rss
05-21-2016, 07:10 AM
من آية : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ......)
مما مدح به أهل الحق ممن سددهم الرب ، جل وعلا ، فثبتهم ، إذ ابتلوا بالشر ضيقا فصبروا ، وابتلوا بضده من الخير سعة فشكروا ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، مدار الابتلاء في هذه الدار ، فبعض يُبْتَلَى بالضيق والشدة ، وغيره يُبْتَلَى بالسعة والرخاء ، ولكل تكليف ، وذلك مئنة من حكمة بالغة أن نَوَّعَ ، جل وعلا ، في الابتلاء ، على جهة التضاد الذي يقع فيه من التدافع ما به صلاح الكون وحفظ النوع ، فالربوبية قد اقتضت بما لها من القدرة والحكمة ، أن تخلق الأضداد ، فعافية ومرض ، وضيق وسعة ، وفقر وغنى ، ولكلٍّ تكليف يلائمه ، فتلك الحكمة أن يُنَزِّلَ ، جل وعلا ، من رزق الكون بقدر على وجه يحفظ الأرض فلا يَبْغِي بَعْضُ البشر على بَعْضٍ ، وأن ينزل من رزق الشرع أحكاما ما يلائم كل حال ، فلكلِّ حال تكليف يلائمها ، فوافق التنزيل الشرعي التنزيلَ الكوني ، فالرب ، جل وعلا ، واحد ، فهو الذي خلق الأبدان بقدر التكوين ، وهو الذي أنزل الوحي بقدر التشريع ، فواطأ الشرع الكونَ ، فكل أولئك تأويل الخبر الصادق : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وقد صدر السياق بعموم محفوظ في : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، فذلك بالنظر في دلالة العهد الذهني ، على تقدير : كل نفس مخلوقة ، فخرجت نَفْسُ الخالق ، جل وعلا ، فهي إما أن تكون الذات ، وإما أن تكون صفة زائدة على الذات تقوم بها كسائر الصفات الذاتية والفعلية ، المعنوية والخبرية ، فكلها معان زائدة على الذات ، فهي تَقُومُ بِهَا على وجه لا يوجب ما أوجبه نفاة الصفات من الشرك في وصف القدم ! ، فإن الاسم يطلق على المسمى المجموع من الذات والوصف الذي يقوم بها فلا قيام له بنفسه لتصح شبهة التعدد في القدماء ، وهو من جملة ما يرد به على النصارى المثلثة إذ جعلوا الصفات أقانيم تستقل بذاتها فتفارق الرب الأول ، وهي ، مع ذلك ، أوصاف من أوصافه ! ، مع أن الوصف ، كما تقدم ، معنى ، فلا قيام له بنفسه وإنما يقوم بغيره على وجه تثبت به صفة الواحدية الذاتية والأحدية الوصفية فليس ثم موجودان يشتركان في كل وصف ! ، وإن توأمين متماثلين ، فكيف بالقدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فلا يكون ثم تماثل أو تشابه في الخارج وإن حصل الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن ، فالشركة فيه لا توجب تماثلا أو تشابها في الخارج ، إذ لكل موجود ، كما تقدم ، حقيقة في الخارج تستقل فلا تحصل فيها شركة ، بل لا بد من قدر فارق وإلا أفضى ذلك إلى تمازج الذوات واختلاطها ، كما يقول أهل الحلول الخاص والاتحاد العام على وجه يوجب القدح في الكمال المطلق الذي اتصف به الرب ، جل وعلا ، إذ مازج الذوات الأرضية الحادثة ، شريفة كانت أو وضيعة ، طاهرة كانت أو نجسة ، كما التزم غلاة الاتحادية ولهم في ذلك شعر مشهور فيه من الزندقة والإلحاد ما لا يخفى ، ولو تدبرته ، لوجدت فيه شوبا من مقال الفلاسفة الأوائل وَمَنْ أخذ مِنْ مقالهم من النصارى بعد حصول التبديل لدين المسيح ، عليه السلام ، فلا يخفى ما في مقال الصلب والفداء من أَثَرٍ مِيثْرَائِيٍّ ، ولا يخفى ما في مقال التثليث من أَثَرٍ فرعوني ، كما يذكر بعض المحققين في استقراء ل**ادر النصرانية وما شابها من المقالات الأرضية وهي التي كانت بعد ذلك توطئة وتمهيدا لمقال العلمانية المعاصرة فهي فكر أرضي محدث لا تخفى أصوله المادية التي لا تمت للنبوات بصلة فقد كان الفلاسفة ، كما تقدم في مواضع سابقة ، أبعد الناس من النبوة ، *** يخالطوا أهلها إلا لِمَامًا ، بل إن من خالط أهلها منهم فمقاله إلى الحق أقرب ، فكان مقال أفلاطون أقرب إلى النبوة من مقال أرسطو ، كما يقرر بعض المحققين ، فمقال أرسطو أفسد مقالات الفلسفة وأبعدها من الوحي ، وهذا أصل جليل نَوَّهَ به بعض المحققين ، فكلما كان المقال إلى النبوة أقرب ، كان الخير فيه أعظم ، وإن كان باطلا في الجملة قد خالطه من الكفر أو الشرك ما يوجب نقض الإيمان نقضا ! ، فالعدل يقضي أن يعطى كل ذي حق حقه ، وإن في الذم ! ، فليس ذم من له شبهة دين ينتسب إلى الوحي ، كذم من دينه أرضي محدث لا سبب له يصله بالسماء ، ولو واهيا ، بل المقال الأرضي ، كما تقدم ، قد يكون أقرب إلى النبوة إذ خالط أهلها فحمل عنهم بعض الحق الذي ظهر في مقاله ، فلا يستوي مقال أرضي فيه طيف من كلام النبوة بآخر أرضي محدث من كل وجه ، فدين النصارى المثلثة مع ما وقع فيه من التبديل والتحريف الذي أتى على أصل التوحيد ، دينهم ، مع ذلك ، خير من دين الفلاسفة ، ومقال الكتابيين في التولد ، كما يقرر أهل الشأن ، خير من مقال الفلاسفة ، فإن المثلثة وإن أثبتوا تولد الأقانيم من الأب ، إلا أنهم مع ذلك يجعلون الأول خالقا لها فهي حادثة بعده فلا يستويان لا في الوجود فالأول سابق ، ولا في الرتبة فالأب يقدم على الأقانيم التي تولدت منه ، خلافا للفلاسفة فالقدم عندهم قدم لازم لا ينفك عن الذات الأولى ، فشرك الْقِدَمِ والأولية في كلامهم أظهر ، فكان مقالهم ، من هذا الوجه أقبح ، فالعدل ، كما تقدم ، يقضي أن يعطى كُلٌّ حقه ، وإن في الذم ، وقل مثله في دائرة الإسلام الأخص ، فإن المقال كلما كان أقرب إلى السنة ، وهي المقال الأول الذي أجمع عليه الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، إن في العلم أو في العمل ، فكلما كان المقال إليه أقرب كان أصح ، وذلك ينصرف ، بادي الرأي ، إلى قرب الزمان ، إذ النبوة غضة ، وآثارها في الأرض باقية ، وَبَرَكَتُهَا في العقد والشرع والحكم والسياسة والرياضة والزهادة ظاهرة ، والأمر ، مع ذلك ، لا يقتصر على قرب الزمان وحده فهو مظنة القرب من الحق إذ قَرُبَ العهد بزمانه إلا أن ثم مَنْ قَرُبَ زمانه بل واتصل بزمن النبوة وهو ، مع ذلك ، مارق خارج ، بل ومنافق كافر ، وثم في المقابل من بعد زمانه وهو على الحق الأول ، وإن خفيت آثاره ودرست معالمه في أ**ار أو أعصار متأخرة ، وذلك أمر دقيق فطن له بعض المستشرقين من أمثال المستشرق الفرنسي هنري لاووست إذ حد اصطلاح السلف أنه يعم كل من كان على طريقتهم في أصول الدين وفروعه وإن تأخر زمانه *** يعاصرهم بِبَدَنِهِ ، فيخرج منه من لم يكن على هديهم في العلم والعمل وإن تقدم زمانه في المقابل فعاصرهم ببدنه فإن رءوس المقالات المحدثة قد ظهروا وللسلف بقية بالنظر في القرون الثلاثة المفضلة فظهروا في أواخرها فهم ، من هذا الوجه ، من السلف بالنظر في الزمان والمكان ، ولكنهم ليسوا من السلف في الشرعة والمنهاج .
فليستمسك العاقل في هذه الأعصار المتأخرة وقد درس منهاج الحق لقدم العهد ، وكثرة الصاد عن سبيل الحق إن من أوليائه أو من أعدائه ! ، ليستمسك بطريقتهم المثلى في العلم والعمل جميعا فقد كانوا أهل علم وعمل فجمعوا الكتاب الهادي حاكما والسيف الناصر عاضدا ، ولا يضره أن يكون على الحق وإن ضل من ضل من أهل الأرض ، فتلك سمة تغلب في كل عصر ، فـ : (إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ، فما أقل أتباع النبوة الذين تجشموا العناء هجرة إلى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أمر ذُكِرَ في كلام السلف ، والخير فيهم أعظم والحق فيهم أظهر ، ومع ذلك ، اشتكى من اشتكى من وحشة الطريق وقلة السالكين ، فحذر السامع أن يوافق عامة الناس فيسلك سبيل الباطل فهي خفيفة ولكنها مع ذلك وبيئة تخدع الناظر بزخرفها ، وأغراه في المقابل أن يلتزم سبيل الحق فهي ثقيلة ولكنها مع ذلك مريئة نافعة ، وإن قل السالك وعظمت الغربة والوحشة ، فالمطلوب عظيم ، فَلْيَتَأَسَّ بقول أبي الطيب وهو الباحث عن العظمة والمجد في الدنيا فَلَهُ في ذلك من الهمة والعزم ما صار مضرب المثل :
غريب من الخلان في كل بلدة *** إذا عظم المطلوب قل المساعد .
أفلا يصبر طلاب المجد في الآخرة ، فهم أولى بهذه الغربة وأعظم مكابدة لهذه الوحشة ، وإنما يَتَأَسَّوْنَ بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، الذين بذلوا ما في الوسع واستفرغوا ما في الجهد ، فأعطوا الدم والمال والجهد والوقت نصرة للدين ، فهم خير من تأول قول رب العالمين جل وعلا : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فجاء التوكيد بالناسخ "إن" وأطنب في القسمة العقلية على وجه استغرق جميع الأحوال والأزمان على جهة العموم في النسك بعد الخصوص في الصلاة فهي من جملة الأنساك فذلك يجري مجرى عطف العام على الخاص ، وقد يجري مجرى التعاطف على جهة التغاير بالنظر في دلالة العهد في النسك إذ ينصرف إلى الذبح ، فيكون ذلك من ذكر بعض أفراد العام ، وهو *** العبادة الذي يستغرق الصلاة والذبح وسائر الشعائر والشرائع والسياسات والرياضات والأخلاق ...... إلخ ، فالعبادة ، كما تقدم ، اسم جامع لكل ما يحب الرب ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال ما ظهر منها وما بطن ، وذلك ، لو تدبرته ، يعم جميع الحركات الاختيارية ، ما خص منها الفرد أو عَمَّ الجماعة ، فيعم العقد الباطن والشعيرة الفردية والشريعة الجماعية والسياسة الحكمية والرياضة الزهدية ، فذكرت الصلاة ، وهي أصل في عبادات البدن ، وذكر النسك ، وهو أصل آخر في عبادات المال إذ يبذل ثمنا للنسك فضلا عن فعل الذبح وإراقة الدم تعظيما لحرمات الله ، جل وعلا ، فالذبح في نفسه عبادة وإن لم يتصدق باللحم ، وإن كانت الصدقة غرضا رئيسا إلا أن المقصود الأول هو تقديس الرب الأعظم ، جل وعلا ، بإراقة الدم بين يديه طلبا لمرضاته ، فذكر أصلين ، فهما من أجل عبادات البدن وعبادات المال ، كما ذكر بعض المحققين ، فضلا أنهما مما وقع فيه الشرك ولا زال ، فحسن التَّنْوِيهُ بهما من هذا الوجه ، وحسن الاحتراز في هذا الباب على وَجْهٍ تسد به الذريعة ، ولو ذبحا لله ، جل وعلا ، في مكان يذبح فيه لغيره فلا يذبح الذابح فيه ولو أخلص في النية وَوَحَّدَ في الذكر فسمى الله ، جل وعلا ، ولم يسم غيره ، حقيقة في الباطن والظاهر ، فتوجه بهما جميعا لله ، جل وعلا ، فإن كانت تلك حاله وفيها من كمال الباطن والظاهر ما لا يخفى إلا أن ذبحه في مكان يذبح فيه لغير الله ، جل وعلا ، مما ينهى عنه سدا للذريعة ولئلا يكثر الذابح سواد أهل الباطل فضلا أنه قد يفتن بما يَرَى من طقوس وزخرف ، ويعظم النهي إن كان من أهل الفضل الذين يقتدي بهم الناس فَعَنْهُمْ يأخذون الأحكام والشرائع ، وقل مثله في تكثير أهل الباطل في أي موضع ، إن في حق كالذبح لله ، جل وعلا ، كما تقدم ، والعمدة فيه حديث ثابت بن الضحاك ، رضي الله عنه ، وفيه : "نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» ، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»" .
فقل مثله في تكثير أهل الباطل في أي موضع ، إن في حق كالذبح لله ، جل وعلا ، كما تقدم ، وإن في باطل فينهى عن تكثير سواد أهل الباطل من باب أولى ، كالوفود على أهل الكتاب في كنائسهم في أعيادهم ، فالتهنئة لا تجوز ابتداء فَفِيهَا الإقرار على باطل في أمر الدين الذي لا تحصل السلامة فيه إلا بالمفاصلة ، فـ : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، بالنظر في صدر السورة أن خاطب القوم بما يحصل به التمايز بين الحق والباطل ، بين الإيمان والكفران ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، فالسخط يتنزل عليهم في ذلك اليوم كما في الأثر ، فأي عاقل يتقصد سخط الرب جل وعلا ؟! ، فضلا أن الوفود في هذا اليوم تكثير لأهل الباطل لا سيما إن كان الوافد ممن يقتدى به ، كما تقدم من النهي عن الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله ، جل وعلا ، وذلك أمر يعم كل زمان أو مكان يعصى فيه الرب ، جل وعلا ، فيشرع اعتزاله ولا تشرع المخالطة وإن لم يشاركهم المخالِط في باطلهم لئلا يكثر سوادهم ، فجاء التمثيل بأفراد ، هي الصلاة والنسك ، لعام وهو العبادة ، فلا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول ، وإنما نوه بهما لعظم أمرهما ، من وجه ، وعظم المخالفة فيهما من وجه آخر ، وهما أمرا دين محض ، ومن ثم عطف ما يستوفي قسمة العقل ، فذكر أمر الدنيا من الحياة والممات ، وهو ما يبطل مقال العلمانية المحدث الذي قصر الأمر على العبادة والشعائر المحضة ورام الفصل بين الدين والدنيا ، مع أن الوحي قد استغرق الجميع ، فعطف المحيى والممات ، وبينهما ما لا يخفى من الطباق إيجابا على وجه يستغرق زمان التكليف كله ، فضلا عن قسمة أولى ، قسمة الشعائر كالصلاة والنسك ، وقسمة الشرائع والسياسات التي بها تَنْتَظِمُ أمور الْمَحْيَى والممات ، وبعد الإطناب جاء الإخبار على جهة الاختصاص والاستحقاق ، فهي لله ، جل وعلا ، وحده لا لغيره ، فذلك من إفراده ، جل وعلا ، بالتأله ، وقد ختم بالعلة وهي انفراده ، جل وعلا ، بالربوبية التي تعم جميع الأعيان والأحوال ، فهو رب العالمين جميعا ، ودلالة "العالمين" إذ جمعت على حد الجمع المذكر السالم ، دلالة خصوص تقتصر على من له عقل من الملك والإنس والجن ، فذلك ، إن تدبرت ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، وهو جميع الأعيان والأحوال ، ما عقل منها وما عجم ، ما سكن وما جمد ، ما كان حيا يتحرك أو ميتا يسكن ، وقرينة العموم قول الرب المعبود جل وعلا : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فاستغرق العموم جميع الأشياء من الأعيان والأحوال ، فعم العاقل وغيره ، المتحرك والساكن ، الطَّيِّعَ والجامد .... إلخ من الأضداد ، فيشبه من وجه ما صدر به الكتاب من الحمد المستغرق لوجوهه جميعا لله ، جل وعلا ، فـ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فتلك عبادة لا يستحقها إلا الله ، جل وعلا ، فوجب إفراده بالحمد وقد ختم بالعلة ، أيضا ، وهي انفراده بالربوبية العامة ، فذلك من الخاص الذي أريد به عام ، فيجري ذلك مجرى المجاز ، عند من يثبته في اللسان والشرع ، ومن ينكره فإنه ، كما تقدم مرارا ، يجعل ذلك مما اشتهر في اللسان حتى صار حقيقة فهو من عرف اللسان المطرد ، فتلك حقيقة عرفية أخص من حقيقة اللغة الأعم بالنظر في أصل الوضع .
وعكسه ، وهو محل الشاهد في آية الأنبياء ، إطلاق العام وإرادة الخاص ، فأطلق العام : (كُلُّ نَفْسٍ) ، وذلك مما خص بالعقل فخرجت نفس الخالق ، جل وعلا ، كما تقدم ، وخرجت نفوس أخرى كالحور والولدان ، فذلك مما خص بالشرع : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، بل وثم من الخلق ما لا يذوق الموت كقوم يخلقهم الرب ، جل وعلا ، للجنة ابتداء ، كما في الخبر : "وأمّا الجنة فإنّ الله (عز وجل) ينشئ لها خلقاً" ، فذلك ، أيضا ، من التخصيص لعموم الآية بدليل الشرع ، فدخل التخصيص تارة من جهة العقل بالنظر في نفس الخالق ، جل وعلا ، وأخرى من جهة النقل ، كتابا ، كما في الاستثناء : (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، وسنة ، كما في الخبر ، وهو مما دخله القلب في رواية : "وإنّه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها" ، فذلك مما يضرب به المثل في كتب الاصطلاح للقلب في المتن ، أن أبدل لفظ بآخر ، فأبدل بضده في هذا الموضع ، فالقلب ، كما يقول أهل الشأن ، يكون في الإسناد ، كقلب في اسم الراوي بتقديم اسم أبيه على اسمه ، فيقال على سبيل المثال : مرة بن كعب بدلا من : كعب بن مرة ، ويكون في الإسناد ، من وجه آخر ، كما يقول بعض الباحثين ، يكون بالانتقال من حديث إلى آخر كحديث من طريق أنس ، رضي الله عنه ، يرويه فلان من مسند أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فانقلب عليه اسم الراوي الأعلى الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يقع ذلك الخطأ في طبقة أخرى فيبدل اسم راو بآخر ، وثم قلب في المتن ، كما في هذا الخبر ، فاستبدل لفظ "النار" بلفظ "الجنة" في هذا الموضع ، وتلك ، من الألفاظ الشاذة في الصحيح ، بل إن البخاري ، رحمه الله ، قد روى اللفظ الصحيح في موضع آخر من كتابه ، فروى الخبر في باب : "قَوْلِهِ: {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}" ، رواه بلفظ : "وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا" ، وروى اللفظ المقلوب في باب : "مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ}" ، فعد ذلك من الأحرف اليسيرة التي فاتها الإجماع الذي تلقت به الأمة الصحيحين بالقبول فاستثني منهما أحرف يسيرة ، كهذا الحرف ، وأكثرها ، باستقراء المحققين ، في صحيح مسلم ، وكثير منها إنما يكون في المتابعات والشواهد فلا يصدر به الباب على تفصيل ذكره أهل الشأن في هذا المبحث الجليل في حجية الصحيحين .
فَرُدَّ ذلك ، كما نوه بعض المحققين ، بأن الجنة دار فضل وأما النار فإنها درا عدل فلا يكون العذاب إلا بعد الإعذار وقيام الحجة وأولئك لو سلم أنهم يخلقون للنار لم تقم في حقهم حجة ولم يحصل إعذار ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فذلك قلب في الرواية دل على بطلانه مخالفته لنص التنزيل الصريح فذلك من المواضع التي يصح فيها نقد المتن أن خالف ظاهر القرآن المعتبر لا الظاهر المتكلف في أذهان من يخاصم السنة فهو في أحيان كثيرة يتكلف وجوها من التأويل يروم بها رد السنة أن خالفت القرآن بزعمه ، فليس ثم خلاف في نفس الأمر وإنما توهم من توهم الخلاف لعظم الجهل وقلة الفهم .
فذلك ، كما تقدم ، خلافا لخلق أقوام للجنة فذلك من الفضل ، وهو مما يؤتيه ، جل وعلا ، من شاء من الخلق ، بالقدرة والحكمة والرحمة ، فَبِهِ يحصل الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فذلك عام أريد به خاص فيجري ، أيضا ، مجرى المجاز عند من يثبته في اللسان والشرع ، ومن ينكره فإنه يطرد الأصل السابق أن ذلك مما اطرد في اللسان ، أيضا ، فضلا أن التخصيص كان بقرينة لفظية لا عقلية كالمجاز ، فخرجت نفس الخالق ، جل وعلا ، بلفظ : (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، فأكد إذ أطنب احترازا ، فذكر الوصف وهو الحياة ونفى ضده وهو الموت على ما اطرد في دلالة العقل الصريح أن إثبات الشيء يستلزم نفي ضده ، فأمر بالتوكل الذي أنيط بالاسم الذي يلائمه ، فإن التوكل لا يكون إلا على حي له كمال الحياة فهي أصل الصفات عموما ، وأصل صفات الذات خصوصا فتشاطرها القيومية إذ هي أصل الصفات الفعلية ، وهي تستوجب كمال القدرة والتصرف فحسن التوكل على من ذلك وصفه ، فدلالة "أل" في "الحي" مئنة من عموم يستغرق جميع أوصاف الحياة الكاملة ، وَزِيدَ في التقرير بِنَفْيِ الضد على جهة العموم ، من وجه ، إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل : (لا يموت) ، فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، وحد الفعل : (يموت) ، من وجه آخر ، على جهة المضارعة مئنة من ديمومة في الحال واستمرار في الاستقبال فلا يتصور أن يلحق هذا الوصف به ، جل وعلا ، فهو من النقص المطلق الذي تنزه عنه الرب الأكمل ، جل وعلا ، فلحوق النقص بذاته القدسية أو صفاته العلية ، ذلك الأمر ، من باب المحال لذاته فلا يناط بالمشيئة كما زعم من زعم من المثلثة في مقال الصلب والفداء إذ احتج بعموم القدرة ، ولا يناط بها إلا الممكن الجائز لا المحال لذاته ، فغايته أن يناط به العلم على جهة الفرض المحض ، كما في قول الرب جل وعلا : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) .
فخرجت نفس الخالق ، جل وعلا ، كما تقدم ، وخرجت نفوس أخرى بالاستثناء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، والخبر : "وأمّا الجنة فإنّ الله (عز وجل) ينشئ لها خلقاً" ، فقرائن التخصيص هنا لفظية لا عقلية ، فذلك باب غيب محض لا يتلقى إثباتا أو نفيا إلا من جهة الشرع الذي يخبر بالصدق ، وقد يقال إن خروج نفس الخالق ، جل وعلا ، مما اجتمع له دليل العقل ودليل النقل معا ، فالعقل يحيل بداهة أن يموت الخالق ، جل وعلا ، وهو المدبر لهذا الكون ، فكيف يصلح أمره وقد مات مدبِّره ، ومن الذي دبر أمره بعد أن صلب ومات ! ، كما يزعم النصارى الذين يحتفلون بعيد القيامة المجيد زعموا ، فتلك قيامة الرب ، جل وعلا ، من مرقده بعد أن قتل وصلب فداء للنوع الإنساني إذ لم يقدر على المغفرة ، فافتقر الأمر إلى فداء مقدس استوجب أن يمتثل اللاهوت في الناسوت وينزل من الملكوت ليصلب فداء للنوع ، وذلك أمر يكافئ في حده الجنون والسفسطة فلو لم يَرِدْ ويشتهر مَا تصور أحد أن ينطق به عاقل كما أثر عن ابن حزم ، رحمه الله ، وهو أمر تحار العقول في حده وتختلف إذ هو من الباطل المحض ، والباطل لا تطيق العقول حده إذ لا حقيقة له في الخارج لتحد ، فَتَنَدَّرَ بعض المحققين إذ يحكي القول باختلاف النصارى على أحد عشر قولا في تفسير هذا العقد إن اجتمع عشرة منهم ! .
فجاء العموم المخصوص ، كما تقدم ، فـ : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، ولفظ "كل" مما ذكر في اللفظ ، ولكنه قد اكتسب التأنيث بالإضافة إلى "نفس" فصح الإخبار عنه باللفظ المؤنث "ذائقة" ، فالإضافة تكسب اللفظ التأنيث ، كما في هذا الموضع ، وقد تكسبه التذكير ، كما في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، فالرحمة مؤنثة في اللفظ وقد أضيفت إلى اسم الله ، جل وعلا ، وهو مذكر بالنظر في اللفظ لا في الحقيقة فتقدس ، جل وعلا ، أن يشابه الخلق في *** أو نوع أو حقيقة في الخارج ، فلفظ الذكر والأنثى لا يطلق على من دونه من *** الملَك ، فمن زعم أنهم إناث فقد كفر إذ أنكر المتواتر من التنزيل ، فقد أنكر ، جل وعلا ، هذا القول في مواضع ، كما في قوله تعالى : (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) ، ومن زعم أنهم ذكور فقد فسق ، وإن صح رجوع الضمير على آحادهم رجوعه على المذكر فتقول : جبريل عليه السلام ، لا : جبريل عليها السلام ، ولا تقصد أنه ذكر أو رجل ، وإنما تخبر عنه بالضمير دون اعتقاد حقيقة تضاهي الحقيقة الإنسية أو الجنية التي يرجع الضمير المذكر فيها على المذكر بالنظر في ال*** والحقيقة في الخارج فالذكور والإناث من الإنس والجان وسائر أجناس الحيوان المخلوق إلا الملَك ، وذلك بالنظر في معنى الحياة التي اشتق منها لفظ الحيوان فهو *** في التعريف ، كما يقول أهل المنطق ، يعم سائر أنواع الحياة ، ما علا منها وشرف كحياة الملائكة ، وما سفل كحياة الحيوان الأعجم الذي لا يعقل ولا ينطق ، فيصح من هذا الوجه أن يطلق على الملائكة أنهم حيوان ناطق فلا يحصل الفصل في كلام المناطقة أن حدوا الإنسان أنه الحيوان الناطق ، فالجن كذلك والملَك ، فإن لم يصح إطلاق لقب الذكر على مخلوق وهو *** الملَك مع أن له مثلا في الخارج فثم ملائكة كثير ، *** يُسَوِّغْ رجوعُ الضمير المذكر في نحو : جبريل عليه السلام ، لم يُسَوِّغْ القولَ إن جبريل ، عليه السلام ، مذكر في الخارج وإن كان اسمه مذكرا في اللفظ ، فذلك يثبت في حق الله ، جل وعلا ، من باب أولى ، إذ لا مثل له ولا ند ، فالأمر في حقه أشد امتناعا ، فـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فلفظ الاسم الكريم "الله" مذكر ، وحقيقة ذات الله ، جل وعلا ، وصفاته وأفعاله مما لا يدرك كنهه عقل ، فلا يضاهي الذكر والأنثى في *** المخلوق ، فأضيفت "الرحمة" ، وهو محل الشاهد إلى اسم الله ، جل وعلا ، فاكتسبت التذكير من هذا الوجه فصح أن يخبر عنها بالمذكر "قريب" ، وثم من خَرَّجَ ذلك على تضمين الرحمة معنى الإحسان وهو لفظ مذكر يصح الإخبار عنه بمذكر فتأويل الكلام على هذا الوجه : إن إحسان الله قريب من المحسنين ، وذلك مورد اشتباه يستوجب الاستفصال إذ قد يتذرع من يتذرع بهذا التخريج أن يسوغ التأويل لصفات الأفعال ، والرحمة منها ، فقد تأولها بالإحسان ، كما في تقرير المتكلمين في هذا الباب إذ يتأولون الرحمة بإرادة الإحسان ، وذلك إن جرى مجرى التفسير بالأثر على وجه لا يستلزم تعطيل الأصل فلا إشكال ، وإنما الإشكال أن يتأول أصل الوصف بأثره في الخارج ، فَتُتَأَوَّلَ الرحمة بأثرها من الإحسان على وجه يفضي إلى إنكار وصف الرحمة لما يكون فيها من رقة وميل تنزه عنه الرب جل وعلا ! ، بزعم من تأول في هذا الموضع ، وما ألجأه إلى ذلك إلا أنه وقع في التشبيه الذي فر منه بالتأويل فما عطل وتأول إلا بعد أن شَبَّهَ وَمَثَّلَ *** يدرك من الرحمة إلا ما يرى من رحمة المخلوق التي قد تكون في مواضع ضعفا وخورا وسفها أن توضع في غير موضعها ، وهو ما ورد النهي عنه تحذيرا في مواضع الجلال كالحدود والتعازير كما في قوله تعالى : (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) ، أي في : حكمه ، فأطلق العام وهو الدين وهو مئنة من طاعة تستغرق جميع الشرائع ، فأطلق العام وأراد الخاص وهو حكم الله ، جل وعلا ، في هذا الحد بعينه ، فَكَانَ التشبيه ، وهو محل الشاهد ، كان التشبيه ، ابتداء ، ذريعة إلى التعطيل ، ولو اقتصر أن يثبت المعنى المطلق في الذهن والذي تجوز فيه الشركة بلا شبهة تمثيل أو تشبيه أو تكييف ، لو اقتصر على ذلك *** يخض في الكيف في الخارج بقياس تمثيل فاسد على المخلوق ، وذلك قياس فاسد ، إذ هو ، كما تقدم في مواضع عدة ، قياس مع الفارق ، لو اقتصر على ذلك الإثبات المطلق لمادة الرحمة في الذهن ما اضطر إلى ما اضطر إليه من التأويل الباطل .
وقد أُسْنِدَ إلى عموم : (كُلُّ نَفْسٍ) ، أُسْنِدَ إليه فعل الذوق على حد اسم الفاعل : (ذَائِقَةُ) ، وهو مما يعمل عمل مضارعه ، على تقدير : كل نفس تذوق الموت ، فهو يعمل عمل مضارعه في اللفظ ، وله نفس المدلول في المعنى فذلك أمر مستقبل بالنظر في حال كل نفس إذ لم تَزَلْ على قيد الحياة ، فتمحض المعنى للاستقبال دون الحال ، فيكون تأويل الكلام على هذا الوجه : كل نفس ستذوق الموت ، أو : سوف تذوق الموت ، بِالتَّنْفِيسِ الذي يوسع زمن الفعل إلى الاستقبال ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن إضافة العامل "ذائقة" إلى معموله "الموت" وهو المفعول المذاق إذ وقع عليه فعل الذوق ، قد يقال إن هذه الإضافة قد دلت على معنى المضي ، خلافا لقولك في غير التنزيل : كل نفس ذائقةٌ الموتَ ، بالقطع والنصب للمعمول ، فهو مئنة من استقبال لما يأت زمانه ، فيكون ذلك من تنزيل المستقبل منزلة الماضي المنقضي مئنة من تحقق الوقوع ، كما استعير الماضي للمستقبل في نحو قوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، أي : سيأتي ، فَنُزِّل الأمر منزلة الماضي فهو آت لا محالة ، أو هو قد أتى وانتهى الأمر بالنظر في علم الرب ، جل وعلا ، فهو العلم المحيط الذي استغرق الماضي والحاضر والمستقبل فهو قديم قدم الأزل ، فالعلم الأول يقوم بالذات القدسية فَلَهُ ما لها من وصف الأولية ، إذ الرب ، جل وعلا ، كما تقدم مرارا ، أول بالذات والاسم والوصف والفعل بالنظر في نوعه وإن أحدث ، جل وعلا ، ما شاء من آحاده بالقدرة النافذة والحكمة البالغة .
والذوق ، أيضا ، مما دخله البحث في الحقيقة والمجاز ، كما أطنب بعض المحققين ، فثم من قال إن هذا من المجاز إذ استعار الذوق المحسوس باللسان للذوق المعقول ، فالموت مما لا يذاق باللسان ، فيجري ذلك مجرى الذوق في نحو قول الرب جل وعلا : (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فذلك مما تعدى بالهمزة فالإذاقة من فعل الرب ، جل وعلا ، المتعدي ، وذلك يندرج في باب الأوصاف الفعلية الخبرية التي لا تَثْبُتُ إلا بالدليل ، وهو من فعل الجلال عدلا فما ظلمهم الله ، جل وعلا ، شيئا ، وإنما استحقوا ذلك بالعدل : (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فالباء ، في هذا الموضع ، نص في السببية وحسن الإطناب إمعانا في تقرير الجناية بإيراد فعل الكينونة الماضي الذي يدل على ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي ، بالصنيع الآثم ، فذلك أبلغ من قولك في غير التنزيل : بما صنعوا ، ودلالة "ما" مئنة من الوصل فثم عائد حذف قياسا في مثل هذا الموضع على تقدير : بما كانوا يصنعونه ، فالجوع والخوف من الوجدان الباطن الذي لا يدرك بحس اللسان الظاهر ذوقا كذوق المطعومات وال******* ، فاستعير الذوق المحسوس للذوق المعقول ، كما استعير فعل اللباس وهو أيضا مما ينصرف إلى لباس ا*** الساتر ، فكأن الجوع والخوف قد عم أبدانهم كما يعمها اللباس ، فذلك وجه استعارة آخر ، ومن ينكر المجاز فإنه يرد ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلى مشهور اللسان الذي يَتَوَسَّعُ في عرفه ما لا يُتَوَسَّعُ في حقيقة اللغة بالنظر في أصل الوضع ، فضلا أن الذوق ، كما يقول بعض المحققين ، *** عام تندرج فيه أنواع ، فهو يطلق على وجدان الشيء مطلقا ، فَثَمَّ وجدان با*** الظاهر كالمطعوم والمشروب ، وآخر با*** الباطن كالموت والجوع والخوف ، فلا مجاز إذ استغرق اللفظ بالنظر في ***ه الأعم ، استغرق الموت وسائر المواجيد الباطنة ، وقل مثله في اللباس فقد يتلبس الإنسان بشيء محسوس وقد يتلبس بشيء معقول فيقال : تلبس فلان بالأمر إذا دخل فيه فاستغرقه ، ف*** التلبس ، أيضا ، *** عام ، تحته أنواع فثم التلبس المحسوس وثم نظيره المعقول والسياق في جميعها هو الذي يعين مراد المتكلم .
ومن ثم جاء العطف : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وذلك فعل يظهر فيه وصف الجلال في إنزال الابتلاء ووجه الحكمة في إجرائه على بعض دون آخر وعلى جهة الحكم في الشرع ، فَحَالُ الابتلاء لها أحكام تخالف أحكام السلامة ، والحكمة ، كما تقدم مرارا ، تقضي أن يوضع الشيء في محله ، إن في الكون أو في الشرع ، فحسن أن يسند إلى ضمير الجماعة الذي استتر إيجابا ودلت عليه نون المضارعة التي صدر بها لفظ الفعل : (نَبْلُوكُمْ) ، وجاء الفعل مضارعا مئنة من ديمومة واستمرار ، فذلك فعل تحدث آحاده وإن كان نوعه قديما فيجري عليه ما يجري على سائر أوصاف الفعل ، فهو وصف ذات بالنظر في النوع فلا يناط بالمشيئة من هذا الوجه ، وهو وصف فعل بالنظر في آحاده التي يحدث ، جل وعلا ، منها ما شاء كيف شاء متى شاء بمقتضى القدرة النافذة والحكمة البالغة ، فيدخل من هذا الوجه في عموم الخبر : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" ، فيعم ، الأمر الشرعي كما في سياق الخبر ، والأمر الكوني ، كما في الآية محل الشاهد : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وجاء الطباق إيجابا بين الخير والشر فاستغرق شطري القسمة بالنظر في باب الابتلاء فلا يخرج المكلف ، كما تقدم ، أن يكون في خير يستوجب الشكر ، أو في شر بالنظر في المقدور المخلوق لا القدر النافذ فهو وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصفه ، تبارك وتعالى ، خير كله ، فهو يستوجب ، في المقابل ، الصبر ، فالعبد بين الخير والشر يَتَرَاوَحُ ، وذلك بالنظر في القدر الكوني النافذ ، وهو ، في المقابل ، بين الشكر والصبر يَتَرَاوَحُ ، وذلك بالنظر في القدر الشرعي الحاكم .
ومن ثم ذكر العلة على جهة المفعول لأجله : (فِتْنَةً) ، فقد نكرت مئنة من النوعية والتعظيم فهي فتنة عظيمة بها يظهر الصادق من الكاذب ، فبها يمتحن الناس وتظهر معادنهم وإن كان الرب ، جل وعلا ، يعلمها أزلا ، فالفتنة بها يكون علم الظهور والانكشاف الثاني الذي يواطئ علم التقدير الأول ، فهو من *** العلم في قول الرب جل وعلا : (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يجري مجرى التمثيل لعموم الفتنة بالشر في آية الأنبياء ، فبه ظهر المعلوم الثاني في الشهادة على وجه كان به التأويل والتصديق للمعلوم الأول في الغيب .
ومن ثم ختم بالرجوع إليه وحده ليكون ا***اب والجزاء على ما استخرج بفتن الدنيا خيرا وشرا ، فـ : (إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) فقدم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد فانتهاء الغاية الذي دلت عليه "إلى" ، انتهاء الغاية إليه وحده ، جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم ، موضع جلال ، فحسن أن تدخل "إلى" على ضمير الجمع في محل جر فضلا أنه يواطئ السياق إذ تقدم ضمير الجمع المستتر إيجابا في : (نَبْلُوكُمْ) ، على تقديره بـ : "نحن" ، ودلالة المضارع قد محضت للاستقبال دون الحال فذلك ال**ير والمآل في دار ا***اب والجزاء ، وقد يقال إن دلالة الحال هنا تعتبر إذ لا ينقطع الموت ! ، وهو رجوع أول إلى الله ، جل وعلا ، فمن مات فقد قامت قيامته الخاصة ، وهي القيامة الصغرى ، وثم رجوع أعم في القيامة الكبرى يوم الحشر ، وقد عم اللفظ بدلالة الضمير المجموع الذي يدل على جماعة الرجال وضعا وتدخل فيه جماعة الإناث تغليبا بل ويدخل فيه جميع الأحياء من العقلاء من الملَك والجن والإنس ، بل وغيرهم من الحيوان الأعجم ، بل ويدخل فيه كل مخلوق وإن جامدا ميتا ، فـ : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) ، فدلالة الوصل بـ : "مَنْ" في هذا السياق مئنة من خصوص أريد به عموم ، فهي بأصل الوضع مما يدل على العاقل وقرينة السياق قد رشحت العموم الذي يستغرق العاقل وغير العاقل ، وذلك ، أيضا ، من فعل الجلال الذي يحسن إسناده إلى ضمير الفاعلين المجموع مئنة من التعظيم في "نرث" ، فضلا عن التوكيد بالناسخ "إن" ، وضمير الفصل "نحن" ، وزد عليه الإطناب في الموروث : (الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) ، ومن ثم ختم كما ختم في آية الأنبياء ، فـ : (إِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) ، وإن كانت دلالة الياء التي صدر بها الفعل دلالة الغيبة خلافا لدلالة التاء في : (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ، فهي دلالة الخطاب .
والله أعلى وأعلم .
مما مدح به أهل الحق ممن سددهم الرب ، جل وعلا ، فثبتهم ، إذ ابتلوا بالشر ضيقا فصبروا ، وابتلوا بضده من الخير سعة فشكروا ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، مدار الابتلاء في هذه الدار ، فبعض يُبْتَلَى بالضيق والشدة ، وغيره يُبْتَلَى بالسعة والرخاء ، ولكل تكليف ، وذلك مئنة من حكمة بالغة أن نَوَّعَ ، جل وعلا ، في الابتلاء ، على جهة التضاد الذي يقع فيه من التدافع ما به صلاح الكون وحفظ النوع ، فالربوبية قد اقتضت بما لها من القدرة والحكمة ، أن تخلق الأضداد ، فعافية ومرض ، وضيق وسعة ، وفقر وغنى ، ولكلٍّ تكليف يلائمه ، فتلك الحكمة أن يُنَزِّلَ ، جل وعلا ، من رزق الكون بقدر على وجه يحفظ الأرض فلا يَبْغِي بَعْضُ البشر على بَعْضٍ ، وأن ينزل من رزق الشرع أحكاما ما يلائم كل حال ، فلكلِّ حال تكليف يلائمها ، فوافق التنزيل الشرعي التنزيلَ الكوني ، فالرب ، جل وعلا ، واحد ، فهو الذي خلق الأبدان بقدر التكوين ، وهو الذي أنزل الوحي بقدر التشريع ، فواطأ الشرع الكونَ ، فكل أولئك تأويل الخبر الصادق : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وقد صدر السياق بعموم محفوظ في : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، فذلك بالنظر في دلالة العهد الذهني ، على تقدير : كل نفس مخلوقة ، فخرجت نَفْسُ الخالق ، جل وعلا ، فهي إما أن تكون الذات ، وإما أن تكون صفة زائدة على الذات تقوم بها كسائر الصفات الذاتية والفعلية ، المعنوية والخبرية ، فكلها معان زائدة على الذات ، فهي تَقُومُ بِهَا على وجه لا يوجب ما أوجبه نفاة الصفات من الشرك في وصف القدم ! ، فإن الاسم يطلق على المسمى المجموع من الذات والوصف الذي يقوم بها فلا قيام له بنفسه لتصح شبهة التعدد في القدماء ، وهو من جملة ما يرد به على النصارى المثلثة إذ جعلوا الصفات أقانيم تستقل بذاتها فتفارق الرب الأول ، وهي ، مع ذلك ، أوصاف من أوصافه ! ، مع أن الوصف ، كما تقدم ، معنى ، فلا قيام له بنفسه وإنما يقوم بغيره على وجه تثبت به صفة الواحدية الذاتية والأحدية الوصفية فليس ثم موجودان يشتركان في كل وصف ! ، وإن توأمين متماثلين ، فكيف بالقدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فلا يكون ثم تماثل أو تشابه في الخارج وإن حصل الاشتراك في المعنى المطلق في الذهن ، فالشركة فيه لا توجب تماثلا أو تشابها في الخارج ، إذ لكل موجود ، كما تقدم ، حقيقة في الخارج تستقل فلا تحصل فيها شركة ، بل لا بد من قدر فارق وإلا أفضى ذلك إلى تمازج الذوات واختلاطها ، كما يقول أهل الحلول الخاص والاتحاد العام على وجه يوجب القدح في الكمال المطلق الذي اتصف به الرب ، جل وعلا ، إذ مازج الذوات الأرضية الحادثة ، شريفة كانت أو وضيعة ، طاهرة كانت أو نجسة ، كما التزم غلاة الاتحادية ولهم في ذلك شعر مشهور فيه من الزندقة والإلحاد ما لا يخفى ، ولو تدبرته ، لوجدت فيه شوبا من مقال الفلاسفة الأوائل وَمَنْ أخذ مِنْ مقالهم من النصارى بعد حصول التبديل لدين المسيح ، عليه السلام ، فلا يخفى ما في مقال الصلب والفداء من أَثَرٍ مِيثْرَائِيٍّ ، ولا يخفى ما في مقال التثليث من أَثَرٍ فرعوني ، كما يذكر بعض المحققين في استقراء ل**ادر النصرانية وما شابها من المقالات الأرضية وهي التي كانت بعد ذلك توطئة وتمهيدا لمقال العلمانية المعاصرة فهي فكر أرضي محدث لا تخفى أصوله المادية التي لا تمت للنبوات بصلة فقد كان الفلاسفة ، كما تقدم في مواضع سابقة ، أبعد الناس من النبوة ، *** يخالطوا أهلها إلا لِمَامًا ، بل إن من خالط أهلها منهم فمقاله إلى الحق أقرب ، فكان مقال أفلاطون أقرب إلى النبوة من مقال أرسطو ، كما يقرر بعض المحققين ، فمقال أرسطو أفسد مقالات الفلسفة وأبعدها من الوحي ، وهذا أصل جليل نَوَّهَ به بعض المحققين ، فكلما كان المقال إلى النبوة أقرب ، كان الخير فيه أعظم ، وإن كان باطلا في الجملة قد خالطه من الكفر أو الشرك ما يوجب نقض الإيمان نقضا ! ، فالعدل يقضي أن يعطى كل ذي حق حقه ، وإن في الذم ! ، فليس ذم من له شبهة دين ينتسب إلى الوحي ، كذم من دينه أرضي محدث لا سبب له يصله بالسماء ، ولو واهيا ، بل المقال الأرضي ، كما تقدم ، قد يكون أقرب إلى النبوة إذ خالط أهلها فحمل عنهم بعض الحق الذي ظهر في مقاله ، فلا يستوي مقال أرضي فيه طيف من كلام النبوة بآخر أرضي محدث من كل وجه ، فدين النصارى المثلثة مع ما وقع فيه من التبديل والتحريف الذي أتى على أصل التوحيد ، دينهم ، مع ذلك ، خير من دين الفلاسفة ، ومقال الكتابيين في التولد ، كما يقرر أهل الشأن ، خير من مقال الفلاسفة ، فإن المثلثة وإن أثبتوا تولد الأقانيم من الأب ، إلا أنهم مع ذلك يجعلون الأول خالقا لها فهي حادثة بعده فلا يستويان لا في الوجود فالأول سابق ، ولا في الرتبة فالأب يقدم على الأقانيم التي تولدت منه ، خلافا للفلاسفة فالقدم عندهم قدم لازم لا ينفك عن الذات الأولى ، فشرك الْقِدَمِ والأولية في كلامهم أظهر ، فكان مقالهم ، من هذا الوجه أقبح ، فالعدل ، كما تقدم ، يقضي أن يعطى كُلٌّ حقه ، وإن في الذم ، وقل مثله في دائرة الإسلام الأخص ، فإن المقال كلما كان أقرب إلى السنة ، وهي المقال الأول الذي أجمع عليه الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، إن في العلم أو في العمل ، فكلما كان المقال إليه أقرب كان أصح ، وذلك ينصرف ، بادي الرأي ، إلى قرب الزمان ، إذ النبوة غضة ، وآثارها في الأرض باقية ، وَبَرَكَتُهَا في العقد والشرع والحكم والسياسة والرياضة والزهادة ظاهرة ، والأمر ، مع ذلك ، لا يقتصر على قرب الزمان وحده فهو مظنة القرب من الحق إذ قَرُبَ العهد بزمانه إلا أن ثم مَنْ قَرُبَ زمانه بل واتصل بزمن النبوة وهو ، مع ذلك ، مارق خارج ، بل ومنافق كافر ، وثم في المقابل من بعد زمانه وهو على الحق الأول ، وإن خفيت آثاره ودرست معالمه في أ**ار أو أعصار متأخرة ، وذلك أمر دقيق فطن له بعض المستشرقين من أمثال المستشرق الفرنسي هنري لاووست إذ حد اصطلاح السلف أنه يعم كل من كان على طريقتهم في أصول الدين وفروعه وإن تأخر زمانه *** يعاصرهم بِبَدَنِهِ ، فيخرج منه من لم يكن على هديهم في العلم والعمل وإن تقدم زمانه في المقابل فعاصرهم ببدنه فإن رءوس المقالات المحدثة قد ظهروا وللسلف بقية بالنظر في القرون الثلاثة المفضلة فظهروا في أواخرها فهم ، من هذا الوجه ، من السلف بالنظر في الزمان والمكان ، ولكنهم ليسوا من السلف في الشرعة والمنهاج .
فليستمسك العاقل في هذه الأعصار المتأخرة وقد درس منهاج الحق لقدم العهد ، وكثرة الصاد عن سبيل الحق إن من أوليائه أو من أعدائه ! ، ليستمسك بطريقتهم المثلى في العلم والعمل جميعا فقد كانوا أهل علم وعمل فجمعوا الكتاب الهادي حاكما والسيف الناصر عاضدا ، ولا يضره أن يكون على الحق وإن ضل من ضل من أهل الأرض ، فتلك سمة تغلب في كل عصر ، فـ : (إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ، فما أقل أتباع النبوة الذين تجشموا العناء هجرة إلى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وذلك أمر ذُكِرَ في كلام السلف ، والخير فيهم أعظم والحق فيهم أظهر ، ومع ذلك ، اشتكى من اشتكى من وحشة الطريق وقلة السالكين ، فحذر السامع أن يوافق عامة الناس فيسلك سبيل الباطل فهي خفيفة ولكنها مع ذلك وبيئة تخدع الناظر بزخرفها ، وأغراه في المقابل أن يلتزم سبيل الحق فهي ثقيلة ولكنها مع ذلك مريئة نافعة ، وإن قل السالك وعظمت الغربة والوحشة ، فالمطلوب عظيم ، فَلْيَتَأَسَّ بقول أبي الطيب وهو الباحث عن العظمة والمجد في الدنيا فَلَهُ في ذلك من الهمة والعزم ما صار مضرب المثل :
غريب من الخلان في كل بلدة *** إذا عظم المطلوب قل المساعد .
أفلا يصبر طلاب المجد في الآخرة ، فهم أولى بهذه الغربة وأعظم مكابدة لهذه الوحشة ، وإنما يَتَأَسَّوْنَ بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، الذين بذلوا ما في الوسع واستفرغوا ما في الجهد ، فأعطوا الدم والمال والجهد والوقت نصرة للدين ، فهم خير من تأول قول رب العالمين جل وعلا : (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فجاء التوكيد بالناسخ "إن" وأطنب في القسمة العقلية على وجه استغرق جميع الأحوال والأزمان على جهة العموم في النسك بعد الخصوص في الصلاة فهي من جملة الأنساك فذلك يجري مجرى عطف العام على الخاص ، وقد يجري مجرى التعاطف على جهة التغاير بالنظر في دلالة العهد في النسك إذ ينصرف إلى الذبح ، فيكون ذلك من ذكر بعض أفراد العام ، وهو *** العبادة الذي يستغرق الصلاة والذبح وسائر الشعائر والشرائع والسياسات والرياضات والأخلاق ...... إلخ ، فالعبادة ، كما تقدم ، اسم جامع لكل ما يحب الرب ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال ما ظهر منها وما بطن ، وذلك ، لو تدبرته ، يعم جميع الحركات الاختيارية ، ما خص منها الفرد أو عَمَّ الجماعة ، فيعم العقد الباطن والشعيرة الفردية والشريعة الجماعية والسياسة الحكمية والرياضة الزهدية ، فذكرت الصلاة ، وهي أصل في عبادات البدن ، وذكر النسك ، وهو أصل آخر في عبادات المال إذ يبذل ثمنا للنسك فضلا عن فعل الذبح وإراقة الدم تعظيما لحرمات الله ، جل وعلا ، فالذبح في نفسه عبادة وإن لم يتصدق باللحم ، وإن كانت الصدقة غرضا رئيسا إلا أن المقصود الأول هو تقديس الرب الأعظم ، جل وعلا ، بإراقة الدم بين يديه طلبا لمرضاته ، فذكر أصلين ، فهما من أجل عبادات البدن وعبادات المال ، كما ذكر بعض المحققين ، فضلا أنهما مما وقع فيه الشرك ولا زال ، فحسن التَّنْوِيهُ بهما من هذا الوجه ، وحسن الاحتراز في هذا الباب على وَجْهٍ تسد به الذريعة ، ولو ذبحا لله ، جل وعلا ، في مكان يذبح فيه لغيره فلا يذبح الذابح فيه ولو أخلص في النية وَوَحَّدَ في الذكر فسمى الله ، جل وعلا ، ولم يسم غيره ، حقيقة في الباطن والظاهر ، فتوجه بهما جميعا لله ، جل وعلا ، فإن كانت تلك حاله وفيها من كمال الباطن والظاهر ما لا يخفى إلا أن ذبحه في مكان يذبح فيه لغير الله ، جل وعلا ، مما ينهى عنه سدا للذريعة ولئلا يكثر الذابح سواد أهل الباطل فضلا أنه قد يفتن بما يَرَى من طقوس وزخرف ، ويعظم النهي إن كان من أهل الفضل الذين يقتدي بهم الناس فَعَنْهُمْ يأخذون الأحكام والشرائع ، وقل مثله في تكثير أهل الباطل في أي موضع ، إن في حق كالذبح لله ، جل وعلا ، كما تقدم ، والعمدة فيه حديث ثابت بن الضحاك ، رضي الله عنه ، وفيه : "نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» ، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»" .
فقل مثله في تكثير أهل الباطل في أي موضع ، إن في حق كالذبح لله ، جل وعلا ، كما تقدم ، وإن في باطل فينهى عن تكثير سواد أهل الباطل من باب أولى ، كالوفود على أهل الكتاب في كنائسهم في أعيادهم ، فالتهنئة لا تجوز ابتداء فَفِيهَا الإقرار على باطل في أمر الدين الذي لا تحصل السلامة فيه إلا بالمفاصلة ، فـ : (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) ، بالنظر في صدر السورة أن خاطب القوم بما يحصل به التمايز بين الحق والباطل ، بين الإيمان والكفران ، فـ : (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، فالسخط يتنزل عليهم في ذلك اليوم كما في الأثر ، فأي عاقل يتقصد سخط الرب جل وعلا ؟! ، فضلا أن الوفود في هذا اليوم تكثير لأهل الباطل لا سيما إن كان الوافد ممن يقتدى به ، كما تقدم من النهي عن الذبح في مكان يذبح فيه لغير الله ، جل وعلا ، وذلك أمر يعم كل زمان أو مكان يعصى فيه الرب ، جل وعلا ، فيشرع اعتزاله ولا تشرع المخالطة وإن لم يشاركهم المخالِط في باطلهم لئلا يكثر سوادهم ، فجاء التمثيل بأفراد ، هي الصلاة والنسك ، لعام وهو العبادة ، فلا يخصصه ، كما قرر أهل الأصول ، وإنما نوه بهما لعظم أمرهما ، من وجه ، وعظم المخالفة فيهما من وجه آخر ، وهما أمرا دين محض ، ومن ثم عطف ما يستوفي قسمة العقل ، فذكر أمر الدنيا من الحياة والممات ، وهو ما يبطل مقال العلمانية المحدث الذي قصر الأمر على العبادة والشعائر المحضة ورام الفصل بين الدين والدنيا ، مع أن الوحي قد استغرق الجميع ، فعطف المحيى والممات ، وبينهما ما لا يخفى من الطباق إيجابا على وجه يستغرق زمان التكليف كله ، فضلا عن قسمة أولى ، قسمة الشعائر كالصلاة والنسك ، وقسمة الشرائع والسياسات التي بها تَنْتَظِمُ أمور الْمَحْيَى والممات ، وبعد الإطناب جاء الإخبار على جهة الاختصاص والاستحقاق ، فهي لله ، جل وعلا ، وحده لا لغيره ، فذلك من إفراده ، جل وعلا ، بالتأله ، وقد ختم بالعلة وهي انفراده ، جل وعلا ، بالربوبية التي تعم جميع الأعيان والأحوال ، فهو رب العالمين جميعا ، ودلالة "العالمين" إذ جمعت على حد الجمع المذكر السالم ، دلالة خصوص تقتصر على من له عقل من الملك والإنس والجن ، فذلك ، إن تدبرت ، يجري مجرى الخاص الذي يراد به عام ، وهو جميع الأعيان والأحوال ، ما عقل منها وما عجم ، ما سكن وما جمد ، ما كان حيا يتحرك أو ميتا يسكن ، وقرينة العموم قول الرب المعبود جل وعلا : (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ) ، فاستغرق العموم جميع الأشياء من الأعيان والأحوال ، فعم العاقل وغيره ، المتحرك والساكن ، الطَّيِّعَ والجامد .... إلخ من الأضداد ، فيشبه من وجه ما صدر به الكتاب من الحمد المستغرق لوجوهه جميعا لله ، جل وعلا ، فـ : (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) ، فتلك عبادة لا يستحقها إلا الله ، جل وعلا ، فوجب إفراده بالحمد وقد ختم بالعلة ، أيضا ، وهي انفراده بالربوبية العامة ، فذلك من الخاص الذي أريد به عام ، فيجري ذلك مجرى المجاز ، عند من يثبته في اللسان والشرع ، ومن ينكره فإنه ، كما تقدم مرارا ، يجعل ذلك مما اشتهر في اللسان حتى صار حقيقة فهو من عرف اللسان المطرد ، فتلك حقيقة عرفية أخص من حقيقة اللغة الأعم بالنظر في أصل الوضع .
وعكسه ، وهو محل الشاهد في آية الأنبياء ، إطلاق العام وإرادة الخاص ، فأطلق العام : (كُلُّ نَفْسٍ) ، وذلك مما خص بالعقل فخرجت نفس الخالق ، جل وعلا ، كما تقدم ، وخرجت نفوس أخرى كالحور والولدان ، فذلك مما خص بالشرع : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، بل وثم من الخلق ما لا يذوق الموت كقوم يخلقهم الرب ، جل وعلا ، للجنة ابتداء ، كما في الخبر : "وأمّا الجنة فإنّ الله (عز وجل) ينشئ لها خلقاً" ، فذلك ، أيضا ، من التخصيص لعموم الآية بدليل الشرع ، فدخل التخصيص تارة من جهة العقل بالنظر في نفس الخالق ، جل وعلا ، وأخرى من جهة النقل ، كتابا ، كما في الاستثناء : (إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، وسنة ، كما في الخبر ، وهو مما دخله القلب في رواية : "وإنّه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها" ، فذلك مما يضرب به المثل في كتب الاصطلاح للقلب في المتن ، أن أبدل لفظ بآخر ، فأبدل بضده في هذا الموضع ، فالقلب ، كما يقول أهل الشأن ، يكون في الإسناد ، كقلب في اسم الراوي بتقديم اسم أبيه على اسمه ، فيقال على سبيل المثال : مرة بن كعب بدلا من : كعب بن مرة ، ويكون في الإسناد ، من وجه آخر ، كما يقول بعض الباحثين ، يكون بالانتقال من حديث إلى آخر كحديث من طريق أنس ، رضي الله عنه ، يرويه فلان من مسند أبي هريرة ، رضي الله عنه ، فانقلب عليه اسم الراوي الأعلى الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يقع ذلك الخطأ في طبقة أخرى فيبدل اسم راو بآخر ، وثم قلب في المتن ، كما في هذا الخبر ، فاستبدل لفظ "النار" بلفظ "الجنة" في هذا الموضع ، وتلك ، من الألفاظ الشاذة في الصحيح ، بل إن البخاري ، رحمه الله ، قد روى اللفظ الصحيح في موضع آخر من كتابه ، فروى الخبر في باب : "قَوْلِهِ: {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}" ، رواه بلفظ : "وَأَمَّا الجَنَّةُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا" ، وروى اللفظ المقلوب في باب : "مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ}" ، فعد ذلك من الأحرف اليسيرة التي فاتها الإجماع الذي تلقت به الأمة الصحيحين بالقبول فاستثني منهما أحرف يسيرة ، كهذا الحرف ، وأكثرها ، باستقراء المحققين ، في صحيح مسلم ، وكثير منها إنما يكون في المتابعات والشواهد فلا يصدر به الباب على تفصيل ذكره أهل الشأن في هذا المبحث الجليل في حجية الصحيحين .
فَرُدَّ ذلك ، كما نوه بعض المحققين ، بأن الجنة دار فضل وأما النار فإنها درا عدل فلا يكون العذاب إلا بعد الإعذار وقيام الحجة وأولئك لو سلم أنهم يخلقون للنار لم تقم في حقهم حجة ولم يحصل إعذار ، فـ : (مَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) ، فذلك قلب في الرواية دل على بطلانه مخالفته لنص التنزيل الصريح فذلك من المواضع التي يصح فيها نقد المتن أن خالف ظاهر القرآن المعتبر لا الظاهر المتكلف في أذهان من يخاصم السنة فهو في أحيان كثيرة يتكلف وجوها من التأويل يروم بها رد السنة أن خالفت القرآن بزعمه ، فليس ثم خلاف في نفس الأمر وإنما توهم من توهم الخلاف لعظم الجهل وقلة الفهم .
فذلك ، كما تقدم ، خلافا لخلق أقوام للجنة فذلك من الفضل ، وهو مما يؤتيه ، جل وعلا ، من شاء من الخلق ، بالقدرة والحكمة والرحمة ، فَبِهِ يحصل الثناء التام على رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فذلك عام أريد به خاص فيجري ، أيضا ، مجرى المجاز عند من يثبته في اللسان والشرع ، ومن ينكره فإنه يطرد الأصل السابق أن ذلك مما اطرد في اللسان ، أيضا ، فضلا أن التخصيص كان بقرينة لفظية لا عقلية كالمجاز ، فخرجت نفس الخالق ، جل وعلا ، بلفظ : (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ) ، فأكد إذ أطنب احترازا ، فذكر الوصف وهو الحياة ونفى ضده وهو الموت على ما اطرد في دلالة العقل الصريح أن إثبات الشيء يستلزم نفي ضده ، فأمر بالتوكل الذي أنيط بالاسم الذي يلائمه ، فإن التوكل لا يكون إلا على حي له كمال الحياة فهي أصل الصفات عموما ، وأصل صفات الذات خصوصا فتشاطرها القيومية إذ هي أصل الصفات الفعلية ، وهي تستوجب كمال القدرة والتصرف فحسن التوكل على من ذلك وصفه ، فدلالة "أل" في "الحي" مئنة من عموم يستغرق جميع أوصاف الحياة الكاملة ، وَزِيدَ في التقرير بِنَفْيِ الضد على جهة العموم ، من وجه ، إذ تسلط النفي على ال**در الكامن في الفعل : (لا يموت) ، فأفاد العموم ، من هذا الوجه ، وحد الفعل : (يموت) ، من وجه آخر ، على جهة المضارعة مئنة من ديمومة في الحال واستمرار في الاستقبال فلا يتصور أن يلحق هذا الوصف به ، جل وعلا ، فهو من النقص المطلق الذي تنزه عنه الرب الأكمل ، جل وعلا ، فلحوق النقص بذاته القدسية أو صفاته العلية ، ذلك الأمر ، من باب المحال لذاته فلا يناط بالمشيئة كما زعم من زعم من المثلثة في مقال الصلب والفداء إذ احتج بعموم القدرة ، ولا يناط بها إلا الممكن الجائز لا المحال لذاته ، فغايته أن يناط به العلم على جهة الفرض المحض ، كما في قول الرب جل وعلا : (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) .
فخرجت نفس الخالق ، جل وعلا ، كما تقدم ، وخرجت نفوس أخرى بالاستثناء في قول رب الأرض والسماء جل وعلا : (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ) ، والخبر : "وأمّا الجنة فإنّ الله (عز وجل) ينشئ لها خلقاً" ، فقرائن التخصيص هنا لفظية لا عقلية ، فذلك باب غيب محض لا يتلقى إثباتا أو نفيا إلا من جهة الشرع الذي يخبر بالصدق ، وقد يقال إن خروج نفس الخالق ، جل وعلا ، مما اجتمع له دليل العقل ودليل النقل معا ، فالعقل يحيل بداهة أن يموت الخالق ، جل وعلا ، وهو المدبر لهذا الكون ، فكيف يصلح أمره وقد مات مدبِّره ، ومن الذي دبر أمره بعد أن صلب ومات ! ، كما يزعم النصارى الذين يحتفلون بعيد القيامة المجيد زعموا ، فتلك قيامة الرب ، جل وعلا ، من مرقده بعد أن قتل وصلب فداء للنوع الإنساني إذ لم يقدر على المغفرة ، فافتقر الأمر إلى فداء مقدس استوجب أن يمتثل اللاهوت في الناسوت وينزل من الملكوت ليصلب فداء للنوع ، وذلك أمر يكافئ في حده الجنون والسفسطة فلو لم يَرِدْ ويشتهر مَا تصور أحد أن ينطق به عاقل كما أثر عن ابن حزم ، رحمه الله ، وهو أمر تحار العقول في حده وتختلف إذ هو من الباطل المحض ، والباطل لا تطيق العقول حده إذ لا حقيقة له في الخارج لتحد ، فَتَنَدَّرَ بعض المحققين إذ يحكي القول باختلاف النصارى على أحد عشر قولا في تفسير هذا العقد إن اجتمع عشرة منهم ! .
فجاء العموم المخصوص ، كما تقدم ، فـ : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) ، ولفظ "كل" مما ذكر في اللفظ ، ولكنه قد اكتسب التأنيث بالإضافة إلى "نفس" فصح الإخبار عنه باللفظ المؤنث "ذائقة" ، فالإضافة تكسب اللفظ التأنيث ، كما في هذا الموضع ، وقد تكسبه التذكير ، كما في قول الحميد المجيد تبارك وتعالى : (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) ، فالرحمة مؤنثة في اللفظ وقد أضيفت إلى اسم الله ، جل وعلا ، وهو مذكر بالنظر في اللفظ لا في الحقيقة فتقدس ، جل وعلا ، أن يشابه الخلق في *** أو نوع أو حقيقة في الخارج ، فلفظ الذكر والأنثى لا يطلق على من دونه من *** الملَك ، فمن زعم أنهم إناث فقد كفر إذ أنكر المتواتر من التنزيل ، فقد أنكر ، جل وعلا ، هذا القول في مواضع ، كما في قوله تعالى : (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) ، ومن زعم أنهم ذكور فقد فسق ، وإن صح رجوع الضمير على آحادهم رجوعه على المذكر فتقول : جبريل عليه السلام ، لا : جبريل عليها السلام ، ولا تقصد أنه ذكر أو رجل ، وإنما تخبر عنه بالضمير دون اعتقاد حقيقة تضاهي الحقيقة الإنسية أو الجنية التي يرجع الضمير المذكر فيها على المذكر بالنظر في ال*** والحقيقة في الخارج فالذكور والإناث من الإنس والجان وسائر أجناس الحيوان المخلوق إلا الملَك ، وذلك بالنظر في معنى الحياة التي اشتق منها لفظ الحيوان فهو *** في التعريف ، كما يقول أهل المنطق ، يعم سائر أنواع الحياة ، ما علا منها وشرف كحياة الملائكة ، وما سفل كحياة الحيوان الأعجم الذي لا يعقل ولا ينطق ، فيصح من هذا الوجه أن يطلق على الملائكة أنهم حيوان ناطق فلا يحصل الفصل في كلام المناطقة أن حدوا الإنسان أنه الحيوان الناطق ، فالجن كذلك والملَك ، فإن لم يصح إطلاق لقب الذكر على مخلوق وهو *** الملَك مع أن له مثلا في الخارج فثم ملائكة كثير ، *** يُسَوِّغْ رجوعُ الضمير المذكر في نحو : جبريل عليه السلام ، لم يُسَوِّغْ القولَ إن جبريل ، عليه السلام ، مذكر في الخارج وإن كان اسمه مذكرا في اللفظ ، فذلك يثبت في حق الله ، جل وعلا ، من باب أولى ، إذ لا مثل له ولا ند ، فالأمر في حقه أشد امتناعا ، فـ : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ، فلفظ الاسم الكريم "الله" مذكر ، وحقيقة ذات الله ، جل وعلا ، وصفاته وأفعاله مما لا يدرك كنهه عقل ، فلا يضاهي الذكر والأنثى في *** المخلوق ، فأضيفت "الرحمة" ، وهو محل الشاهد إلى اسم الله ، جل وعلا ، فاكتسبت التذكير من هذا الوجه فصح أن يخبر عنها بالمذكر "قريب" ، وثم من خَرَّجَ ذلك على تضمين الرحمة معنى الإحسان وهو لفظ مذكر يصح الإخبار عنه بمذكر فتأويل الكلام على هذا الوجه : إن إحسان الله قريب من المحسنين ، وذلك مورد اشتباه يستوجب الاستفصال إذ قد يتذرع من يتذرع بهذا التخريج أن يسوغ التأويل لصفات الأفعال ، والرحمة منها ، فقد تأولها بالإحسان ، كما في تقرير المتكلمين في هذا الباب إذ يتأولون الرحمة بإرادة الإحسان ، وذلك إن جرى مجرى التفسير بالأثر على وجه لا يستلزم تعطيل الأصل فلا إشكال ، وإنما الإشكال أن يتأول أصل الوصف بأثره في الخارج ، فَتُتَأَوَّلَ الرحمة بأثرها من الإحسان على وجه يفضي إلى إنكار وصف الرحمة لما يكون فيها من رقة وميل تنزه عنه الرب جل وعلا ! ، بزعم من تأول في هذا الموضع ، وما ألجأه إلى ذلك إلا أنه وقع في التشبيه الذي فر منه بالتأويل فما عطل وتأول إلا بعد أن شَبَّهَ وَمَثَّلَ *** يدرك من الرحمة إلا ما يرى من رحمة المخلوق التي قد تكون في مواضع ضعفا وخورا وسفها أن توضع في غير موضعها ، وهو ما ورد النهي عنه تحذيرا في مواضع الجلال كالحدود والتعازير كما في قوله تعالى : (وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ) ، أي في : حكمه ، فأطلق العام وهو الدين وهو مئنة من طاعة تستغرق جميع الشرائع ، فأطلق العام وأراد الخاص وهو حكم الله ، جل وعلا ، في هذا الحد بعينه ، فَكَانَ التشبيه ، وهو محل الشاهد ، كان التشبيه ، ابتداء ، ذريعة إلى التعطيل ، ولو اقتصر أن يثبت المعنى المطلق في الذهن والذي تجوز فيه الشركة بلا شبهة تمثيل أو تشبيه أو تكييف ، لو اقتصر على ذلك *** يخض في الكيف في الخارج بقياس تمثيل فاسد على المخلوق ، وذلك قياس فاسد ، إذ هو ، كما تقدم في مواضع عدة ، قياس مع الفارق ، لو اقتصر على ذلك الإثبات المطلق لمادة الرحمة في الذهن ما اضطر إلى ما اضطر إليه من التأويل الباطل .
وقد أُسْنِدَ إلى عموم : (كُلُّ نَفْسٍ) ، أُسْنِدَ إليه فعل الذوق على حد اسم الفاعل : (ذَائِقَةُ) ، وهو مما يعمل عمل مضارعه ، على تقدير : كل نفس تذوق الموت ، فهو يعمل عمل مضارعه في اللفظ ، وله نفس المدلول في المعنى فذلك أمر مستقبل بالنظر في حال كل نفس إذ لم تَزَلْ على قيد الحياة ، فتمحض المعنى للاستقبال دون الحال ، فيكون تأويل الكلام على هذا الوجه : كل نفس ستذوق الموت ، أو : سوف تذوق الموت ، بِالتَّنْفِيسِ الذي يوسع زمن الفعل إلى الاستقبال ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن إضافة العامل "ذائقة" إلى معموله "الموت" وهو المفعول المذاق إذ وقع عليه فعل الذوق ، قد يقال إن هذه الإضافة قد دلت على معنى المضي ، خلافا لقولك في غير التنزيل : كل نفس ذائقةٌ الموتَ ، بالقطع والنصب للمعمول ، فهو مئنة من استقبال لما يأت زمانه ، فيكون ذلك من تنزيل المستقبل منزلة الماضي المنقضي مئنة من تحقق الوقوع ، كما استعير الماضي للمستقبل في نحو قوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ) ، أي : سيأتي ، فَنُزِّل الأمر منزلة الماضي فهو آت لا محالة ، أو هو قد أتى وانتهى الأمر بالنظر في علم الرب ، جل وعلا ، فهو العلم المحيط الذي استغرق الماضي والحاضر والمستقبل فهو قديم قدم الأزل ، فالعلم الأول يقوم بالذات القدسية فَلَهُ ما لها من وصف الأولية ، إذ الرب ، جل وعلا ، كما تقدم مرارا ، أول بالذات والاسم والوصف والفعل بالنظر في نوعه وإن أحدث ، جل وعلا ، ما شاء من آحاده بالقدرة النافذة والحكمة البالغة .
والذوق ، أيضا ، مما دخله البحث في الحقيقة والمجاز ، كما أطنب بعض المحققين ، فثم من قال إن هذا من المجاز إذ استعار الذوق المحسوس باللسان للذوق المعقول ، فالموت مما لا يذاق باللسان ، فيجري ذلك مجرى الذوق في نحو قول الرب جل وعلا : (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فذلك مما تعدى بالهمزة فالإذاقة من فعل الرب ، جل وعلا ، المتعدي ، وذلك يندرج في باب الأوصاف الفعلية الخبرية التي لا تَثْبُتُ إلا بالدليل ، وهو من فعل الجلال عدلا فما ظلمهم الله ، جل وعلا ، شيئا ، وإنما استحقوا ذلك بالعدل : (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) ، فالباء ، في هذا الموضع ، نص في السببية وحسن الإطناب إمعانا في تقرير الجناية بإيراد فعل الكينونة الماضي الذي يدل على ديمومة الاتصاف في الزمن الماضي ، بالصنيع الآثم ، فذلك أبلغ من قولك في غير التنزيل : بما صنعوا ، ودلالة "ما" مئنة من الوصل فثم عائد حذف قياسا في مثل هذا الموضع على تقدير : بما كانوا يصنعونه ، فالجوع والخوف من الوجدان الباطن الذي لا يدرك بحس اللسان الظاهر ذوقا كذوق المطعومات وال******* ، فاستعير الذوق المحسوس للذوق المعقول ، كما استعير فعل اللباس وهو أيضا مما ينصرف إلى لباس ا*** الساتر ، فكأن الجوع والخوف قد عم أبدانهم كما يعمها اللباس ، فذلك وجه استعارة آخر ، ومن ينكر المجاز فإنه يرد ذلك ، كما تقدم مرارا ، إلى مشهور اللسان الذي يَتَوَسَّعُ في عرفه ما لا يُتَوَسَّعُ في حقيقة اللغة بالنظر في أصل الوضع ، فضلا أن الذوق ، كما يقول بعض المحققين ، *** عام تندرج فيه أنواع ، فهو يطلق على وجدان الشيء مطلقا ، فَثَمَّ وجدان با*** الظاهر كالمطعوم والمشروب ، وآخر با*** الباطن كالموت والجوع والخوف ، فلا مجاز إذ استغرق اللفظ بالنظر في ***ه الأعم ، استغرق الموت وسائر المواجيد الباطنة ، وقل مثله في اللباس فقد يتلبس الإنسان بشيء محسوس وقد يتلبس بشيء معقول فيقال : تلبس فلان بالأمر إذا دخل فيه فاستغرقه ، ف*** التلبس ، أيضا ، *** عام ، تحته أنواع فثم التلبس المحسوس وثم نظيره المعقول والسياق في جميعها هو الذي يعين مراد المتكلم .
ومن ثم جاء العطف : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وذلك فعل يظهر فيه وصف الجلال في إنزال الابتلاء ووجه الحكمة في إجرائه على بعض دون آخر وعلى جهة الحكم في الشرع ، فَحَالُ الابتلاء لها أحكام تخالف أحكام السلامة ، والحكمة ، كما تقدم مرارا ، تقضي أن يوضع الشيء في محله ، إن في الكون أو في الشرع ، فحسن أن يسند إلى ضمير الجماعة الذي استتر إيجابا ودلت عليه نون المضارعة التي صدر بها لفظ الفعل : (نَبْلُوكُمْ) ، وجاء الفعل مضارعا مئنة من ديمومة واستمرار ، فذلك فعل تحدث آحاده وإن كان نوعه قديما فيجري عليه ما يجري على سائر أوصاف الفعل ، فهو وصف ذات بالنظر في النوع فلا يناط بالمشيئة من هذا الوجه ، وهو وصف فعل بالنظر في آحاده التي يحدث ، جل وعلا ، منها ما شاء كيف شاء متى شاء بمقتضى القدرة النافذة والحكمة البالغة ، فيدخل من هذا الوجه في عموم الخبر : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" ، فيعم ، الأمر الشرعي كما في سياق الخبر ، والأمر الكوني ، كما في الآية محل الشاهد : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) ، وجاء الطباق إيجابا بين الخير والشر فاستغرق شطري القسمة بالنظر في باب الابتلاء فلا يخرج المكلف ، كما تقدم ، أن يكون في خير يستوجب الشكر ، أو في شر بالنظر في المقدور المخلوق لا القدر النافذ فهو وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصفه ، تبارك وتعالى ، خير كله ، فهو يستوجب ، في المقابل ، الصبر ، فالعبد بين الخير والشر يَتَرَاوَحُ ، وذلك بالنظر في القدر الكوني النافذ ، وهو ، في المقابل ، بين الشكر والصبر يَتَرَاوَحُ ، وذلك بالنظر في القدر الشرعي الحاكم .
ومن ثم ذكر العلة على جهة المفعول لأجله : (فِتْنَةً) ، فقد نكرت مئنة من النوعية والتعظيم فهي فتنة عظيمة بها يظهر الصادق من الكاذب ، فبها يمتحن الناس وتظهر معادنهم وإن كان الرب ، جل وعلا ، يعلمها أزلا ، فالفتنة بها يكون علم الظهور والانكشاف الثاني الذي يواطئ علم التقدير الأول ، فهو من *** العلم في قول الرب جل وعلا : (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ) ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، يجري مجرى التمثيل لعموم الفتنة بالشر في آية الأنبياء ، فبه ظهر المعلوم الثاني في الشهادة على وجه كان به التأويل والتصديق للمعلوم الأول في الغيب .
ومن ثم ختم بالرجوع إليه وحده ليكون ا***اب والجزاء على ما استخرج بفتن الدنيا خيرا وشرا ، فـ : (إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) فقدم ما حقه التأخير مئنة من الحصر والتوكيد فانتهاء الغاية الذي دلت عليه "إلى" ، انتهاء الغاية إليه وحده ، جل وعلا ، وذلك ، كما تقدم ، موضع جلال ، فحسن أن تدخل "إلى" على ضمير الجمع في محل جر فضلا أنه يواطئ السياق إذ تقدم ضمير الجمع المستتر إيجابا في : (نَبْلُوكُمْ) ، على تقديره بـ : "نحن" ، ودلالة المضارع قد محضت للاستقبال دون الحال فذلك ال**ير والمآل في دار ا***اب والجزاء ، وقد يقال إن دلالة الحال هنا تعتبر إذ لا ينقطع الموت ! ، وهو رجوع أول إلى الله ، جل وعلا ، فمن مات فقد قامت قيامته الخاصة ، وهي القيامة الصغرى ، وثم رجوع أعم في القيامة الكبرى يوم الحشر ، وقد عم اللفظ بدلالة الضمير المجموع الذي يدل على جماعة الرجال وضعا وتدخل فيه جماعة الإناث تغليبا بل ويدخل فيه جميع الأحياء من العقلاء من الملَك والجن والإنس ، بل وغيرهم من الحيوان الأعجم ، بل ويدخل فيه كل مخلوق وإن جامدا ميتا ، فـ : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) ، فدلالة الوصل بـ : "مَنْ" في هذا السياق مئنة من خصوص أريد به عموم ، فهي بأصل الوضع مما يدل على العاقل وقرينة السياق قد رشحت العموم الذي يستغرق العاقل وغير العاقل ، وذلك ، أيضا ، من فعل الجلال الذي يحسن إسناده إلى ضمير الفاعلين المجموع مئنة من التعظيم في "نرث" ، فضلا عن التوكيد بالناسخ "إن" ، وضمير الفصل "نحن" ، وزد عليه الإطناب في الموروث : (الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا) ، ومن ثم ختم كما ختم في آية الأنبياء ، فـ : (إِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) ، وإن كانت دلالة الياء التي صدر بها الفعل دلالة الغيبة خلافا لدلالة التاء في : (وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) ، فهي دلالة الخطاب .
والله أعلى وأعلم .