rss
04-28-2016, 07:26 AM
من آية : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ .......)
ومن قوله تعالى : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، فدلالة التوقيت في "لما" آكد في تسجيل الجناية ، إذ حصل الكفر حال ورود الكتاب ، وهو كتاب عَظُمَ شأنه ، فالتنكير ، من هذا الوجه ، مئنة من التعظيم ، وجاء الوصف أنه : "من عند الله" ، فقدم شبه الجملة تعظيما لذكر الله ، جل وعلا ، فعظم الشيء من عظم من صدر عنه ، فَعُظِّمَ شأن الكتاب أَنْ كَانَ من عند الله ، جل وعلا ، فـ : "من" مئنة من ابتداء الغاية ، إذ كان الكتاب من عند الله ، جل وعلا ، فهو منه علما أول ، وكتابة ثانية في اللوح ، وآحادا أحدث منها ، جل وعلا ، ما شاء ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم الأمر في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" ، فيعم أمر الشرع وأمر الكون ، ويعم الأمر الذي ورد في التنزيل والآخر الذي ورد في سنة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويعم الخبر والإنشاء ، وإن كانت دلالة الأمر في قسمة التكليف تدخل في حد الإنشاء ، ومنه الأمر الذي ورد في الخبر المتقدم إذ عم بأصل يستغرق جميع الآحاد ، من الأوامر ، فتلك دلالة العموم في الخبر ، فالأمر يجمع على أوامر بالنظر في الأسباب من الكلمات الكونية والشرعية ، ويجمع على أمور بالنظر في تأويل هذه الكلمات من المأمورات الكونية والشرعية ، فعم جميع الأوامر الكونية والشرعية وإن رجح السياق دلالة الأوامر الشرعية ، وقد أكد بالناسخ واسمية الجملة وتكرار الإسناد في "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ" ، فضلا عن دلالة المضارعة في "يُحْدِثُ" فهي مئنة من ديمومة واستمرار ، بالنظر في زمن الرسالة إذ كانت نجوم الوحي تَتْرَى بأخبار الصدق وأحكام العدل معا ، وهو أمر لَمَّا يَزَلْ تأويله آت إلى يوم الناس هذا ، فكلمات التكوين السبب في تدبير هذا العالم ، وتلك ، في المقابل ، قرينة ترجح دخول أوامر التكوين في عموم اللفظ ، فضلا عن الختام بإطلاق المشيئة في : "مَا يَشَاءُ" ، فـ : "مَا" نص في العموم ، فعم ثم خص فدلالة "من" في "مِمَّا" دلالة تبعيض فكلام الرب ، جل وعلا ، يتبعض بالنظر في آحاده الحادثة ، فهو ، كما تقدم مرارا ، قديم النوع حادث الآحاد ، فمبانيه تختلف ومعانيه تختلف تبعا لاختلاف المباني ، فكل مبنى يدل على معنى بعينه بالنظر في أصل الوضع في اللسان إن بدلالة الإفراد أو بدلالة التركيب .
والنهي عن الكلام في الصلاة مما ثبت بالسنة ، فلا دليل في الكتاب عليه ، وقد يجاب إن ذلك مما ورد في قوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، فالقنوت هو السكوت على قول ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ذلك مما يدخله الاشتراك ، فيطلق على الذكر ، كما فسر بعض المحققين الحال "قَانِتِينَ" في الآية فهم الذاكرون ، ويطلق على الطاعة ، ويطلق على طول القيام ، ويطلق على القنوت في الصلاة ، فهو مئنة من الدعاء ، سواء أكان عاما أم مخصوصا في موضع بِعَيْنِهِ ، وتطلق مادة "قنُتَ" ، بضم النون ، على قلة الأكل ، كما في بعض المعاجم ، وكأن ثَمَّ ، من وجه آخر ، معنى عاما يستغرق هذه المعاني الخاصة فمعنى الانقطاع يجمعها ، فالطائع ينقطع إلى ربه ، جل وعلا ، والساكت ينقطع عن الكلام ، والقانت لا يأكل ، فهو ينقطع عن الطعام ، والداعي ينقطع إلى ربه ، جل وعلا ، ومن أطال القيام في الصلاة فهو ينقطع عن الراحة فلا تنال إلا على جسر من التعب والنصب فلا يدرك نعيم بِنَعِيمٍ كما قال بعض المحققين ، فحصل الاشتراك على وجه يقع فيه الاحتمال ، خلافا للخبر : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" ، فإن دلالته على المطلوب دلالة نص قاطع لا يحتمل تأويلا باشتراك أو نحوه ، فإن الاستدلال إذا تَرَاوَحَ بَيْنَ ظن راجح محتمل ، ونص قاطع جازم ، فالاستدلال بالجازم أولى ، والظن الراجح يأتي بعده كالنافلة بعد الفريضة ، وذلك يظهر أثره ، أيضا ، حال التعارض ، فإذا تعارض نص قاطع مع ظاهر راجح ، قدم النص إذ لا يحتمل من التأويل ما يحتمله الظاهر ، فقد تَرِدُ قرينة توجب صرفه عن معناه الراجح إلى معنى آخر مرجوح .
ويقال من وجه آخر إن هذا الاشتراك في لفظ القنوت قد أُبِينَ عنه بحمل المشترك على معنى السكوت لورود الدليل من خبر زيد بن أرقم ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ، «فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ»" ، فجاء التوكيد بالنون المخففة ، إذ دخلت على الناسخ "كنا" ، وهو ما دلت عليه اللام الفارقة في "لنتكلم" ، ولا تخلو من دلالة توكيد وإن بالإطناب في اللفظ ، فكان الكلام مباحا ، ثم ورد النسخ بهذه الآية إلى الأثقل ، وهو الأفضل والأحسن فبه يكون المرء أخشع ، فـ : "أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ" ، وذلك أمر الشرع فَحُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، وهو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الآمر هو الوحي ، فالآمر حقيقة هو الله ، جل وعلا ، فالسنة وحي وإن لم يعجز في نظمه ، فيكون الآمر هو الله ، جل وعلا ، والناقل هو روح القدس ، عليه السلام ، فهو الملك الموكل بالوحي ويكون المبلغ المبين هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو الآمر بمقتضى منصب الرسالة .
وأطنب في وصف الكتاب ، فهو : "مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ" ، فذلك اسم فاعل يعمل عمل مضارعه فتعدى باللام ، لام التقوية ، فهو أضعف من أصله الذي تَفَرَّعَ عنه في العمل والمعنى ، ولا يخلو ذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، من إطناب في المبنى يرشح إطنابا آخر في المعنى على جهة التوكيد فالكتاب الخاتم ، من وجه ، **دق لما معهم من الكتاب الأول ، فدلالة "ما" دلالة الوصل لغير العاقل ، فإن العلم بما في الكتاب ، والكلام الذي سُطِرَ فيه من الخبر والإنشاء وهو داخل في حد العلم فكلام الكتب من علم من أَنْزَلْهَا ، جل وعلا ، كما في قوله تعالى : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، وبه استدل أحمد ، رحمه الله ، على أن القرآن غير مخلوق ، فإن دلالة "أل" في "العلم" في الآية مئنة من عهد مخصوص هو ما نَزَلَ في المسيح والبتول ، عليهما السلام ، من آي خلق معجز ضرب به المثل في الآي الذي تقدم ، فـ : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، والتماثل هنا ، كما يقول بعض المحققين ، ينصرف إلى *** الخلق المعجز لا إلى ماهيته المخصوصة ، فماهية خلق آدم عليه السلام من تراب ، بلا أب ولا أم ، وماهية خلق المسيح ، عليه السلام ، من أم بلا أب ، فذلك المثل المضروب قرآنٌ نَزَلَ من السماء ، فسماه علما ، إذ الوحي الشرعي من العلم الرَّبَّانِيِّ الذي يستغرق علم التكوين وعلم التشريع ، والعلم بالإجماع غير مخلوق ، فيكون القرآن ، أيضا ، غير مخلوق إذ هو من العلم فحكم البعض حكم الكل الذي يندرج فيه .
والشاهد أن دلالة "ما" : دلالة الوصل ، ولكنه بقرينة الصلة "مَعَهُمْ" ، ينصرف إلى عهد مخصوص وهو كتاب التوراة السابق الذي صدقه التنزيل الخاتم ، فَقَيَّدَتِ الصلة عموم الموصول وذلك من أوجه البيان ، إذ الموصول في لفظه الذي وضع في اللسان مَظِنَّةُ إجمال يفتقر إلى البيان ، فَبَيَانُهُ في الصلة ، فقد خصت عموم الموصول فانصرف إلى خاص وهو ما معهم من الكتاب السابق ، فالكتاب الخاتم يصدقه ، من وجه ، ويهيمن عليه من آخر ، فهو يقضي فيه قضاء الناسخ في المنسوخ ، والمحكم في المتشابه لا سيما وقد بدل الكتاب الأول ، فعبثت أيدي الأحبار في ألفاظه وعبثت عقولهم في معانيه بضروب من التأويل توافق أهواءهم وأذواقهم وتحفظ حظوظهم ورياساتهم .
وأطنب بجملة اعتراض لا محل لها من الإعراب في اللفظ ، ولكنها لا تخلو من دلالة في المعنى ، فـ : (كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ، فمحلها عظيم إذ حالهم قبل البعثة آكد في تسجيل الجناية ، لا سيما مع ورد المعنى بلفظ الكينونة الماضية وهي مئنة من ديمومة اتصاف ، والمحذوف الذي قطعت"قبل" عنه لفظا مع نية معناه وهو ما أوجب لها البناء العارض على الضم ، ذلك المحذوف مما يقدر تبعا للسياق فتقديره في هذا الموضع : وكانوا من قبل البعثة التي بشرت بها كتبهم ، فاشتد النكير في حقهم ما لم يشتد في حق الجاهل ، فضلا أنهم كانوا يتوعدون بها كفار العرب ويستنصرون عليهم ، فَضُمِّنَ فعل الاستفتاح فعل الاستنصار ، كما يقول بعض المعربين ، فساغ ، من هذا الوجه ، أن يتعدى بـ : "على" ، فآخر الأمر رسول يحاربون العرب تحت لوائه ، ***ا جاء من خصومهم العرب ! ، كفر *** يهود وفجر في الخصومة ، فدلالة الألف والسين والتاء مئنة من الطلب والتقصد ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فكانوا يستفتحون على الذين كفروا ، ودلالة الكينونة الماضية مئنة ، كما تقدم ، من ديمومة الاتصاف ، فتلك حال دائمة ، وذلك آكد في إقامة الحجة عليهم بمنطوق الكلام والحال ، وهو أصدق إنباء من الكتب ، ودلالة الوصل في "الذين" ، مئنة من العموم ، وهو عموم مجمل لا يظهر بيانه إلا بالصلة المذكورة أو المقدرة ، فإما أن تكون الصلة مذكورة كما في هذا الموضع ، وإما أن تكون مقدرة دل عليها السياق فأغنى عن الذكر ، كما في قول الشاعر :
نَحْنُ الأُلَى فَاجمَعْ جُمُو ******* عَكَ ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إلَيْنَا
على تقدير : نحن الألى عرفت شجاعتنا ، فدلالة التحدي في الشطر الثاني رشحت هذا التقدير فهي كالدليل على المحذوف فحسن الحذف من هذا الوجه ، فضلا أن الحذف هنا يجري مجرى التهويل في الإجمال في نحو قوله تعالى : (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) ، فأبهمت الصلة مئنة من التعظيم ، والإبهام والإجمال ، وإن كان خلاف الأصل في البيان ، إلا أنه قد يُغْنِي عن الْبَيَانِ بل وَيَزِيدُ في مواضع كمواضع التعظيم والتهويل .
فثم إجمال أبانت عنه الصلة في الآية : (الَّذِينَ كَفَرُوا) ، فضلا عن دلالة التعليل ، فإن الاستنصار عليهم والاستفتاح عِلَّتُهُ ما كان من كفرهم ، فزعم يهود أنهم على الحق ، وقد كانوا على ملة أهدى من ملة العرب ، وإن في الجملة ، مع ما كان منهم من انحراف في العقد والشرع ، فـ : "إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" ، *** يكن على الحق المحض إلا بقايا من أهل الكتاب ، فجملة القوم كانوا على الباطل بما وقع في كتبهم من التبديل والتحريف إن في الأخبار أو في الأحكام ، فأنكروا البشارة التي نص عليها المسيح عليه السلام : (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ، واجتهدوا في محو ذكرها وتأويل ألفاظها على وجه يضاهي تأويل أهل الباطن بحمل الألفاظ على وجوه بعيدة تبطل دلالة اللفظ الظاهرة ، وتصرف المخاطب عن مقصود القائل ، كما في تأويل لفظ "البارقليط" ، فمعنى الحمد فيه أظهر ، فصرف إلى معنى العزاء بلا صارف راجح يوجب هذا التأويل أو يرجحه ، فكان التحكم في الترجيح بلا مرجح ، وهو ما يقبح إذا استوى طرفا القسمة حال الجواز ، إذ يستوي في الجائز الاحتمال لكلا الطرفين : الإيجاب والامتناع ، فيقبح الترجيح بلا مرجح حال التساوي في الاحتمال ، فكيف إذا انصرف اللفظ ، بادي الرأي ، إلى معنى راجح ، فصرف إلى المرجوح بلا مرجح ، فالترجيح في هذه الحال أعظم بطلانا ، فكان القوم على الباطل ، ولكنهم ، في المقابل ، كانوا خيرا من مشركي العرب ، فعندهم من رسالة السماء شيء ، ولو آثارا ، فكانوا خيرا من العرب ، من هذا الوجه ، لا أنهم كما يزعمون أمة اختارها الرب ، جل وعلا ، واصطفاها بالمحبة والبنوة ، وإن اقترفت من الجرم ما اقترفت ! ، فتلك دعوى شعوبية قبيحة تجعل ال*** والعرق مناط التفضيل ، دون نظر في فضيلة دين أو أخلاق ، وهو ما أبطله التنزيل إذ أناط ذلك بالتقوى ، فـ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فذلك يجري مجرى القصر بتعريف الجزأين : "أَكْرَمَكُمْ" ، و "أَتْقَاكُمْ" ، فضلا عن اسمية الجملة والتوكيد بالناسخ "إن" وتقييد التفضيل بـ : "عند الله" ، فذلك معيار التفاضل المعتبر ، فجملة ما تقدم من المؤكدات مما يقطع بهذا المعيار المحكم في تفاضل البشر ، وإن اختص *** بِتَفْضِيلٍ فهو تفضيل مجموع لا جميع ، فكانت منة الرب ، جل وعلا ، على بني إسرائيل ، فـ : (إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) ، فجمع لهم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، النبوة والملك ، وآتاهم من الفضل ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم ، فثم عموم استفيد من تسلط النفي على النكرة "أحدا" ، وذلك آكد في تقرير المنة ، ودلالة "أل" في "العالمين" ، من وجه آخر ، مئنة من العهد ، أو هو مما يجري مجرى العام الذي يُرَادُ به خاص ، وهو ما دل عليه السياق فزمان الخطاب قبل بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأمة الخاتمة ، خير الأمم ، فخيرتها محكمة لا تنسخ ، وهي ، من وجه آخر ، لا تأرز إلى عرق أو *** ، وإنما مناطها ، كما تقدم ، التقوى التي أطلقت فعمت جميع أجناسها ، فجاء النص على الخيرية المطلقة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فتلك ، أيضا ، خيرية مطلقة ، في العلم والعمل ، مناطها الأمر بالمعروف والنهي عن ضده ، فذلك يجري مجرى المقابلة بين الشطرين ، فضلا عن طباق الإيجاب بالنظر في الألفاظ التي تجري مجرى الأضداد ، فأمر ونهي ، ومعروف ومنكر ، فخص الأمة بالوصف : "أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فذلك من قدر التكوين النافذ ، فـ : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، فذلك قدر نافذ اقترن بحكمة بالغة فوضع ، جل وعلا ، الوحي في المحل الذي يلائمه على وجه تنتظم به الحال ، وإن كان ثم فساد في هجر الرسالة فليس العيب فيها وإنما العيب فيمن ترك وهجر ، فجحد الخبر وعطل الحكم ، ولا يخلو ذلك من وجه آخر به يحصل الصلاح أن يتدافع قَبِيلَا الحق والباطل ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) ، ودلالة "أل" في "الناس" مئنة من عموم يستغرق وبذلك تعظم المنة العامة التي استغرقت جميع البشر *** تخص لونا أو ***ا أو شعبا فهي بَرِيئَةٌ من الشعوبية وسائر الدعاوى الجاهلية ، فجاء الوصف بالجملة : "أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" ، وهو ما سوغ الإطناب بالحال : "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" ، فجاءت الحال من النكرة "أمة" إذ وصفت ، ووصف النكرة نوع بَيَانٍ بالتخصيص سوغ مجيء الحال منها ، فجاءت الحال تُقَيِّدُ وَتُبَيِّنُ ، وقد يقال إن جملة : "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" ، خبر ثان ، فحصل الإطناب بالإخبار ، والإخبار بَيَانٌ ، إذ معنى الإسناد فيه يظهر ، كما هي الحال في الوصف الذي يسند إلى الموصوف ، ولذا اشتركا في جملة من خصائص اللفظ كافتقارهما إلى رابط مذكور ، بارز أو محذوف ، أو آخر مقدر ، وقد يقال إن ذلك يجري مجرى الاستئناف ، وفيه ، أيضا ، زيادة بَيَانٍ ، ومن ثم عطف بالعام الذي يستغرق كلا الوجهين ، ويستغرق معهما جميع وجوه الخير ، إن في العلم أو في العمل ، إن في الشرع أو في السياسة ، إن في خاص الفرد أو عام الجماعة ، فـ : (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وحد الجميع على حد المضارعة مئنة من ديمومة حال ، فتلك دلالة الحال في اللسان ، ومئنة من استمرار في الوصف ، إذ يجري مجرى التعليل بإناطة الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه هذه الأفعال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ، فليس فيها معنى العرق أو ال*** أو الشعب المختار ... إلخ من الدعاوى الشعوبية الجاهلية المنتنة كما وصفها صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والشاهد أن القوم كانوا يستفتحون ويستنصرون على الذين كفروا ، ودلالة الموصول ، كما تقدم ، دلالة إجمال بُيِّنَ بالصلة ، فمعنى الكفر هو مناط الفائدة ، إن في الخبر أو في الإنشاء بِتَعْلِيلِ حكم الاستنصار أنه على من كفر وفجر ، فخرج عن حد الشرع ، بتكذيب الوحي أو تعطيل الشرع ، فاستحق القتال بالعدل ، فتلك على الراجح من كلام المحققين ، علة القتال ، فعلته الكفر لا الدفع فحسب ، بل ثم طلب لأهل الكفر إن حصلت المكنة ، فالقتال ، كما تقدم في مواضع سابقة ، *** يستغرق أنواعا فثم تحريم أول ، كما حكى التنزيل المدني في آي النساء حالا تقدمت في مكة : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، ثم كان الإذن ، فـ : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فذلك من الإذن الشرعي الذي يشاطر الإذن الكوني في نحو قوله تعالى : (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ، فلا يكون ضر ولا نفع إلا بإذن الله ، جل وعلا ، فالإذن الشرعي يشاطر الإذن الكوني ***َ الإذن المطلق ، وقد حذف الفاعل في "أُذِنَ" للعلم به ، بداهة ، فلا يأذن في الشرع والكون إلا الرب ، جل وعلا ، ودلالة اللام دلالة تبليغ ، إذ الإذن قول ، والقول مما يبلغ باللام ، كما في قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) ، وقد حذف المأذون فيه ، كما يقول بعض المحققين ، لدلالة السياق عليه ، فأذن لهم في مقاتلة من يقاتلهم ، فالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو المقاتلة مما يكون بين خصمين ، فتلك دلالة المفاعلة في اللسان ، فأذن لهم أن يقاتلوا من قاتلهم ، فلا يشرع البدء بالقتال في هذه الحال ، ومن ثم أردف بالعلة : (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ، فذلك آكد في تقرير الحكم ، فالباء في هذا الموضع نص في السببية ، فأذن لهم بما وقع عليهم من الظلم ، ومن أثم أطنب في سياق النصرة والتأييد لأهل الحق إذ يردون الظلم والعدوان ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فأكد بالناسخ فضلا عن تقديم ما حقه التأخير ، فقدم الجار والمجرور : (َعَلَى نَصْرِهِمْ) ، على متعلقه : (لَقَدِيرٌ) ، فأصل الكلام : وإن الله لقدير على نصرهم ، وزد عليه دخول اللام على الخبر "لقدير" ، وهي اللام التي زحلقت فأخرت لئلا يجتمع في النطق مؤكدان متتاليان ، فذلك مما يثقل على اللسان ، وكل أولئك مما يشرح صدور أهل الحق أن يدفعوا أهل الباطل فيقاتلوهم ويدفعوا شرهم بالحجة والبرهان تارة ، وبالسيف والسنان ، كما في هذا الموضع ، تارة أخرى ، ولكل ميدان ****ه ولكل حال من الأحكام ما يلائمها ، وذلك ، أيضا ، من حكمة الرب ، جل وعلا ، في التشريع ، أن وضع لكل حال من الأحكام ما يلائمها ، فحال الضعف كف ، وحال الطاقة الإذن ، فالدفع كما في قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، فالطلب إذا حصلت المكنة ، كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، فتحا للأرض أن تحكم بالوحي وفتحا قبله للقلوب أن تُنِيبَ إلى الرب المعبود ، جل وعلا ، وثم قتال الكفار الأصليين ، وتحته قتال أهل الكتاب وقتال المجوس ... إلخ ، وثم قتال أهل الردة ، وثم قتال المسلمين من أهل البغي ..... إلخ ، ولكلٍّ أحكامه على وجه بسطه أهل الشأن من أئمة الفقه .
ولا تخلو دلالة الوصل في الآية : (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ، لا تخلو ، من وجه آخر ، من دلالة عموم ، وهو ما خص بدلالة السياق ، فانصرف إلى فئة مخصوصة من الكفار ، وهم كفار يثرب قبل البعثة ، فيجري ، من هذا الوجه ، مجرى العام الذي يراد به خاص ، ومن ثم أعاد التوقيت بالظرف لطول الفاصل بجملة الاعتراض : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، ***ا جاءهم ما عرفوه من الحق إذ تقدم بيانه في كتبهم ، فحذف عائد الصلة في "عرفوا" إيجازا اشتهر في التنزيل واللسان ، أن يحذف العائد المفعول ، وثم إجمال في هذا المعروف المعلوم أٌبِينَ عنه في موضع آخر من التنزيل ، فهو الحق ، كما ورد في قوله تعالى : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) ، فشتان الحالان ! ، حال الرهبان الصادقين الذين تجردوا في طلب الحق *** يتأكلوا بما عندهم من دين ولم يراءوا بما يظهرون من الصلاح مع إضمار الشر والفساد هَوًى في الباطل وَكِبْرًا وأنفة أن ينقادوا للحق وحيازة لمكاسب زائلة واستبقاء لرياسات باطلة ، كما صُدَّ من صُدَّ من المخذولين من الأحبار والرهبان ، إذ اتخذوا الدين ذريعة إلى الطغيان أن يصير لهم الأمر ، فهم وحدهم من له الحل والعقد بما يرون بعقولهم ويجدون بأذواقهم ، فاستحقوا لقب الطاغوت أن نازعوا من له الملكوت ، تبارك وتعالى ، أن نازعوه منصب التشريع والسن للأحكام ، فضاهوا حكم الوحي النازل بحكم الوضع الباطل الذي يحقق للمترفين جملة من ال**الح الناجزة وإن تعارضت مع أحكام الشرعة الكاملة ، فهم أعداء الرسالات وهم من يفسد في الأرض فيعظم الشؤم ويؤذن بزوال الملك ، فـ : (إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، فذلك أمر التكوين ، على قول ، فلا يأمر ، جل وعلا ، بالشر في الشرع ، وإن شاءه في الكون ، فيسن من يسن من أئمة الباطل من أحكام الجور ما يفضح حاله فهو فقير إلى الأسباب مفتون بالأعراض فيجتهد في جمعها بحق أو بِبَاطِلٍ ويقرر ذلك بجملة من الأحكام والمراسم تسوغ له حيازة ما يشتهي وإن خرج عن مقصد الشرع وحكمه ، فقد رد الأمر إلى عقله وذوقه ، فنازع الوحي بل وأبطل دلالته إذا تعارضت مع **الحه المتوهمة ، فضلا أن يستعين بأحبار السوء الذين يجتهدون في تخريج أهوائه على أحكام الوحي ، وإن شئت الدقة فقل : تأويل الشرع بما يوافق هواه ، فتعظم الجناية أن ينسب الجور إلى الشرع فيكسى لحاء الفضيلة وهو عين الرذيلة وهو ما يصد الناس عن اتباع الطريقة ، فذلك ، كما قال بعض المحققين ، قطع للطريق الموصلة إلى الله ، جل وعلا ، فجلس أولئك عليها يدعون الناس بلسانهم الكاذب ويصدونهم بفعلهم الفاضح ، وهو معنى كما تقدم مرارا يعم كل من اتجر في الدين في كل أمه فجعله بضاعة يتكسب بها ، فهو يخالف الحق قصدا ، ويداهن في الدين عمدا ، فشتان حال أولئك الرهبان الذين : (إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) ، فدلالة أداة الشرط "إذا" مئنة ، كما تقدم ، من تحقق الوقوع فضلا عن ديمومة واستمرار ، فَـ : إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ، وتخصيص السمع بالذكر يجري مجرى الغالب وإلا فقد يصلهم الحق مكتوبا ، ودلالة "ما" مئنة من وصل يدل على العموم ، ولكنه ينصرف إلى خصوص ، فهم ينقادون إذا سمعوا بعض التنزيل فتحصل لهم الهداية فضلا من الرب ، جل وعلا ، إذا بلغهم الوحي في الجملة ، وإن لم يبلغهم الكتاب كله ، مبدأ الأمر ، فكم من ضال اهتدى بسماع آية واحدة فيصدق أنه سمع ما أنزل الله ، جل وعلا ، فيكون معنى ال*** في هذا السياق أظهر ، فإذا سمعوا شيئا من *** الوحي المنزل : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، والمضارعة مما تستحضر به هذه الصورة ، ودلالة الفيض مئنة من الغزارة فذلك آكد في تقرير معنى الخشوع إذ خشعت العين لما خشع القلب فما كان فيضها إلا فرعا على ما حصل في الجنان من تصور صحيح وإرادة ناصحة تروم الحق وتفتش عن أسبابه فلا ***ي عنه حوالا إذ أدركته ، ولو قطعت إربا إربا ، فخشوع الظاهر فرع على خشوع الباطن ، إلا أن يكون نفاقا ، والسياق هنا يشهد للخشوع الصادق ثناء على أولئك الأفاضل الذين نبذوا التقليد وهجروا المألوف من الدين والعادة وتخلوا عن حظوظهم في الجاه والرياسة ، لا سيما الرياسة الدينية فهي ، عند التدبر والنظر ، أعظم رياسة ، وقل من يبلغ فيها شأنا ثم يدعها طوعا لا سيما إن كان تركه إلى لا شيء ! ، بالنظر في حظوظ الدنيا ، وإن عظم حظه في الآخرة فقد ترك الفاني للباقي ، ولا يطيق ذلك إلا أفذاذ الرجال ممن عظمت نفوسهم وعلت هممهم ، فلا عليهم إن تعبت أجسادهم ، فوافق الظاهر الباطن وصدقه ، على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين الباطن تصورا ، والظاهر حكما ، فيكون فيض العين في هذا السياق مسبَّبا يدل على السبب ، وهو خشوع القلب ، فهو مناط الأمر في هذا الباب ، إذ مبدأ الأمر منه ، ولا يجزئ التصديق المحض حتى يشفع بالإقرار والانقياد وإرادة الاتباع التي تظهر آثارها في الخارج في القول والعمل ، ومنه فيض العين فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى التمثيل لعام ، وهو عمل الجوارح ، فلا يخصصه ، وإنما يعم الثناء كل من قبل الحق وعمل بأحكامه فلا ينفك تظهر آثاره عليه في الخارج في قوله وعمله ، فترى أعينهم تفيض من الدمع ، فدلالة "من" دلالة البيان لل*** ، ومن ثم أردف بأخرى في : (مِمَّا عَرَفُوا) ، فهي مئنة من السببية ، فسبب الدمع انقيادا ما عرفوا من الحق ، فدلالة "من" في : (مِنَ الْحَقِّ) ، دلالة بيان لل*** ، أيضا ، فتنوعت الدلالة في هذا السياق بين السببية وبيان ال*** ، ولكل لفظ من قرائن السياق ما يرشح دلالة بعينها إن كان لفظا مجملا يحتمل الاشتراك ، ودلالة "أل" في "الحق" ، مئنة من عموم استغرق معاني الحق ، وذلك آكد في تقرير المعنى ثناء على الوحي المنزل الذي انقادت له قلوب القوم طوعا ، فشتان أولئك ومن عرفوا الحق في المقابل فكفروا به وجحدوه إذ به ، كما تقدم ، زوال رياساتهم الباطلة ، إن في الدين أو في السياسة ، فأين أولئك في علو المكانة من سفل ابن صوريا ، على سبيل المثال ، إذ جحد النبوة الخاتمة ضنا برياسته في يهود يثرب ، والنص ، وإن كان في الرهبان ، إلا أنه يستغرق جملة من قوم موسى ، عليه السلام ، كالحبر الجليل عبد الله بن سلام وثعلبة بن صعير ويامين بن عمير ، رضي الله عنهم ، ويستغرق ، أيضا ، بعموم المعنى كل من آمن من يهود مع قلتهم ! ، واللفظ يعم ، من وجه آخر ، كل من علم دليل الحق ففاضت عينه من الدمع من أية أمة ، وإن ورد النص على سبب خاص وهو رهبان النصارى ، فورود العام على سبب لا يخصصه ، فهو يعم كل من دخل في المعنى وإن لم يرد لفظ النص على سببه .
فأين من آمن بما عرف من الحق ، ومن جاءهم ، في المقابل ، ما عرفوا منه ، فكفروا به ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ! ، وإن خصت الآية بمن آمن من يهود كمن تقدم ذكره من ابن سلام وأضرابه ، رضي الله عنهم ، فقد خرجوا من عموم الذم في الآية لمن استفتح على الكفار بالحق ، *** تمض الأيام حتى انقلبت الحال ! ، فآمن من كان كافرا ، وكفر من كان مؤمنا وإن شئت الدقة فقل عارفا لم تغن عنه المعرفة شيئا ، وذلك ما يستأنس به من يجادل أهل الإرجاء أن قصروا الإيمان على التصديق الباطن ، ومنهم من غلا كالجهمية فجعل الإيمان هو محض المعرفة ، فلازم ذلك أن أولئك الذين وصفهم التنزيل أنهم كفروا بما عرفوا ، لازم ذلك أنهم مؤمنون إذ حصلت لهم المعرفة المحضة ! ، ولازمه أن إبليس ، رأس الكفر ، مؤمن ناج فقد عرف ربه ، جل وعلا ، معرفة تقيم عليه الحجة وإن لم يعرفه حق المعرفة فلو عرفه حق المعرفة لآمن وأطاع ، ولازمه أن فرعون مؤمن فقد علم هو ، أيضا ، فـ : (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) ، فمناط الأمر هو الإيمان مدحا ، والكفر ذما ، لا عرق أو *** أو قبيل ، فما أغنت عنهم النسبة إلى الكتاب الأول شيئا إذ لم يشفعوه بلازمه من الإيمان بالكتاب الخاتم ، فاستحقوا اللعنة ، فـ : (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، وذلك ما أضيف إلى الله ، جل وعلا ، إضافة الوصف إلى الموصوف ، فاللعنة من كلمات الجلال ، وآثارها من العذاب مخلوقة ، فلو نظر في اللعنة نظر الأثر الناشئ منها وهو استحقاق صاحبها أن يعذب بالنار ، فيصير العذاب في الخارج ، وهو مخلوق ، هو أثر اللعنة ، فالإضافة ، من هذا الوجه ، إضافة مخلوق إلى خالق ، وكلا الوجهين صحيح ، فإن اللعنة سبب والعذاب الناشئ منها مسبَّب وبينهما من التلازم ما لا يخفى ، ودلالة "على" مئنة من استعلاء يحيط بهم فهو كالظلة التي تستغرقهم ، وذلك آكد في النكاية ، وقد أنيط الحكم بالوصف الذي اشتق منه اسم الوصف "كافر" ، والذي حد على جهة الجمع ، فدخلت "أل" على الوصف المشبه المجموع : "كافرون" ، وذلك ما يرشح دلالة الوصل لا سيما ووصف الكفر سبب مؤثِّرٌ في الحكم باللعنة على ما اطرد مرارا من دلالة الوصل على التعليل إذ يناط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة ، وهو ، في هذا الموضع ، الكفر ، وذلك معنى يعم جميع أجناس الكفار : الأصليين والمرتدين والمنافقين والمحاربين والمعاهدين والمستأمنين والذميين ، وإن كان لكلٍّ في الدنيا أحكام تخصه ، وبغضهم جميعا أمر واجب ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يحمل صاحبه أن يظلم أحدهم حقا إن وجب له بحكم الشرع ، كإطعام الأسير المحارب إن رأى الإمام الإبقاء عليه ، وتأمين من استأمن إن لم يقترف ما بوجب نقض أمانه ، والوفاء بالعهد والإعلام بالنقض إن خاف خيانة ، وحفظ الذمة لأهلها ما لم يقترفوا ما ينقضها ، فبغضهم جميعا أمر يجب على كل مسلم ، وهو ، مع ذلك ، لا يصح ذريعة إلى الظلم ، فالظلم مذموم في كل حال ، والعدل في المقابل يمدح في كل حال ، ومع كل أحد ، فهو الفضيلة بين رذيلتي الظلم زيادة ، والمداهنة في أمر الدين نقصا ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .
ولا تخلو دلالة "أل" ، من وجه آخر ، من دلالة عهد بالنظر في سياق الآية ، فإن الكافرين فيها هم أهل الكتاب ، ويهود على وجه أخص ، ويهود يثرب على وجه أخص من سابقه ، فهم سبب النزول ، وليس ثم ما يمنع حمل اللفظ على كلا الوجهين ، فدلالة السياق تخص يهود يثرب باللعنة ، والدلالة اللفظية والمعنوية ، إذ أنيط الحكم باللفظ ، وإناطته به إناطة بالمعنى الذي اشتق منه اللفظ ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهو يهود يثرب ، كما تقدم ، فورود العام على سببهم لا يمنع دخول غيرهم من سائر أجناس الكفار ، فيدخلون قطعا فلا يجوز إخراجهم بتخصيص أو نسخ ، ودخول غيرهم ظني ، فيجوز إخراجه ، مع أن معنى الكفر وهو وصف مشبه ، والوصف المشبه ، كما قرر أهل الشأن ، مئنة من ثبات وديمومة ، فيشبه من هذا الوجه أفعال السجايا التي تلازم صاحبها ، مع أن هذا المعنى كما تقدم مما يلازم صاحبه فلا يتصور تخصيصه أو نسخه إذ اللعنة تحيق بالكفار قطعا فلا ترتفع إلا إذا ارتفع الوصف بحصول ضده من الإيمان ، فهم بذلك يخرجون من العموم لا بتخصيص أو نسخ مع بقاء وصف الكفر فلا يتصور ارتفاع اللعنة مع بقاء موجِبِها من الكفر ، وإنما يخرجون لتبدل الوصف فليسوا آنذاك محل نزاع .
ودلالة الفور في الفاء في قوله تعالى : (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، آكد في النكاية ، ولا تخلو من دلالة سببية ، وإن لم تكن نصا فيها ، وهي ، من وجه ثالث كما يقول بعض المعربين ، فاء فصيحة إذ ثم محذوف ، وهو شرط دخلت الفاء على جوابه إيجابا ، فهي ، من هذا الوجه أيضا ، فاء الربط بين الشرط وجوابه في المواضع التي يجب فيها دخول الفاء على الجواب ومنها هذا الموضع أن يكون الجواب جملة اسمية ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : إن كانوا كذلك من كفر بما عرفوا من الحق فلعنة الله على الكافرين ، وقد أظهر في موضع الإضمار ، كما نوه بعض المحققين ، فالأصل الجاري على المشهور في العربية أن يقال : إن كانوا كذلك من كفر بما عرفوا من الحق فلعنة الله عليهم ، فذلك آكد في تسجيل الجناية وآكد في تعليل الحكم بإناطته ، كما تقدم ، بوصف الكفر .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى : (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، فدلالة التوقيت في "لما" آكد في تسجيل الجناية ، إذ حصل الكفر حال ورود الكتاب ، وهو كتاب عَظُمَ شأنه ، فالتنكير ، من هذا الوجه ، مئنة من التعظيم ، وجاء الوصف أنه : "من عند الله" ، فقدم شبه الجملة تعظيما لذكر الله ، جل وعلا ، فعظم الشيء من عظم من صدر عنه ، فَعُظِّمَ شأن الكتاب أَنْ كَانَ من عند الله ، جل وعلا ، فـ : "من" مئنة من ابتداء الغاية ، إذ كان الكتاب من عند الله ، جل وعلا ، فهو منه علما أول ، وكتابة ثانية في اللوح ، وآحادا أحدث منها ، جل وعلا ، ما شاء ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم الأمر في نحو قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" ، فيعم أمر الشرع وأمر الكون ، ويعم الأمر الذي ورد في التنزيل والآخر الذي ورد في سنة البشير النذير صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ويعم الخبر والإنشاء ، وإن كانت دلالة الأمر في قسمة التكليف تدخل في حد الإنشاء ، ومنه الأمر الذي ورد في الخبر المتقدم إذ عم بأصل يستغرق جميع الآحاد ، من الأوامر ، فتلك دلالة العموم في الخبر ، فالأمر يجمع على أوامر بالنظر في الأسباب من الكلمات الكونية والشرعية ، ويجمع على أمور بالنظر في تأويل هذه الكلمات من المأمورات الكونية والشرعية ، فعم جميع الأوامر الكونية والشرعية وإن رجح السياق دلالة الأوامر الشرعية ، وقد أكد بالناسخ واسمية الجملة وتكرار الإسناد في "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ" ، فضلا عن دلالة المضارعة في "يُحْدِثُ" فهي مئنة من ديمومة واستمرار ، بالنظر في زمن الرسالة إذ كانت نجوم الوحي تَتْرَى بأخبار الصدق وأحكام العدل معا ، وهو أمر لَمَّا يَزَلْ تأويله آت إلى يوم الناس هذا ، فكلمات التكوين السبب في تدبير هذا العالم ، وتلك ، في المقابل ، قرينة ترجح دخول أوامر التكوين في عموم اللفظ ، فضلا عن الختام بإطلاق المشيئة في : "مَا يَشَاءُ" ، فـ : "مَا" نص في العموم ، فعم ثم خص فدلالة "من" في "مِمَّا" دلالة تبعيض فكلام الرب ، جل وعلا ، يتبعض بالنظر في آحاده الحادثة ، فهو ، كما تقدم مرارا ، قديم النوع حادث الآحاد ، فمبانيه تختلف ومعانيه تختلف تبعا لاختلاف المباني ، فكل مبنى يدل على معنى بعينه بالنظر في أصل الوضع في اللسان إن بدلالة الإفراد أو بدلالة التركيب .
والنهي عن الكلام في الصلاة مما ثبت بالسنة ، فلا دليل في الكتاب عليه ، وقد يجاب إن ذلك مما ورد في قوله تعالى : (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) ، فالقنوت هو السكوت على قول ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن ذلك مما يدخله الاشتراك ، فيطلق على الذكر ، كما فسر بعض المحققين الحال "قَانِتِينَ" في الآية فهم الذاكرون ، ويطلق على الطاعة ، ويطلق على طول القيام ، ويطلق على القنوت في الصلاة ، فهو مئنة من الدعاء ، سواء أكان عاما أم مخصوصا في موضع بِعَيْنِهِ ، وتطلق مادة "قنُتَ" ، بضم النون ، على قلة الأكل ، كما في بعض المعاجم ، وكأن ثَمَّ ، من وجه آخر ، معنى عاما يستغرق هذه المعاني الخاصة فمعنى الانقطاع يجمعها ، فالطائع ينقطع إلى ربه ، جل وعلا ، والساكت ينقطع عن الكلام ، والقانت لا يأكل ، فهو ينقطع عن الطعام ، والداعي ينقطع إلى ربه ، جل وعلا ، ومن أطال القيام في الصلاة فهو ينقطع عن الراحة فلا تنال إلا على جسر من التعب والنصب فلا يدرك نعيم بِنَعِيمٍ كما قال بعض المحققين ، فحصل الاشتراك على وجه يقع فيه الاحتمال ، خلافا للخبر : "إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ: أَنْ لاَ تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" ، فإن دلالته على المطلوب دلالة نص قاطع لا يحتمل تأويلا باشتراك أو نحوه ، فإن الاستدلال إذا تَرَاوَحَ بَيْنَ ظن راجح محتمل ، ونص قاطع جازم ، فالاستدلال بالجازم أولى ، والظن الراجح يأتي بعده كالنافلة بعد الفريضة ، وذلك يظهر أثره ، أيضا ، حال التعارض ، فإذا تعارض نص قاطع مع ظاهر راجح ، قدم النص إذ لا يحتمل من التأويل ما يحتمله الظاهر ، فقد تَرِدُ قرينة توجب صرفه عن معناه الراجح إلى معنى آخر مرجوح .
ويقال من وجه آخر إن هذا الاشتراك في لفظ القنوت قد أُبِينَ عنه بحمل المشترك على معنى السكوت لورود الدليل من خبر زيد بن أرقم ، رضي الله عنه ، مرفوعا : "إِنْ كُنَّا لَنَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا صَاحِبَهُ بِحَاجَتِهِ، حَتَّى نَزَلَتْ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} ، «فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ»" ، فجاء التوكيد بالنون المخففة ، إذ دخلت على الناسخ "كنا" ، وهو ما دلت عليه اللام الفارقة في "لنتكلم" ، ولا تخلو من دلالة توكيد وإن بالإطناب في اللفظ ، فكان الكلام مباحا ، ثم ورد النسخ بهذه الآية إلى الأثقل ، وهو الأفضل والأحسن فبه يكون المرء أخشع ، فـ : "أُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ" ، وذلك أمر الشرع فَحُذِفَ الفاعل للعلم به ، بداهة ، وهو صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وقد يقال ، من وجه آخر ، إن الآمر هو الوحي ، فالآمر حقيقة هو الله ، جل وعلا ، فالسنة وحي وإن لم يعجز في نظمه ، فيكون الآمر هو الله ، جل وعلا ، والناقل هو روح القدس ، عليه السلام ، فهو الملك الموكل بالوحي ويكون المبلغ المبين هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو الآمر بمقتضى منصب الرسالة .
وأطنب في وصف الكتاب ، فهو : "مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ" ، فذلك اسم فاعل يعمل عمل مضارعه فتعدى باللام ، لام التقوية ، فهو أضعف من أصله الذي تَفَرَّعَ عنه في العمل والمعنى ، ولا يخلو ذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، من إطناب في المبنى يرشح إطنابا آخر في المعنى على جهة التوكيد فالكتاب الخاتم ، من وجه ، **دق لما معهم من الكتاب الأول ، فدلالة "ما" دلالة الوصل لغير العاقل ، فإن العلم بما في الكتاب ، والكلام الذي سُطِرَ فيه من الخبر والإنشاء وهو داخل في حد العلم فكلام الكتب من علم من أَنْزَلْهَا ، جل وعلا ، كما في قوله تعالى : (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، وبه استدل أحمد ، رحمه الله ، على أن القرآن غير مخلوق ، فإن دلالة "أل" في "العلم" في الآية مئنة من عهد مخصوص هو ما نَزَلَ في المسيح والبتول ، عليهما السلام ، من آي خلق معجز ضرب به المثل في الآي الذي تقدم ، فـ : (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، والتماثل هنا ، كما يقول بعض المحققين ، ينصرف إلى *** الخلق المعجز لا إلى ماهيته المخصوصة ، فماهية خلق آدم عليه السلام من تراب ، بلا أب ولا أم ، وماهية خلق المسيح ، عليه السلام ، من أم بلا أب ، فذلك المثل المضروب قرآنٌ نَزَلَ من السماء ، فسماه علما ، إذ الوحي الشرعي من العلم الرَّبَّانِيِّ الذي يستغرق علم التكوين وعلم التشريع ، والعلم بالإجماع غير مخلوق ، فيكون القرآن ، أيضا ، غير مخلوق إذ هو من العلم فحكم البعض حكم الكل الذي يندرج فيه .
والشاهد أن دلالة "ما" : دلالة الوصل ، ولكنه بقرينة الصلة "مَعَهُمْ" ، ينصرف إلى عهد مخصوص وهو كتاب التوراة السابق الذي صدقه التنزيل الخاتم ، فَقَيَّدَتِ الصلة عموم الموصول وذلك من أوجه البيان ، إذ الموصول في لفظه الذي وضع في اللسان مَظِنَّةُ إجمال يفتقر إلى البيان ، فَبَيَانُهُ في الصلة ، فقد خصت عموم الموصول فانصرف إلى خاص وهو ما معهم من الكتاب السابق ، فالكتاب الخاتم يصدقه ، من وجه ، ويهيمن عليه من آخر ، فهو يقضي فيه قضاء الناسخ في المنسوخ ، والمحكم في المتشابه لا سيما وقد بدل الكتاب الأول ، فعبثت أيدي الأحبار في ألفاظه وعبثت عقولهم في معانيه بضروب من التأويل توافق أهواءهم وأذواقهم وتحفظ حظوظهم ورياساتهم .
وأطنب بجملة اعتراض لا محل لها من الإعراب في اللفظ ، ولكنها لا تخلو من دلالة في المعنى ، فـ : (كَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ، فمحلها عظيم إذ حالهم قبل البعثة آكد في تسجيل الجناية ، لا سيما مع ورد المعنى بلفظ الكينونة الماضية وهي مئنة من ديمومة اتصاف ، والمحذوف الذي قطعت"قبل" عنه لفظا مع نية معناه وهو ما أوجب لها البناء العارض على الضم ، ذلك المحذوف مما يقدر تبعا للسياق فتقديره في هذا الموضع : وكانوا من قبل البعثة التي بشرت بها كتبهم ، فاشتد النكير في حقهم ما لم يشتد في حق الجاهل ، فضلا أنهم كانوا يتوعدون بها كفار العرب ويستنصرون عليهم ، فَضُمِّنَ فعل الاستفتاح فعل الاستنصار ، كما يقول بعض المعربين ، فساغ ، من هذا الوجه ، أن يتعدى بـ : "على" ، فآخر الأمر رسول يحاربون العرب تحت لوائه ، ***ا جاء من خصومهم العرب ! ، كفر *** يهود وفجر في الخصومة ، فدلالة الألف والسين والتاء مئنة من الطلب والتقصد ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فكانوا يستفتحون على الذين كفروا ، ودلالة الكينونة الماضية مئنة ، كما تقدم ، من ديمومة الاتصاف ، فتلك حال دائمة ، وذلك آكد في إقامة الحجة عليهم بمنطوق الكلام والحال ، وهو أصدق إنباء من الكتب ، ودلالة الوصل في "الذين" ، مئنة من العموم ، وهو عموم مجمل لا يظهر بيانه إلا بالصلة المذكورة أو المقدرة ، فإما أن تكون الصلة مذكورة كما في هذا الموضع ، وإما أن تكون مقدرة دل عليها السياق فأغنى عن الذكر ، كما في قول الشاعر :
نَحْنُ الأُلَى فَاجمَعْ جُمُو ******* عَكَ ثُمَّ وَجِّهْهُمْ إلَيْنَا
على تقدير : نحن الألى عرفت شجاعتنا ، فدلالة التحدي في الشطر الثاني رشحت هذا التقدير فهي كالدليل على المحذوف فحسن الحذف من هذا الوجه ، فضلا أن الحذف هنا يجري مجرى التهويل في الإجمال في نحو قوله تعالى : (فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى) ، فأبهمت الصلة مئنة من التعظيم ، والإبهام والإجمال ، وإن كان خلاف الأصل في البيان ، إلا أنه قد يُغْنِي عن الْبَيَانِ بل وَيَزِيدُ في مواضع كمواضع التعظيم والتهويل .
فثم إجمال أبانت عنه الصلة في الآية : (الَّذِينَ كَفَرُوا) ، فضلا عن دلالة التعليل ، فإن الاستنصار عليهم والاستفتاح عِلَّتُهُ ما كان من كفرهم ، فزعم يهود أنهم على الحق ، وقد كانوا على ملة أهدى من ملة العرب ، وإن في الجملة ، مع ما كان منهم من انحراف في العقد والشرع ، فـ : "إِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ" ، *** يكن على الحق المحض إلا بقايا من أهل الكتاب ، فجملة القوم كانوا على الباطل بما وقع في كتبهم من التبديل والتحريف إن في الأخبار أو في الأحكام ، فأنكروا البشارة التي نص عليها المسيح عليه السلام : (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) ، واجتهدوا في محو ذكرها وتأويل ألفاظها على وجه يضاهي تأويل أهل الباطن بحمل الألفاظ على وجوه بعيدة تبطل دلالة اللفظ الظاهرة ، وتصرف المخاطب عن مقصود القائل ، كما في تأويل لفظ "البارقليط" ، فمعنى الحمد فيه أظهر ، فصرف إلى معنى العزاء بلا صارف راجح يوجب هذا التأويل أو يرجحه ، فكان التحكم في الترجيح بلا مرجح ، وهو ما يقبح إذا استوى طرفا القسمة حال الجواز ، إذ يستوي في الجائز الاحتمال لكلا الطرفين : الإيجاب والامتناع ، فيقبح الترجيح بلا مرجح حال التساوي في الاحتمال ، فكيف إذا انصرف اللفظ ، بادي الرأي ، إلى معنى راجح ، فصرف إلى المرجوح بلا مرجح ، فالترجيح في هذه الحال أعظم بطلانا ، فكان القوم على الباطل ، ولكنهم ، في المقابل ، كانوا خيرا من مشركي العرب ، فعندهم من رسالة السماء شيء ، ولو آثارا ، فكانوا خيرا من العرب ، من هذا الوجه ، لا أنهم كما يزعمون أمة اختارها الرب ، جل وعلا ، واصطفاها بالمحبة والبنوة ، وإن اقترفت من الجرم ما اقترفت ! ، فتلك دعوى شعوبية قبيحة تجعل ال*** والعرق مناط التفضيل ، دون نظر في فضيلة دين أو أخلاق ، وهو ما أبطله التنزيل إذ أناط ذلك بالتقوى ، فـ : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، فذلك يجري مجرى القصر بتعريف الجزأين : "أَكْرَمَكُمْ" ، و "أَتْقَاكُمْ" ، فضلا عن اسمية الجملة والتوكيد بالناسخ "إن" وتقييد التفضيل بـ : "عند الله" ، فذلك معيار التفاضل المعتبر ، فجملة ما تقدم من المؤكدات مما يقطع بهذا المعيار المحكم في تفاضل البشر ، وإن اختص *** بِتَفْضِيلٍ فهو تفضيل مجموع لا جميع ، فكانت منة الرب ، جل وعلا ، على بني إسرائيل ، فـ : (إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ) ، فجمع لهم ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، النبوة والملك ، وآتاهم من الفضل ما لم يؤت أحدا من عالمي زمانهم ، فثم عموم استفيد من تسلط النفي على النكرة "أحدا" ، وذلك آكد في تقرير المنة ، ودلالة "أل" في "العالمين" ، من وجه آخر ، مئنة من العهد ، أو هو مما يجري مجرى العام الذي يُرَادُ به خاص ، وهو ما دل عليه السياق فزمان الخطاب قبل بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الأمة الخاتمة ، خير الأمم ، فخيرتها محكمة لا تنسخ ، وهي ، من وجه آخر ، لا تأرز إلى عرق أو *** ، وإنما مناطها ، كما تقدم ، التقوى التي أطلقت فعمت جميع أجناسها ، فجاء النص على الخيرية المطلقة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فتلك ، أيضا ، خيرية مطلقة ، في العلم والعمل ، مناطها الأمر بالمعروف والنهي عن ضده ، فذلك يجري مجرى المقابلة بين الشطرين ، فضلا عن طباق الإيجاب بالنظر في الألفاظ التي تجري مجرى الأضداد ، فأمر ونهي ، ومعروف ومنكر ، فخص الأمة بالوصف : "أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فذلك من قدر التكوين النافذ ، فـ : (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) ، فذلك قدر نافذ اقترن بحكمة بالغة فوضع ، جل وعلا ، الوحي في المحل الذي يلائمه على وجه تنتظم به الحال ، وإن كان ثم فساد في هجر الرسالة فليس العيب فيها وإنما العيب فيمن ترك وهجر ، فجحد الخبر وعطل الحكم ، ولا يخلو ذلك من وجه آخر به يحصل الصلاح أن يتدافع قَبِيلَا الحق والباطل ، فـ : (لَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) ، ودلالة "أل" في "الناس" مئنة من عموم يستغرق وبذلك تعظم المنة العامة التي استغرقت جميع البشر *** تخص لونا أو ***ا أو شعبا فهي بَرِيئَةٌ من الشعوبية وسائر الدعاوى الجاهلية ، فجاء الوصف بالجملة : "أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ" ، وهو ما سوغ الإطناب بالحال : "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" ، فجاءت الحال من النكرة "أمة" إذ وصفت ، ووصف النكرة نوع بَيَانٍ بالتخصيص سوغ مجيء الحال منها ، فجاءت الحال تُقَيِّدُ وَتُبَيِّنُ ، وقد يقال إن جملة : "تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ" ، خبر ثان ، فحصل الإطناب بالإخبار ، والإخبار بَيَانٌ ، إذ معنى الإسناد فيه يظهر ، كما هي الحال في الوصف الذي يسند إلى الموصوف ، ولذا اشتركا في جملة من خصائص اللفظ كافتقارهما إلى رابط مذكور ، بارز أو محذوف ، أو آخر مقدر ، وقد يقال إن ذلك يجري مجرى الاستئناف ، وفيه ، أيضا ، زيادة بَيَانٍ ، ومن ثم عطف بالعام الذي يستغرق كلا الوجهين ، ويستغرق معهما جميع وجوه الخير ، إن في العلم أو في العمل ، إن في الشرع أو في السياسة ، إن في خاص الفرد أو عام الجماعة ، فـ : (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، وحد الجميع على حد المضارعة مئنة من ديمومة حال ، فتلك دلالة الحال في اللسان ، ومئنة من استمرار في الوصف ، إذ يجري مجرى التعليل بإناطة الحكم بالمعنى الذي اشتقت منه هذه الأفعال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله ، فليس فيها معنى العرق أو ال*** أو الشعب المختار ... إلخ من الدعاوى الشعوبية الجاهلية المنتنة كما وصفها صاحب الشرع الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
والشاهد أن القوم كانوا يستفتحون ويستنصرون على الذين كفروا ، ودلالة الموصول ، كما تقدم ، دلالة إجمال بُيِّنَ بالصلة ، فمعنى الكفر هو مناط الفائدة ، إن في الخبر أو في الإنشاء بِتَعْلِيلِ حكم الاستنصار أنه على من كفر وفجر ، فخرج عن حد الشرع ، بتكذيب الوحي أو تعطيل الشرع ، فاستحق القتال بالعدل ، فتلك على الراجح من كلام المحققين ، علة القتال ، فعلته الكفر لا الدفع فحسب ، بل ثم طلب لأهل الكفر إن حصلت المكنة ، فالقتال ، كما تقدم في مواضع سابقة ، *** يستغرق أنواعا فثم تحريم أول ، كما حكى التنزيل المدني في آي النساء حالا تقدمت في مكة : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) ، ثم كان الإذن ، فـ : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فذلك من الإذن الشرعي الذي يشاطر الإذن الكوني في نحو قوله تعالى : (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) ، فلا يكون ضر ولا نفع إلا بإذن الله ، جل وعلا ، فالإذن الشرعي يشاطر الإذن الكوني ***َ الإذن المطلق ، وقد حذف الفاعل في "أُذِنَ" للعلم به ، بداهة ، فلا يأذن في الشرع والكون إلا الرب ، جل وعلا ، ودلالة اللام دلالة تبليغ ، إذ الإذن قول ، والقول مما يبلغ باللام ، كما في قوله تعالى : (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) ، وقد حذف المأذون فيه ، كما يقول بعض المحققين ، لدلالة السياق عليه ، فأذن لهم في مقاتلة من يقاتلهم ، فالمعنى الذي اشتقت منه الصلة وهو المقاتلة مما يكون بين خصمين ، فتلك دلالة المفاعلة في اللسان ، فأذن لهم أن يقاتلوا من قاتلهم ، فلا يشرع البدء بالقتال في هذه الحال ، ومن ثم أردف بالعلة : (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) ، فذلك آكد في تقرير الحكم ، فالباء في هذا الموضع نص في السببية ، فأذن لهم بما وقع عليهم من الظلم ، ومن أثم أطنب في سياق النصرة والتأييد لأهل الحق إذ يردون الظلم والعدوان ، فـ : (إِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) ، فأكد بالناسخ فضلا عن تقديم ما حقه التأخير ، فقدم الجار والمجرور : (َعَلَى نَصْرِهِمْ) ، على متعلقه : (لَقَدِيرٌ) ، فأصل الكلام : وإن الله لقدير على نصرهم ، وزد عليه دخول اللام على الخبر "لقدير" ، وهي اللام التي زحلقت فأخرت لئلا يجتمع في النطق مؤكدان متتاليان ، فذلك مما يثقل على اللسان ، وكل أولئك مما يشرح صدور أهل الحق أن يدفعوا أهل الباطل فيقاتلوهم ويدفعوا شرهم بالحجة والبرهان تارة ، وبالسيف والسنان ، كما في هذا الموضع ، تارة أخرى ، ولكل ميدان ****ه ولكل حال من الأحكام ما يلائمها ، وذلك ، أيضا ، من حكمة الرب ، جل وعلا ، في التشريع ، أن وضع لكل حال من الأحكام ما يلائمها ، فحال الضعف كف ، وحال الطاقة الإذن ، فالدفع كما في قوله تعالى : (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) ، فالطلب إذا حصلت المكنة ، كما في قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) ، فتحا للأرض أن تحكم بالوحي وفتحا قبله للقلوب أن تُنِيبَ إلى الرب المعبود ، جل وعلا ، وثم قتال الكفار الأصليين ، وتحته قتال أهل الكتاب وقتال المجوس ... إلخ ، وثم قتال أهل الردة ، وثم قتال المسلمين من أهل البغي ..... إلخ ، ولكلٍّ أحكامه على وجه بسطه أهل الشأن من أئمة الفقه .
ولا تخلو دلالة الوصل في الآية : (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) ، لا تخلو ، من وجه آخر ، من دلالة عموم ، وهو ما خص بدلالة السياق ، فانصرف إلى فئة مخصوصة من الكفار ، وهم كفار يثرب قبل البعثة ، فيجري ، من هذا الوجه ، مجرى العام الذي يراد به خاص ، ومن ثم أعاد التوقيت بالظرف لطول الفاصل بجملة الاعتراض : فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ، ***ا جاءهم ما عرفوه من الحق إذ تقدم بيانه في كتبهم ، فحذف عائد الصلة في "عرفوا" إيجازا اشتهر في التنزيل واللسان ، أن يحذف العائد المفعول ، وثم إجمال في هذا المعروف المعلوم أٌبِينَ عنه في موضع آخر من التنزيل ، فهو الحق ، كما ورد في قوله تعالى : (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) ، فشتان الحالان ! ، حال الرهبان الصادقين الذين تجردوا في طلب الحق *** يتأكلوا بما عندهم من دين ولم يراءوا بما يظهرون من الصلاح مع إضمار الشر والفساد هَوًى في الباطل وَكِبْرًا وأنفة أن ينقادوا للحق وحيازة لمكاسب زائلة واستبقاء لرياسات باطلة ، كما صُدَّ من صُدَّ من المخذولين من الأحبار والرهبان ، إذ اتخذوا الدين ذريعة إلى الطغيان أن يصير لهم الأمر ، فهم وحدهم من له الحل والعقد بما يرون بعقولهم ويجدون بأذواقهم ، فاستحقوا لقب الطاغوت أن نازعوا من له الملكوت ، تبارك وتعالى ، أن نازعوه منصب التشريع والسن للأحكام ، فضاهوا حكم الوحي النازل بحكم الوضع الباطل الذي يحقق للمترفين جملة من ال**الح الناجزة وإن تعارضت مع أحكام الشرعة الكاملة ، فهم أعداء الرسالات وهم من يفسد في الأرض فيعظم الشؤم ويؤذن بزوال الملك ، فـ : (إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) ، فذلك أمر التكوين ، على قول ، فلا يأمر ، جل وعلا ، بالشر في الشرع ، وإن شاءه في الكون ، فيسن من يسن من أئمة الباطل من أحكام الجور ما يفضح حاله فهو فقير إلى الأسباب مفتون بالأعراض فيجتهد في جمعها بحق أو بِبَاطِلٍ ويقرر ذلك بجملة من الأحكام والمراسم تسوغ له حيازة ما يشتهي وإن خرج عن مقصد الشرع وحكمه ، فقد رد الأمر إلى عقله وذوقه ، فنازع الوحي بل وأبطل دلالته إذا تعارضت مع **الحه المتوهمة ، فضلا أن يستعين بأحبار السوء الذين يجتهدون في تخريج أهوائه على أحكام الوحي ، وإن شئت الدقة فقل : تأويل الشرع بما يوافق هواه ، فتعظم الجناية أن ينسب الجور إلى الشرع فيكسى لحاء الفضيلة وهو عين الرذيلة وهو ما يصد الناس عن اتباع الطريقة ، فذلك ، كما قال بعض المحققين ، قطع للطريق الموصلة إلى الله ، جل وعلا ، فجلس أولئك عليها يدعون الناس بلسانهم الكاذب ويصدونهم بفعلهم الفاضح ، وهو معنى كما تقدم مرارا يعم كل من اتجر في الدين في كل أمه فجعله بضاعة يتكسب بها ، فهو يخالف الحق قصدا ، ويداهن في الدين عمدا ، فشتان حال أولئك الرهبان الذين : (إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) ، فدلالة أداة الشرط "إذا" مئنة ، كما تقدم ، من تحقق الوقوع فضلا عن ديمومة واستمرار ، فَـ : إِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ ، وتخصيص السمع بالذكر يجري مجرى الغالب وإلا فقد يصلهم الحق مكتوبا ، ودلالة "ما" مئنة من وصل يدل على العموم ، ولكنه ينصرف إلى خصوص ، فهم ينقادون إذا سمعوا بعض التنزيل فتحصل لهم الهداية فضلا من الرب ، جل وعلا ، إذا بلغهم الوحي في الجملة ، وإن لم يبلغهم الكتاب كله ، مبدأ الأمر ، فكم من ضال اهتدى بسماع آية واحدة فيصدق أنه سمع ما أنزل الله ، جل وعلا ، فيكون معنى ال*** في هذا السياق أظهر ، فإذا سمعوا شيئا من *** الوحي المنزل : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، والمضارعة مما تستحضر به هذه الصورة ، ودلالة الفيض مئنة من الغزارة فذلك آكد في تقرير معنى الخشوع إذ خشعت العين لما خشع القلب فما كان فيضها إلا فرعا على ما حصل في الجنان من تصور صحيح وإرادة ناصحة تروم الحق وتفتش عن أسبابه فلا ***ي عنه حوالا إذ أدركته ، ولو قطعت إربا إربا ، فخشوع الظاهر فرع على خشوع الباطن ، إلا أن يكون نفاقا ، والسياق هنا يشهد للخشوع الصادق ثناء على أولئك الأفاضل الذين نبذوا التقليد وهجروا المألوف من الدين والعادة وتخلوا عن حظوظهم في الجاه والرياسة ، لا سيما الرياسة الدينية فهي ، عند التدبر والنظر ، أعظم رياسة ، وقل من يبلغ فيها شأنا ثم يدعها طوعا لا سيما إن كان تركه إلى لا شيء ! ، بالنظر في حظوظ الدنيا ، وإن عظم حظه في الآخرة فقد ترك الفاني للباقي ، ولا يطيق ذلك إلا أفذاذ الرجال ممن عظمت نفوسهم وعلت هممهم ، فلا عليهم إن تعبت أجسادهم ، فوافق الظاهر الباطن وصدقه ، على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين الباطن تصورا ، والظاهر حكما ، فيكون فيض العين في هذا السياق مسبَّبا يدل على السبب ، وهو خشوع القلب ، فهو مناط الأمر في هذا الباب ، إذ مبدأ الأمر منه ، ولا يجزئ التصديق المحض حتى يشفع بالإقرار والانقياد وإرادة الاتباع التي تظهر آثارها في الخارج في القول والعمل ، ومنه فيض العين فيجري ذلك ، من وجه ، مجرى التمثيل لعام ، وهو عمل الجوارح ، فلا يخصصه ، وإنما يعم الثناء كل من قبل الحق وعمل بأحكامه فلا ينفك تظهر آثاره عليه في الخارج في قوله وعمله ، فترى أعينهم تفيض من الدمع ، فدلالة "من" دلالة البيان لل*** ، ومن ثم أردف بأخرى في : (مِمَّا عَرَفُوا) ، فهي مئنة من السببية ، فسبب الدمع انقيادا ما عرفوا من الحق ، فدلالة "من" في : (مِنَ الْحَقِّ) ، دلالة بيان لل*** ، أيضا ، فتنوعت الدلالة في هذا السياق بين السببية وبيان ال*** ، ولكل لفظ من قرائن السياق ما يرشح دلالة بعينها إن كان لفظا مجملا يحتمل الاشتراك ، ودلالة "أل" في "الحق" ، مئنة من عموم استغرق معاني الحق ، وذلك آكد في تقرير المعنى ثناء على الوحي المنزل الذي انقادت له قلوب القوم طوعا ، فشتان أولئك ومن عرفوا الحق في المقابل فكفروا به وجحدوه إذ به ، كما تقدم ، زوال رياساتهم الباطلة ، إن في الدين أو في السياسة ، فأين أولئك في علو المكانة من سفل ابن صوريا ، على سبيل المثال ، إذ جحد النبوة الخاتمة ضنا برياسته في يهود يثرب ، والنص ، وإن كان في الرهبان ، إلا أنه يستغرق جملة من قوم موسى ، عليه السلام ، كالحبر الجليل عبد الله بن سلام وثعلبة بن صعير ويامين بن عمير ، رضي الله عنهم ، ويستغرق ، أيضا ، بعموم المعنى كل من آمن من يهود مع قلتهم ! ، واللفظ يعم ، من وجه آخر ، كل من علم دليل الحق ففاضت عينه من الدمع من أية أمة ، وإن ورد النص على سبب خاص وهو رهبان النصارى ، فورود العام على سبب لا يخصصه ، فهو يعم كل من دخل في المعنى وإن لم يرد لفظ النص على سببه .
فأين من آمن بما عرف من الحق ، ومن جاءهم ، في المقابل ، ما عرفوا منه ، فكفروا به ، وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ! ، وإن خصت الآية بمن آمن من يهود كمن تقدم ذكره من ابن سلام وأضرابه ، رضي الله عنهم ، فقد خرجوا من عموم الذم في الآية لمن استفتح على الكفار بالحق ، *** تمض الأيام حتى انقلبت الحال ! ، فآمن من كان كافرا ، وكفر من كان مؤمنا وإن شئت الدقة فقل عارفا لم تغن عنه المعرفة شيئا ، وذلك ما يستأنس به من يجادل أهل الإرجاء أن قصروا الإيمان على التصديق الباطن ، ومنهم من غلا كالجهمية فجعل الإيمان هو محض المعرفة ، فلازم ذلك أن أولئك الذين وصفهم التنزيل أنهم كفروا بما عرفوا ، لازم ذلك أنهم مؤمنون إذ حصلت لهم المعرفة المحضة ! ، ولازمه أن إبليس ، رأس الكفر ، مؤمن ناج فقد عرف ربه ، جل وعلا ، معرفة تقيم عليه الحجة وإن لم يعرفه حق المعرفة فلو عرفه حق المعرفة لآمن وأطاع ، ولازمه أن فرعون مؤمن فقد علم هو ، أيضا ، فـ : (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا) ، فمناط الأمر هو الإيمان مدحا ، والكفر ذما ، لا عرق أو *** أو قبيل ، فما أغنت عنهم النسبة إلى الكتاب الأول شيئا إذ لم يشفعوه بلازمه من الإيمان بالكتاب الخاتم ، فاستحقوا اللعنة ، فـ : (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، وذلك ما أضيف إلى الله ، جل وعلا ، إضافة الوصف إلى الموصوف ، فاللعنة من كلمات الجلال ، وآثارها من العذاب مخلوقة ، فلو نظر في اللعنة نظر الأثر الناشئ منها وهو استحقاق صاحبها أن يعذب بالنار ، فيصير العذاب في الخارج ، وهو مخلوق ، هو أثر اللعنة ، فالإضافة ، من هذا الوجه ، إضافة مخلوق إلى خالق ، وكلا الوجهين صحيح ، فإن اللعنة سبب والعذاب الناشئ منها مسبَّب وبينهما من التلازم ما لا يخفى ، ودلالة "على" مئنة من استعلاء يحيط بهم فهو كالظلة التي تستغرقهم ، وذلك آكد في النكاية ، وقد أنيط الحكم بالوصف الذي اشتق منه اسم الوصف "كافر" ، والذي حد على جهة الجمع ، فدخلت "أل" على الوصف المشبه المجموع : "كافرون" ، وذلك ما يرشح دلالة الوصل لا سيما ووصف الكفر سبب مؤثِّرٌ في الحكم باللعنة على ما اطرد مرارا من دلالة الوصل على التعليل إذ يناط الحكم بالوصف الذي اشتقت منه الصلة ، وهو ، في هذا الموضع ، الكفر ، وذلك معنى يعم جميع أجناس الكفار : الأصليين والمرتدين والمنافقين والمحاربين والمعاهدين والمستأمنين والذميين ، وإن كان لكلٍّ في الدنيا أحكام تخصه ، وبغضهم جميعا أمر واجب ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يحمل صاحبه أن يظلم أحدهم حقا إن وجب له بحكم الشرع ، كإطعام الأسير المحارب إن رأى الإمام الإبقاء عليه ، وتأمين من استأمن إن لم يقترف ما بوجب نقض أمانه ، والوفاء بالعهد والإعلام بالنقض إن خاف خيانة ، وحفظ الذمة لأهلها ما لم يقترفوا ما ينقضها ، فبغضهم جميعا أمر يجب على كل مسلم ، وهو ، مع ذلك ، لا يصح ذريعة إلى الظلم ، فالظلم مذموم في كل حال ، والعدل في المقابل يمدح في كل حال ، ومع كل أحد ، فهو الفضيلة بين رذيلتي الظلم زيادة ، والمداهنة في أمر الدين نقصا ، فـ : (لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) .
ولا تخلو دلالة "أل" ، من وجه آخر ، من دلالة عهد بالنظر في سياق الآية ، فإن الكافرين فيها هم أهل الكتاب ، ويهود على وجه أخص ، ويهود يثرب على وجه أخص من سابقه ، فهم سبب النزول ، وليس ثم ما يمنع حمل اللفظ على كلا الوجهين ، فدلالة السياق تخص يهود يثرب باللعنة ، والدلالة اللفظية والمعنوية ، إذ أنيط الحكم باللفظ ، وإناطته به إناطة بالمعنى الذي اشتق منه اللفظ ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وهو يهود يثرب ، كما تقدم ، فورود العام على سببهم لا يمنع دخول غيرهم من سائر أجناس الكفار ، فيدخلون قطعا فلا يجوز إخراجهم بتخصيص أو نسخ ، ودخول غيرهم ظني ، فيجوز إخراجه ، مع أن معنى الكفر وهو وصف مشبه ، والوصف المشبه ، كما قرر أهل الشأن ، مئنة من ثبات وديمومة ، فيشبه من هذا الوجه أفعال السجايا التي تلازم صاحبها ، مع أن هذا المعنى كما تقدم مما يلازم صاحبه فلا يتصور تخصيصه أو نسخه إذ اللعنة تحيق بالكفار قطعا فلا ترتفع إلا إذا ارتفع الوصف بحصول ضده من الإيمان ، فهم بذلك يخرجون من العموم لا بتخصيص أو نسخ مع بقاء وصف الكفر فلا يتصور ارتفاع اللعنة مع بقاء موجِبِها من الكفر ، وإنما يخرجون لتبدل الوصف فليسوا آنذاك محل نزاع .
ودلالة الفور في الفاء في قوله تعالى : (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) ، آكد في النكاية ، ولا تخلو من دلالة سببية ، وإن لم تكن نصا فيها ، وهي ، من وجه ثالث كما يقول بعض المعربين ، فاء فصيحة إذ ثم محذوف ، وهو شرط دخلت الفاء على جوابه إيجابا ، فهي ، من هذا الوجه أيضا ، فاء الربط بين الشرط وجوابه في المواضع التي يجب فيها دخول الفاء على الجواب ومنها هذا الموضع أن يكون الجواب جملة اسمية ، فتقدير الكلام على هذا الوجه : إن كانوا كذلك من كفر بما عرفوا من الحق فلعنة الله على الكافرين ، وقد أظهر في موضع الإضمار ، كما نوه بعض المحققين ، فالأصل الجاري على المشهور في العربية أن يقال : إن كانوا كذلك من كفر بما عرفوا من الحق فلعنة الله عليهم ، فذلك آكد في تسجيل الجناية وآكد في تعليل الحكم بإناطته ، كما تقدم ، بوصف الكفر .
والله أعلى وأعلم .