rss
05-22-2016, 06:57 AM
من خبر : "لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ ............"
مما ذكره بعض المحققين ، أن ثَمَّ اعتبارا في الشرع بالنظر في أحكام الفقه ، وثم آخر في القياس الدقيق في أمور الأخلاق ، فَثَمَّ توقيف في خبر : "لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" ، وَثَمَّ اعتبار بالنظر في مناط أعم ، فـ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ" ، فثم خصوص صدر به الخبر يرجع العهد فيه إلى شجرة مخصوصة ، فثم عهد بالإشارة ، فدلالة "أل" من هذا الوجه مئنة من العهد الذهني ، وثم نهي مؤكد في جواب الشرط الذي عم بدلالته ، فجاء النهي مؤكدا بالنون المثقلة وتلك قَرِينَةٌ ترجح معنى التحريم ، ومن ثم أطنب بعموم يستغرق جميع موارد الأذى : "فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ" ، ولا يخلو من معنى التعليل إذ عطف بالفاء وصدر بالمؤكد الناسخ "إن" ، وذلك من طرائق التعليل الصريح في اللفظ وإن ظني الدلالة في المعنى ، إذ احتمل التعليل وغيره ، فاجتمع فيه من هذا الوجه معنى التوكيد والتعليل جميعا على نحو صح فيه الاشتراك ، فهو ، كما تقدم مرارا ، مما يستأنس به من يجوز عموم المشترك في الدلالة .
والأذى مما يعتبر فيه بالعادة الغالبة في طبائع البشر ، فلا اعتبار لما يخالف العادة والجبلة فثم من نكست فطرته فصار يتأذى من أمر ينفع في دين أو دنيا ، كمن استمع الغناء فصار سماع التنزيل يؤذيه فَيَثْقُلُ عليه الحق وإن مَرِيئًا إذ تضلع من الباطل وإن وَبِيئًا ، وكمن أكثر الترحال في البلاد بلا غاية صحيحة معتبرة في الشرع فإنه يكون أزهد الناس أن يشد الرحال إلى البيت الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس فكل من أحدث من الباطل في العلم أو العمل شيئا ، فإنه يُفَارِقُ في مقابله من الحق ما يضاهيه ، فتلك عادة النفس أن تسعى في تحصيل ما ينفعها ، وإن شئت الدقة فقل في تحصيل ما تظن النفع فيه وإن كان عين الضرر ، فمبنى الأمر على التصور ، فإن صح المستمد العلمي الذي ينشأ ، مبدأ الأمر ، في الفؤاد ، فلا يلبث أن يولد في النفس إرادة ، وهي المرجح الذي يوجب الفعل أو الترك في الخارج ، فإرادة الفعل التي يخلقها الرب ، جل وعلا ، في القلب ، مع ما ينضم إليها من صحة الآلة والجارحة ، وما يتقدمهما من الإرادة الكونية النافذة ، كل أولئك مجموع مركب به يكون الفعل أو الترك في الخارج ، فتلك علة مركبة من أجزاء ترجح طرف الإيجاب حال الفعل ، وطرف الامتناع حال الترك ، فالقياس يطرد وينعكس ، فإن صح المستمد العلمي صح تصور النافع والضار ، وإن لم يصح حصل الخطل في الرأي ، فصار يَنْفِرُ من النافع أن فسد المحل فقد اسْتَمْرَأَ الضار ، وصار يظن النفع في أمر يضر ، كسائر من التذ لذة ا*** العاجلة بِمَعَاصٍ وآثام تُفْسِدُ المحل الباطن بالنظر في المآل فضلا عما تُوجِبُهُ من ضِيقِ نَفْسٍ وكآبة منظر ، فالمعيار هو القياس الصريح الذي يُحَسِّنُ ا***ن وَيُقَبِّحُ القبيح على وجه يعم جميع أمور الدنيا والدين ، ا*** والمعنى ، الظاهر والباطن ، فا*** الظاهر وا*** الباطن لا يَنْهَجَانِ مِنْهَاجَ الحق إلا إذا كانا على طريق الفطرة ، فطرة الأديان التي تُحَسِّنُ التوحيد وَتَنْتَحِلُه ، وهي ، مع ذلك ، لا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إلى بَيَانِ الوحي في كل جليل من الأصول ودقيق من الفروع ، إن في العلم أو في العمل ، فَيَكُونُ مناط الانتفاع أو التأذي صحيحا ، إذ يوافق الفطرة السليمة ، التي لا تكمل إلا أن تواطئ منهاج الشرعة الصحيحة ، فيكون النظر بالوحي ويكون الحكم بالشرع فيصح التصور الباطن والحكم الظاهر جميعا ، فإذا صح معيار القياس والحكم ، فصار العقل يدرك ا***ن حسنا ، والقبيح قبيحا فلا يأرز إلى غير النبوة ، فهي ، وحدها ، مستمد النظر الصحيح ، فلا يصح نظر ولا استدلال إلا أن يواطئ الفطرة الأولى التي فطر الله ، جل وعلا ، الناس عليها ، ولا تكمل الفطرة ، من وجه آخر ، إلا أن يُفَصَّلَ مجملُها بكلام النبوة الأولى والآخرة فجميعا قد تواطأت على الحق والخير والجمال في نفس الأمر ، فالحق في التصور والخير في العمل والجمال في الصورة ، وَهِيَ قيم فلسفية مطلقة ، وهذه الأمور قد جاءت بها النبوات مفصلة فَزَادَتْ على ما في الفلسفة ، فهي مطلقات مجملات غَايَتُهَا أن يحصل بها مطلق تصور أول ، وهذا التصور لا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، وَوَحْدَهَا النبوة هي التي تُبَيِّنُ ما أجمل من المطلقات الذهنية ، فالنبوة قد جاءت بما يحسم النزاع في المعاني المطلقة التي تختلف الأذهان في حَدِّهَا ، فجاءت ، على سبيل المثال ، بما يحد معنى الْمَلَكِ ، وهو مما اختلف فيه الفلاسفة إذ قالوا بِالتَّوَلُّدِ على وجه فاق مقال التَّوَلُّدِ عند النصارى ، فإن النصارى لا يقولون بأن الأقانيم تلازم الذات بل قد بَايَنَتْهَا وتجسدت فِي ذوات أخرى ، مع أن الله ، جل وعلا ، هو الذي خلقها اختيارا ، *** يقولوا بالتولد الذي يلازم الذات فلا ينفك عنها ، كما زعم الفلاسفة الذين قالوا باقتران العلة والمعلول وذلك أمر لو تدبره الناظر لَوَجَدَه يخالف المنقول والمعقول والمحسوس جميعا ، فالعلة تَتَقَدَّمُ المعلول في الوجود ، وإن تقدمها المعلول في التصور ، فالعلة الغائية أسبق في التصور ولكنها تَتَأَخَّرُ في الوجود في الخارج ، فمن أحس بالجوع فإنه يُبَاشِرُ سبب الأكل وهو العلة التي تَرْفَعُ ألم الجوع ، وهو يتصور الشبع قبل أن يحصل ، فالعلة الغائية وهي الشبع أسبق من هذا الوجه ، ولكنها ، من وجه آخر ، تتأخر ، فلا يحصل الشبع إلا بعد الشروع في علته من الأكل ، بل إنه لا يحصل إلا بعد الانتهاء منها ، فلذة الشبع لا تحصل إلا بعد الفراغ من الأكل ، فَحَالَ مُبَاشَرَةِ العلة يحصل نَوْعُ لذة ، ولكنها لا تكمل إلا بعد الفراغ من العلة ، فيحصل الشبع التام الذي يلتذ به الآكل بعد أن كابد ألم الجوع ، وذلك أمر يعم جميع العلل الكونية والشرعية ، فإيجاب الزكاة ، على سبيل المثال ، حكم شرعي ، فَهُوَ مَعْلُولٌ غائي يَتَصَوَّرُهُ الذهن ، بادي الرأي ، ولكنه لا يحصل في الخارج فيثبت الإيجاب المطلق لِلزَّكَاةِ قبل ملك النصاب ، فهو العلة الَّتِي تَتَقَدَّمُ فِي الوجود ، والحكم تَالٍ لَهَا ، فعلة إيجاب الزكاة ملك النصاب وشرطها حولان الحول ، ومن ثم ينعقد الإيجاب بعد استيفاء المجموع المركب الذي بِهِ يحصل الحكم ، فالتولد شرك ، سواء أقال صاحبه أن المتولِّد تَالٍ ، كَمَا قَالَتِ النصارى ، أم مقارن ، كما قَالَتِ الفلاسفة ، فقال مشركو العرب بمقال التولد إذ جعلوا الملائكة بَنَاتِ الله ، جل وعلا ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ النَّوْعَ الأدنى ، الذي تكرهه نفوسهم ، ولكنهم جعلوها مخلوقة لا قديمة كما قال الفلاسفة في مقال العقول العشرة فهي عقول قديمة أزلية تقارن الرب ، جل وعلا ، فخلقت كل ما سواه مما تحت السماء ، فضلا أنهم أشركوا في وصف من أخص أوصاف الرب ، جل وعلا ، وهو وصف الخلق ، فجعلوا العقل الفعال شريكا لله ، جل وعلا ، في وصف الخلق وفعله ، فهو كسائر أوصاف الفعل مما قَدُمَ نوعه وحدثت آحاده في الخارج فأنيطت بالمشيئة النافذة التي لا تَنْفَكُّ ، كما تقدم مرارا ، تَقْتَرِنُ بالحكمة البالغة ، بَلْ وَكَانَ الشرك في الوحي الشرعي ، فصارت النبوة فيضا من العقل الفعال الذي شارك الرب ، جل وعلا ، وصف الخلق ، فشاركه ، من هذا الوجه ، وصف الوحي ، فالعقول تَتَلَقَّى الْفَيْضَ العلمي من العقل الْفَعَّالِ ، وذلك أمر يُفْضِي إلى ما جَوَّزَهُ القوم من اكتساب النبوة ، وهو أمر وافق فيه الفلاسفةُ غلاةَ المتصوفة لا سيما المتأخرين الذين راموا الخروج عن منهاج النبوة ، فكان نقضهم لركن الإيمان بالرسل ، عليهم السلام ، وعنهم ، وحدهم ، يَتَلَقَّى البشر العلوم والأعمال ، فجاءت النبوات ، كما تقدم مرارا ، بما يَكْفِي المؤنة فِي التصورات العلمية والأحكام العملية سواء أكانت عبادات أم شرائع أم سياسات أم رياضات .... إلخ ، فرام القوم الخروج عن منهاج الرسالة بما أحدثوا من مقال الفلسفة أو الرياضة ، وثم من جمع بين الأمرين ، فهو متفلسف في الرأي ، صوفي في الذوق ، كما كانت حال مشاهير من متأخري الاتحادية كصاحب الفصوص وغيره ، فَاسْتَعَارُوا من الفلسفة طرفا من النظر ، كما استعار الفلاسفة منهم طرفا من الرياضة فكان العمل عندهم ذريعة إلى حصول العلم واليقين الذي يسقط به التكليف ، وتعسفوا في الاستدلال أن تَأَوَّلُوا اليقين فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، أنه درجة من العلم تسوغ لصاحبها أن يترك الفرائض وأن يخوض بحارا من التأويل جبن الأنبياء ، عليهم السلام ، أن يخوضوها ! ، وفي ذلك من انتقاص قدر النبوة ما لا يخفى على وجه يفضي إلى نقض أصل الدين نقضا ، وهو ما يَرُومُ كل غال في العقل أو الذوق ، فإن النبوة حائل بينه وبين الشطح ! ، فالنبوة تلجم الفكر والذوق بلجام الشرع الذي يهذب الطبائع والأخلاق ، فضلا أنه مادة الصلاح للأديان والأبدان جميعا ، وذلك ، لو تَدَبَّرْتَهُ ، مناط الصراع الرئيس بين ح** النبوة وخصومه ، فح** النبوة قد أعلى من شأن الوحي فجعله المستمد الأوحد في مسائل التصور والحكم فكان بيان ما أجمل من فطرة التوحيد على وجه حصل به للنفس كمال التهذيب بعقائد صحيحة وَشَعَائِرَ وَشَرَائِعَ عَادِلَةٍ لا تجد فيها من غُلُوِّ أصحاب الرياضات ما أخرجهم عن قانون العقل والفطرة وا*** ! ، فخالفوا جميع أدلة العلم ، وخصوم النبوة ، في المقابل ، يحطون من شأن النبوات ، فيجعلون القياس أو الذوق ، ويجعلون الفيض أو الكشف من العقل الفعال هو مستمد الناظر في الاستدلال ! ، فالعقل الفعال ، كما يقول بعض المحققين ، قد شارك الرب ، جل وعلا ، في خلق التكوين ، فإن أقروا بقدم الرب ، جل وعلا ، فهو الأول ، إلا أنهم قد عطلوا الوصف حتى آل بهم الأمر أن أثبتوا وجودا مطلقا بشرط الإطلاق ، وذلك أمر ، كما تقدم مرارا ، لا يتصور إلا في الذهن ، فالعقل الأول قد شاركه في قدر التكوين ! ، وإن لم يخلقه ، فالرب ، عندهم ، أول مطلق ، فخلق العقل الفعال كل ما سواه فما سوى الأول القديم فهو مخلوق محدث ، ومن خلقه ليس الرب الأول ، جل وعلا ، بوصفه الفاعل فآثاره في الخارج هي كلمات التكوين ، فَهِيَ تَأْوِيلٌ لآثار أوصافه من خلق وتكوين وتدبير ...... إلخ ، فمن خلق هذا الخلق ليس الرب ، جل وعلا ، إذ جردوه من أوصافه الفاعلة بل ومن جميع أوصافه ، ذاتا وفعلا ، معنى وخبرا ، إلا وصف الوجود المطلق بشرط الإطلاق ، كما تقدم ، فالخالق هو العقل الأول ، أو العقل الفعال ! ، فقد أبدع كل ما تحت السماء ، فأي شرك في الربوبية أعظم من ذلك ، أن اسْتَلَبُوا وَصْفًا من أخص أوصاف الرب ، جل وعلا ، وهو وصف الخلق والإيجاد ، وهو يشبه ، من وجه ، مقال الغلاة من المتصوفة الذين جَعَلُوا لهذا الكون ديوان حكم يَقْضِي بِمَا يَشَاءُ فَقَدْ وَكَلَ إِلَيْهِ الرَّبُّ ، جَلَّ وَعَلَا ، تصريف الأمور الكونية ، من خلق وإيجاد ، ورزق ومنع ، وولادة ووضع ! ، فماذا بَقِيَ من أفعال التصريف للرب الحميد المجيد ، تَبَارك وتعالى ، وقد صار كل شيء لهذا الديوان ، أو للعقل الأول الفعال في مقال الفلاسفة ، فصار الرب ، جل وعلا ، ملكا يملك ولا يحكم ! ، فهو المالك شرفا لا الملِك فعلا ! ، إذ وكل أمر الكون إلى عقل أو ديوان أو ولي له من الاطلاع على اللوح ما به يفتي في الناس بالنفع والضر ، بالإيجاد والإعدام ، فيعلم الأعمار والآجال ، ويجري الأرزاق ويمنعها إذا شاء ، ولا يحصل حمل ولا ولادة إلا بإذن وإشارة ! ، فأي غلو أعظم من ذلك في باب الشرك في الربوبية على وجه يستوجب شركا آخر ، في الاسم والوصف ، إذ كان التعطيل المحض في مقال الفلاسفة ، كما تقدم ، مع أنهم جعلوا الفلسفة هي التشبه بالإله قدر الاستطاعة ! ، فأي تشبه هذا بعدم لا وجود له إلا في الذهن ، فإن المطلق بشرط الإطلاق لا وجود له في الخارج ، وإنما يوجد فقط في ذهن المخاطب الذي يجرد الذوات ويجرد الأوصاف فقد يجرد في ذهنه ذاتا مجردة من أي وصف ، وقد يجرد أوصافا ، كالعلم والحكمة والقدرة ....... إلخ ، قد يجردها في الذهن ، ولكنها لا توجد في الخارج إلا قائمة بموصوف فلا قيام للصفة بنفسها في الخارج ، وإن جَرَّدَهَا الناظر في الذهن ، فكان التشبه بالإله أن يتحرك الفلك تَشَبُّهًا بالإله وهو المتبوع الإمام في كلام الفلاسفة ، فالأفلاك والمخلوقات تَتَحَرَّكُ تشبها به ، وروى من روى كصاحب "الإحياء" ، رحمه الله ، روى أحاديث تؤيد ذلك كحديث : "تخلقوا بأخلاق الله" ، وليس له أصل ، كما يقول أهل الشأن ، والعبارة الصحيحة كما يقول بعض المحققين ، هي التعبد بأسماء الله ، جل وعلا ، والأفضل أن يقال : الدعاء بها ، فهي مناط جلال يكون الدعاء به رهبة ، ومناط جمال يكون الدعاء به رغبة ، وبذلك تكمل الحال ، إذ تستوي أخلاق المكلف ، فَمَادَّةُ الرَّهَبِ تَحْمِلُهُ عَلَى الْكَفِّ ، فَيَنْفِي كل ما سوى الله ، جل وعلا ، معبودا وشارعا للأحكام على وجه يوجب الامتثال ، ومادة الرغب في المقابل تحمله على الفعل ، فيثبت في باب الألوهية ، يثبت المعبود بحق ، في العبادة والشرع ، فوحده الذي يعبد باطنا وظاهرا ، ووحده الذي يشرع فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى ، فثم شرك في التأثير في كلام الفلاسفة ومن وافقهم في هذا الأصل من غلاة المتصوفة ، فإن مخاطبة النجوم والأفلاك ذريعة إلى حصول التأثير في الكون ، فيثبت مؤثر في الكون سوى الرب ، جل وعلا ، فالعقول تؤثر في الأفلاك ، والأفلاك تؤثر في الأرض ، والنفوس تتحرك تشبها بالأفلاك ، والأفلاك تتحرك تشبها بالإله ، فإذا تحرك الإله المطلق تحرك العبد تَبَعًا ، وإذا تحرك العبد فتشبه بالإله أَثَّرَ ذلك في الإله المطلق ، فحصل التلازم من هذا الوجه ! ، وهو ما يُفْضِي إلى تَأْثِيرِ المخلوق في الخالق ! ، وفي ذلك من مَعْنَى الاضطرار ما تَنَزَّهَ عنه الرب الحاكم المهيمن مطلقا بِقَدَرِهِ الْكَوْنِيِّ النَّافِذِ ، وَقَدَرِهِ الشرعي العادل ، فكان الشرك في الرُّبُوبِيَّةِ أن زعموا عقولا خلقت مع الله ، جل وعلا ، وكان الشرك في الاسم والوصف إذ بلغوا الغاية في التعطيل فجردوا الإله ، جل وعلا ، من أوصاف كماله ، الذاتية والفعلية ، وخلعوا ألقابها على الإمام الأرضي في مقال الإسماعيلية الباطنية ، فصار الإمام هو الواحد القهار ، كما أثر من مقال ابن هانئ الأندلسي ، وهو أُنْمُوذَجٌ من نَمَاذِجِ التعطيل في باب الأسماء والصفات ، وهو مما يمت بسبب وَثِيقٍ إلى مقال الفلاسفة في الإلهيات ، وكان شتم الرب ، جل وعلا ، كما يذكر بعض المحققين في تفسير حديث : "كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ" ، كان شتمه أن زَعَمُوا لَهُ الْوَلَدَ ، وإن وِلَادَةً عقلية كالولادة الفلسفية ، وكان النقض لركن من أركان الإيمان ، وهو الإيمان باليوم الآخر ، إذ أنكر منهم من أنكر المعاد ، وثم من قصره على معاد الأرواح ، وثم من خص العالمة دون الجاهلة فليست بأهل للبعث ! ، وقد استوفى التَّنْزِيلُ في آي الأنعام : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، قد استوفى أجزاء القسمة في إبطال هذا المقال المحدث ، فهو خالق السماوات والأرض وموجدهما لا على مثال سابق ، فذلك البدع ، ومن ثم جاء الاستفهام إنكار وإبطالا ، فـ : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) ، فذلك ، كما يقول بعض المحققين ، نَفْيٌ للولادة المعهودة ، و : (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، فذلك نفي للولادة العقلية أن ثم عقول هي التي خلقت ، فليس ثم إلا خالق واحد هو الرب القادر ، جل وعلا ، فما الخلق إلا آثار وصفه خلقا وتدبيرا بكلمات التكوين النافذة ، فهي تأويل أفعاله في الكون على جهة الاختيار ، فهو فاعل بعلم أول يؤثر إذ يقدر ، لا فاعل بالاضطرار فليس ، كما يزعم الفلاسفة ، موجبا بالذات ، وهي ذات مجردة من الوصف ، بل هو موجب بكلمات التكوين ، فهي ، كما تقدم ، تأويل أوصافه الفاعلة في الكون ، فجاء التنويه بالعلم : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فعلم التقدير علم مؤثر في التكوين فهو من الموجبات التي تزيد على الذات المطلقة الموجبة عند الفلاسفة .
وثم شرك ثالث في هذا الباب ، وهو شرك الوحي ، وما يستوجبه من الأمر والنهي ، فصار العقل الفعال يضاهي الرب ، جل وعلا ، فمنه تفيض الفيوض الإلهية التي تضاهي النبوات فصارت هذه الفيوضات مستمدا آخر غَيْرَ النبوة ، ولو تدبرت هذا القول ، لعلمت لم يحتفي به أرباب الحداثة في هذا العصر إذ يَرُومُ القوم الخروج عن منهاج النبوة فلا يكون ثم مستمد من خارج ، فليس إلا فيوضات من العقل ، فالفيلسوف له من قوة التخييل ما يتجسد في الخارج ملكا يخاطبه وحقيقة الأمر أنه من عقله قد خرج فليس ثم مرجع يتجاوز من خارج ، وتلك ، لَوْ تَدَبَّرْتَ ، هي فحوى العلمانية اللادينية التي تنكر أي مرجع يتجاوز العقل ، فليس ثم وحي أو دين إلا أمثال تستنبط من علائق اجتماعية هي التي تضع معيار ا***ن والقبح بمعزل عن الوحي والشرع بل وأي مستمد من خارج ، فليس إلا العقل الجمعي الذي تتواطأ عليه الجماعة **درَ تشريع فهو دستور يضاهي دستور النبوة ، فما أشبهه بالعقل الفلسفي الفعال الذي يستمد منه المكلف فيوضات التشريع ، فكذلك العقل الجمعي في الطرح العلماني فهو **در التصور والحكم الأوحد فلا يخضع لسلطان وحي من خارج ، وإن كان وحي النبوات ، مع أنه ، عند التدبر والنظر ، قد خضع لوحي آخر هو وحي الشيطان إذ حسن له الوسواس فراح يحسن ويقبح بقياسه وذوقه فحسن له عبادة الهوى ، فيدخل من هذا الوجه في عموم : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) .
والشاهد أن ثم معيارا صحيحا من الفطرة والشرع به يُعَيِّنُ النَّاظِرُ ما يؤذي وما ينفع ، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم ، فذلك مناط أعم ، وثم مناط أخص ورد به النص محل الشاهد ، فـ : "لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" ، فتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، فضلا عن مضارعة هي ، كما تقدم مرارا ، مئنة من ديمومة بالنظر في الحال ، واستمرار بالنظر في الاستقبال ، فاتصل زمان النفي ، من هذا الوجه ، وذلك آكد في التنفير ، إذ دلالةُ الخبرِ الإنشاءُ أمرا ، فتقدير الكلام : لا تتخذوا كلبا ولا صورة في البيت لئلا تَمْتَنِعَ الملائكة من الدخول عليكم ، فتنقطع مادة الخير من البيت فتقل البركة ويعظم الشؤم ، فإن الملائكة هي سبب كل خير في هذا العالم فمادتها النورانية القدسية في مقابل المادة الشيطانية الإبليسية فهي في المقابل أصل كل شر في هذا العالم ، وبخلقهما ، وهما الضدان ، ظهرت آثار الربوبية قدرة على خلق الأضداد وحكمة في تدافعها على وجه به صلاح الكون ، ودلالة النكرة "بَيْتًا" في سياق النفي : نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وقد خص بالوصف وهو جملة : "فِيهِ كَلْبٌ" ، فخصت النكرة بالوصف وعائده هو الضمير الراجع على لفظ البيت المنكر ، الضمير في "فيه" ، وهو ما عم بالنظر في إطلاقه ، وهو ، من وجه آخر ، مما أطلق فيصدق الحكم بحصول مطلق حقيقته في الخارج فذلك يحصل بأي كلب ، وهو ، من وجه آخر ، مما خص في نصوص أخرى ، فـ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" ، فذلك من رفع الحرج الذي اطرد في الشريعة الخاتمة ، وأطنب في اللفظ إذ كرر النهي في : "وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" ، وذلك ، أيضا ، يعم كل صورة سواء أكانت مما رسم أو نحت ، وهو مما خُصَّ فخرج ما لا روح فيه كشجر ونحوه ما لم يتخذ تعظيما فمعنى التعظيم يبطل اتخاذ الصور مطلقا والنهي عن صورة ذي الروح إنما كان سدا لذريعة الشرك بحصول الغلو في التعظيم فذلك كان مبدأ الشرك زمن نوح ، عليه السلام ، ولو تدبرت غلو النصارى ومن سلك جادتهم من فرق هذه الأمة لوجدت تعظيم الصور في دينهم أمرا قد اطرد فكان الغلو في القديس أو الإمام أو الولي ، إما في الصورة وإما في القبر والمشهد : (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) ؟! .
وذلك ، أيضا ، عموم يستغرق جميع المقالات فإنك إن نظرت في مستمدات العلمانية المعاصرة ، وما تولد منها من حداثة تقطع الصلة مع الإرث الديني في جفاء ظاهر للنبوات ، بدلت أو حفظت ، فكان التبديل لدين المسيح ، عليه السلام ، عند التدبر والنظر ، كان رافدا رئيسا من روافد العلمانية المعاصرة لا سيما ونصرانية بولس المبدلة قد كرست لمبدأ الفصل بين الدين حاكما والحياة محكومة ، فصار للدين سلطان روحي أخروي ، وصار للدنيا سلطان زماني سياسي لا يخضع للدين إلا قهرا ! ، كما تواتر من صراع الأباطرة مع الباباوات رغبة في الانفراد بالسلطان المطلق الذي حازه الباباوات بسلطان الملكوت الذي ألقيت في أيديهم مفاتحه ! ، فكان الصراع على السلطان المطلق طغيانا واستبدادا يُنَازِعُ الوحيَ ، الأمر والنهي ، وإن أظهر له التعظيم بل ومارس الاستبداد والقهر باسمه ، وهو ما كان الذريعة إلى منهاج حداثي لا ديني يقطع العلائق مع هذا الدين المبدل ، واستبدل سلطان العقل الفردي والجمعي ، وإن شئت الدقة فقل هواه في حرية مطلقة لا سقف لها إلا ما يبتكر العقل من الشبهات والشهوات التي لا آخر لها إذ لا تشبع نفس من لذة إن أرخى لها صاحبها العنان فلا تزال تجول به في أودية الشهوات فهي سريعة الملل قَرِيبَةُ الضجر ، فلا تسكن أبدا ، وإن وقعت في غيبوبة الشهوة التي تذهب فكرة الهم والجزن بسكرة عارضة فلا تلبث أن تستيقظ وقد أصابها من الهم والحزن ما هو أعظم إذ لم تركن إلى ركن الوحي الشديد ، فاستبدل هذا السلطان بسلطان السياسة الجائرة والديانة الباطلة فكلاهما مارس الاستبداد ، والدين المبدل قد عظم جرمه إذ خلع رداء الشرعية بل والقداسة على الملك الجائر فَنَفَّرَ الناس من الدين كله ! ، وصار في الأذهان قرين الظلم والاستبداد ، فكانت الحداثة التي رامت قطع العلائق معه ، وكان الرجوع إلى مقررات الفلسفة القديمة ، إذ راح العقل الغربي يبحث عن مستمد فكري بعد أن نبذ المستمد الديني الكنسي فأحيى ما اندثر من فلسفة اليونان التي أعطت للعقل سلطان الحكم إذ بلغ حد الرشد فاستغنى عن أي مرجع من خارج ، وهو ما ظهر في أدبيات أوروبا الكلاسيكية ذات المستمدات الإغريقية بعد نبذ الآداب الكنسية ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما انتحلته النخبة العلمانية في الشرق أن عظم الجهل ففتن القوم بمدنية الغرب ذات الطابع المادي الخداع ، فكان القياس الفاسد ، قياس الوحي المحفوظ على الوحي المبدل ، فهو ، أيضا ، العائق أمام التقدم والتطور فلا بد من قطع العلائق معه كما قطعت الحداثة في الغرب علائقها مع دين الكنيسة ، وشتان ، فالقياس ظاهر الفساد إذ ثم فارق أي فارق ، والتاريخ والحاضر على ذلك خير شاهد ، فأمة بلغت الغاية في السياسة الحكمية والعلوم التجريبية والوحي فيها يحكم ، وأخرى بلغت الحضيض في السياسة والعلم وسائر وجوه المدنية والدين فيها ، أيضا ، يحكم ، فلا بد من قدر فارق ، فالوحي في الأولى هو المحفوظ ، وفي الثانية هو المبدل ، ***ا عَزَلَتِ الأولى الوحيَ المحفوظ حصل لها ما حصل من التخلف ، ولما عَزَلَتِ الثانيةُ الوحيَ المبدل حصل لها نوع تقدم وتطور ، فلا يستويان مثلا ، بل هما ، عند التدبر والنظر ، يتضادان ، فكيف صح طرد القياس مع هذا القدر الفارق ؟! .
فإن نظرت في مستمدات القوم وجدتهم يتواصون فهم يحيون مقالا اندثر في قالب جديد فليس إلا اختراع ألفاظ جديدة ومناهج في البحث تؤدي إلى نفس النتائج إذ منشأ الانحراف واحد وهو جفاء النبوة وتعظيم القياس والذوق في المقابل .
والخبر ، وإن كان صريح الدلالة على معانيه فيثبت الحكم على جهة الحقيقة لا التخييل ، إلا أنه ، في المقابل ، مما يحسن في باب الاعتبار ، كما يقول بعض المحققين ، لا إبطالا لدلالات الألفاظ الأولى ، وإنما ثم معان ثانوية لطيفة لا حرج في إثباتها ما لم تكن ذريعة إلى إبطال الأصل بتأويل أو نحوه ، كأن يشبه القلب بالبيت والشهوات والشبهات بالكلب والصورة فلا تدخله الملائكة بمادة التوحيد ولما تَزَلِ الشبهات والشهوات عالقة به ، فهي مما تَنْفِرُ منه الملائكة بما تحمل من مادة الحق توحيدا وتشريعا ، فلا بد من طرد كل شهوة فهي كلب ينبح فيطرد وارد الحق ، ولا بد من طمس كل صورة تعظم فلا يَبْقَى في القلب مُعَظَّمٌ إلا الرب المهيمن جل وعلا .
وذلك باب لطيف اصطلح أهل الشأن على تسميته بالتفسير الإشاري وهو ما اطرد في كلام أهل الطريق على وجه يجب فيه الحذر ألا تكون هذا المعاني اللطيفة تأويلات يتسلط بها أصحاب هذا الاتجاه إن غلوا فيه أن يبطلوا به دلالات النصوص الرئيسة فيتحول إلى نوع من أنواع التأويل الباطني الذي يتلاعب فيه المتأول بدلالات الألفاظ الرئيسة التي صار العلم بها من العلم الضروري الذي لا ينكره إلا جاحد أو مسفسط .
وتأمل تفسير النهر في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ، تأمل تفسيره بالدنيا فنهاهم عنها إلا غرفة تقيم الصلب فذلك ما يحسن أخذه منها وما زاد من فضول الشهوات فهو يضر فنهاهم عنه ، فذلك معنى إشاري صحيح ولكنه لا يصلح أن يكون سببا في نفي دلالة القصة الرئيسة فقد وقعت حقيقة لا ضربا لمثال علمي في الذهن بمثال محسوس في الخارج .
والله أعلى وأعلم .
مما ذكره بعض المحققين ، أن ثَمَّ اعتبارا في الشرع بالنظر في أحكام الفقه ، وثم آخر في القياس الدقيق في أمور الأخلاق ، فَثَمَّ توقيف في خبر : "لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" ، وَثَمَّ اعتبار بالنظر في مناط أعم ، فـ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ" ، فثم خصوص صدر به الخبر يرجع العهد فيه إلى شجرة مخصوصة ، فثم عهد بالإشارة ، فدلالة "أل" من هذا الوجه مئنة من العهد الذهني ، وثم نهي مؤكد في جواب الشرط الذي عم بدلالته ، فجاء النهي مؤكدا بالنون المثقلة وتلك قَرِينَةٌ ترجح معنى التحريم ، ومن ثم أطنب بعموم يستغرق جميع موارد الأذى : "فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَأَذَّى، مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسُ" ، ولا يخلو من معنى التعليل إذ عطف بالفاء وصدر بالمؤكد الناسخ "إن" ، وذلك من طرائق التعليل الصريح في اللفظ وإن ظني الدلالة في المعنى ، إذ احتمل التعليل وغيره ، فاجتمع فيه من هذا الوجه معنى التوكيد والتعليل جميعا على نحو صح فيه الاشتراك ، فهو ، كما تقدم مرارا ، مما يستأنس به من يجوز عموم المشترك في الدلالة .
والأذى مما يعتبر فيه بالعادة الغالبة في طبائع البشر ، فلا اعتبار لما يخالف العادة والجبلة فثم من نكست فطرته فصار يتأذى من أمر ينفع في دين أو دنيا ، كمن استمع الغناء فصار سماع التنزيل يؤذيه فَيَثْقُلُ عليه الحق وإن مَرِيئًا إذ تضلع من الباطل وإن وَبِيئًا ، وكمن أكثر الترحال في البلاد بلا غاية صحيحة معتبرة في الشرع فإنه يكون أزهد الناس أن يشد الرحال إلى البيت الحرام ومسجد المدينة ومسجد بيت المقدس فكل من أحدث من الباطل في العلم أو العمل شيئا ، فإنه يُفَارِقُ في مقابله من الحق ما يضاهيه ، فتلك عادة النفس أن تسعى في تحصيل ما ينفعها ، وإن شئت الدقة فقل في تحصيل ما تظن النفع فيه وإن كان عين الضرر ، فمبنى الأمر على التصور ، فإن صح المستمد العلمي الذي ينشأ ، مبدأ الأمر ، في الفؤاد ، فلا يلبث أن يولد في النفس إرادة ، وهي المرجح الذي يوجب الفعل أو الترك في الخارج ، فإرادة الفعل التي يخلقها الرب ، جل وعلا ، في القلب ، مع ما ينضم إليها من صحة الآلة والجارحة ، وما يتقدمهما من الإرادة الكونية النافذة ، كل أولئك مجموع مركب به يكون الفعل أو الترك في الخارج ، فتلك علة مركبة من أجزاء ترجح طرف الإيجاب حال الفعل ، وطرف الامتناع حال الترك ، فالقياس يطرد وينعكس ، فإن صح المستمد العلمي صح تصور النافع والضار ، وإن لم يصح حصل الخطل في الرأي ، فصار يَنْفِرُ من النافع أن فسد المحل فقد اسْتَمْرَأَ الضار ، وصار يظن النفع في أمر يضر ، كسائر من التذ لذة ا*** العاجلة بِمَعَاصٍ وآثام تُفْسِدُ المحل الباطن بالنظر في المآل فضلا عما تُوجِبُهُ من ضِيقِ نَفْسٍ وكآبة منظر ، فالمعيار هو القياس الصريح الذي يُحَسِّنُ ا***ن وَيُقَبِّحُ القبيح على وجه يعم جميع أمور الدنيا والدين ، ا*** والمعنى ، الظاهر والباطن ، فا*** الظاهر وا*** الباطن لا يَنْهَجَانِ مِنْهَاجَ الحق إلا إذا كانا على طريق الفطرة ، فطرة الأديان التي تُحَسِّنُ التوحيد وَتَنْتَحِلُه ، وهي ، مع ذلك ، لا تَنْفَكُّ تَفْتَقِرُ إلى بَيَانِ الوحي في كل جليل من الأصول ودقيق من الفروع ، إن في العلم أو في العمل ، فَيَكُونُ مناط الانتفاع أو التأذي صحيحا ، إذ يوافق الفطرة السليمة ، التي لا تكمل إلا أن تواطئ منهاج الشرعة الصحيحة ، فيكون النظر بالوحي ويكون الحكم بالشرع فيصح التصور الباطن والحكم الظاهر جميعا ، فإذا صح معيار القياس والحكم ، فصار العقل يدرك ا***ن حسنا ، والقبيح قبيحا فلا يأرز إلى غير النبوة ، فهي ، وحدها ، مستمد النظر الصحيح ، فلا يصح نظر ولا استدلال إلا أن يواطئ الفطرة الأولى التي فطر الله ، جل وعلا ، الناس عليها ، ولا تكمل الفطرة ، من وجه آخر ، إلا أن يُفَصَّلَ مجملُها بكلام النبوة الأولى والآخرة فجميعا قد تواطأت على الحق والخير والجمال في نفس الأمر ، فالحق في التصور والخير في العمل والجمال في الصورة ، وَهِيَ قيم فلسفية مطلقة ، وهذه الأمور قد جاءت بها النبوات مفصلة فَزَادَتْ على ما في الفلسفة ، فهي مطلقات مجملات غَايَتُهَا أن يحصل بها مطلق تصور أول ، وهذا التصور لا يَنْفَكُّ يَفْتَقِرُ إلى بَيَانٍ ، وَوَحْدَهَا النبوة هي التي تُبَيِّنُ ما أجمل من المطلقات الذهنية ، فالنبوة قد جاءت بما يحسم النزاع في المعاني المطلقة التي تختلف الأذهان في حَدِّهَا ، فجاءت ، على سبيل المثال ، بما يحد معنى الْمَلَكِ ، وهو مما اختلف فيه الفلاسفة إذ قالوا بِالتَّوَلُّدِ على وجه فاق مقال التَّوَلُّدِ عند النصارى ، فإن النصارى لا يقولون بأن الأقانيم تلازم الذات بل قد بَايَنَتْهَا وتجسدت فِي ذوات أخرى ، مع أن الله ، جل وعلا ، هو الذي خلقها اختيارا ، *** يقولوا بالتولد الذي يلازم الذات فلا ينفك عنها ، كما زعم الفلاسفة الذين قالوا باقتران العلة والمعلول وذلك أمر لو تدبره الناظر لَوَجَدَه يخالف المنقول والمعقول والمحسوس جميعا ، فالعلة تَتَقَدَّمُ المعلول في الوجود ، وإن تقدمها المعلول في التصور ، فالعلة الغائية أسبق في التصور ولكنها تَتَأَخَّرُ في الوجود في الخارج ، فمن أحس بالجوع فإنه يُبَاشِرُ سبب الأكل وهو العلة التي تَرْفَعُ ألم الجوع ، وهو يتصور الشبع قبل أن يحصل ، فالعلة الغائية وهي الشبع أسبق من هذا الوجه ، ولكنها ، من وجه آخر ، تتأخر ، فلا يحصل الشبع إلا بعد الشروع في علته من الأكل ، بل إنه لا يحصل إلا بعد الانتهاء منها ، فلذة الشبع لا تحصل إلا بعد الفراغ من الأكل ، فَحَالَ مُبَاشَرَةِ العلة يحصل نَوْعُ لذة ، ولكنها لا تكمل إلا بعد الفراغ من العلة ، فيحصل الشبع التام الذي يلتذ به الآكل بعد أن كابد ألم الجوع ، وذلك أمر يعم جميع العلل الكونية والشرعية ، فإيجاب الزكاة ، على سبيل المثال ، حكم شرعي ، فَهُوَ مَعْلُولٌ غائي يَتَصَوَّرُهُ الذهن ، بادي الرأي ، ولكنه لا يحصل في الخارج فيثبت الإيجاب المطلق لِلزَّكَاةِ قبل ملك النصاب ، فهو العلة الَّتِي تَتَقَدَّمُ فِي الوجود ، والحكم تَالٍ لَهَا ، فعلة إيجاب الزكاة ملك النصاب وشرطها حولان الحول ، ومن ثم ينعقد الإيجاب بعد استيفاء المجموع المركب الذي بِهِ يحصل الحكم ، فالتولد شرك ، سواء أقال صاحبه أن المتولِّد تَالٍ ، كَمَا قَالَتِ النصارى ، أم مقارن ، كما قَالَتِ الفلاسفة ، فقال مشركو العرب بمقال التولد إذ جعلوا الملائكة بَنَاتِ الله ، جل وعلا ، فَنَسَبُوا إِلَيْهِ النَّوْعَ الأدنى ، الذي تكرهه نفوسهم ، ولكنهم جعلوها مخلوقة لا قديمة كما قال الفلاسفة في مقال العقول العشرة فهي عقول قديمة أزلية تقارن الرب ، جل وعلا ، فخلقت كل ما سواه مما تحت السماء ، فضلا أنهم أشركوا في وصف من أخص أوصاف الرب ، جل وعلا ، وهو وصف الخلق ، فجعلوا العقل الفعال شريكا لله ، جل وعلا ، في وصف الخلق وفعله ، فهو كسائر أوصاف الفعل مما قَدُمَ نوعه وحدثت آحاده في الخارج فأنيطت بالمشيئة النافذة التي لا تَنْفَكُّ ، كما تقدم مرارا ، تَقْتَرِنُ بالحكمة البالغة ، بَلْ وَكَانَ الشرك في الوحي الشرعي ، فصارت النبوة فيضا من العقل الفعال الذي شارك الرب ، جل وعلا ، وصف الخلق ، فشاركه ، من هذا الوجه ، وصف الوحي ، فالعقول تَتَلَقَّى الْفَيْضَ العلمي من العقل الْفَعَّالِ ، وذلك أمر يُفْضِي إلى ما جَوَّزَهُ القوم من اكتساب النبوة ، وهو أمر وافق فيه الفلاسفةُ غلاةَ المتصوفة لا سيما المتأخرين الذين راموا الخروج عن منهاج النبوة ، فكان نقضهم لركن الإيمان بالرسل ، عليهم السلام ، وعنهم ، وحدهم ، يَتَلَقَّى البشر العلوم والأعمال ، فجاءت النبوات ، كما تقدم مرارا ، بما يَكْفِي المؤنة فِي التصورات العلمية والأحكام العملية سواء أكانت عبادات أم شرائع أم سياسات أم رياضات .... إلخ ، فرام القوم الخروج عن منهاج الرسالة بما أحدثوا من مقال الفلسفة أو الرياضة ، وثم من جمع بين الأمرين ، فهو متفلسف في الرأي ، صوفي في الذوق ، كما كانت حال مشاهير من متأخري الاتحادية كصاحب الفصوص وغيره ، فَاسْتَعَارُوا من الفلسفة طرفا من النظر ، كما استعار الفلاسفة منهم طرفا من الرياضة فكان العمل عندهم ذريعة إلى حصول العلم واليقين الذي يسقط به التكليف ، وتعسفوا في الاستدلال أن تَأَوَّلُوا اليقين فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، أنه درجة من العلم تسوغ لصاحبها أن يترك الفرائض وأن يخوض بحارا من التأويل جبن الأنبياء ، عليهم السلام ، أن يخوضوها ! ، وفي ذلك من انتقاص قدر النبوة ما لا يخفى على وجه يفضي إلى نقض أصل الدين نقضا ، وهو ما يَرُومُ كل غال في العقل أو الذوق ، فإن النبوة حائل بينه وبين الشطح ! ، فالنبوة تلجم الفكر والذوق بلجام الشرع الذي يهذب الطبائع والأخلاق ، فضلا أنه مادة الصلاح للأديان والأبدان جميعا ، وذلك ، لو تَدَبَّرْتَهُ ، مناط الصراع الرئيس بين ح** النبوة وخصومه ، فح** النبوة قد أعلى من شأن الوحي فجعله المستمد الأوحد في مسائل التصور والحكم فكان بيان ما أجمل من فطرة التوحيد على وجه حصل به للنفس كمال التهذيب بعقائد صحيحة وَشَعَائِرَ وَشَرَائِعَ عَادِلَةٍ لا تجد فيها من غُلُوِّ أصحاب الرياضات ما أخرجهم عن قانون العقل والفطرة وا*** ! ، فخالفوا جميع أدلة العلم ، وخصوم النبوة ، في المقابل ، يحطون من شأن النبوات ، فيجعلون القياس أو الذوق ، ويجعلون الفيض أو الكشف من العقل الفعال هو مستمد الناظر في الاستدلال ! ، فالعقل الفعال ، كما يقول بعض المحققين ، قد شارك الرب ، جل وعلا ، في خلق التكوين ، فإن أقروا بقدم الرب ، جل وعلا ، فهو الأول ، إلا أنهم قد عطلوا الوصف حتى آل بهم الأمر أن أثبتوا وجودا مطلقا بشرط الإطلاق ، وذلك أمر ، كما تقدم مرارا ، لا يتصور إلا في الذهن ، فالعقل الأول قد شاركه في قدر التكوين ! ، وإن لم يخلقه ، فالرب ، عندهم ، أول مطلق ، فخلق العقل الفعال كل ما سواه فما سوى الأول القديم فهو مخلوق محدث ، ومن خلقه ليس الرب الأول ، جل وعلا ، بوصفه الفاعل فآثاره في الخارج هي كلمات التكوين ، فَهِيَ تَأْوِيلٌ لآثار أوصافه من خلق وتكوين وتدبير ...... إلخ ، فمن خلق هذا الخلق ليس الرب ، جل وعلا ، إذ جردوه من أوصافه الفاعلة بل ومن جميع أوصافه ، ذاتا وفعلا ، معنى وخبرا ، إلا وصف الوجود المطلق بشرط الإطلاق ، كما تقدم ، فالخالق هو العقل الأول ، أو العقل الفعال ! ، فقد أبدع كل ما تحت السماء ، فأي شرك في الربوبية أعظم من ذلك ، أن اسْتَلَبُوا وَصْفًا من أخص أوصاف الرب ، جل وعلا ، وهو وصف الخلق والإيجاد ، وهو يشبه ، من وجه ، مقال الغلاة من المتصوفة الذين جَعَلُوا لهذا الكون ديوان حكم يَقْضِي بِمَا يَشَاءُ فَقَدْ وَكَلَ إِلَيْهِ الرَّبُّ ، جَلَّ وَعَلَا ، تصريف الأمور الكونية ، من خلق وإيجاد ، ورزق ومنع ، وولادة ووضع ! ، فماذا بَقِيَ من أفعال التصريف للرب الحميد المجيد ، تَبَارك وتعالى ، وقد صار كل شيء لهذا الديوان ، أو للعقل الأول الفعال في مقال الفلاسفة ، فصار الرب ، جل وعلا ، ملكا يملك ولا يحكم ! ، فهو المالك شرفا لا الملِك فعلا ! ، إذ وكل أمر الكون إلى عقل أو ديوان أو ولي له من الاطلاع على اللوح ما به يفتي في الناس بالنفع والضر ، بالإيجاد والإعدام ، فيعلم الأعمار والآجال ، ويجري الأرزاق ويمنعها إذا شاء ، ولا يحصل حمل ولا ولادة إلا بإذن وإشارة ! ، فأي غلو أعظم من ذلك في باب الشرك في الربوبية على وجه يستوجب شركا آخر ، في الاسم والوصف ، إذ كان التعطيل المحض في مقال الفلاسفة ، كما تقدم ، مع أنهم جعلوا الفلسفة هي التشبه بالإله قدر الاستطاعة ! ، فأي تشبه هذا بعدم لا وجود له إلا في الذهن ، فإن المطلق بشرط الإطلاق لا وجود له في الخارج ، وإنما يوجد فقط في ذهن المخاطب الذي يجرد الذوات ويجرد الأوصاف فقد يجرد في ذهنه ذاتا مجردة من أي وصف ، وقد يجرد أوصافا ، كالعلم والحكمة والقدرة ....... إلخ ، قد يجردها في الذهن ، ولكنها لا توجد في الخارج إلا قائمة بموصوف فلا قيام للصفة بنفسها في الخارج ، وإن جَرَّدَهَا الناظر في الذهن ، فكان التشبه بالإله أن يتحرك الفلك تَشَبُّهًا بالإله وهو المتبوع الإمام في كلام الفلاسفة ، فالأفلاك والمخلوقات تَتَحَرَّكُ تشبها به ، وروى من روى كصاحب "الإحياء" ، رحمه الله ، روى أحاديث تؤيد ذلك كحديث : "تخلقوا بأخلاق الله" ، وليس له أصل ، كما يقول أهل الشأن ، والعبارة الصحيحة كما يقول بعض المحققين ، هي التعبد بأسماء الله ، جل وعلا ، والأفضل أن يقال : الدعاء بها ، فهي مناط جلال يكون الدعاء به رهبة ، ومناط جمال يكون الدعاء به رغبة ، وبذلك تكمل الحال ، إذ تستوي أخلاق المكلف ، فَمَادَّةُ الرَّهَبِ تَحْمِلُهُ عَلَى الْكَفِّ ، فَيَنْفِي كل ما سوى الله ، جل وعلا ، معبودا وشارعا للأحكام على وجه يوجب الامتثال ، ومادة الرغب في المقابل تحمله على الفعل ، فيثبت في باب الألوهية ، يثبت المعبود بحق ، في العبادة والشرع ، فوحده الذي يعبد باطنا وظاهرا ، ووحده الذي يشرع فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى ، فثم شرك في التأثير في كلام الفلاسفة ومن وافقهم في هذا الأصل من غلاة المتصوفة ، فإن مخاطبة النجوم والأفلاك ذريعة إلى حصول التأثير في الكون ، فيثبت مؤثر في الكون سوى الرب ، جل وعلا ، فالعقول تؤثر في الأفلاك ، والأفلاك تؤثر في الأرض ، والنفوس تتحرك تشبها بالأفلاك ، والأفلاك تتحرك تشبها بالإله ، فإذا تحرك الإله المطلق تحرك العبد تَبَعًا ، وإذا تحرك العبد فتشبه بالإله أَثَّرَ ذلك في الإله المطلق ، فحصل التلازم من هذا الوجه ! ، وهو ما يُفْضِي إلى تَأْثِيرِ المخلوق في الخالق ! ، وفي ذلك من مَعْنَى الاضطرار ما تَنَزَّهَ عنه الرب الحاكم المهيمن مطلقا بِقَدَرِهِ الْكَوْنِيِّ النَّافِذِ ، وَقَدَرِهِ الشرعي العادل ، فكان الشرك في الرُّبُوبِيَّةِ أن زعموا عقولا خلقت مع الله ، جل وعلا ، وكان الشرك في الاسم والوصف إذ بلغوا الغاية في التعطيل فجردوا الإله ، جل وعلا ، من أوصاف كماله ، الذاتية والفعلية ، وخلعوا ألقابها على الإمام الأرضي في مقال الإسماعيلية الباطنية ، فصار الإمام هو الواحد القهار ، كما أثر من مقال ابن هانئ الأندلسي ، وهو أُنْمُوذَجٌ من نَمَاذِجِ التعطيل في باب الأسماء والصفات ، وهو مما يمت بسبب وَثِيقٍ إلى مقال الفلاسفة في الإلهيات ، وكان شتم الرب ، جل وعلا ، كما يذكر بعض المحققين في تفسير حديث : "كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي، كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفْئًا أَحَدٌ" ، كان شتمه أن زَعَمُوا لَهُ الْوَلَدَ ، وإن وِلَادَةً عقلية كالولادة الفلسفية ، وكان النقض لركن من أركان الإيمان ، وهو الإيمان باليوم الآخر ، إذ أنكر منهم من أنكر المعاد ، وثم من قصره على معاد الأرواح ، وثم من خص العالمة دون الجاهلة فليست بأهل للبعث ! ، وقد استوفى التَّنْزِيلُ في آي الأنعام : (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، قد استوفى أجزاء القسمة في إبطال هذا المقال المحدث ، فهو خالق السماوات والأرض وموجدهما لا على مثال سابق ، فذلك البدع ، ومن ثم جاء الاستفهام إنكار وإبطالا ، فـ : (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) ، فذلك ، كما يقول بعض المحققين ، نَفْيٌ للولادة المعهودة ، و : (خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) ، فذلك نفي للولادة العقلية أن ثم عقول هي التي خلقت ، فليس ثم إلا خالق واحد هو الرب القادر ، جل وعلا ، فما الخلق إلا آثار وصفه خلقا وتدبيرا بكلمات التكوين النافذة ، فهي تأويل أفعاله في الكون على جهة الاختيار ، فهو فاعل بعلم أول يؤثر إذ يقدر ، لا فاعل بالاضطرار فليس ، كما يزعم الفلاسفة ، موجبا بالذات ، وهي ذات مجردة من الوصف ، بل هو موجب بكلمات التكوين ، فهي ، كما تقدم ، تأويل أوصافه الفاعلة في الكون ، فجاء التنويه بالعلم : (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، فعلم التقدير علم مؤثر في التكوين فهو من الموجبات التي تزيد على الذات المطلقة الموجبة عند الفلاسفة .
وثم شرك ثالث في هذا الباب ، وهو شرك الوحي ، وما يستوجبه من الأمر والنهي ، فصار العقل الفعال يضاهي الرب ، جل وعلا ، فمنه تفيض الفيوض الإلهية التي تضاهي النبوات فصارت هذه الفيوضات مستمدا آخر غَيْرَ النبوة ، ولو تدبرت هذا القول ، لعلمت لم يحتفي به أرباب الحداثة في هذا العصر إذ يَرُومُ القوم الخروج عن منهاج النبوة فلا يكون ثم مستمد من خارج ، فليس إلا فيوضات من العقل ، فالفيلسوف له من قوة التخييل ما يتجسد في الخارج ملكا يخاطبه وحقيقة الأمر أنه من عقله قد خرج فليس ثم مرجع يتجاوز من خارج ، وتلك ، لَوْ تَدَبَّرْتَ ، هي فحوى العلمانية اللادينية التي تنكر أي مرجع يتجاوز العقل ، فليس ثم وحي أو دين إلا أمثال تستنبط من علائق اجتماعية هي التي تضع معيار ا***ن والقبح بمعزل عن الوحي والشرع بل وأي مستمد من خارج ، فليس إلا العقل الجمعي الذي تتواطأ عليه الجماعة **درَ تشريع فهو دستور يضاهي دستور النبوة ، فما أشبهه بالعقل الفلسفي الفعال الذي يستمد منه المكلف فيوضات التشريع ، فكذلك العقل الجمعي في الطرح العلماني فهو **در التصور والحكم الأوحد فلا يخضع لسلطان وحي من خارج ، وإن كان وحي النبوات ، مع أنه ، عند التدبر والنظر ، قد خضع لوحي آخر هو وحي الشيطان إذ حسن له الوسواس فراح يحسن ويقبح بقياسه وذوقه فحسن له عبادة الهوى ، فيدخل من هذا الوجه في عموم : (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) .
والشاهد أن ثم معيارا صحيحا من الفطرة والشرع به يُعَيِّنُ النَّاظِرُ ما يؤذي وما ينفع ، فالملائكة تتأذى مما يتأذى منه ابن آدم ، فذلك مناط أعم ، وثم مناط أخص ورد به النص محل الشاهد ، فـ : "لاَ تَدْخُلُ المَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" ، فتسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، فضلا عن مضارعة هي ، كما تقدم مرارا ، مئنة من ديمومة بالنظر في الحال ، واستمرار بالنظر في الاستقبال ، فاتصل زمان النفي ، من هذا الوجه ، وذلك آكد في التنفير ، إذ دلالةُ الخبرِ الإنشاءُ أمرا ، فتقدير الكلام : لا تتخذوا كلبا ولا صورة في البيت لئلا تَمْتَنِعَ الملائكة من الدخول عليكم ، فتنقطع مادة الخير من البيت فتقل البركة ويعظم الشؤم ، فإن الملائكة هي سبب كل خير في هذا العالم فمادتها النورانية القدسية في مقابل المادة الشيطانية الإبليسية فهي في المقابل أصل كل شر في هذا العالم ، وبخلقهما ، وهما الضدان ، ظهرت آثار الربوبية قدرة على خلق الأضداد وحكمة في تدافعها على وجه به صلاح الكون ، ودلالة النكرة "بَيْتًا" في سياق النفي : نص في العموم ، كما قرر أهل الأصول ، وقد خص بالوصف وهو جملة : "فِيهِ كَلْبٌ" ، فخصت النكرة بالوصف وعائده هو الضمير الراجع على لفظ البيت المنكر ، الضمير في "فيه" ، وهو ما عم بالنظر في إطلاقه ، وهو ، من وجه آخر ، مما أطلق فيصدق الحكم بحصول مطلق حقيقته في الخارج فذلك يحصل بأي كلب ، وهو ، من وجه آخر ، مما خص في نصوص أخرى ، فـ : "مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ صَيْدٍ، يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ" ، فذلك من رفع الحرج الذي اطرد في الشريعة الخاتمة ، وأطنب في اللفظ إذ كرر النهي في : "وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ" ، وذلك ، أيضا ، يعم كل صورة سواء أكانت مما رسم أو نحت ، وهو مما خُصَّ فخرج ما لا روح فيه كشجر ونحوه ما لم يتخذ تعظيما فمعنى التعظيم يبطل اتخاذ الصور مطلقا والنهي عن صورة ذي الروح إنما كان سدا لذريعة الشرك بحصول الغلو في التعظيم فذلك كان مبدأ الشرك زمن نوح ، عليه السلام ، ولو تدبرت غلو النصارى ومن سلك جادتهم من فرق هذه الأمة لوجدت تعظيم الصور في دينهم أمرا قد اطرد فكان الغلو في القديس أو الإمام أو الولي ، إما في الصورة وإما في القبر والمشهد : (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) ؟! .
وذلك ، أيضا ، عموم يستغرق جميع المقالات فإنك إن نظرت في مستمدات العلمانية المعاصرة ، وما تولد منها من حداثة تقطع الصلة مع الإرث الديني في جفاء ظاهر للنبوات ، بدلت أو حفظت ، فكان التبديل لدين المسيح ، عليه السلام ، عند التدبر والنظر ، كان رافدا رئيسا من روافد العلمانية المعاصرة لا سيما ونصرانية بولس المبدلة قد كرست لمبدأ الفصل بين الدين حاكما والحياة محكومة ، فصار للدين سلطان روحي أخروي ، وصار للدنيا سلطان زماني سياسي لا يخضع للدين إلا قهرا ! ، كما تواتر من صراع الأباطرة مع الباباوات رغبة في الانفراد بالسلطان المطلق الذي حازه الباباوات بسلطان الملكوت الذي ألقيت في أيديهم مفاتحه ! ، فكان الصراع على السلطان المطلق طغيانا واستبدادا يُنَازِعُ الوحيَ ، الأمر والنهي ، وإن أظهر له التعظيم بل ومارس الاستبداد والقهر باسمه ، وهو ما كان الذريعة إلى منهاج حداثي لا ديني يقطع العلائق مع هذا الدين المبدل ، واستبدل سلطان العقل الفردي والجمعي ، وإن شئت الدقة فقل هواه في حرية مطلقة لا سقف لها إلا ما يبتكر العقل من الشبهات والشهوات التي لا آخر لها إذ لا تشبع نفس من لذة إن أرخى لها صاحبها العنان فلا تزال تجول به في أودية الشهوات فهي سريعة الملل قَرِيبَةُ الضجر ، فلا تسكن أبدا ، وإن وقعت في غيبوبة الشهوة التي تذهب فكرة الهم والجزن بسكرة عارضة فلا تلبث أن تستيقظ وقد أصابها من الهم والحزن ما هو أعظم إذ لم تركن إلى ركن الوحي الشديد ، فاستبدل هذا السلطان بسلطان السياسة الجائرة والديانة الباطلة فكلاهما مارس الاستبداد ، والدين المبدل قد عظم جرمه إذ خلع رداء الشرعية بل والقداسة على الملك الجائر فَنَفَّرَ الناس من الدين كله ! ، وصار في الأذهان قرين الظلم والاستبداد ، فكانت الحداثة التي رامت قطع العلائق معه ، وكان الرجوع إلى مقررات الفلسفة القديمة ، إذ راح العقل الغربي يبحث عن مستمد فكري بعد أن نبذ المستمد الديني الكنسي فأحيى ما اندثر من فلسفة اليونان التي أعطت للعقل سلطان الحكم إذ بلغ حد الرشد فاستغنى عن أي مرجع من خارج ، وهو ما ظهر في أدبيات أوروبا الكلاسيكية ذات المستمدات الإغريقية بعد نبذ الآداب الكنسية ، وهو ، كما تقدم مرارا ، ما انتحلته النخبة العلمانية في الشرق أن عظم الجهل ففتن القوم بمدنية الغرب ذات الطابع المادي الخداع ، فكان القياس الفاسد ، قياس الوحي المحفوظ على الوحي المبدل ، فهو ، أيضا ، العائق أمام التقدم والتطور فلا بد من قطع العلائق معه كما قطعت الحداثة في الغرب علائقها مع دين الكنيسة ، وشتان ، فالقياس ظاهر الفساد إذ ثم فارق أي فارق ، والتاريخ والحاضر على ذلك خير شاهد ، فأمة بلغت الغاية في السياسة الحكمية والعلوم التجريبية والوحي فيها يحكم ، وأخرى بلغت الحضيض في السياسة والعلم وسائر وجوه المدنية والدين فيها ، أيضا ، يحكم ، فلا بد من قدر فارق ، فالوحي في الأولى هو المحفوظ ، وفي الثانية هو المبدل ، ***ا عَزَلَتِ الأولى الوحيَ المحفوظ حصل لها ما حصل من التخلف ، ولما عَزَلَتِ الثانيةُ الوحيَ المبدل حصل لها نوع تقدم وتطور ، فلا يستويان مثلا ، بل هما ، عند التدبر والنظر ، يتضادان ، فكيف صح طرد القياس مع هذا القدر الفارق ؟! .
فإن نظرت في مستمدات القوم وجدتهم يتواصون فهم يحيون مقالا اندثر في قالب جديد فليس إلا اختراع ألفاظ جديدة ومناهج في البحث تؤدي إلى نفس النتائج إذ منشأ الانحراف واحد وهو جفاء النبوة وتعظيم القياس والذوق في المقابل .
والخبر ، وإن كان صريح الدلالة على معانيه فيثبت الحكم على جهة الحقيقة لا التخييل ، إلا أنه ، في المقابل ، مما يحسن في باب الاعتبار ، كما يقول بعض المحققين ، لا إبطالا لدلالات الألفاظ الأولى ، وإنما ثم معان ثانوية لطيفة لا حرج في إثباتها ما لم تكن ذريعة إلى إبطال الأصل بتأويل أو نحوه ، كأن يشبه القلب بالبيت والشهوات والشبهات بالكلب والصورة فلا تدخله الملائكة بمادة التوحيد ولما تَزَلِ الشبهات والشهوات عالقة به ، فهي مما تَنْفِرُ منه الملائكة بما تحمل من مادة الحق توحيدا وتشريعا ، فلا بد من طرد كل شهوة فهي كلب ينبح فيطرد وارد الحق ، ولا بد من طمس كل صورة تعظم فلا يَبْقَى في القلب مُعَظَّمٌ إلا الرب المهيمن جل وعلا .
وذلك باب لطيف اصطلح أهل الشأن على تسميته بالتفسير الإشاري وهو ما اطرد في كلام أهل الطريق على وجه يجب فيه الحذر ألا تكون هذا المعاني اللطيفة تأويلات يتسلط بها أصحاب هذا الاتجاه إن غلوا فيه أن يبطلوا به دلالات النصوص الرئيسة فيتحول إلى نوع من أنواع التأويل الباطني الذي يتلاعب فيه المتأول بدلالات الألفاظ الرئيسة التي صار العلم بها من العلم الضروري الذي لا ينكره إلا جاحد أو مسفسط .
وتأمل تفسير النهر في قوله تعالى : (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) ، تأمل تفسيره بالدنيا فنهاهم عنها إلا غرفة تقيم الصلب فذلك ما يحسن أخذه منها وما زاد من فضول الشهوات فهو يضر فنهاهم عنه ، فذلك معنى إشاري صحيح ولكنه لا يصلح أن يكون سببا في نفي دلالة القصة الرئيسة فقد وقعت حقيقة لا ضربا لمثال علمي في الذهن بمثال محسوس في الخارج .
والله أعلى وأعلم .