن يدعو القائل برفع الحرج والتثريب ، وقد يجري مجرى النهي إشفاقا ألا تُثَرِّبُوا على أنفسكم ، وقل مثله في الشطر الثاني : (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فيجري مجرى الدعاء أن يغفر الرب ، جل وعلا ، لهم ، فـ : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فَثَمَّ دلالة جمع في : (قَالُوا) ، فهو يَعُمُّ ، بأصل الوضع ، وهو ، من وجه آخر ، مما انصرف بدلالة العهد إلى إخوة يوسف ، عليه السلام ، ما عدا بِنْيَامِينَ ، كما في القصص المعروف الذي حكاه التنزيل مفصلا على وجه تحصل به العبرة دون خوض في دقائق الأسماء والوقائع والأماكن فذلك من السرد الذي لا يضر الجهل به ولا ينفع العلم به ، في المقابل ، فعلمت الأسماء من كتب بني إسرائيل ، فذلك مما جاز الإخبار به فلا حرج لا على جهة الاستدلال وإنما استشهادا بلطائف لا تخالف ما جاء به الشرع الخاتم ، إن في الإخبار أو في الإنشاء ، فيدخل في عموم : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، فجاء الأمر إرشادا ، وهو مما يعم بدلالة الضمير المجموع ، ودلالته في هذا السياق ، دلالة العموم الذي يستغرق كل مخاطب مكلف ، وزد عليه دلالة الإطلاق في فعل الأمر بالتحديث ، فهو يعم كل ما أثر عن بني إسرائيل إن في الأخبار أو في الأحكام ، ويعم ، من وجه آخر ، كل ما أُثِرَ من التوراة وهي عمدة النبوات الإسرائيلية ، والإنجيل وهو القدر الزائد نسخا لبعض الأحكام ، وإطنابا في الموعظة ا***نة ، وقل مثله في **ور داود فهو من كتب بني إسرائيل فضلا عما تناقله القوم من قصص وآثار ، فكل أولئك يدخل في هذا العموم ، وهو عموم ، لو تدبرت ، يعم جميع أخبار السابقين وإن خُصَّ بنو إسرائيل بالذكر إذ غالب القصص المفصل في كتبهم فضلا أنها ، وحدها في الجملة ، ما بقيت آثاره فغالب الكتب الأخرى قد اندثرت *** يبق منها إلا آثار مبثوثة في كتب أخرى ، فتشبه ، من وجه ، **نفات في هذه الأمة قد فقدت وبثت أخبارها في كتب أخرى حتى تَتَبَّعَ بعض الباحثين بعضَها ، فجمع مادته من مظانها ، على وجه التقريب فلا يجزم إذ الأصل مفقود فلا مخطوط ولا مطبوع .
والشاهد أن ثم عموما استفيد من إطلاق الأمر بالتحديث في الخبر ، ولكنه ، بداهة ، عموم مخصوص ألا يخالف ما ثبت في الشرع الخاتم ، فإنه هُوَ المهيمن الحاكم ، فما ورد فيه فهو العمدة مطلقا فهو الذي يحتج به بلا قيد إن ثَبَتَتْ صحة الإسناد ، فإذا صح الحديث فهو المذهب ، كما أثر عن الأئمة الأعلام ، وأما التنزيل وما تواتر من الأخبار ، وما احتفت به القرائن من أخبار الآحاد كأحاديث الصحيحين ، فكل أولئك مما جاوز القنطرة ، وإنما البحث في أخبار الآحاد فهي مما نقله الواحد أو العدد الذي لم يبلغ حد التواتر ، ولم تحتف به قرينة تَزِيدُ تَبْلُغُ به رتبة العلم النظري ، فالبحث في تحقق شرائط الصحة في الخبر ، إسنادا ومتنا ، على وجه حده المحققون بمعيار محكم إن في الإسناد أو في المتن ، فإن تحققت فهي قرائن توجب قبول الخبر ، وتوجب الاحتجاج به في جميع مسائل العلم والعمل ، وذلك مناط خلاف رئيس بين أهل الحديث والمتكلمين ، فإن صح الحديث فهو المذهب ، كما تقدم ، فلا اعتبار لما خالفه من قياس أو ذوق ، أو خبر أُثِرَ عن بني إسرائيل ، فإن أخبار بني إسرائيل محكومة ، وأخبار النبوة الخاتمة حاكمة ، والحاكم يقضي بداهة في المحكوم ، كما يقضي القطعي في الظني ، والمتواتر في الآحاد ، فما خالف الشرع الخاتم من الشرع الإسرائيلي خاصة ، والشرع المتقدم عامة ، فهو هدر ، وما نص عليه الشرع الخاتم مما واطأ الشرع المتقدم ، فالعبرة بالخاتم لا بالمتقدم فإنه آخر سبب وصل الأرض بالسماء ، فهو الأحدث عهدا بربه ، جل وعلا ، فيكون ناسخا حال التعارض وتعذر الجمع ، ولذلك تجد أهل الباطن يتحايلون على هذه القاعدة الرئيسة ألا ناسخ للشرع الخاتم أن جوز الغلاة منهم نبوة بعد النبوة الخاتمة نسخت أحكامها كما يقول الباطنية في نبوة محمد بن إسماعيل نبيهم المستور فقد جاء بشريعة نسخت الشريعة الخاتمة ، وقل مثله في نبوات كنبوات القادياني والبهاء ! ، فجميعها من مشكاة الباطنية قد خرجت ، وتلك ردة صريحة عن دين الإسلام أن خالفت المتواتر من التنزيل ، فـ : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) .
والنسخ ، من وجه آخر ، أمر يظهر أثره في الشرع الواحد ، فالأحدث ينسخ المتقدم أو يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وأما ما خالف الشرع الخاتم من الشرع المتقدم ، فإما أن يكون مما أثبته الشرع الخاتم شرعا لمن تقدم ، فثبتت صحته في نفس الأمر ، ولكنه عارض ما جاء به الشرع الخاتم ، فذلك يجري مجرى ما تقدم من التناسخ ، فالمتأخر محكم يَنْسَخُ ، والمتقدم متشابه يُرْفَعُ ، وأما ما لم يثبت أنه شرع لمن تقدم ، *** يحكه **در موثوق وليس إلا الشرع المحفوظ ، فما لم يحكه الشرع الخاتم وقد عارضه فَأَتَى بما يخالفه إن في الخبر أو في الحكم ، فالحكم للشرع الخاتم ، من باب أولى ، إذ يقضي وهو الذي يخبر بالشرع المتقدم ، فكيف لا يقضي وليس ثم حَاكٍ يُصَدَّقُ للشرع المتقدم ، فإن كتبهم قد دخلها من التبديل ما دخل ، وإن كان كثير من نصوصها قد سلم من هذا التبديل ، إلا أنه ليس ثم معيار محكم يرشح الصحيح من الضعيف إلا التنزيل الخاتم ، فإن لم يحك التنزيل الخاتم هذا الشرع المتقدم فإنه لا يعتبر في الاحتجاج ، إذ لم يثبت بادي الرأي ، فقبل الاستدلال بالمعنى لا بد من ثبوت اللفظ أولا ، فلا بد من صحة اللفظ وصراحة الاستدلال ليقبل القول ، فإن لم يثبت اللفظ فكيف يستدل الناظر ويمهد بمقدمات يتوسل بها إلى نتائج ، واللفظ ، بادي الرأي ، ضعيف أو باطل ؟! ، فالبنيان بلا أساس ، فلا بد من أساس متين من نص صحيح ، ومن ثم يكون الاستدلال الصريح باستنباط معان صحيحة على وجه يشتهر في لسان النص ، فضلا عما يحتف باللفظ من قرائن ، فإنها ، أيضا ، من جملة المشتهرات المعتبرات في الاستدلال ، فلا بد من ملاحظة الدلالة الأولية للفظ ، بالنظر في أصل الوضع وما يحتف به من قرائن تفضي إلى استنباط حكم أول ، ومن ثم يكون الاجتهاد في استنباط معان ثانوية لطيفة بعد المعاني الأولية الرئيسة على وجه تدق فيه الإشارات ، ولكنها ، مع ذلك ، لا تنقض المعاني الأولية ، فلا يستنبط من ظاهر معنى مؤول يأتي على الأصل بالإبطال فذلك أمر يمتنع في الأخبار والأحكام جميعا ، وإن لم يحك التنزيل الخاتم ما ورد في التنزيل المتقدم ، وكان الأمر فضولا من القصص ، فلا دلالة تشريع له بأمر ولا نهي ، وليس فيه ما ينقض محكم الخبر ، *** يخالف في خبر ولا في إنشاء ، وكان مورده مورد الاعتبار لا الاحتجاج ، فكان زيادة لا يضر الأخذ بها ، إذ لا يُبْنَى عليها عمل ، فهي ، كما تقدم ، من فضول القصص ، كما في محل الشاهد من أسماء إخوة يوسف ، عليه السلام ، *** يذكرهم التنزيل الخاتم ، وإنما ذكرهم كناية بضمير الجمع ، ودلالته ، كما تقدم ، دلالة العموم ، وهو بحسب السياق الذي يرد فيه ، ففي الخبر أن : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، عم الضمير كل مكلف ، كما تقدم ، فالعموم ، من هذا الوجه ، محفوظ ، وإن خص ، بداهة ، بشرائط من التكليف رئيسة كالعقل ، وأما البلوغ فلا اعتبار له في حكاية ما لا يَنْبَنِي عليه عمل من أخبار وقصص من الشرع المتقدم ، خلافا للشرع الخاتم ، فثم احتياط في نقله إذ يجوز للصغير أن يتحمل الخبر وهو صغير ، ولكنه لا يؤديه إلا بعد البلوغ والتكليف ، وإن صحابيا قد زكي بالوحي ، فلا يفتقر إلى تعديل من بشر ، ومع ذلك اقتضى الاحتياط في نقل الشرع الخاتم ألا يقبل خبر صغار الصحابة ، رضي الله عنهم ، كا***ن وا***ين وابن عباس وسهل بن سعد رضي الله عنهم جميعا ..... إلخ ، إلا بعد البلوغ ، وذلك يثبت في حق من تلاهم ، من باب أولى ، وأما الشرع المتقدم فيتساهل في نقل بعض أخباره ولطائفه ما لا يتساهل في نقل أخبار الشريعة الخاتمة وأحكامها ، مع أن نقل الشريعة الخاتمة ، عند التدبر والنظر ، مما يتفاوت في الاحتياط ، فيتساهل في نقل أخبار السير والمغازي ما لا يتساهل في نقل أحكام الحلال والحرام ، فثم من هو إمام في السير والمغازي كابن إسحاق ، رحمه الله ، فيقبل في هذا الباب ، ولا يقبل عند أئمةٍ نُقَّادٍ في باب الحلال والحرام ، كما أُثِرَ عن أحمد ، رحمه الله ، إذ كان على طريقة من تقدم أن كان الخبر عنده صحيحا وضعيفا ، فكان ا***ن من أقسام الضعيف عنده ، فليس قسيما له كما اطرد في القسمة الثلاثية المتأخرة ، فا***ن ، عند التدبر والنظر ، لا يخلو من ضعف ، إذ خف ضبط ناقله ، فصح من هذا الوجه أن يقال إن فيه ضعفا فألحقه المتقدمون بالضعيف ، فَرَاوِي ا***ن كابن إسحاق ، رحمه الله ، مما لا يحتج به عند أمثال أحمد ، رحمه الله ، فهو معدود في الضعفاء ، وإن لم يشتد ضعفه ، إذ خف ضبطه ولم يجرح في عدالة ولم يكثر خطؤه ويفحش ، ومع ذلك لا يخلو من ضعف أن خف ضبطه فليس تام الضبط كراوي الصحيح فألحقه أمثال أحمد ، رحمه الله ، بالضعفاء ، وألحق حديثه بالضعيف ، وهو على أنحاء ، فثم ضعيف لم يشتد ضعفه كهذا النوع ، وهو ما يحمل عليه قول أحمد رحمه الله : ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال ، *** يقصد الضعيف مطلقا ، وإنما قصد الضعيف المحتمل الذي لم يشتد ضعفه ، بل هو عند غيره من المتأخرين يحمل على الحديث ا***ن ، بل ثم من أدخله في الصحيح إذ يحتج به مطلقا ، كما صنع ابن حبان ، رحمه الله ، إذ القسمة عنده ، أيضا ، ثنائية ، فثم صحيح وضعيف ، فا***ن عنده يدخل في حد الصحيح وإن كان أدنى أنواعه ، كما أن القسمة عند المتقدمين كأحمد ، رحمه الله ، ثُنَائِيًّةٌ ، أيضا ، فصحيح وضعيف إلا أن ا***ن عنده يدخل في حد الضعيف وإن كان أعلى أنواعه فيقبل في مواضع لا صحيح فيها فهو في مذهب أحمد ، رحمه الله ، أولى بالاحتجاج من القياس والرأي ، فلا يخلو من نسبة إلى الوحي ، وإن تُكُلِّمَ فيها ، فالكلام ليس بجرح يشتد في عدالة أو ضبط ، فذلك وجه قبوله عند أحمد ، رحمه الله ، وهو ، في المقابل ، لا يطلق الاحتجاج به ، فيحتج بالضعيف الذي لم يشتد ضعفه سواء أكان ا***ن عند غيره فلا يشاطره الحكم عليه بالضعف ، أم كان من الضعيف الذي أجمع النقاد على ضعفه ، فهو ضعيف في كل مذهب ، في مذهب من تقدم ومن تأخر ، إلا أن ضعفه في المقابل مما يحتمل كالمرسل فأثر في مذهب أحمد الاحتجاج بالمرسل ، على تفصيل في ذلك ، فالاحتجاج بالمرسل من مسائل الاصطلاح الجليلة ، فثم من احتج به مطلقا كأبي حنيفة ومالك ، رحمهما الله ، وثم من احتج به أن قدمه على الرأي ، كأحمد ، رحمه الله ، وذلك ، بداهة ، لا يَجْرِي إلا أن يكون الضعف غير شديد فلا يكون الانقطاع في المرسل انقطاعا يعظم كالمعضل ونحوه ، فذلك مما أجمع أهل الشأن على عدم الاحتجاج به فهو شديد الضعف خلافا لما احتمل من انقطاع يسير لا سيما في مراسيل كبار التابعين حتى اشترط الشافعي ، رحمه الله ، في جملة ما اشترط لقبول المرسل ، أن يكون راويه من كبار التابعين ، فغالب روايته عن الصحابة ، رضي الله عنه ، وذلك ما يعضد مرسله خلافا لمراسيل صغار التابعين إذ فشا من الكذب في طبقتهم ما لم يكن في طبقة المتقدمين فاستوجب ذلك من الاحتراز في قبول مراسيلهم ما لا يكون في مراسيل المتقدمين من كبار التابعين ، فيقدم أحمد ، رحمه الله ، ضعيف الحديث على الرأي ، ولكنه ، مع ذلك ، لا يحتج به مطلقا ، كما تقدم من كلامه في ابن إسحاق ، رحمه الله ، فالموقوف الصحيح أحب إليه من المرفوع الضعيف ، على ما تقدم من تحرير **طلح الضعيف في مذهب أحمد ، رحمه الله ، وأما غيره فا***ن عنده قسم يشاطر الصحيح والضعيف قسمة الحديث ، وإن آل في نفس الأمر إلى صحيح وضعيف باعتبار صحة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإما أنه قاله فهو صحيح ، وإما أنه لم يقله فهو ضعيف ، وليس ثم واسطة في نفس الأمر ، وإن كان ثم واسطة في قسمة الاصطلاح ، فصحيح وضعيف وبينهما ا***ن واسطة ، فا***ن ، عند المتأخرين ، يشاطر الصحيح والضعيف القسمة ، كما تقدم ، فيحتج به مطلقا ، لا في أحوال دون أخرى ، كما هي الحال في مذهب أحمد ، فَرَاوِي ا***ن عنده ممن يستأنس الناظر بروايته في المغازي والسير دون الأحكام ، وأما راوي ا***ن عند المتأخرين فروايته تقبل في كل باب ، في الأخبار وفي الأحكام ، وا***ن عند بعض المتأخرين ، كابن حبان ، رحمه الله ، يدخل في حد الصحيح وإن كان أدنى درجاته ، فالصحيح درجات ، كما أن الضعيف دركات ، فالصحيح ينقسم إلى أنواع ، كما ذكر أهل الشأن ، فثم صحيح هو الأصح ، وهو ما اتفق عليه الشيخان من رواية نفس الراوي ، وثم ما هو دونه من صحيح روياه ولكن من طريقين مختلفين عن صحابيين اثنين ، وقد يحتف حال الترجيح ، قد يحتج بصحيح ما يرجحه على صحيح مثله ، فقد يجتمع له من قرائن ترجح ما لا يجتمع لمعارضه ، كأن يجمع أهل الراوية على روايته فيرويه الستة أو التسعة ، خلافا لما رواه الشيخان فقط ، فذلك وجه ترجيح إن حصل التعارض وتعذر الجمع فهو الأولى إذ إعمال النصوص أولى من إهدارها ، كما أن رواية الصحيحين تقدم على رواية السنن الأربعة ، إن حصل التعارض ، إذ احتف بالصحيحين من قرينة التَّلَقِّي بالقبول من الجمهور لعامة أحاديثهما إلا أحرفا يسيرة فاتها الإجماع ، احتف بهما من هذه القرينة الجليلة ما لم يحتف بغيرهما ، وذلك أمر ينظر فيه نظر المجموع الغالب لا الجميع الشَّامِلِ الذي يستغرق جميع الأحاديث فقد يعرض للفائق الراجح ، كما يقول بعض المحققين ، ما يجعله مفوقا مرجوحا في مواضع ، كما يعرض لضده من المفوق المرجوح ما يجعله فائقا راجحا ، فذلك ترجيح جملة على جملة لا جميع الآحاد في الصحيحين على نظائرها في السنن ، وكذلك الشأن في ترجيح السنن على المسانيد ، إذ السنن تعنى بجمع أحاديث الأحكام من الحلال والحرام ، فيحتاط الناقل ما لا يحتاط في المسانيد التي تعنى بمطلق الجمع لأحاديث كل صحابي دون ترتيب على أبواب الفقه فتعنى بجمع كل ما ورد عنه ، صح أو ضعف ، في خبر أو حكم ، *** تشترط في الجملة من الصحة والتحري ما اشترط أصحاب السنن لاختلاف الغرض من التصنيف ، فغرض أصحاب المسانيد في الجملة هو الجمع والاستقصاء ما أمكن فيجمع مسند كل صحابي منفردا دون ترتيب أو تبويب معين فيخلط الأحاديث خلطا بلا تصنيف على طريقة الجوامع أو السنن ، وغرض أصحاب السنن الرئيس الاحتجاج فيجب في حقهم من التحري ما لا يجب في حق أصحاب المسانيد فشتان من رام الجمع فهو يقمش ، ومن رام الاحتجاج فهو يفتش ، وإن لم يَعْنِ ذلك أن أصحاب المسانيد قد تساهلوا كل التساهل فتقصدوا رواية الضعيف الذي اشتد ضعفه أو الموضوع المكذوب ، بل إن بعضهم كأحمد ، رحمه الله ، قد تحرى في الرواية حتى قدم كتابه على بعض كتب السنن فشرطه في المسند أعلى من شرط أبي داود ، رحمه الله ، في سننه ، كما يذكر بعض المحققين ، فالضعيف الذي اشتد ضعفه والمنكر فيه قليل ولو تَتَبَّعْتَهُ لوجدته من زوائد ابنه عبد الله ، رحمه الله ، فالضعيف فيها أكثر ، وزوائد القطيعي ، رحمه الله ، فالضعيف فيها أكثر من زوائد عبد الله ، رحمه الله ، على المسند ، فذلك ، أيضا ، من جملة القرائن التي تحتف ببعض آحاد المفضول فتجعله فاضلا ، فالمسانيد في الجملة مفضولة في مقابل السنن التي تفضلها وترجحها في الصحة والاحتجاج ، إلا أنه قد وردت في حق المسند ، مسند أحمد رحمه الله ، جملة من القرائن أوجبت له التقديم على بعض كتب السنن ، كسنن أبي داود ، رحمه الله ، وهو ما يستوجب تقديمه على سنن الترمذي وسنن ابن ماجة من باب أولى ، فهما ، أيضا ، في الجملة دون سنن أبي داود ، وسنن النسائي ، رحم الله أصحاب السنن جميعا ، سنن النسائي أعلاها جميعا حتى عد شرطه في الرجال أعلى من شرط مسلم ، رحمه الله ، وإن كان كتابه دون كتاب مسلم ، فحصل التراجح بين كتب السنن ، وهي *** واحد ، فإنك لو تدبرت في قواعد الترجيح في هذا الباب ، لوجدتها تجري بين الأفراد في نوع واحد كتراجح كتب السنن ، كما تقدم ، وهي تندرج في نوع واحد وهو الكتب التي عنيت بجمع أحاديث الأحكام من الحلال والحرام فمعنى السنن هنا قد خص بالاصطلاح فاقتصر في الجملة على بعض السنن ، وهي أحاديث الأحكام في الفقه حلالا وحراما ، وإن ورد فيها زيادات من الأخبار في العقائد وغيرها فتجد في كتاب أبي داود ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، تجد بابا في السنة ، وهو يروم بها اصطلاحا آخر غير اصطلاح السنن الذي عُنِيَ بجمعها من سنن الحلال والحرام التي رتبها على أبواب الفقه ، فيروم اصطلاح أهل العقائد إذ أطلقوا على جملة من **نفاتهم التي تروي أحاديث العقائد وآثارها من الموقوفات والمقطوعات بالإسناد ، أطلقوا عليها اسم السنن ، كما في كتب السنة لأحمد وابنه عبد الله رحمهما الله ........ إلخ ، فحصل التراجح ، وهو محل الشاهد ، بين كتب النوع الواحد ، كالسنن ، وقل مثله في المسانيد فهي تتفاوت ، فمسند أحمد ، رحمه الله ، على سبيل المثال أعلى من مسند ابن راهويه ، ومسند ابن راهويه في الجملة أعلى من مسند الطيالسي ...... إلخ ، وذلك جار ، على ما تقدم مرارا ، من قاعدة التفضيل جملة فقد يعرض لبعض أحاديث المفوق المرجوح من القرائن ما يجعلها من الفائق الراجح ، فقد يعرض لحديث في سنن ابن ماجة وهي ، في الجملة ، أدنى من سنن النسائي ، يعرض له ما يجعله يفوق النسائي في هذا الموضع بعينه فهو دونه في غيره ، بل وقد يعرض له في مواضع ذكر بعض ال**نفين في هذا الشأن أمثلة لها ، قد يعرض له من القرائن ما يجعل بعض أحاديثه أعلى من أحاديث في الصحيحين ، وهما قد بلغا من ذروة الصحيح ما قد علم ضرورة ، فيكون الحديث عند ابن ماجة الأدنى مرويا بإسناد أصح ، وإن كان إسناد الصحيحين صحيحا إلا أن الصيحيح ، كما تقدم ، يتفاوت ، فبعضه أصح من بعض ، وقل مثله في المسانيد فقد يكون ثم حديث في مسند ابن راهويه ، رحمه الله ، وهو أدنى من مسند أحمد ، في الجملة ، قد يكون ثم حديث فيه مرويا بإسناد أصح من إسناد أحمد ، رحمه الله ، وكما يكون التفاوت في أفراد النوع الواحد ، فإنه ، أيضا ، يكون بين الأنواع ، فالصحيحان والجوامع في الجملة أعلى من السنن ، وإن كان ذلك ، أيضا ، تفضيل جملة على جملة ، فثم من السنن ما فاق بعض الجوامع ، فابن حبان ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، قد توسع في شرط الصحيح وفي شرط التعديل حتى عدل كثيرا من مجاهيل الحال والعين ، فجعل عدالة الرواية الأخص تكافئ عدالة الإسلام الأعم ، وكل من روى عنه عدل وروى عن عدل ولم يكن خبره منكرا فهو عدل وإن لم تعلم حاله وتسبر مروياته ! ، فحصل له من التوسع في التصحيح ما حصل أن التزم هذا الأصل في التعديل فشرطه في الصحيح شرط متساهل ، فضلا أن ا***ن عنده من جملة الصحيح ، فيحتج به من باب أولى ما لا يحتج به من جعل ا***ن قسما وجعله دون الصحيح ، وما لا يحتج به من أدخل ا***ن في حد الضعيف ، كما تقدم من صنيع أحمد ، رحمه الله ، فكان التساهل في شرط ابن حبان ما جعل بعض كتب السنن أعلى منه ، وإن كانت الجوامع التي يدخل في حدها ، وإن كانت في الجملة أعلى من السنن ، إلا أن الفائق ، أيضا ، قد عرض له من قرينة التساهل في التصحيح ما جعله مفوقا مرجوحا ، والتساهل ، أيضا ، درجات ، فلا يستوي تساهل ابن خزيمة ، رحمه الله ، وهو شيخ ابن حبان ، لا يستوي وتساهل تلميذه ، وإن اشتركا في الوصف ، فابن خزيمة ، رحمه الله ، أشد تحريا من تلميذه ، وكذلك الشأن في ابن حبان إن قورن بالحاكم ، رحمه الله ، في مستدركه ، إذ حصل له من التساهل ما لا يخفى فهو أمر قد اشتهر في كلام أهل الشأن ، فاشترط ، كما يقول بعض المحققين ، اشترط أعلى الصحيح *** يوف بشرطه ففي كتابه أحاديث على شرط الصحيحين وهي قليلة إذ قل ما يَفُوتُ البخاري ومسلما ، رحمهما الله ، من الصحيح على شرطهما ، فقد اشترطا أعلى الصحيح ولم يشترطا جمع الصحيح كله ، كما أثر عنهما ، ففاتهما صحيح كثير ، ولا يقدح ذلك في كتابيهما إذ لم يشترطا ، كما تقدم ، جمع الصحيح كله ، وإنما انتخبا منه الأصح ، وفي كتاب الحاكم ، أيضا ، صحيح ليس على شرطهما وهو الأكثر ، سواء ألحقه بشرطهما أو بشرط أحدهما ، فهو ، عنده ، دون ما كان على شرطهما ، أم ذَيَّلَ بالحكم عليه أن قال : صحيح الإسناد ، فحكم على ظاهر الإسناد بالصحة فهو دون الصحيح الذي على شرط الشيخين ، رحمهما الله ، سواء أصاب في الاستدراك فهو على شرطهما ، أم لم يصب فهو صحيح ولكنه ليس على شرطهما ، وفي الكتاب ، أيضا ، من ا***ن والضعيف الذي لم يشتد ضعفه ، بل والضعيف الذي اشتد ضعفه بل وفيه أحاديث موضوعة لا سيما في الفضائل ، حملت بعض أهل الشأن ، كالذهبي رحمه الله ، أن يشدد عليه النَّكِيرَ ، وقد يعتذر عن الحاكم ، رحمه الله ، فيها بما هو محل الشاهد من وقوع التساهل في أحاديث الأخبار والفضائل ما لا يقع في أحاديث العقائد والأحكام ، وهو ما جوز الرواية عن بني إسرائيل في دقائق القصص كما في آي يوسف ، من أسماء إخوته ، ما لا يكون في غيرها من أحكام ، فذلك مما لا حرج في روايته إن لم يخالف شرعنا في شيء ، فهو ، كما تقدم ، العمدة المهيمن ، فيدخل في عموم الأمر أن : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، فيحمل على معنى الإباحة ولا يخلو من دلالة إرشاد قد تبلغ حد الندب رواية لما يحصل به النفع من قصص المتقدمين فهو ، من هذا الوجه ، يدخل في عموم : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فصدر السياق بالتوكيد باللام ابتداء ، أو هي لام داخلة في جواب قسم مقدر على تقدير : والله لقد كان في قصصهم عبرة ، وزد عليه دخول "قد" على الماضي فأفادت التحقيق ، من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة الكينونة على ديمومة الاتصاف ، وتقديم ما حقه التأخير "في قصصهم" ، وهو ما عم بالإضافة فاستغرق قصص جميع من تقدم ، وهو ، من وجه آخر ، مخصوص ، بما صح من القصص ، أو كان من الجائز روايته فلا حرج مما لا يخالف أصول الوحي ونصوص الشرع الخاتم فخرج ، بداهة ، القصص المكذوب على الأنبياء ، عليهم السلام ، كالذي افتراه أحبار السوء فسطرته الأيدي الآثمة وهو مما يوجب الطعن في مقام النبوة باقتراف فواحش يتنزه عنها آحاد الناس فضلا عن صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، وقد نكرت العبرة مئنة من التعظيم وَخُصَّ بها أولو الألباب تعريضا بمن دونهم ممن لم يعتبر بهذا القصص المحكم فينزل منزلة من لا لب له ولا عقل وإن كان مكلفا بالعقل الصريح الذي يناط به التكليف فعقل الانتفاع بالعبرة هداية قدر يزيد على عقل التكليف العام الذي يستوي فيه المقر والجاحد ، ومن ثم جاء النفي تخلية من وصف الافتراء المذموم ، فحسن ، أيضا ، إيراد فعل الكينونة مئنة من ديمومة الاتصاف حال النفي لوصف النقص ومورد الذم ، وأطنب أن وطأ بالحديث : (حَدِيثًا) ، ومحل الفائدة وصفه : (يُفْتَرَى) ، والمضارعة مئنة من استحضار الصورة فضلا عن دلالة الحال والاستقبال فهو مما يستصحب الناظر في أخبار الوحي ، حالا واستقبالا ، فذلك من المحكم الذي لا ينسخ ، فالقصص مما لا يجري فيه النسخ وإلا استوجب الحكم بالكذب الذي تنزه عنه الوحي ، فأخباره ، كما تقدم مرارا ، أخبار الصدق المطلق ، كما أن أحكامه هي أحكام العدل المطلق المفصل لا المجمل الذي تقتصر غايته على سياسة الدنيا دون نظر في الآخرة كما زعم بعض الفلاسفة ، بل الوحي قد جاء يفصل على وجه تحصل به الكفاية سعادةً في الأولى ونجاة في الآخرة ، ومن ثم جاء الاستدراك تحلية : (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فأطنب في الوصف وحذف فعل الكينونة الماضية لتقدم ذكره في الشطر الأول ، شطر النفي لوصف النقص ، فيجري ذلك مجرى إيجاز الحذف ، وهو مما يحسن في الكلام لئلا يثقل فيحصل به ما يحصل من السآمة والملل ، فحذف المتأخر وقدره لدلالة المذكور المتقدم عليه ، فتقدير الكلام : ولكن كان تصديق الذي بين يديه ، فالنبوات يصدق بعضها بعضها إذ خرجت جميعا من مشكاة واحدة ، وهو تفصيل لكل شيء ، وذلك مما خص ، كما تقدم ، بالجلائل والعظائم دون الدقائق ، فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، هو تأويل الأكثر في قول الرب الأعز الأكرم جل وعلا : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فيقص أكثر مواضع الخلاف ، وهي ما يَنْبَنِي عليه العمل ، دون خلاف لا يَنْبَنِي عليه عمل كالخلاف في أسماء إخوة يوسف ، عليه السلام ، كما تقدم صدر الكلام ، أو الخلاف في أسماء أصحاب الكهف أو اسم كلبهم أو لونه كما يضرب به المثل بعض المحققين في رسالة مشهورة في علم التفسير في سياق السرد ل**ادر التفسير المعتبرة ، فأخبار بني إسرائيل التي جاز التحديث بها استكمالا لبعض جوانب القصص مما سكت عنه الوحي ولم يخالف نصا في الشرع الخاتم ، هذه الأخبار هي مناط الأمر في خبر : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، فنفى الحرج عموما ، إذ النكرة في سياق النفي مئنة من العموم ، كما قال أهل الشأن ، وهو ، كما تقدم ، مما خص بالحرج حال الحكاية لأخبار فيها من زيادة الشرع ما لا يثبت إلا بنص صحيح معتبر ، أو زيادة لأخبار في الشرع تخالف شرعنا ، أو إيرادا لما يستأنس به المفسر إيراد الجزم ، فإن ذلك مما يحكى بصيغة تمريض كـ : روي عن بني إسرائيل أو روي في كتبهم أو مما أُثِرَ في كلام النبوات الأولى .... إلخ من صيغ لا جزم فيها ، فالاستئناس في هذا الباب شيء ، والاحتجاج شيء آخر ، كما قرر بعض المحققين ، فيجوز الاستئناس دون الاحتجاج أن يصير كلامهم عمدة في تفسير الكتاب العزيز فذلك ما لا يتصور بداهة وإلا كان السابق مع ما وقع فيه من التبديل حكما على اللاحق مع ما له من الحفظ والإحكام ، فقياس العقل أن يكون هو القاضي في غيره لا المقضي فيه ، وبقي محل الخلاف وهو ما حكاه شرعنا وسكت عنه ، فثبتت صحته ولم يعرض له الشرع الخاتم باعتبار أو إلغاء وإنما حكاه مرسلا ، فثم من احتج به إذ حكايته مع السكوت بيان ، فالسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، فذلك بيان يشهد بالاحتجاج به ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قرر أهل الشأن ، وثم من لم يحتج به كابن حزم ، رحمه الله ، فاستدل بعمومات من قبيل قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، والمسألة مما بسط في كتب الأصول على وجه مفصل يحصل به البيان التام بالترجيح بين القولين ، من اعتبر ومن لم يعتبر .
فكان التفصيل ومن ثم ختم بالعلة الثالثة : (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فهدى في العلم ورحمة فهي مآل العلم الصحيح إذ يوفق صاحبه إن أخلص النية وتجرد في العمل الصالح وهو سبب الرحمة ، فضلا أن الاعتبار بقصص الماضين مظنة التأسي بأهل الخير من الأنبياء والصالحين ، وهو سبب في حصول الرحمة ، وقد نكر الهدى ونكرت الرحمة مئنة من التعظيم أيضا ، ومن ثم وطأ باسم : "قوم" ، فمناط الفائدة الوصف الذي حد على جهة المضارعة : "يؤمنون" ، على ما تقدم مرارا من دلالة المضارعة على استحضار الصورة فضلا عن ديمومة واستمرار فلا ينتفع بها إلا من ثبت على وصف الإيمان ، فلا ينتفع بها إلا المؤمن وذلك تعريض بالكافر ، وإن انتفع الكافر منها قيام الحجة وبيان المحجة ، فحصل ، أيضا ، من العلم ما ينفع بنفسه وإن لم ينفعه هو لمانع من قبول الحق كجحود أو تكذيب أو إعراض أو استكبار ..... إلخ من موانع قبول الحق والانتفاع به .
فجاء الخبر صدر الكلام أن : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) ، فأكدوا بالقسم ، فـ : (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) ، والفعل "آثرك" مئنة من مفاعلة بالمفاضلة إذ فضله الرب ، جل وعلا ، عليهم ، وذلك فضله الذي يؤتيه من يشاء ، فـ : (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) ، وذلك من وصف الفعل الذي يثبت للرب ، جل وعلا ، نوعا قديما وآحادا تَحْدُثُ على الوجه اللائق بجلاله ولا يخلو من وجه عظيم في الحكمة أن وضع ، جل وعلا ، مادة الفضل المرجِّح في المحل الفاضل المرجَّحِ ، ومن ثم جاء الشطر الثاني إقرارا بالذنب : (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) ، فأكدوا بالناسخ المخفف واسمه ضمير الشأن المحذوف إيجابا ، وزد عليه دلالة الكينونة الماضية في "كنا" ، ودلالة اللام في "لخاطئين" فهي ، أيضا ، لا تخلو من دلالة توكيد ، فأجابهم بما يطمئن بعد أقروا بالذنب وأظهروا التوبة والأوبة ، فـ : (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فنفى العموم إما إخبارا وإما إنشاءا لدعاء أن يرفع ، جل وعلا ، عنهم التثريب واللوم ، وعند الوقوف على لفظ الظرف : "اليوم" ، يكون الابتداء بخبر يراد به الإنشاء ، كما تقدم ، فتأويله إنشاء الدعاء أن يغفر الله ، جل وعلا ، لهم ، وذلك ما حسن معه الختام باسم : (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فجاء على حد العطف إطنابا في الدلالة ، وهو مما يستأنس به من يجوز عطف التغاير بين الجمل ، فعطف جملة : (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الاسمية الخبرية ، على جملة : (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) الفعلية الإنشائية للدعاء ، فيجري ذلك ، من وجه آخر ، مجرى عطف الخبر على الإنشاء عند من يجوز عطف التغاير ، من هذا الوجه أيضا ، وقد جاء الاسم على حد القصر بتعريف الجزأين في : (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، وهو آكد في الثناء بالمدح على الرب ، جل وعلا ، فيجري مجرى التوسل بأسمائه ، جل وعلا ، وهو اسم مقيد ، ودلالة التفضيل فيه مئنة من زيادة ثناء في مورد جمال طلبا للمغفرة فحسن أن يتوسل باسم يلائمها كاسم الرحمة وهي تشاطر المغفرة دلالة السَّبَبِيَّةِ في حصول النجاة والفوز برضى رب البرية جل وعلا .
وإذا وَقَفَ القارئ على : (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) ، ثم جاء الاستئتاف أنْ : (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فذلك يكون من الإخبار المجرد بشرى لهم فاليوم غفر الله ، جل وعلا ، لكم ، وذلك ما لا يعلم إلا من طريق الوحي فكان ثَمَّ ، والله أعلم ، وحي أخبره أن الله ، جل وعلا ، قد تجاوز عنهم .
والله أعلى وأعلم .
مما تقرر في دلالة الشرع واللسان : أن الدعاء يكون لمطلوب لم يقع ففعل الدعاء قد محضت دلالته للاستقبال طلبا لمرجو آت أو استدفاعا لشر آت ، فالسائل يَرْجُو ولا يكون رجاء إلا لممكن لم يقع ، فهو يحتمل الإجابة أو الرَّدِّ ، فالداعي يروم الإجابة ، والرب ، جل وعلا ، قدير حكيم ، قد يعطي الداعي سؤله فدعاؤه سبب في حصول المراد ، ولكن هذا السبب لا بد له من جملة شرائط ، كأكل الحلال ، والدعاء بخير لا إثم ، والتأني لا العجلة فيستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، كما في الخبر ، .... إلخ ، ولا بد من انتفاء الموانع ، وقد تقضي الحكمة ألا يعجل ، تبارك وتعالى ، بالإجابة ، فيرد بالدعاء قضاء أعظم ، أو يدخر لصاحبه في الآخرة ، فجاء الدعاء في مواضع على حد الإخبار ، كما في حديث : "يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ" ، فهو خبر بمضارع أريد به إنشاء الدعاء استقبالا ، فقرينة السياق قد محضت دلالة الخبر للإنشاء ، فذلك يجري مجرى المجاز المركب استعارة لتركيب فِي الدلالة على آخر ، وذلك ، لو تدبرت ، أمر يُتَوَسَّعُ في دلالته ، فكل نص يخبر عن وعد خير ، فهو يستلزم الأمر به ، وكل نص ، في المقابل ، يخبر عن وعيد شر ، فهو يستلزم النهي عنه ، فاطرد القياس وانعكس ، ففي نحو قوله تعالى : (لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ) ، يجري النفي مجرى الإنشاء ، أن يدعو القائل برفع الحرج والتثريب ، وقد يجري مجرى النهي إشفاقا ألا تُثَرِّبُوا على أنفسكم ، وقل مثله في الشطر الثاني : (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فيجري مجرى الدعاء أن يغفر الرب ، جل وعلا ، لهم ، فـ : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فَثَمَّ دلالة جمع في : (قَالُوا) ، فهو يَعُمُّ ، بأصل الوضع ، وهو ، من وجه آخر ، مما انصرف بدلالة العهد إلى إخوة يوسف ، عليه السلام ، ما عدا بِنْيَامِينَ ، كما في القصص المعروف الذي حكاه التنزيل مفصلا على وجه تحصل به العبرة دون خوض في دقائق الأسماء والوقائع والأماكن فذلك من السرد الذي لا يضر الجهل به ولا ينفع العلم به ، في المقابل ، فعلمت الأسماء من كتب بني إسرائيل ، فذلك مما جاز الإخبار به فلا حرج لا على جهة الاستدلال وإنما استشهادا بلطائف لا تخالف ما جاء به الشرع الخاتم ، إن في الإخبار أو في الإنشاء ، فيدخل في عموم : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، فجاء الأمر إرشادا ، وهو مما يعم بدلالة الضمير المجموع ، ودلالته في هذا السياق ، دلالة العموم الذي يستغرق كل مخاطب مكلف ، وزد عليه دلالة الإطلاق في فعل الأمر بالتحديث ، فهو يعم كل ما أثر عن بني إسرائيل إن في الأخبار أو في الأحكام ، ويعم ، من وجه آخر ، كل ما أُثِرَ من التوراة وهي عمدة النبوات الإسرائيلية ، والإنجيل وهو القدر الزائد نسخا لبعض الأحكام ، وإطنابا في الموعظة ا***نة ، وقل مثله في **ور داود فهو من كتب بني إسرائيل فضلا عما تناقله القوم من قصص وآثار ، فكل أولئك يدخل في هذا العموم ، وهو عموم ، لو تدبرت ، يعم جميع أخبار السابقين وإن خُصَّ بنو إسرائيل بالذكر إذ غالب القصص المفصل في كتبهم فضلا أنها ، وحدها في الجملة ، ما بقيت آثاره فغالب الكتب الأخرى قد اندثرت *** يبق منها إلا آثار مبثوثة في كتب أخرى ، فتشبه ، من وجه ، **نفات في هذه الأمة قد فقدت وبثت أخبارها في كتب أخرى حتى تَتَبَّعَ بعض الباحثين بعضَها ، فجمع مادته من مظانها ، على وجه التقريب فلا يجزم إذ الأصل مفقود فلا مخطوط ولا مطبوع .
والشاهد أن ثم عموما استفيد من إطلاق الأمر بالتحديث في الخبر ، ولكنه ، بداهة ، عموم مخصوص ألا يخالف ما ثبت في الشرع الخاتم ، فإنه هُوَ المهيمن الحاكم ، فما ورد فيه فهو العمدة مطلقا فهو الذي يحتج به بلا قيد إن ثَبَتَتْ صحة الإسناد ، فإذا صح الحديث فهو المذهب ، كما أثر عن الأئمة الأعلام ، وأما التنزيل وما تواتر من الأخبار ، وما احتفت به القرائن من أخبار الآحاد كأحاديث الصحيحين ، فكل أولئك مما جاوز القنطرة ، وإنما البحث في أخبار الآحاد فهي مما نقله الواحد أو العدد الذي لم يبلغ حد التواتر ، ولم تحتف به قرينة تَزِيدُ تَبْلُغُ به رتبة العلم النظري ، فالبحث في تحقق شرائط الصحة في الخبر ، إسنادا ومتنا ، على وجه حده المحققون بمعيار محكم إن في الإسناد أو في المتن ، فإن تحققت فهي قرائن توجب قبول الخبر ، وتوجب الاحتجاج به في جميع مسائل العلم والعمل ، وذلك مناط خلاف رئيس بين أهل الحديث والمتكلمين ، فإن صح الحديث فهو المذهب ، كما تقدم ، فلا اعتبار لما خالفه من قياس أو ذوق ، أو خبر أُثِرَ عن بني إسرائيل ، فإن أخبار بني إسرائيل محكومة ، وأخبار النبوة الخاتمة حاكمة ، والحاكم يقضي بداهة في المحكوم ، كما يقضي القطعي في الظني ، والمتواتر في الآحاد ، فما خالف الشرع الخاتم من الشرع الإسرائيلي خاصة ، والشرع المتقدم عامة ، فهو هدر ، وما نص عليه الشرع الخاتم مما واطأ الشرع المتقدم ، فالعبرة بالخاتم لا بالمتقدم فإنه آخر سبب وصل الأرض بالسماء ، فهو الأحدث عهدا بربه ، جل وعلا ، فيكون ناسخا حال التعارض وتعذر الجمع ، ولذلك تجد أهل الباطن يتحايلون على هذه القاعدة الرئيسة ألا ناسخ للشرع الخاتم أن جوز الغلاة منهم نبوة بعد النبوة الخاتمة نسخت أحكامها كما يقول الباطنية في نبوة محمد بن إسماعيل نبيهم المستور فقد جاء بشريعة نسخت الشريعة الخاتمة ، وقل مثله في نبوات كنبوات القادياني والبهاء ! ، فجميعها من مشكاة الباطنية قد خرجت ، وتلك ردة صريحة عن دين الإسلام أن خالفت المتواتر من التنزيل ، فـ : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) .
والنسخ ، من وجه آخر ، أمر يظهر أثره في الشرع الواحد ، فالأحدث ينسخ المتقدم أو يخصصه ، كما قرر أهل الأصول والنظر ، وأما ما خالف الشرع الخاتم من الشرع المتقدم ، فإما أن يكون مما أثبته الشرع الخاتم شرعا لمن تقدم ، فثبتت صحته في نفس الأمر ، ولكنه عارض ما جاء به الشرع الخاتم ، فذلك يجري مجرى ما تقدم من التناسخ ، فالمتأخر محكم يَنْسَخُ ، والمتقدم متشابه يُرْفَعُ ، وأما ما لم يثبت أنه شرع لمن تقدم ، *** يحكه **در موثوق وليس إلا الشرع المحفوظ ، فما لم يحكه الشرع الخاتم وقد عارضه فَأَتَى بما يخالفه إن في الخبر أو في الحكم ، فالحكم للشرع الخاتم ، من باب أولى ، إذ يقضي وهو الذي يخبر بالشرع المتقدم ، فكيف لا يقضي وليس ثم حَاكٍ يُصَدَّقُ للشرع المتقدم ، فإن كتبهم قد دخلها من التبديل ما دخل ، وإن كان كثير من نصوصها قد سلم من هذا التبديل ، إلا أنه ليس ثم معيار محكم يرشح الصحيح من الضعيف إلا التنزيل الخاتم ، فإن لم يحك التنزيل الخاتم هذا الشرع المتقدم فإنه لا يعتبر في الاحتجاج ، إذ لم يثبت بادي الرأي ، فقبل الاستدلال بالمعنى لا بد من ثبوت اللفظ أولا ، فلا بد من صحة اللفظ وصراحة الاستدلال ليقبل القول ، فإن لم يثبت اللفظ فكيف يستدل الناظر ويمهد بمقدمات يتوسل بها إلى نتائج ، واللفظ ، بادي الرأي ، ضعيف أو باطل ؟! ، فالبنيان بلا أساس ، فلا بد من أساس متين من نص صحيح ، ومن ثم يكون الاستدلال الصريح باستنباط معان صحيحة على وجه يشتهر في لسان النص ، فضلا عما يحتف باللفظ من قرائن ، فإنها ، أيضا ، من جملة المشتهرات المعتبرات في الاستدلال ، فلا بد من ملاحظة الدلالة الأولية للفظ ، بالنظر في أصل الوضع وما يحتف به من قرائن تفضي إلى استنباط حكم أول ، ومن ثم يكون الاجتهاد في استنباط معان ثانوية لطيفة بعد المعاني الأولية الرئيسة على وجه تدق فيه الإشارات ، ولكنها ، مع ذلك ، لا تنقض المعاني الأولية ، فلا يستنبط من ظاهر معنى مؤول يأتي على الأصل بالإبطال فذلك أمر يمتنع في الأخبار والأحكام جميعا ، وإن لم يحك التنزيل الخاتم ما ورد في التنزيل المتقدم ، وكان الأمر فضولا من القصص ، فلا دلالة تشريع له بأمر ولا نهي ، وليس فيه ما ينقض محكم الخبر ، *** يخالف في خبر ولا في إنشاء ، وكان مورده مورد الاعتبار لا الاحتجاج ، فكان زيادة لا يضر الأخذ بها ، إذ لا يُبْنَى عليها عمل ، فهي ، كما تقدم ، من فضول القصص ، كما في محل الشاهد من أسماء إخوة يوسف ، عليه السلام ، *** يذكرهم التنزيل الخاتم ، وإنما ذكرهم كناية بضمير الجمع ، ودلالته ، كما تقدم ، دلالة العموم ، وهو بحسب السياق الذي يرد فيه ، ففي الخبر أن : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، عم الضمير كل مكلف ، كما تقدم ، فالعموم ، من هذا الوجه ، محفوظ ، وإن خص ، بداهة ، بشرائط من التكليف رئيسة كالعقل ، وأما البلوغ فلا اعتبار له في حكاية ما لا يَنْبَنِي عليه عمل من أخبار وقصص من الشرع المتقدم ، خلافا للشرع الخاتم ، فثم احتياط في نقله إذ يجوز للصغير أن يتحمل الخبر وهو صغير ، ولكنه لا يؤديه إلا بعد البلوغ والتكليف ، وإن صحابيا قد زكي بالوحي ، فلا يفتقر إلى تعديل من بشر ، ومع ذلك اقتضى الاحتياط في نقل الشرع الخاتم ألا يقبل خبر صغار الصحابة ، رضي الله عنهم ، كا***ن وا***ين وابن عباس وسهل بن سعد رضي الله عنهم جميعا ..... إلخ ، إلا بعد البلوغ ، وذلك يثبت في حق من تلاهم ، من باب أولى ، وأما الشرع المتقدم فيتساهل في نقل بعض أخباره ولطائفه ما لا يتساهل في نقل أخبار الشريعة الخاتمة وأحكامها ، مع أن نقل الشريعة الخاتمة ، عند التدبر والنظر ، مما يتفاوت في الاحتياط ، فيتساهل في نقل أخبار السير والمغازي ما لا يتساهل في نقل أحكام الحلال والحرام ، فثم من هو إمام في السير والمغازي كابن إسحاق ، رحمه الله ، فيقبل في هذا الباب ، ولا يقبل عند أئمةٍ نُقَّادٍ في باب الحلال والحرام ، كما أُثِرَ عن أحمد ، رحمه الله ، إذ كان على طريقة من تقدم أن كان الخبر عنده صحيحا وضعيفا ، فكان ا***ن من أقسام الضعيف عنده ، فليس قسيما له كما اطرد في القسمة الثلاثية المتأخرة ، فا***ن ، عند التدبر والنظر ، لا يخلو من ضعف ، إذ خف ضبط ناقله ، فصح من هذا الوجه أن يقال إن فيه ضعفا فألحقه المتقدمون بالضعيف ، فَرَاوِي ا***ن كابن إسحاق ، رحمه الله ، مما لا يحتج به عند أمثال أحمد ، رحمه الله ، فهو معدود في الضعفاء ، وإن لم يشتد ضعفه ، إذ خف ضبطه ولم يجرح في عدالة ولم يكثر خطؤه ويفحش ، ومع ذلك لا يخلو من ضعف أن خف ضبطه فليس تام الضبط كراوي الصحيح فألحقه أمثال أحمد ، رحمه الله ، بالضعفاء ، وألحق حديثه بالضعيف ، وهو على أنحاء ، فثم ضعيف لم يشتد ضعفه كهذا النوع ، وهو ما يحمل عليه قول أحمد رحمه الله : ضعيف الحديث أحب إلينا من رأي الرجال ، *** يقصد الضعيف مطلقا ، وإنما قصد الضعيف المحتمل الذي لم يشتد ضعفه ، بل هو عند غيره من المتأخرين يحمل على الحديث ا***ن ، بل ثم من أدخله في الصحيح إذ يحتج به مطلقا ، كما صنع ابن حبان ، رحمه الله ، إذ القسمة عنده ، أيضا ، ثنائية ، فثم صحيح وضعيف ، فا***ن عنده يدخل في حد الصحيح وإن كان أدنى أنواعه ، كما أن القسمة عند المتقدمين كأحمد ، رحمه الله ، ثُنَائِيًّةٌ ، أيضا ، فصحيح وضعيف إلا أن ا***ن عنده يدخل في حد الضعيف وإن كان أعلى أنواعه فيقبل في مواضع لا صحيح فيها فهو في مذهب أحمد ، رحمه الله ، أولى بالاحتجاج من القياس والرأي ، فلا يخلو من نسبة إلى الوحي ، وإن تُكُلِّمَ فيها ، فالكلام ليس بجرح يشتد في عدالة أو ضبط ، فذلك وجه قبوله عند أحمد ، رحمه الله ، وهو ، في المقابل ، لا يطلق الاحتجاج به ، فيحتج بالضعيف الذي لم يشتد ضعفه سواء أكان ا***ن عند غيره فلا يشاطره الحكم عليه بالضعف ، أم كان من الضعيف الذي أجمع النقاد على ضعفه ، فهو ضعيف في كل مذهب ، في مذهب من تقدم ومن تأخر ، إلا أن ضعفه في المقابل مما يحتمل كالمرسل فأثر في مذهب أحمد الاحتجاج بالمرسل ، على تفصيل في ذلك ، فالاحتجاج بالمرسل من مسائل الاصطلاح الجليلة ، فثم من احتج به مطلقا كأبي حنيفة ومالك ، رحمهما الله ، وثم من احتج به أن قدمه على الرأي ، كأحمد ، رحمه الله ، وذلك ، بداهة ، لا يَجْرِي إلا أن يكون الضعف غير شديد فلا يكون الانقطاع في المرسل انقطاعا يعظم كالمعضل ونحوه ، فذلك مما أجمع أهل الشأن على عدم الاحتجاج به فهو شديد الضعف خلافا لما احتمل من انقطاع يسير لا سيما في مراسيل كبار التابعين حتى اشترط الشافعي ، رحمه الله ، في جملة ما اشترط لقبول المرسل ، أن يكون راويه من كبار التابعين ، فغالب روايته عن الصحابة ، رضي الله عنه ، وذلك ما يعضد مرسله خلافا لمراسيل صغار التابعين إذ فشا من الكذب في طبقتهم ما لم يكن في طبقة المتقدمين فاستوجب ذلك من الاحتراز في قبول مراسيلهم ما لا يكون في مراسيل المتقدمين من كبار التابعين ، فيقدم أحمد ، رحمه الله ، ضعيف الحديث على الرأي ، ولكنه ، مع ذلك ، لا يحتج به مطلقا ، كما تقدم من كلامه في ابن إسحاق ، رحمه الله ، فالموقوف الصحيح أحب إليه من المرفوع الضعيف ، على ما تقدم من تحرير **طلح الضعيف في مذهب أحمد ، رحمه الله ، وأما غيره فا***ن عنده قسم يشاطر الصحيح والضعيف قسمة الحديث ، وإن آل في نفس الأمر إلى صحيح وضعيف باعتبار صحة النسبة إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإما أنه قاله فهو صحيح ، وإما أنه لم يقله فهو ضعيف ، وليس ثم واسطة في نفس الأمر ، وإن كان ثم واسطة في قسمة الاصطلاح ، فصحيح وضعيف وبينهما ا***ن واسطة ، فا***ن ، عند المتأخرين ، يشاطر الصحيح والضعيف القسمة ، كما تقدم ، فيحتج به مطلقا ، لا في أحوال دون أخرى ، كما هي الحال في مذهب أحمد ، فَرَاوِي ا***ن عنده ممن يستأنس الناظر بروايته في المغازي والسير دون الأحكام ، وأما راوي ا***ن عند المتأخرين فروايته تقبل في كل باب ، في الأخبار وفي الأحكام ، وا***ن عند بعض المتأخرين ، كابن حبان ، رحمه الله ، يدخل في حد الصحيح وإن كان أدنى درجاته ، فالصحيح درجات ، كما أن الضعيف دركات ، فالصحيح ينقسم إلى أنواع ، كما ذكر أهل الشأن ، فثم صحيح هو الأصح ، وهو ما اتفق عليه الشيخان من رواية نفس الراوي ، وثم ما هو دونه من صحيح روياه ولكن من طريقين مختلفين عن صحابيين اثنين ، وقد يحتف حال الترجيح ، قد يحتج بصحيح ما يرجحه على صحيح مثله ، فقد يجتمع له من قرائن ترجح ما لا يجتمع لمعارضه ، كأن يجمع أهل الراوية على روايته فيرويه الستة أو التسعة ، خلافا لما رواه الشيخان فقط ، فذلك وجه ترجيح إن حصل التعارض وتعذر الجمع فهو الأولى إذ إعمال النصوص أولى من إهدارها ، كما أن رواية الصحيحين تقدم على رواية السنن الأربعة ، إن حصل التعارض ، إذ احتف بالصحيحين من قرينة التَّلَقِّي بالقبول من الجمهور لعامة أحاديثهما إلا أحرفا يسيرة فاتها الإجماع ، احتف بهما من هذه القرينة الجليلة ما لم يحتف بغيرهما ، وذلك أمر ينظر فيه نظر المجموع الغالب لا الجميع الشَّامِلِ الذي يستغرق جميع الأحاديث فقد يعرض للفائق الراجح ، كما يقول بعض المحققين ، ما يجعله مفوقا مرجوحا في مواضع ، كما يعرض لضده من المفوق المرجوح ما يجعله فائقا راجحا ، فذلك ترجيح جملة على جملة لا جميع الآحاد في الصحيحين على نظائرها في السنن ، وكذلك الشأن في ترجيح السنن على المسانيد ، إذ السنن تعنى بجمع أحاديث الأحكام من الحلال والحرام ، فيحتاط الناقل ما لا يحتاط في المسانيد التي تعنى بمطلق الجمع لأحاديث كل صحابي دون ترتيب على أبواب الفقه فتعنى بجمع كل ما ورد عنه ، صح أو ضعف ، في خبر أو حكم ، *** تشترط في الجملة من الصحة والتحري ما اشترط أصحاب السنن لاختلاف الغرض من التصنيف ، فغرض أصحاب المسانيد في الجملة هو الجمع والاستقصاء ما أمكن فيجمع مسند كل صحابي منفردا دون ترتيب أو تبويب معين فيخلط الأحاديث خلطا بلا تصنيف على طريقة الجوامع أو السنن ، وغرض أصحاب السنن الرئيس الاحتجاج فيجب في حقهم من التحري ما لا يجب في حق أصحاب المسانيد فشتان من رام الجمع فهو يقمش ، ومن رام الاحتجاج فهو يفتش ، وإن لم يَعْنِ ذلك أن أصحاب المسانيد قد تساهلوا كل التساهل فتقصدوا رواية الضعيف الذي اشتد ضعفه أو الموضوع المكذوب ، بل إن بعضهم كأحمد ، رحمه الله ، قد تحرى في الرواية حتى قدم كتابه على بعض كتب السنن فشرطه في المسند أعلى من شرط أبي داود ، رحمه الله ، في سننه ، كما يذكر بعض المحققين ، فالضعيف الذي اشتد ضعفه والمنكر فيه قليل ولو تَتَبَّعْتَهُ لوجدته من زوائد ابنه عبد الله ، رحمه الله ، فالضعيف فيها أكثر ، وزوائد القطيعي ، رحمه الله ، فالضعيف فيها أكثر من زوائد عبد الله ، رحمه الله ، على المسند ، فذلك ، أيضا ، من جملة القرائن التي تحتف ببعض آحاد المفضول فتجعله فاضلا ، فالمسانيد في الجملة مفضولة في مقابل السنن التي تفضلها وترجحها في الصحة والاحتجاج ، إلا أنه قد وردت في حق المسند ، مسند أحمد رحمه الله ، جملة من القرائن أوجبت له التقديم على بعض كتب السنن ، كسنن أبي داود ، رحمه الله ، وهو ما يستوجب تقديمه على سنن الترمذي وسنن ابن ماجة من باب أولى ، فهما ، أيضا ، في الجملة دون سنن أبي داود ، وسنن النسائي ، رحم الله أصحاب السنن جميعا ، سنن النسائي أعلاها جميعا حتى عد شرطه في الرجال أعلى من شرط مسلم ، رحمه الله ، وإن كان كتابه دون كتاب مسلم ، فحصل التراجح بين كتب السنن ، وهي *** واحد ، فإنك لو تدبرت في قواعد الترجيح في هذا الباب ، لوجدتها تجري بين الأفراد في نوع واحد كتراجح كتب السنن ، كما تقدم ، وهي تندرج في نوع واحد وهو الكتب التي عنيت بجمع أحاديث الأحكام من الحلال والحرام فمعنى السنن هنا قد خص بالاصطلاح فاقتصر في الجملة على بعض السنن ، وهي أحاديث الأحكام في الفقه حلالا وحراما ، وإن ورد فيها زيادات من الأخبار في العقائد وغيرها فتجد في كتاب أبي داود ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، تجد بابا في السنة ، وهو يروم بها اصطلاحا آخر غير اصطلاح السنن الذي عُنِيَ بجمعها من سنن الحلال والحرام التي رتبها على أبواب الفقه ، فيروم اصطلاح أهل العقائد إذ أطلقوا على جملة من **نفاتهم التي تروي أحاديث العقائد وآثارها من الموقوفات والمقطوعات بالإسناد ، أطلقوا عليها اسم السنن ، كما في كتب السنة لأحمد وابنه عبد الله رحمهما الله ........ إلخ ، فحصل التراجح ، وهو محل الشاهد ، بين كتب النوع الواحد ، كالسنن ، وقل مثله في المسانيد فهي تتفاوت ، فمسند أحمد ، رحمه الله ، على سبيل المثال أعلى من مسند ابن راهويه ، ومسند ابن راهويه في الجملة أعلى من مسند الطيالسي ...... إلخ ، وذلك جار ، على ما تقدم مرارا ، من قاعدة التفضيل جملة فقد يعرض لبعض أحاديث المفوق المرجوح من القرائن ما يجعلها من الفائق الراجح ، فقد يعرض لحديث في سنن ابن ماجة وهي ، في الجملة ، أدنى من سنن النسائي ، يعرض له ما يجعله يفوق النسائي في هذا الموضع بعينه فهو دونه في غيره ، بل وقد يعرض له في مواضع ذكر بعض ال**نفين في هذا الشأن أمثلة لها ، قد يعرض له من القرائن ما يجعل بعض أحاديثه أعلى من أحاديث في الصحيحين ، وهما قد بلغا من ذروة الصحيح ما قد علم ضرورة ، فيكون الحديث عند ابن ماجة الأدنى مرويا بإسناد أصح ، وإن كان إسناد الصحيحين صحيحا إلا أن الصيحيح ، كما تقدم ، يتفاوت ، فبعضه أصح من بعض ، وقل مثله في المسانيد فقد يكون ثم حديث في مسند ابن راهويه ، رحمه الله ، وهو أدنى من مسند أحمد ، في الجملة ، قد يكون ثم حديث فيه مرويا بإسناد أصح من إسناد أحمد ، رحمه الله ، وكما يكون التفاوت في أفراد النوع الواحد ، فإنه ، أيضا ، يكون بين الأنواع ، فالصحيحان والجوامع في الجملة أعلى من السنن ، وإن كان ذلك ، أيضا ، تفضيل جملة على جملة ، فثم من السنن ما فاق بعض الجوامع ، فابن حبان ، رحمه الله ، على سبيل المثال ، قد توسع في شرط الصحيح وفي شرط التعديل حتى عدل كثيرا من مجاهيل الحال والعين ، فجعل عدالة الرواية الأخص تكافئ عدالة الإسلام الأعم ، وكل من روى عنه عدل وروى عن عدل ولم يكن خبره منكرا فهو عدل وإن لم تعلم حاله وتسبر مروياته ! ، فحصل له من التوسع في التصحيح ما حصل أن التزم هذا الأصل في التعديل فشرطه في الصحيح شرط متساهل ، فضلا أن ا***ن عنده من جملة الصحيح ، فيحتج به من باب أولى ما لا يحتج به من جعل ا***ن قسما وجعله دون الصحيح ، وما لا يحتج به من أدخل ا***ن في حد الضعيف ، كما تقدم من صنيع أحمد ، رحمه الله ، فكان التساهل في شرط ابن حبان ما جعل بعض كتب السنن أعلى منه ، وإن كانت الجوامع التي يدخل في حدها ، وإن كانت في الجملة أعلى من السنن ، إلا أن الفائق ، أيضا ، قد عرض له من قرينة التساهل في التصحيح ما جعله مفوقا مرجوحا ، والتساهل ، أيضا ، درجات ، فلا يستوي تساهل ابن خزيمة ، رحمه الله ، وهو شيخ ابن حبان ، لا يستوي وتساهل تلميذه ، وإن اشتركا في الوصف ، فابن خزيمة ، رحمه الله ، أشد تحريا من تلميذه ، وكذلك الشأن في ابن حبان إن قورن بالحاكم ، رحمه الله ، في مستدركه ، إذ حصل له من التساهل ما لا يخفى فهو أمر قد اشتهر في كلام أهل الشأن ، فاشترط ، كما يقول بعض المحققين ، اشترط أعلى الصحيح *** يوف بشرطه ففي كتابه أحاديث على شرط الصحيحين وهي قليلة إذ قل ما يَفُوتُ البخاري ومسلما ، رحمهما الله ، من الصحيح على شرطهما ، فقد اشترطا أعلى الصحيح ولم يشترطا جمع الصحيح كله ، كما أثر عنهما ، ففاتهما صحيح كثير ، ولا يقدح ذلك في كتابيهما إذ لم يشترطا ، كما تقدم ، جمع الصحيح كله ، وإنما انتخبا منه الأصح ، وفي كتاب الحاكم ، أيضا ، صحيح ليس على شرطهما وهو الأكثر ، سواء ألحقه بشرطهما أو بشرط أحدهما ، فهو ، عنده ، دون ما كان على شرطهما ، أم ذَيَّلَ بالحكم عليه أن قال : صحيح الإسناد ، فحكم على ظاهر الإسناد بالصحة فهو دون الصحيح الذي على شرط الشيخين ، رحمهما الله ، سواء أصاب في الاستدراك فهو على شرطهما ، أم لم يصب فهو صحيح ولكنه ليس على شرطهما ، وفي الكتاب ، أيضا ، من ا***ن والضعيف الذي لم يشتد ضعفه ، بل والضعيف الذي اشتد ضعفه بل وفيه أحاديث موضوعة لا سيما في الفضائل ، حملت بعض أهل الشأن ، كالذهبي رحمه الله ، أن يشدد عليه النَّكِيرَ ، وقد يعتذر عن الحاكم ، رحمه الله ، فيها بما هو محل الشاهد من وقوع التساهل في أحاديث الأخبار والفضائل ما لا يقع في أحاديث العقائد والأحكام ، وهو ما جوز الرواية عن بني إسرائيل في دقائق القصص كما في آي يوسف ، من أسماء إخوته ، ما لا يكون في غيرها من أحكام ، فذلك مما لا حرج في روايته إن لم يخالف شرعنا في شيء ، فهو ، كما تقدم ، العمدة المهيمن ، فيدخل في عموم الأمر أن : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، فيحمل على معنى الإباحة ولا يخلو من دلالة إرشاد قد تبلغ حد الندب رواية لما يحصل به النفع من قصص المتقدمين فهو ، من هذا الوجه ، يدخل في عموم : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فصدر السياق بالتوكيد باللام ابتداء ، أو هي لام داخلة في جواب قسم مقدر على تقدير : والله لقد كان في قصصهم عبرة ، وزد عليه دخول "قد" على الماضي فأفادت التحقيق ، من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة الكينونة على ديمومة الاتصاف ، وتقديم ما حقه التأخير "في قصصهم" ، وهو ما عم بالإضافة فاستغرق قصص جميع من تقدم ، وهو ، من وجه آخر ، مخصوص ، بما صح من القصص ، أو كان من الجائز روايته فلا حرج مما لا يخالف أصول الوحي ونصوص الشرع الخاتم فخرج ، بداهة ، القصص المكذوب على الأنبياء ، عليهم السلام ، كالذي افتراه أحبار السوء فسطرته الأيدي الآثمة وهو مما يوجب الطعن في مقام النبوة باقتراف فواحش يتنزه عنها آحاد الناس فضلا عن صفوة الخلق من الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، وقد نكرت العبرة مئنة من التعظيم وَخُصَّ بها أولو الألباب تعريضا بمن دونهم ممن لم يعتبر بهذا القصص المحكم فينزل منزلة من لا لب له ولا عقل وإن كان مكلفا بالعقل الصريح الذي يناط به التكليف فعقل الانتفاع بالعبرة هداية قدر يزيد على عقل التكليف العام الذي يستوي فيه المقر والجاحد ، ومن ثم جاء النفي تخلية من وصف الافتراء المذموم ، فحسن ، أيضا ، إيراد فعل الكينونة مئنة من ديمومة الاتصاف حال النفي لوصف النقص ومورد الذم ، وأطنب أن وطأ بالحديث : (حَدِيثًا) ، ومحل الفائدة وصفه : (يُفْتَرَى) ، والمضارعة مئنة من استحضار الصورة فضلا عن دلالة الحال والاستقبال فهو مما يستصحب الناظر في أخبار الوحي ، حالا واستقبالا ، فذلك من المحكم الذي لا ينسخ ، فالقصص مما لا يجري فيه النسخ وإلا استوجب الحكم بالكذب الذي تنزه عنه الوحي ، فأخباره ، كما تقدم مرارا ، أخبار الصدق المطلق ، كما أن أحكامه هي أحكام العدل المطلق المفصل لا المجمل الذي تقتصر غايته على سياسة الدنيا دون نظر في الآخرة كما زعم بعض الفلاسفة ، بل الوحي قد جاء يفصل على وجه تحصل به الكفاية سعادةً في الأولى ونجاة في الآخرة ، ومن ثم جاء الاستدراك تحلية : (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فأطنب في الوصف وحذف فعل الكينونة الماضية لتقدم ذكره في الشطر الأول ، شطر النفي لوصف النقص ، فيجري ذلك مجرى إيجاز الحذف ، وهو مما يحسن في الكلام لئلا يثقل فيحصل به ما يحصل من السآمة والملل ، فحذف المتأخر وقدره لدلالة المذكور المتقدم عليه ، فتقدير الكلام : ولكن كان تصديق الذي بين يديه ، فالنبوات يصدق بعضها بعضها إذ خرجت جميعا من مشكاة واحدة ، وهو تفصيل لكل شيء ، وذلك مما خص ، كما تقدم ، بالجلائل والعظائم دون الدقائق ، فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، هو تأويل الأكثر في قول الرب الأعز الأكرم جل وعلا : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فيقص أكثر مواضع الخلاف ، وهي ما يَنْبَنِي عليه العمل ، دون خلاف لا يَنْبَنِي عليه عمل كالخلاف في أسماء إخوة يوسف ، عليه السلام ، كما تقدم صدر الكلام ، أو الخلاف في أسماء أصحاب الكهف أو اسم كلبهم أو لونه كما يضرب به المثل بعض المحققين في رسالة مشهورة في علم التفسير في سياق السرد ل**ادر التفسير المعتبرة ، فأخبار بني إسرائيل التي جاز التحديث بها استكمالا لبعض جوانب القصص مما سكت عنه الوحي ولم يخالف نصا في الشرع الخاتم ، هذه الأخبار هي مناط الأمر في خبر : "حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ" ، فنفى الحرج عموما ، إذ النكرة في سياق النفي مئنة من العموم ، كما قال أهل الشأن ، وهو ، كما تقدم ، مما خص بالحرج حال الحكاية لأخبار فيها من زيادة الشرع ما لا يثبت إلا بنص صحيح معتبر ، أو زيادة لأخبار في الشرع تخالف شرعنا ، أو إيرادا لما يستأنس به المفسر إيراد الجزم ، فإن ذلك مما يحكى بصيغة تمريض كـ : روي عن بني إسرائيل أو روي في كتبهم أو مما أُثِرَ في كلام النبوات الأولى .... إلخ من صيغ لا جزم فيها ، فالاستئناس في هذا الباب شيء ، والاحتجاج شيء آخر ، كما قرر بعض المحققين ، فيجوز الاستئناس دون الاحتجاج أن يصير كلامهم عمدة في تفسير الكتاب العزيز فذلك ما لا يتصور بداهة وإلا كان السابق مع ما وقع فيه من التبديل حكما على اللاحق مع ما له من الحفظ والإحكام ، فقياس العقل أن يكون هو القاضي في غيره لا المقضي فيه ، وبقي محل الخلاف وهو ما حكاه شرعنا وسكت عنه ، فثبتت صحته ولم يعرض له الشرع الخاتم باعتبار أو إلغاء وإنما حكاه مرسلا ، فثم من احتج به إذ حكايته مع السكوت بيان ، فالسكوت في موضع البيان بَيَانٌ ، فذلك بيان يشهد بالاحتجاج به ، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، كما قرر أهل الشأن ، وثم من لم يحتج به كابن حزم ، رحمه الله ، فاستدل بعمومات من قبيل قوله تعالى : (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) ، والمسألة مما بسط في كتب الأصول على وجه مفصل يحصل به البيان التام بالترجيح بين القولين ، من اعتبر ومن لم يعتبر .
فكان التفصيل ومن ثم ختم بالعلة الثالثة : (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فهدى في العلم ورحمة فهي مآل العلم الصحيح إذ يوفق صاحبه إن أخلص النية وتجرد في العمل الصالح وهو سبب الرحمة ، فضلا أن الاعتبار بقصص الماضين مظنة التأسي بأهل الخير من الأنبياء والصالحين ، وهو سبب في حصول الرحمة ، وقد نكر الهدى ونكرت الرحمة مئنة من التعظيم أيضا ، ومن ثم وطأ باسم : "قوم" ، فمناط الفائدة الوصف الذي حد على جهة المضارعة : "يؤمنون" ، على ما تقدم مرارا من دلالة المضارعة على استحضار الصورة فضلا عن ديمومة واستمرار فلا ينتفع بها إلا من ثبت على وصف الإيمان ، فلا ينتفع بها إلا المؤمن وذلك تعريض بالكافر ، وإن انتفع الكافر منها قيام الحجة وبيان المحجة ، فحصل ، أيضا ، من العلم ما ينفع بنفسه وإن لم ينفعه هو لمانع من قبول الحق كجحود أو تكذيب أو إعراض أو استكبار ..... إلخ من موانع قبول الحق والانتفاع به .
فجاء الخبر صدر الكلام أن : (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) ، فأكدوا بالقسم ، فـ : (تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) ، والفعل "آثرك" مئنة من مفاعلة بالمفاضلة إذ فضله الرب ، جل وعلا ، عليهم ، وذلك فضله الذي يؤتيه من يشاء ، فـ : (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا) ، وذلك من وصف الفعل الذي يثبت للرب ، جل وعلا ، نوعا قديما وآحادا تَحْدُثُ على الوجه اللائق بجلاله ولا يخلو من وجه عظيم في الحكمة أن وضع ، جل وعلا ، مادة الفضل المرجِّح في المحل الفاضل المرجَّحِ ، ومن ثم جاء الشطر الثاني إقرارا بالذنب : (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) ، فأكدوا بالناسخ المخفف واسمه ضمير الشأن المحذوف إيجابا ، وزد عليه دلالة الكينونة الماضية في "كنا" ، ودلالة اللام في "لخاطئين" فهي ، أيضا ، لا تخلو من دلالة توكيد ، فأجابهم بما يطمئن بعد أقروا بالذنب وأظهروا التوبة والأوبة ، فـ : (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فنفى العموم إما إخبارا وإما إنشاءا لدعاء أن يرفع ، جل وعلا ، عنهم التثريب واللوم ، وعند الوقوف على لفظ الظرف : "اليوم" ، يكون الابتداء بخبر يراد به الإنشاء ، كما تقدم ، فتأويله إنشاء الدعاء أن يغفر الله ، جل وعلا ، لهم ، وذلك ما حسن معه الختام باسم : (أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فجاء على حد العطف إطنابا في الدلالة ، وهو مما يستأنس به من يجوز عطف التغاير بين الجمل ، فعطف جملة : (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) الاسمية الخبرية ، على جملة : (يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ) الفعلية الإنشائية للدعاء ، فيجري ذلك ، من وجه آخر ، مجرى عطف الخبر على الإنشاء عند من يجوز عطف التغاير ، من هذا الوجه أيضا ، وقد جاء الاسم على حد القصر بتعريف الجزأين في : (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، وهو آكد في الثناء بالمدح على الرب ، جل وعلا ، فيجري مجرى التوسل بأسمائه ، جل وعلا ، وهو اسم مقيد ، ودلالة التفضيل فيه مئنة من زيادة ثناء في مورد جمال طلبا للمغفرة فحسن أن يتوسل باسم يلائمها كاسم الرحمة وهي تشاطر المغفرة دلالة السَّبَبِيَّةِ في حصول النجاة والفوز برضى رب البرية جل وعلا .
وإذا وَقَفَ القارئ على : (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ) ، ثم جاء الاستئتاف أنْ : (الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ، فذلك يكون من الإخبار المجرد بشرى لهم فاليوم غفر الله ، جل وعلا ، لكم ، وذلك ما لا يعلم إلا من طريق الوحي فكان ثَمَّ ، والله أعلم ، وحي أخبره أن الله ، جل وعلا ، قد تجاوز عنهم .
والله أعلى وأعلم .