تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : من خبر : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى ..........."


rss
05-21-2016, 07:10 AM
من خبر : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى ..........."
من خبر : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ" ، فَصَدَّرَ السِّيَاقَ بالتوكيد بالناسخ ، وقدم ما حقه التأخير من الخبر المسند "من أعظم الفرى" ، وذلك ، كما قرر أهل الشأن ، مئنة من الحصر والتوكيد ، ودلالة "أل" في "الفرى" مئنة من العموم ، فَمَا ذُكِرَ من أعظم آحاد ال*** دخولا في عُمُومِهِ ، فإن الآحاد التي تَنْدَرِجُ في العام وإن اتَّفَقَتْ فِي قدر مشترك أن مطلق الحقيقة التي يَدُلُّ عليها العام قد حصلت فيها جميعا ، إلا أن حصول هذا المعنى يختلف ، فيحصل في آحاد ما لا يحصل في غيرها فيكون دخولها في العموم آكد ، واحتمال خروجها بتخصيص أو نحوه أضعف ، فذلك يشبه ، من وجه ، العام الوارد على سبب ، فإن دخول صورة السبب في العموم قطعية لا تقبل الإخراج بِنَسْخٍ أو تخصيص ، خلافا لبقية أفراده فدخولها ظني يحتمل الإخراج بِنَسْخٍ أو تخصيص ، وَكُلَّمَا كَانَ المعنى الذي يَدُلُّ عليه العام أعظم تحققا في الآحاد كان احتمال إخراجها أضعف ، فهذه خصال من العام يحصل فِيهَا من مَعْنَاهُ قدر أعظم ، فحسن التَّنْوِيهُ بِهَا بِتَقْدِيمِ ما حقه التأخير ، كما تقدم ، وَبِإِطْنَابٍ بـ : "أن" ال**درية وما دخلت عليه "يَدَّعِيَ" ، فذلك من إطناب المبنى مئنة من إطناب يضاهيه في المعنى ، فضلا عن دلالة الاستمرار في الحدث ، فذلك آكد في تعلق الجناية بالمحدِث أن اتصل الزَّمَانُ استقبالا ، والجامع بين الخصال جميعا الكذب فهو من أعظم الظلم ، وهو ، أيضا ، مما تَتَفَاوَتُ آحاده في الخارج ، فثم كذب يبلغ بصاحبه أن يخرج من الدين ، كأن يكذب فَيَتَنَبَّأَ ، أو يكذب فَيَتَقَصَّدَ تَبْدِيلَ الشرع ، فيكتم الحق ، فذلك كذب أول ، فَيَرُدَّ من الحق شيئا ، ويعارضه بِبَاطِلٍ يضاهيه ، فيكون التعطيل والتبديل ، ولو تدبرتهما لوجدتهما يَقْتَرِنَانِ ، فإن المحل ، كما تقدم ، في مواضع سابقة ، لا يَبْقَى شاغرا أبدا ، فلا بد من شاغل ، فإن عطل من الشرع شيء ، إن في الخبر أو في الحكم ، حصل من الوضع المحدث ما يضاهيه ، فالسلامة في هذا الباب ، كما يقول بعض المحققين ، أن يحقق ما جاء به الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيمحصه ويخلصه من كدر الموضوعات والمكذوبات ، وأن يمحص المعنى من شوب التعطيل والتأويل ، فلا يعارض كلام الوحي بالشبهة لا في النقل ولا في الرأي ، فلا يضعف الصحيح ولا يعطل الصريح أن يُبْطِلَ دلالته الظاهرة أو القاطعة ، فيرجح المرجوح بلا قرينة صحيحة من نقل صحيح أو عقل صريح ، أو يتلاعب بمادة اللفظ فيعطلها على وجه يفضي إلى إنكار ما قد علم ضرورة من دلالات اللسان ، فالكذب في هذا الباب ، يكون ، كما تقدم ، بالتأويل والتعطيل وما يقترن بهما لُزُومًا من التبديل فإن من رد الحق فإنه لا محالة يعارضه بالباطل ، فيقلد من أهل الأهواء من رَجَّحَ بلا مرجح إلا الهوى أو الذوق فَرَدَّ محكم النقل بمتشابه الرأي والوجد ، فالكذب في هذا الباب يتفاوت ، كما تقدم ، فإن التكذيب بخبر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكذيب بخبر الوحي ، وتعطيل لأمره ونهيه أن : (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ، فأطلق في الأخذ والنهي ما كان في التنزيل أو في السنة ، وهذا التكذيب قد يكون صراحة فيكون الجحود والنكران ، وذانك أمران يَقْتَرِنَانِ لُزُومًا ، بكذب على الوحي أن يضاهي أخباره وأحكامه بما يَقْتَرِحُ الذهن من المتشابهات العلمية والعملية ، فيقترح في الإلهيات ما اقترح الفلاسفة وأضرابهم من تعطيل صريح أفضى إلى إثبات وجود أول مطلق لا وصف له ! ، وذلك ما لا يكون إلا في الذهن ، فلا وجود له في الخارج ، فليس في الخارج إلا ذوات لها أَوْصَافٌ تُقَيِّدُهَا ، وذلك تعطيل لما قد علم ضرورة في باب الإلهيات ، ولو تدبرته ، لوجدته من شؤم الإعراض عن محكم النبوات ومعارضتها بمتشابه العقليات والذوقيات على وجه أفضى إلى فَسَادِ القوة العلمية والعملية ، فَاسْتَلْزَمَ ذلك تكذيب الوحي بتعطيل ما أثبته ، فضلا عن قول بلا علم على الله ، جل وعلا ، في الإلهيات بالتعطيل ، وقول آخر في الشرعيات بِالتَّبْدِيلِ فذلك ، أيضا ، من القول على الله ، جل وعلا ، بلا علم ، فهو أمر يستغرق العلم والعمل جميعا ، وقد يكون الكذب الصريح بالزيادة في الوحي ما ليس منه على وجه يفضي إلى تعطيل الحق واستبدال الباطل المحدث به ، فذلك ما يتبادر إلى الذهن من إطلاق الكذب في هذا الباب ، وهو ما يدخل دخولا أول في عموم : "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" ، فثم قيد ذو مفهوم ، فـ : "مُتَعَمِّدًا" ، قَيْدٌ بالحال يخرج بالمفهوم من أخطأ ولم يَتَقَصَّدْ ، إلا إذا تساهل في النقل فذلك قد يدخله في حد الوعيد ، فـ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ" ، فالكذاب يدخل في عموم الوعيد دخولا صريحا ، والمتساهل الناقل يدخل في حد الوعيد من باب : "بِحَسْبِ الْمَرْءِ مِنَ الْكَذِبِ أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" ، *** يتحر في النقل ، ولم يحقق في العقل ، فالانحراف في هذا الباب يكون في اللفظ ، إما ردا وجحودا صريحا ، وإما زيادة كاذبة سواء أتقصد الزيادة أم تحملها بلا تحر أن وافقت ما يَرَى وَيَجِدُ ، وإما نقصا برد الصحيح سواء أتقصد ذلك فأنكر الصحيح بلا حجة فهو يسعى في التشكيك بلا دليل إلا الاحتمال المجرد ، وليس ذلك بدليل في أية دعوى ، بل هو ، عند التدبر والنظر ، دعوى تفتقر إلى دليل من خارج ، وإلا كان الدور الباطل **ادرة على المطلوب ، كما يقول أهل الشأن ، أن يستدل على الشيء بِنَفْسِهِ ، فَثَمَّ من ينكر حجية السنة صراحة ، فيردها جملة وتفصيلا ، وذلك قول يبلغ بصاحبه أن يمرق من الدين إذ لا يمكن العمل بمجملات التنزيل دون رَدِّهَا إلى مبيِّنَاتِ السنة ، فَلَوْ رَدَّ السنة كلها لَعُدِمَ الدليل المبيِّن ، والمجمل مما يجب فيه التوقف حتى يرد الدليل المبيِّن ، فإن توقف *** يعمل بمجملات التنزيل ، وهي الجمهرة العظمى في باب الأحكام ، فليس منها مبيَّن إلا قدر يسير هو آيات الأحكام المفصلة كآيات الفرائض وأحكام الطلاق والاستئذان .... إلخ ، وأما الجمهرة العظمى من أحكام التنزيل فهي من المجمل الذي يفتقر إلى بيان السنة ، فإن ردت السنة ، فالواجب التوقف في العمل بمعظم الشرع ! ، على وجه يفضي إلى انحلال عُرَى الدين عروة عروة ، وثم من يتلطف فلا يجهر بذلك صراحة بل يتحايل بوجوه من التشكيك أدق ، فصاحبها ليس كالأول الذي رد السنة جميعا فاقتضى ذلك الحكم بمروقه من الدين إذ أنكر معلوما متواترا بالضرورة ، فآيات التنزيل تشهد بحجية السنة ، وهي آي متواتر يفيد العلم الضروري ، وإنكار المتواتر يخرج من الدين ، خلافا لإنكار الآحاد ، فصاحبه آثم بما أحدث في الدين من رد الاحتجاج بخبر الآحاد إما في جميع أبواب الدين ، وإما في بعضها على وجه يدخله في حد القياس الفاسد أن فرق بين المتماثلين فقبل الخبر في باب دون آخر ، وليس ثم ما يوجب التفريق ، فما ثبتت صحته من أخبار الآحاد فَبَلَغَ رتبة الاحتجاج ، سواء أكان صحيحا لذاته أم لغيره أم حسنا لذاته أم لغيره ، فهو حجة في العلم والعمل جميعا ، على تفاوت في الاحتجاج يظهر أَثَرُهُ حال الترجيح إذا تعارضت الأدلة وتعذر الجمع ولم يعلم متقدم من متأخر لِيُصَارَ إلى النسخ ، فحال الترجيح يقدم الأصح على الصحيح ، والأحسن على ا***ن ، والصحيح على ا***ن ..... إلخ من قواعد الترجيح بالنظر في الإسناد ، فالترجيح *** عام تندرج فيه أنواع ، فثم ترجيح بالنظر في الإسناد ، وآخر بالنظر في المتن ، فالخبر إسنادٌ يكون رده بالتشكيك في ثبوته ، ومتنٌ يكون رده ، في المقابل ، بالتشكيك في دلالات ألفاظه ، فكان باب الانحراف والإحداث في الديانة على وجه قد يبلغ بصاحبه حد الزندقة والمروق من الدين ، فهو ، وإن لم يكن كالرد الصريح بجحود الرسالة ، أو الرد للسنة جملة وتفصيلا بإنكار حجيتها ، أو الزيادة بالكذب الصريح بإدخال ما ليس من السنة فيها إن بزيادة متون أو ألفاظ تدرج فيها على جهة التقصد إفسادا للديانة كما اشتهر من فعل الزنادقة لولا أن قَيَّضَ الله ، جل وعلا ، لهذا الإرث ، إرث النبوة من يمحصه وَيَنْفِي خَبَثَهُ ، فهو وإن لم يكن كما تقدم من وجوه يمرق صاحبها من الدين ، إلا أنه ذريعة إلى إنكار الوحي ، أن اجترأ على رد بعضه ، وإن تلطف في ذلك ، فأنكر يقين الدلالة اللفظية فجعل ألفاظ النصوص كلها تحتمل فلا تفيد اليقين الجازم ، وذلك ما ظهر ، بادي الرأي ، في نصوص الأخبار التي ردها بعض المتكلمين أن عارضت شبهة تَمْثِيلٍ في أذهانهم ، فهي نِتَاجُ القياس الفاسد ، قياس الخالق ، جل وعلا ، على المخلوق ، ولكنه ، إن تدبر الناظر ، مما يُتَذَرَّعُ به إلى تأويل الأحكام على وجه يُفْضِي إِلَى تعطيل الشرع وَرَدِّ ما قد علم بداهة من دلالات ألفاظه في العبادات والشرائع الحكمية ، والعذر بالتأويل في الأخبار أوسع دائرة من العذر بالتأويل في العبادات والشرائع الحكمية ، فَيُحْتَمَلُ في الأولى ما لا يحتمل في الثانية ، وإن كان التأويل المعارض لظاهر النص بلا قرينة معتبرة من نقل أو عقل ، وإن كان هذا التأويل باطلا إن في الأخبار العلمية أو في الأحكام العملية ، فتذرع من تذرع من الفلاسفة وأصحاب الطرائق الشرعية المحدثة الذين استجازوا الخروج عن أمر الوحي ونهيه ، فخالفوا عن الشرعة الظاهرة صراحة ، أو زعموا أنهم في حل منها ، وإن كانت أكمل الطرائق الحكمية ، كما أثر عن ابن سينا ، إلا أن ذلك لا يلزم من بلغ درجة التحقيق بالقياس الفلسفي أو الذوق الصوفي ، فضلا أنهم جعلوا الغاية من هذه الشرائع السماوية استصلاح أمر الدنيا دون نظر في أمر الآخرة فكثير منهم ينكر المعاد ، وثم من ينكر معاد الأبدان التي شرعت هذه الأحكام لحفظها وسياستها ، أو يقول بمعاد الأرواح العاقلة العالمة دون الجاهلة ، فكل أولئك لا يدركون من هذا الشرع إلا مناط ال**لحة العاجلة في سياسة الأبدان ، فغايتها ، كما يقول بعض المحققين ، إقامة القانون العدلي الذي أجمع البشر ، مؤمنهم وكافرهم ، على إيجاب إقامته فلا صلاح للدنيا إلا به ولا بقاء للملك إلا بحفظه والسير على منهاجه دون نظر في آحاده أمن الوحي هي أمِّنَ الوضع ، وذلك محل النزاع الرئيس بين النبوات وخصومها ، فكلٌّ قد أجمع على هذا القدر ، وهو إقامة العدل فذلك مَعْنًى تَسْتَحْسِنُهُ جميع العقول ، ولكن الخلاف كان في الطريق المفضية إلى تحقيق هذا العدل ، أيكون بالشرع كما قد جاءت به النبوات أم بالوضع كما يزعم خصومها ، وإن كان ذلك بالشرع أيكون ملزما فلا يثبت إيمان إلا بذلك ، أم اختيارا فهو أعدل ناموس قرع العالم ، كما يقول ابن سينا ، ولكنه لا يلزم ، وإن كان الأفضل ، فالساسة والحكام بالخيار ! ، إن شاءوا أخذوا به وإن شاءوا خرجوا عنه ، واعتقاد ذلك في نفسه مما ينقض أصل الدين ، فهو تجويز لما قد علم ضرورة أنه محرم بل قد نُبِزَ صاحبه بلقب الكفر في نص الوحي المتواتر ، فـ : (مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فإن قال المجوز : إن ذلك الحاكم المبدل بالقياس أو الذوق أو التعطيل الصريح بلا شبهة تأويل ، إن ذلك الحاكم في سعة من أمره ! ، فيسعه الخروج عن حكم الشرع فقد بلغ من رتبة التحقيق في الأحكام ورتبة اليقين في العقائد ما جعله في حِلٍّ أن يحكم بالوحي إن في خاصة نفسه أو عامة الأمر إن كان صاحب ولابة وسلطان ، فإن قال المجوز ذلك وهو في نفسه يحكم بالوحي لم ينفعه هذا الحكم ! ، أن جوز لغيره أن يخرج عن منهاج الوحي ، فتجويز ذلك في حد ذاته مما يبطل معنى الانقياد في التكليف ، فصاحبه قد استجاز الخروج عن الشرع ، إما بقياس أو ذوق أو بلوغ رتبة من التحقيق واليقين تجعله من الخاصة فلا يلزمه العمل بالوحي ، فهو تكليف العامة دون الخاصة ! ، كما زعم أصحاب رسائل إخوان الصفا ، فضلا أن بعض المحققين من الفلاسفة قد زَادُوا فَمِنْهُمْ من نَفَى أن الرسل ، عليهم السلام ، قد علموا الحقائق *** يعلموا فحوى ما نقلوا ! ، كما يزعم الفارابي والعفيف التلمساني فليس النبي إلا حامل بريد ! ، حمل الرسالة إلى أصحاب العقول الذين علموا منها ما لم يعلم ، فقد نقل اللفظ ولم يفقه المعنى ! ، وعدم البيان وَقْتَ الحاجة أمر لا يجوز والتزامه في هذا الباب يفضي إلى تجهيل الرسالة وَتَفْرِيغِهَا من معناها ، فهي ألفاظ وأصوات بلا تعيين من الرسالة لِمَعَانِيهَا ، فعدم البيان في هذا الباب يساوي في الدلالة عدم النبوة ابتداء ! ، إذ ما الجدوى والنفع من ألفاظ لم يفقه ناقلها معناها ، فرد أمرها إلى العقول لتخوض فيها كيف شاءت ، ولكلٍّ عقل فإن لم تحسم النبوة النزاع بين العقول فمن يحسمه ؟! ، فذلك يفضي إلى إبطال الحجة الرسالية إذ وَكَلَ ، جل وعلا ، كُلًّا إلى عقله ليدرك الحق ، *** يبين على وجه تقوم به الحجة ، والرسالة ما كانت إلا لإقامة الحجة على الناس ، فتذرع أولئك بالتأويل الباطني ، كما يقول بعض المحققين ، فمنهم من استعمله في العلميات وهاب أن يستعمله في العمليات فهي عبادات وشرائع محدودة قد بلغت في العلم حد الضرورة ، فتأويلها بمعان باطنة يفضح صاحبه وَيُبِينُ عن زندقة كزندقة الغلاة من الإسماعيلية والنصيرية والدروز فلهم تأويلات تفضي إلى إنكار جملة عظمية من العلوم الضرورية في باب العمل فضلا عن أخرى في باب العلم تأتي على أصل الدين بالإبطال ، فتأويلاتهم إن في العلم أو في العمل لا ترفع الحكم بالكفر ولا بالإثم من باب أولى ، وثم من جهر صراحة فتأول في العلميات والعمليات بلا حياء ، وتأويلات الباطنية لأحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج والجنابة والاغتسال وَالزِّنَى أشهر أن تذكر ! ، وفيها من التلاعب بحدود الشريعة ما يبلغ حد المروق من الدين فهي لعب محض يخالف بدائه المنقول والمعقول والمنطوق جميعا ، وثم من فرق فجعل للخاصة من ذلك ما ليس للعامة ، فصار الشرع شرعان : شرع العامة الْبُلْهِ أصحاب السلامة ممن آثروا العمل بالظاهر دون الخوض في الباطن ، وشرع الخاصة أهل التحقيق الذين تقحموا هذا الباب بما لهم من ذكاء وفهم يسوغ لصاحبه أن يخرج عن منهاج الوحي ! ، فثم منهم من تأدب مع مقام النبوة نوع تأدب ! ، فقال إن الرسل عليهم السلام قد علموا الحقائق ولكنهم هابوا أن يصرحوا لئلا يفتنوا العامة فلا تطيق عقولهم درك حقائق الوحي في نفس الأمر *** تكن ثم حيلة إلا ضرب الأمثال المحسوسة ! ، وذلك قول ابن سينا ، وثم من أساء الأدب مع النبوة كالفارابي فالأنبياء ، عليهم السلام ، لم يعلموا الحقائق وإنما نقلوا ألفاظا لا يفقهون مَعَانِيهَا .

فالانحراف في هذا الباب مبدؤه إنكار دلالات الألفاظ بالزعم أنها لا تفيد اليقين ، فذلك طعن في الألفاظ ، وثم طعن آخر في إفادة الأخبار للعلم ، فهي تفيد الظن الذي يفتح الباب لرد كل ما خالف القياس أو الذوق أنه يفيد الظن فلا يجوز العمل به في العقائد التي لا يعمل فيها إلا باليقين المتواتر ، وذلك ، لو تدبرت ، ذريعة ، كما تقدم ، إلى إبطال الاحتجاج بالأخبار مطلقا وإنما يكون مبدأ الأمر في العلميات ثم لا تلبث الجناية أن تسري إلى العمليات وسائر الشرعيات والحكميات .

ومن المحققين من استقرأ الانحراف في هذا الباب فجعله على أربعة أنحاء : فثم نقص في تدبر مقال الرسل ، عليهم السلام ، *** يتدبروه حق التدبر .
وثم نقص في الاستقراء فيأخذ المستدل ببعض الكتاب دون بعض ، فلا يجمع أدلة الباب فيكون النقص في الاستدلال بقدر النقص في الاستقراء .
وثم كذب على الأنبياء ، عليهم السلام ، صراحة فهو يدخل في عموم هذا الخبر في شطره الثالث : "أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ" .
وثم خطأ في الفهم والترجمة والتفسير على وجه يُحَمَّلُ فيه اللفظ ما لا يحتمله من وجوه باطلة في المعنى إما أن تكون بعيدة مرجوحة لا قرينة ترجحها ، وإما أن تكون لعبا محضا فهي باطلة من كل وجه وهي أفحش وأقبح في النظر الصحيح .

فجاء النص : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ" ، وهو محل الشاهد ، جاء يذكر بعض آحاد من الفرى جامعها الرئيس الكذب ، فذلك القدر المشترك بَيْنَهَا وإن اختلفت حقائقها في الخارج فجامعها الإخبار بخلاف الحق قصدا فلا عذر للكاذب فليس كذبه كذب المخطئ الذي لم يتعمد الكذب ، وإنما كذبه كذب المتعمِّد المتقصِّد ، وقد يشاطره الذم ، كما تقدم ، من تساهل *** يتحر ، وإن كان إثمه في الجملة دون إثم المتقصِّد بادي الرأي .
فـ : "إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الفِرَى أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ يُرِيَ عَيْنَهُ مَا لَمْ تَرَ، أَوْ يَقُولُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ " .

فجاء النص على خصال ثلاث لا على جهة الحصر ، فثم خصال أخرى من الفرى عموما ، ومن أعظم الفرى خصوصا ، وجاء النص عليها جميعا على جهة ال**در المؤول من "أن" وما دخلت عليه من المضارع فذلك مما تستحضر به الصورة من وجه ، ومما يدل دلالة الاستقبال فذلك ذم يستغرق زمان التكليف المستقبل على وجه يوجب الحذر من هذه الخصال ، فكذب في النسب ، وكذب في الرؤيا ، وكذب في نقل الدين ، وهو الأعظم ، بل ولعله أعظم خصال الفرى مطلقا ، فتلك آخر موارد الذم في آية الأعراف : (وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) ، فقد يقال ، من وجه ، إن ثم تَرَقٍّ في الذم في الخبر يضاهي نظيره في الآية إذ ختما جميعا بأعظم الخصال المحرمة ، فالقول على الله ، جل وعلا ، بلا علم ، ويدخل في حده القول على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما لم يقل ، إذ قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في باب الشرع دين يَلْزَمُ كما الوحي النازل ، بل إن خبره ، كما تقدم مرارا ، وحي نازل ، وإن بإقرار الوحي في مواضع فهو لا يقره على خلاف الأولى فضلا أن يقره على باطل لقرينة العصمة فهي ، من وجه آخر ، لازم لإقامة الحجة على الناس فكيف تقام الحجة عليهم بوحي يحتمل الصحة أو الخطأ ؟! ، فضلا أن تجويز ذلك إنكار لمنة الرب الخالق ، جل وعلا ، بحفظ التنزيل من التبديل إن لألفاظه تغييرا ، أو لمعانيه تحريفا وتأويلا ، فذلك يفضي إلى إنكار متواتر من التنزيل قد بلغ حد العلم الضروري الذي يفيد اليقين الجازم في قول الرب الخالق جل وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ، ومعنى الذكر ، كما تقدم مرارا ، يعم الوحي كله ، التنزيل المتواتر والأخبار ما كان منها متواترا وما كان آحادا .

والكذب على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيه انتقاص عظيم من قدر النبوة ، وهو يقترن في العادة بالطعن في حملة الوحي من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، تصريحا أو تلميحا ، فثم من يطعن في عدالتهم في النقل صراحة فيرميهم بالكذب والكتمان بل قد بلغ به الأمر أن ينبزهم بالكفران ، وثم من يقدح في فهمهم فيرميهم بالسذاجة أو البلادة ، ويزعم أن له من كمال العقل والنظر وحسن التدبير في أمور السياسة والحرب ما ليس لهم *** ينظروا في أمور كالتي نظر فيها ولم يقاتلوا عدوا كالذي يقاتله ، فذلك أمر تجده في عامة المقالات المحدثة ، إن في الإلهيات كما هي حال الفلاسفة ، أو في الشرعيات كما يقول من يقول من أرباب الحداثة ، فقد جعلوا الوحي كله نصا مفتوحا ، وإن في معانيه الأولية الرئيسة ، فشريعته تقتصر على زمانها الذي يلائم طبائع الأعراب الأجلاف فلا بد من تأول هذه الأحكام في هذه الأعصار لئلا ينبز الإسلام بالتطرف والإرهاب ! ، ولو أفضى ذلك إلى تأويل معلوم من الدين بالضرورة كأحكام الجنايات وأحكام الحرب والقتال ، فمن كمال التعظيم للنبوة تعظيم حملتها من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فهم أولى حلقات الإسناد الذي به نقل إلينا هذا الحق النازل ، فالطعن فيهم طعن في المنقول ، بل إنه طعن في المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهم أقرانه وبهم يعرف فإن كانوا أقران سوء فهو رجل سوء حاشاه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
فيفضي الطعن فيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى إبطال الدين جملة وتفصيلا ! ، وهو ما يفضي إلى التفرق في الدين وصيرورته شيعا ، فلا يكون الاجتماع على الحق وهو سبب الصلاح والملك في الأولى فضلا أنه سبب النجاة في الآخرة لا يكون إلا بالإيمان بالوحي تصديقا بأخباره وامتثالا لأحكامه ، وذلك ، لو تدبر الناظر ، إنما يكون بالإجماع على ما نقله الثقات العدول من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، فإن طَعَنَ النَّاظِرُ في عدالتهم ، أو حفظهم للألفاظ ، أو دَرَكِهِم لِمَعَانِيهَا وهم أصحاب اللسان وشهدة الْإِنْزَالِ فيعلمون من قَرَائِنِهِ ما لا يعلمه من جاء بعدهم ، فإن طعن الناظر في شيء من ذلك فقد طعن في إجماعهم فأنى يستفاد من طريقهم لفظ صحيح أو معنى صريح ! .
والكذب على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مما اختلف في حكمه ، فثم من فرق بين المتعمد فهو آثم ، والمخطئ فهو معذور إلا أن يبلغ به الأمر ، كما تقدم ، حد التساهل في الرواية ، فيأثم بل ويدخل في عموم الوعيد في الخبر : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" ، وإن كان إثمه ، عند التدبر والنظر ، دون إثم المتعمد ، وتعمد هذا الأمر وهو يفضي إلى تعمد الزيادة في الدين ما ليس منه ولازمه أن ينقص منه بقدر ما يزاد من المحدَث فلا تكون محدثة في الدين إلا ويرفع منه بقدرها ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، تحريف في الدين بالزيادة ولازمها من النقص ، فالزيادة في الباطل تَسْتَلْزِمُ النقص من الحق ، فهذا التحريف إن تعمده الناظر إفسادا للدين فهو ناقض لأصله ، وثم من أطلق الحكم في كل كذاب وضاع كأبي محمد الجويني ، رحمه الله ، وهو ما رجحه بعض المحققين تغليظا على الفاعل ، وثم من فرق فنظر في غرض الوضاع فإن قصد إفساد الدين فهو كافر ، وإن قصد أغراضا أخرى دينية كحض الناس على الخير أو دنيوية كإنفاق بضاعة أو نحوه فهو آثم قد اقترف كبيرة عظيمة هي من أعظم الفرى ولكنها بالنظر في غرضه هذا لا تنقض أصل الدين وإن نقضت كماله الواجب .
وثم طباق سلب بالنظر في معنى الإدعاء إلى الأب وهو الأصل والادعاء إلى غيره ، والفعل المثبت صدر الشطر الثاني "يري عينه" ، والفعل المنفي آخره "ما لم تر" ، وقل مثله في الشطر الثالث صدر الكلام في "يقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم" ، وآخره في "ما لم يقل" ، وذلك آكد في تقرير المعنى بتصوير الجناية التي تقصد صاحبها مخالفة الحق نفيا والتلبس بضده إثباتا .

والله أعلى وأعلم .