المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من آية : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي ...........)


rss
05-08-2016, 07:27 AM
من آية : (وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي ...........)
من أسباب حصول الهدى في القول والعمل ، التصديق ومبدؤه تصور الحق كما هو في الخارج ، فَلَا يَتَصَوَّرُ الناظر ما يظن أنه حق وليس كذلك لفساد في القوة العلمية بما يعرض من الشبهات ، ولو تدبرتها لوجدتها من جملة الحظوظ التي يلتمس لها أصحابها من وجوه التأويل البارد ما لا يخفى ، فيجتهدون في نَبْزِ الحق وطعنه ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ) ، فذلك يجري مجرى : رَمَتْنِي بِدَائِهَا وانسلت ، فهو يَنْبِزُ الحق بما تلبس به هو من العيب ، فيجتهد في تأويل الباطل أنه الحق إذ لَهُ فِيهِ حظ ، ويجتهد في المقابل أن يَتَأَوَّلَ الحق أنه الباطل فهو ينكره بل ويحتسب على فاعله ! ، فلا يريد إلا الإصلاح ، وهو يخشى صاحب الدعوة إذ يبدل الدين ويظهر في الأرض الفساد ! ، فـ : (قَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ، فَقَالَ الطاغوت الَّذِي يَرُومُ الإصلاح وَيَسْعَى في اجْتِثَاثِ الفساد من الأرض زعم ! ، قال : ذَرُونِي ، فذلك المقول المنصوب فِي اللَّفْظِ ، وإن كان إِنْشَاءً للأمر أن : "ذروني" ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، من التَّمْوِيهِ أَنَّ القوم قد كَفُّوهُ فَمَا منعه إلا نَهْيُهُمْ له ! ، وهو ، في حقيقة الأمر ، يجبن أن يصنع ذلك ، فقال ذَرُونِي أقتل موسى ، والمضارع قد جزم في جواب الطلب ، أو هو مما يَجْرِي مَجْرَى الإيجاز بحذف الشرط ، على تقدير : إن تذروني أقتل موسى ، وذلك ما رجحه صاحب "المغني" رحمه الله وجعل الاقتصاد في العبارة أنه مما جزم في جواب الطلب جعله من أوجه التيسير على المبتدئين في هذه الصناعة ، فالأرجح أنه مما جزم في جواب شرط مقدر فقدر ما يزيد في المبنى ، وذلك آكد في تقرير الدعوى مع كذبها وجبن صاحبها فهو يخشى زوال ملكه بقتل موسى ، عليه السلام ، فلا يطيق الشؤم الذي يحل من ذلك ، وإنما تظاهر بالشجاعة ، وهو الجبان ، وَزَادَ فِي الدعوى أن عطف أمرا لِغَائِبٍ "لِيَدْعُ" ، فلا يخلو الأمر من تحد واستخفاف ، مع أن صاحبه يرتجف ، فتلك حال كل طاغوت جائر قد خرج عن منهاج الوحي الحاكم فهو يتظاهر بالشجاعة فيطلق لسانه وعيدا لمن خالفه ، وهو جبان لا يستطيع النوم من رجفة خوف تلازمه ! ، ولو جرد من سلطانه وَتَخَلَّى عنه حَرَسُهُ لَمَاتَ مِنَ الْفَزَعِ ، وهو الجبار ذُو السطوة ، فَسَطْوَتُهُ من جنده ، فَإِنْ نُزِعَ الجند زَالَتْ السطوة فلا يستمد قوة من حق يأرز إليه أصحاب الديانات والمروءات الكاملة ، وإنما الحق عنده هو القوة ، وإن غاشمة تَنْتَهِكُ الحرمات وتغتصب الحقوق طلبا لِلَذَّةٍ معقولة من جاه زائف ، أو أخرى محسوسة من عرض زائل ، فَذَلِكَ دِينُ الْحُرِّيَةِ بَمَفْهُومِهَا الأرضي الذي يَطْغَى صاحبه ويجاوز الحد ، فـ : (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) ، فهو يطغى في الخارج ، إما طغيان ا*** أو طغيان الفكر ، فإطلاق الفعل مَئِنَّةٌ من عموم يستغرق كافة أجناس الطغيان ، فَيَطْغَى فِي الْفِكْرِ إذ يجاوز الحد في تَعْرِيفِ الحقائق في الخارج ، فصارت الحرية انفلاتا من قيد التكليف بل وقيد القانون الأرضي المحدث ، فَقَدْ قُلِّصَتْ صلاحياته حتى صار حدا أدنى من الآداب الضرورية التي لا تكاد تخرج البشر ، وهم ال*** الأخص ، لا تكاد تُخْرِجُهُمْ من دائرة الحيوان وهو ال*** الأعم ، وإن جاوز الإنسان في طغيانه ، فخرج عن حد الآدمية إلى حد الحيوانية فعطل آلة العقل التي تطمس على القلب ، فتذهب نور البصيرة ، فلا يرى إلا لذة عاجلة يَرُومُ استلابها ، ولو بالقتل والغصب ، وهو في تعاطي أسباب الشهوة قد جاوز حد الحيوان ، من وجه آخر ، فلو تأملت مأكله ومنكحه لحمدت الحيوان فهو أجمل منه في الهيئة ! ، وتلك حال الإنسان إذ يُفَارِقُ منهاج النبوة فهو سبب في حفظ الآدمية فضلا عن إصلاح الطريقة الدينية والأخلاقية ، فإذا فارق السبب الذي به يمتاز عن سائر الحيوان فقد انحط إلى أدنى دركات الخلق ، فالحيوان له من فطرة التوحيد ما يرجح الإنسان إذا ضل في التصور فَكَفَرَ بالوحي وأنكر الحق ورضي بغير النبوة حكما وهي ، وحدها ، التي تحفظ القوة العلمية من فساد التصور ، وتحفظ القوة العملية من فساد الحكم ، فهي سبب الإصلاح الذي طالما نَعَتَهُ الخصوم أنه سبب الفساد ، فَرَامُوا اجْتِثَاثَهُ نَزْعًا لمادة الفساد من الأرض ، فليس الأمر ، كما تقدم ، إلا رمتني بدائها وانسلت ! ، فَعَجَبًا أن ينعت من انحل من ربقة التكليف بل وربقة الأخلاق الجبلية التي أجمع عليها من له أدنى قدر من الإنسانية ! ، عجبا أن يَنْعَتَ أَتْبَاعَ النبوة أنهم المفسدون في الأرض ، وأنهم من يُضَيِّقُ ويحجر الواسع من فضاء الحرية الذي لا حد له ، فخيال ابن آدم في الإفساد إذا نكل عن منهاج الوحي ، خياله واسع لا آخر له ، فضلال الإنسان وهو صاحب العقل إن لم يعقله بعقال النقل ، ضلاله ، كما يقول بعض المحققين ، لا منتهى له ! ، وَتَرَى في خطاب المفسد في الأرض بتعطيل الشرع وإهلاك الحرث والنسل ! ، ترى فيه الحرص على حسم مادة الغلو والتعصب الذي أكثر أصحابه في الأرض الفساد ! ، فيحتج بآي من القرآن أنه يكافح الشر ، وهو ، لو تدبر ، مادته الرئيسة ، فالوحي قد جاء يصلح فسعى في تعطليه ، واللازم في القياس أن يحصل الإفساد ، إذ زال سبب الإصلاح في الأرض ، وليس بعد الإصلاح إلا الإفساد ، فالقسمة ثُنَائِيَّةٌ لا تحتمل شطرا ثالثا ، فإما صلاح بالوحي ، وإما فساد بالوضع ، فإذا غابت شمس النبوة من الأرض ظهر الفساد ، فـ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ، اللهُ" ، فحكم النبوة سبب في حفظ الأرض ، فثم نفي تسلط على ال**در الكامن في الفعل "تقوم" فأفاد العموم الذي خص بالغاية ، فلا يذكر اسم الله ، جل وعلا ، توحيدا ، وهو ما وَرَدَ فِي سياق آخر ، فـ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" ، فذلك من بيان ما أجمل من الاسم المفرد في الخبر الأول ، فاسم الله ، جل وعلا ، لا يفيد إلا إذا ورد في سياق مفهم ، فاللفظ المفرد لا يفيد بمادته إلا تصور الحقيقة في الخارج دون إسناد معنى صحيح تحصل به فائدة ، فلا يحصل به معنى التوحيد الذي ينجي صاحبه ، فالذكر بالاسم المفرد لا يفيد صاحبه توحيدا نافعا ، وذكر الاسم المفرد بلا سياق مذكور أو مقدر لا تحصل به فائدة بل صاحبه متهم في عقله إذ يُرَدِّدُ اسما مطلقا لا يفيد السامع شيئا ، فالكلام ، كما حده النحاة ، هو اللفظ المفيد المركب ، سواء أكان التركيب مذكورا أم مقدرا ، كما في قوله تعالى : (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ) ، فتقدير الكلام : قل الله أنزل الكتاب ، *** يُرِدِ الأمر بذكر الاسم المفرد بلا سياق يفهم ، فليس ذلك بكلام يعتد به ، فلا ينعقد به عقد توحيد نافع ، ولا تحصل به نجاة ، فالتوحيد ، وهو محل الشاهد ، مادة صلاح هذا الكون ، فإن درست آثاره أو خفيت ظهر من الفساد بقدر ذلك ، وإن ظهرت خفي من الفساد بقدر ذلك ، فثم اطراد وانعكاس صحيح في القياس الصريح الذي يلائم النفس إذ لم تجبل على الترك المحض ، فلا بد لها من غذاء تصور وحكم ، فإن لم تغتذ بالحق فلا تسكن إذ ما خلقت ، كما تقدم مرارا من كلام بعض المحققين ، ما خُلِقَتْ إلا لتقول وتعمل ، فإن لم تنطق بالحق وتعمل بالشرع ، فإنها تنطق بالباطل وتعمل بالوضع ، وَتَلْتَمِسُ لذلك أدلة وَوُجُوهًا من التأويل يظهر فيها معنى التأويل الباطن ، لا سيما وإن ضم في ركابه علماء سوء صدوا عن السبيل ، فَنَفَّرُوا الناس من الحق بمسلكهم الشائن ، إذ ركنوا إلى ما ركن إليه الطاغوت الجائر ، فرأوا السلامة والغنيمة أن يصححوا له الطريقة ، فانضمت الشبهة بِتَأْوِيلٍ بَاطِنٍ إلى شهوة في حظ نفس عاجل ، وتواطأ أصحاب الحظوظ أن يَقْتَسِمُوهَا وإن خالفوا المنقول والمعقول جميعا ، فلا نقل صحيح ولا عقل صريح ، وإنما الأمر ، كما تقدم ، شبهة تفسد القوة العلمية ، وشهوة تفسد القوة العملية ، وليس ثم فساد في الأرض إلا بفساد هاتين القوتين ، وليس ثم ، في المقابل ، صلاح إلا بصلاحهما ، فاطرد القياس وانعكس ، فصلاح في حكم الشرع ، وفساد يضاهيه في حكم الوضع ، والدولة لمن غلب فلا زال الرب ، جل وعلا ، يجري من سنن التدافع بين النبوات وخصومها ما به تظهر آيات القدرة والحكمة في إصلاح الأرض ، وذلك ، لو تدبرت ، تدافع يخص ويعم ، فإنه يخص في القلب ، فتجده على أحوال فهو يتراوح بين اليقظة والغفلة ، فتجد التدافع بين الإيمان والكفر بالنظر في الأصول ، فأصل التوحيد يدافع أصل التشريك ، والدولة لمن غلب ، فالنبوة في شق ، وخصومها في آخر ، فجاء الوعيد أَنْ : (مَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، فالمشاقة مئنة من المفاعلة فلا تخلو من دلالة تقصد وتكلف لأسباب العداوة والمخالفة ، وهو ما زِيدَ في تَقْرِيرِه بالقيد : (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) ، فذلك من الاحتراز ، ولا تخلو اللام من دلالة التبليغ إذ التبيين في معنى القول الذي يبلغ ، فلا عذاب إلا بعد قيام الحجة وظهور المحجة ، فدلالة "أل" في الهدى مئنة من العهد بالنظر في القدر الذي به يحصل التصور ، وإن لم يشفع بالانقياد ، فذلك قدر زائد في حد التصديق النافع لا التصديق المحض الذي يضاهي المعرفة المجردة من إرادة بها يكون الإذعان والإقرار ، فالتصديق ، من هذا الوجه ، لا ينفك يقترن بعمل باطن يزيد على مطلق الإدراك للحقيقة ، ومن ثم عطف اللازم : (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) ، فإن المشاقة تستلزم المخالفة ، وسبيل المؤمنين هي سبيل الرسالة التي صدر بها الكلام ، فإن مشاقة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم مشاقة للرسالة ، فليست مشاقة لشخصه الكريم ، عليه الصلاة والسلام ، فقد كان معظما في قومه طيلة عمره ، ولكنه لما أظهر المخالفة لهم في الطريقة كانت المشاقة والعداوة وإن أقروا بما له من الفضل والزيادة في مكارم الأخلاق ومحاسن الأقوال والأفعال *** يَأْثِرُوا عنه هجرا في القول أو فحشا في الفعل فقد نشأ على أكمل الخلال والشمائل ، فصنعه الرب ، جل وعلا ، على عينه ، كما صنع الكليم ، عليه السلام ، فتلك منة عامة تستغرق جميع الرسل ، عليهم السلام ، فقد نزهوا عن الخصال الذميمة إن في القول والفعل في الخارج ولو قادحا في المروءة من فضول مباح كالأكل في الطريق أو حرفة دنيئة وإن مباحة في الأصل فلا تصلح لأصحاب المروءات والهيئات لا سيما إن تحملوا أعظم الوظائف ، وظائف النبوات بلاغا وبيانا ، ونزهوا ، مع ذلك ، عن النقص في التصور *** يؤثر عنهم شرك فذلك من المحال في حقهم وإن كان المحل بالنظر في أصل الجبلة الآدمية مما يحتمل الحق وضده ، فهم ، من هذا الوجه ، يدخلون في عموم : (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) ، فَهُدِيَ ال*** البشري بالنظر في معناه الأعم ، هُدِيَ إلى طريق الحق وضده ، أن صار المحل قابلا لهما لا على سبيل الاجتماع فذلك من المحال ، وإنما يكون بينهما من التدافع ما تقدم ذكره ، فهما نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، فلا يجتمعان إذ لا يَشْتَغِلُ المحل بالشيء وضده في نفس الآن من نفس الوجه فضلا أن يشتغل بالشيء ونقيضه فذلك آكد في الامتناع ، فالنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان خلافا للضدين فقد يرتفعان ويحل ثالث كالبياض والسواد فقد يرتفعان ويحل ثالث كالأحمر أو الأخضر إذ القسمة ليست ثنائية لا تحتمل إلا شطرين كما هي الحال في النقيضين ، فاجتماعهما من المحال ، ففي تدافع أسباب الحق والباطل في الفؤاد ، لا يجتمع أصل الإيمان مع أصل الكفر ، ولا يجتمع أصل الإيمان مع شعبة من شعب الكفر تَنْقُضُ الأصل ، وإنما قد يتدافع الإيمان بالنظر في معنى الكمال الواجب مع شعب من الكفر لا تأتي على الأصل بالإبطال وإن قدحت في الكمال الواجب فذلك من التدافع بَيْنَ قَبِيلِ الوحي وَقَبِيلِ الكفر في المحل الواحد بالنظر في الفؤاد فلا يحتمل من الإيمان قدرا إلا ويزول به من الكفر ما يضاهيه في القدر وإن ضاده في الوصف فهذا التدافع ما يحصل به التمايز حتى : "تَصِيرَ الْقُلُوبُ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَا لَا يَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَدٌّ كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ـ وَأَمَالَ كَفَّهُ ـ لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ" ، وبينهما من القلوب ما لا يحصي عدده إلا من خلقه ، جل وعلا ، فلكلِّ قلب حال لا تماثل غيره إذ يظهر له من أدلة الحق ما لا يظهر لغيره ، فيتفاوت الإيمان ، من هذا الوجه ، وإن بالنظر في الأصل وهو التصديق ، فليس تصديق من نظر في أدلة الإيمان فأورثه ذلك اليقين الجازم ، ليس تصديقه كتصديق من آمن تقليدا بلا نظر واستدلال ، وإن صح إيمان المقلد ، خلافا لما ذهب إليه بعض المتكلمين ، فمع ثبوت عقد الإيمان الصحيح بالتقليد إلا أن إيمان النظر الصريح في الأدلة الصحيحة التي يورث النظر فيها من العلم ما لا يورثه التقليد ، إلا أن هذا الإيمان أعظم وأرسخ ، فتصديقه من هذا الوجه أعظم من تصديق من آمن تقليدا ، وإن اشتركا في *** التصديق العام ، فمع أنه معنى يحصل في القلب بلا كلفة عمل في الظاهر إلا أن التفاوت فيه ثابت ، فكيف بالتفاوت في بقية حقائق الإيمان من الأعمال الباطنة التي تَزِيدُ عَلَى التصديق لا سيما الحب والبغض ، فهما ، إن تدبر الناظر ، منشأ كل حركة في الكون ، إيجابا أو سلبا ، فعلا أو تركا ، وقل مثله في التفاوت في الأقوال والأعمال الظاهرة فهو آكد ثبوتا في الخارج ، فيحصل التفاوت في حركات الظاهر قولا وعملا بقدر ما يحصل من التفاوت في حركات الباطن تصورا وإرادة ، فيكون ولاء الظاهر وَبَرَاؤُهُ تَبَعًا لحب الباطن وبغضه ، ويكون ما يظهر من القول والعمل إن خيرا أو شرا تبعا لإرادة الباطن إن خيرا فقد هديت نجد الحق وسبيله فذلك الفضل ، وإن شرا فقد هديت إلى ضده من نجد الباطل وسبيله فذلك العدل ، فالأمر يدور بَيْنَ الفضل والعدل ، ولا يخرج في كلتا الحالين عن مقتضى الحكمة أن يوضع الشيء في محله ، فيوضع سبب الخير في المحل القابل له فذلك الفضل ، ويوضع سبب الشر في المحل القابل له فذلك العدل ، ولا يظلم ربك ، جل وعلا ، أحدا ، فضلا أن القلب الواحد تَتَفَاوَتُ أحواله فشرة وفترة ، ويقظة وغفلة ، فالتفاوت في هذا الباب بالنظر في المحال فالقلوب على أنحاء شتى لا يحصيها إلا الرب الأعلى ، عز وجل ، وإن اندرجت آخر الأمر في ***ين مطلقين : *** الحق وإن في الجملة ، و*** الباطل وإن لم يتمحض فقد يكون لصاحبه من أخلاق الجبلة ما يواطئ به الفطرة فهي تعم الأديان والأخلاق ، فالتدافع بَيْنَ الحق والباطل ، بين التوحيد والشرك ، بين الشرع والوضع ، ذلك التدافع سنة جارية في الكون بِهَا يَكُونُ صلاح الأرض ، وبها يظهر من آثار الكمال ، الجلال والجمال ، ما به يكون الثناء الواجب على الرب الخالق البارئ ، جل وعلا ، فحصلت المشاقة بين الوحي وخصومه وحصل التدافع ، وجاء العطف عطف لازم على ملزوم فإن المخالفة لجادة الوحي تستلزم سلوك غيرها بما فطرت عليه النفس *** تخلق لِتَتْرُكَ وإنما خلقت لتفعل ، فإن لم تنتحل الحق انتحلت ضده من الباطل ، وإن لم تتبع سبيل الرسالة اتبعت غيرها ، فمشاقة الأولى بمشاقة صاحبها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فذلك لازم أول ، في العقل ، فمن أبغض طريقة أبغض صاحبها ، فـ : "الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ" ، فمشاقة صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم تستلزم مشاقة الرسالة التي جاء بها ، فذلك قياس أول ، ومشاقة الرسالة تستلزم سلوك سبيل غيرها ، فذلك قياس ثان ، فيكون العطف ، من هذا الوجه ، عطف تلازم ، فأطنب في الشرط على وجه استوفى وجهي التلازم ، فذلك آكد في إقامة الحجة وتسجيل الجناية ، ومن ثم جاء الجواب : (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا) ، فأطنب في الجواب ، كما أطنب في الشرط ، إمعانا في الوعيد الذي به يحصل التَّنْفِيرُ من تلك الحال المذمومة ، وأبهم ما يتولاه المشاق للرسالة ، أبهمه تحقيرا لشأنه ، وأسندت الأفعال إلى الضمير المجموع الذي استتر على سبيل الوجوب في "نوله" و "نصلي" ، مئنة من تعظيم يحسن في مواضع الجلال بالوعيد ، فأطنب بِتَوَلٍّ في الأولى يستوجب تصلية الجحيم في الآخرة ، فعطف المآل على المبدأ ، أو المسبَّب على السبب ، فتولي غير الله ، جل وعلا ، سبب في الهلاك ، ومن ثم ختم بالذم القياسي ، فـ : (سَاءَتْ مَصِيرًا) ، فاستتر الفاعل إيجابا إذ ناب عنه التمييز فلا يجتمع البدل والمبدل منه في محل واحد فذلك من الإطناب الزائد الذي نُزِّهَ عنه كلام الرب الخالق ، جل وعلا ، وإن حسن الإطناب في مواضع أخرى لزيادة في المعنى لا تحصل إلا بزيادة تضاهيها في المبنى .
وهذه الآية ، كما يقرر أهل الأصول ، من أدلتهم على عصمة الإجماع كما أثر عن الشافعي ، رحمه الله ، فأعظم سبل المؤمنين بيانا وتقريرا ما أجمعوا عليه فهو سبيلهم جميعا *** يخالف منهم أحد ، فإذا حصل الوعيد على سلوك غيرها فذلك يوجب سلوكها ، وهذا الإيجاب لا يكون إلا لحق ، فإن الوحي لا يوجب باطلا ولا يأمر بمحرم .

وفي الخارج يكون تدافع قبيل الرسالة ، وقبيل الخصوم ، على وجه ينبز فيه الخصم صاحب الحق بما نبز به فرعونُ الكليمَ ، عليه السلام ، فاستخف ، وإن شئت الدقة فقل أظهر الاستخفاف ، فهو يخافه ويهابه في الحقيقة وإن تظاهر بغير ذلك لئلا يفتضح أمره بين جنده وشعبه ! ، وختم بالعلة على جهة الفصل فلا وصل بعاطف ، فـ : (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) ، فصدر بالمؤكد الناسخ وهو يحتمل دلالة تعليل زائد ، فصار مشتركا من هذا الوجه في دلالته على التوكيد والتعليل معا ، وأكد ، أيضا ، بتكرار الإسناد ، فثم ياء متكلم في "إني" ، وضمير قد استتر إيجابا في العامل "أخاف" فمرجعهما واحد وهو الفاعل إن في المعنى كما في ياء المتكلم إذ كان التقدير قبل دخول الناسخ : أنا أخاف ، فالمبتدأ فاعل في المعنى ، أو في اللفظ كما في ضمير الفاعل المستتر إيجابا في عامله "أخاف" فتقديره "أنا" أيضا ، فضلا عن دلالة المضارعة فهي مئنة من ديمومة واستمرار ، وذلك آكد في التظاهر بالنصح لقومه فهو يخاف خوفا لا ينقطع فلا يكاد ينام من حملان الهم إشفاقا على رعيته ! ، وثم إيجاز بالحذف والإيصال أن حذف "من" التي يتعدى بها فعل الخوف على وجه قياسي إذ جاء المخوف على حد ال**در المؤول من "أن" وما دخلت عليه من المضارع : (أَنْ يُبَدِّلَ) ، و "أن" ، كما يقول أهل الشأن ، تمحض الفعل للمستقبل فهو يخاف التبديل في كل زمان يستقبل جزعا أن يذهب ملكه بتبديل دينه الذي يرسخ أركان عرشه ، فتقدير الكلام : أخاف من أن يبدل دينكم ، وهذا الحذف ، كما قرر بعض أهل الشأن ، يجري مجرى المجاز فعندهم أن من المجاز مجاز حذف ، كما في هذا الموضع ، وكما في قولك : دخل الدار ، أي في الدار ، ولذلك منعوا ، كما يقول صاحب "المغني" رحمه الله ، منعوا : دخل الأمر على تقدير : دخل في الأمر ، إذ الدخول في المعاني كالأمر مجاز وحذف الواسطة مجاز آخر ، ولا يجتمع مجازان في موضع واحد ، فحذفت الواسطة التي يتعدى بها الفعل ، ومنه مجاز الزيادة كما في قوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) ، على تقدير : ليس مثله شيء ، وزيدت الكاف مجازا يفيد توكيد النفي للمثلية ، ومن ينكر وقوع المجاز في التنزيل واللسان فإنه يُجْرِي ذلك مجرى ما اشتهر من طرائق العرب في البيان فاطرد في كلامهم حتى صار حقيقة وإن على خلاف ما يتبادر إلى الذهن من قياس اللسان .

والعطف بـ : "أو" يحتمل معنى الواو على ما تقرر من التلازم بين تبديل الدين وظهور الفساد ، فذلك أصل أجمع عليه العقلاء ، وإن اختلفوا في حد الدين الصحيح فكل يزعم أنه على الحق وأنه يصلح ، وإن كان على الباطل المحض في تصوره وعقده ، والفساد المحض في قوله وعمله ، فيدخل في عموم : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ) ، وتلك دعوى ، والدعوى إن لم يقم عليها من دلائل النقل والعقل ما يعضدها فأصحابها أدعياء ، والعاقل ينظر في أدلة الوحي وأدلة خصومه وليختر ما يلائمه ! ، وقبل ذلك لا يكون سداد في النظر ولا تكون نجاة في المآل إلا بالافتقار إلى رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، أن يهدي الناظر سبيل الحق الناصع ، فـ : "اللهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ، وَمِيكَائِيلَ، وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" ، فخاف المفسد أن يبدل الدين الذي يحفظ حظوظه ، وخاف من ظهور الفساد ، وهو فساد الطريقة التي درج عليها القوم فهو ، كما يقول بعض المحققين ، يخوفهم بفوات حظوظهم من الملاعب والملاهي ، فالوحي سبب في زوالها وحصول الاغتمام والضيق الذي تنفر منه النفوس ! ، فَخَوَّفَهُم بالدين والدنيا ! ، مع أنه ، لو تدبر الناظر ، ما ابتغى إلا ما يفسد دينهم ودنياهم ، فلو تدبر العاقل لوجد الوحي سببا في صلاح الدين والدنيا معا فلا صلاح للأرض ولا حفظ للنسل والحرث إلا أن يعظم الوحي وتسلك جادته في كل حال باطنة وظاهرة .
ودلالة "أل" في "الأرض" ، مئنة من العهد فهي أرض **ر التي يملكها ، فيجري ذلك مجرى العهد في نحو قوله تعالى : (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ) ، وقوله تعالى : (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي) ، فهي أرض **ر التي دل عليها سياق القصة ، وربما أراد فرعون الأرض كلها إمعانا في المبالغة في التنفير من طريقة الكليم ، عليه السلام ، فطرحه يفسد كل أرض ! ، فتكون "أل" من هذا الوجه مئنة من العموم المستغرق لآحاد ال*** الذي دخلت عليه فتعم جميع الأرضين ، وذلك ، أيضا ، من تبجح الظالمين في دعواهم الباطلة .

والله أعلى وأعلم .