rss
04-24-2016, 08:23 AM
من آية : (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا ............)
مما اطرد في التنزيل أن أعداء الرسالات ، في الغالب ، هم المترفون ، ولا حجة لهم إلا ما استحسنوا بالقياس أو وجدوا بالذوق أو جمعوا من أسباب الدنيا ما يجعلهم يخشون فَوَاتَ حظهم منه وإن خالف قَانُونَ الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ ، فلا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، فإن الفطرة تقضي بالعدل الذي يَقُضُّ مَضَاجِعَ الظالمين ، فَلَا بَقَاءَ لحظوظهم في الجاه والرياسة والثروة إن ساد الأرضَ حكمُ العدل ، وَلَنْ يَسُودَ على أكمل صورة إلا أن تحكم الشَّرِيعَةُ المنقولة ، فَنَصُّهَا المحفوظ المسطور لا يخالف بدائه المعقول ، فالوحي قد جاء يصدق العقل في تصوره توحيدا مجملا ، وحكمه عدلا مطلقا ، فجاء يؤكد هذه المعاني الشريفة ، وجاء يُبَيِّنُ ما أجمل منها ، فَمَثَلُهُ في الإجمال والبيان ، كمثل السنة إذ تُبَيِّنُ ما أجمل من الكتاب ، وجاء الوحي ، أيضا ، يقوم ما اعوج من الفطرة ، فلا حجة لهم في كتاب مُنَزَّلٍ أو قياس مُحَقَّقٍ ، فجاء الاستفهام في سياق الإنكار : (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) ، فإن الحجة كتاب يُؤْتَى فهو من السماء يَنْزِلُ ، وذلك موضع يحسن في التعظيم بالإسناد إلى ضمير الفاعلين فإن إِيتَاءَ الكتابِ على ما فيه من صحيح الأخبار وصريح الأحكام لا يكون إلا من رَبٍّ عَلِيمٍ حكيمٍ ، فهو يعلم الحق في نفس الأمر في كل دقيق وجليل من مسائل العقد والتشريع ، فَلَا حجة لهم من نَقْلٍ يشهد بِبَاطِلِهِم إذ أعرضوا عن الحق ، فَلَا مُسْتَنَدَ لهم من نَقْلٍ أو عَقْلٍ ، بل كل دليل صحيح صريح يشهد ببطلان ما هم عليه ، إن في العقد إذ أشركوا ، أو في الحكم إذ ظلموا ، ولا يخلو كلاهما من فساد في الرأي عظيم ، فكلاهما ظلم وإن تَفَاوَتَتْ دَرَكَاتُهُ ، فالظلم فِي العقد أفحش ، أن يعطى من لا يستحق من المخلوقين ، أن يُعْطَى من صفات الرَّبِّ ، جل وعلا ، أو من وَظَائِفِ الرُّبُوبِيَّةِ ، ما لا يطيقه مخلوق مَرْبُوبٌ ، فإن من صفات الرب ، جل وعلا ، ما لا يحسن أن يتصف به المخلوق بل ولا يجوز فيظهر فيه التفاوت تبعا لاختلاف المحل الذي يقوم به الوصف ، فالمحل الأعظم الذي بلغ الكمال المطلق في الحقيقة والوصف يحتمل من صفات العظمة والكبرياء والجبروت والقهر والإيجاب والإلزام في الحكم وسائر صفات الجلال ما لا يحتمله المحل المخلوق ، فهو ناقص مَرْبُوبٌ يَفْتَقِرُ إلى الأسباب أن تُوجِدَهُ وَتَرُبَّهُ ، فهو يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا في الخلق والإيجاد ، وَفِي الْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ ، بل وصفات الجمال لا يبلغ فيها ما يبلغ الخالق ، جل وعلا ، الذي عم برحماته وعطاياه جميع خلقه ، فإحسانه قد تعدى إلى كل مخلوق ، وإحسان المخلوق إلى المخلوق إحسان مقدور ، يضيق أن يعم كل وجه ، فضلا أن يعم كل أحد ، فإحسان الرب ، جل وعلا ، يعم جميع الوجوه وجميع الأفراد ، فيعم الإحسان في أمر الدين أن بَعَثَ الرُّسَلَ والنَّبِيِّينَ ، عليهم السلام ، مبشرين ومنذرين ، بالكتب المنزلة والشرائع المحكمة التي بها ينتظم أمر هذا العالم ، وبها تكون النجاة في اليوم الآخر ، ويعم في أمر الدين إحسانا في الأخبار التي جاءت بها الرسالات ، فهي الأصدق ، وفي الأحكام في الأعدل ، فذلك ، كما تقدم ، أعظم عطاء وإيتاء ، إذ به صلاح الحال والمآل جميعا ، ويعم الإحسان في أمر الدنيا بأسباب الرزق التي بِهَا تُرَبُّ الأبدان وتحفظ الأنواع بما ركز فيها من قوى النسل ، فذلك إحسان عام أَنَّى لمخلوق أن يطيقه ؟! ، وإن أطاق من الإحسان وجها فبما يسر له الرب ، جل وعلا ، من الأسباب ، فهو ، في نفسه ، سبب من الأسباب ، فإن وجب شكره فذلك من شكر من يَسَّرَهُ ، فلا يستقل ، بادي الرأي ، بِنَفْعٍ أو ضر ، وإنما الرب ، جل وعلا ، هو الذي خلقه وهيأه وخلق في قلبه إرادة الإحسان وَيَسَّرَهُ أن يحسن إلى غيره ، فلا تحصل الشركة ، من هذا الوجه ، في حقيقة الوصف في الخارج ، وإن كان ثم اشتراك جائز ففي معنى الصفة المطلق في الذهن ، سواء أكان ذلك على وجه مشروع ، كما في صفات الجمال التي يحسن بالإنسان أن يتصف بها فيكون ثم وجه شبه بالنظر في أصل الوصف المطلق في الذهن ، كما تقدم ، فقد يصح من هذا الوجه ما اصطلح الفلاسفة عليه في حد الفلسفة أنها التشبه بالإله قدر الاستطاعة ، لا على وجه يفضي إلى الشرك الذي وقعوا فيه أن يكون ثم حركة معلولة في الأرض بما يكون من حركة الأفلاك فهي العلة في التأثير ، ولا يخفى ما في ذلك من آثار لمقال الصابئة الذين عبدوا الكواكب والنجوم أن ظنوها هي معادن التأثير في الكون دون رد الأمر إلى السبب الأول الذي لا سبب وراءه ، وهو كلمة التكوين النافذة ، فَوَقَعُوا في الشرك من وجهين ، أن صيروا الكواكب والنجوم أسبابا في عامة ما يقع في الكون من الحوادث ، وذلك شرك في الأسباب أن صيروا ما ليس بسبب في نفع أو ضر ، أن صيروه سببا ! ، فخالفوا سنة الكون ، فَنَازَعُوا الرَّبَّ ، جل وعلا ، حكمه في الكون بِرُبُوبِيَّتِهِ العامة بالأسباب جميعا ، ما كان منها من أسباب الأديان ، وما كان من أسباب الأبدان ، فضاهوا الأسباب الصحيحة بأخرى باطلة ، فجعلوا الكواكب والنجوم أسبابا في التأثير في أمور لا يظهر فيها وجه صحيح ، فليس ثم نص ، وليس ثم نظر واستدلال بالنظر في طرائق البحث التي بها يدرك ا*** جملة من السنن في تأثير الأسباب ، فلا يجحد من له علم بالأفلاك أن الكواكب والنجوم سبب مؤثر في بعض الظواهر الكونية ، ولكن نسبة جميع الحوادث إليها من نَفْعٍ وضر ، وكسب وخسارة ، وعقم وولادة ! ، كل أولئك مما يجري مجرى الكهانة والعرافة فَفِيهَا من التعدي في باب الأسباب ما لا يخفى ، وفيها من الشرك بادعاء علم الغيب وهو من أخص أوصاف الربوبية ، فيها من ذلك ما لا يخفى ، وثم وجه آخر في الشرك ، وهو نسبة الكائنات الحادثة إلى المخلوقات الناقصة على وجه تستقل فيه بالتأثير فليس ثم سبب وراءها ! ، فإن نسبة المسبَّبِ إلى السبب أمر لا يجحد ، بل إنكاره مكابرة ظاهرة تفضي إلى إنكار القياس الصريح في العقل الذي يقضي بإناطة المسبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا ، لا سيما فيما يدركه ا*** من ظواهر الكون ، ولكن الغفلة عما وراء هذه الأسباب ، من سبب أول لا سبب وَرَاءَهُ وهو كلم التكوين النافذ فَضْلًا أَنَّهُ تَأْوِيلٌ لآثار الصفات الفاعلة من الخلق والرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ ..... إلخ ، وهو ما جحده الفلاسفة إذ عطلوا في باب الصفات مع أنهم جعلوا غاية الفلسفة ، كما تقدم ، التشبه بالإله ، وقد صار عدما ! ، بمقتضى تعطيلهم العام في باب الصفات الفاعلة ، فإن أَثْبَتُوا فليس إلا الوجود المطلق ، وإن زادوا في الوصف فعلمه مجمل غير مفصل ! ، فلا يعلم الجزئيات وذلك نقض صريح لكلام النبوات ، فـ : (مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، فَثَمَّ عموم استفيد من تسلط النفي على النكرة : "ورقة" ، وَثَمَّ تَوْكِيدٌ بـ : "من" فهي تفيد التنصيص على العموم ، وزد عليه دلالة القصر بأقوى أساليبه ، النفي والاستثناء ، وهو قصر حقيقي إذ استغرق علم الرب العلي ، عز وجل ، استغرق جميع الكائنات والحوادث ، ما جل ومنها وما دق ، وقل مثله في دلالة الإطناب في المبنى بِتِكْرَارِ النفي في : (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) ، فهو ، كما قرر أهل الشأن ، مئنة من إطناب يضاهيه في المعنى ، وثم إطناب في أجناس المعلومات الدقيقة على وجه يجري مجرى التمثيل لعام *** يستغرق آحاد المعلومات من الدقائق والجلائل ، وإنما أورد بعض الدقائق تمثيلا لعام ، كما تقدم ، فضلا أن فيه تَنْبِيهًا بالأدنى على الأعلى ، فمن عَلِمَ الدقيقَ عَلِمَ الجليلَ من باب أولى ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يجري على سنن القياس الأولوي إذ الحكم يثبت في الجليل من المعلومات وهو الفرع ثُبُوتًا أقوى منه في الدقيق منها وهو الأصل وإن أحاط علم الرب ، جل وعلا ، بها جميعا ، فثبت له ، جل وعلا ، من وصف العلم على جهة الثناء بوصف الإثبات ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، الأصل في الرسالات في باب التوحيد بالاسم والوصف فيكون الإجمال في نفي النقص ، والإطناب في المقابل ، في إثبات الكمال ، فحصل التناقض في كلام الفلاسفة إذ صيروا الإله عدما فقد جردوه من كل وصف وجعلوه المطلق بشرط الإطلاق من كل وجه ! ، وجعلوا الفضيلة هي التشبه بالإله ، فلازم كلامهم أن الفضيلة هي التشبه بالعدم ! ، فأية فضيلة تحصل في ذلك ، وإنما هو شؤم المخالفة عن منهاج الوحي أن يعارض بقياس العقل أو وجدان النفس ، وذلك ، لو تدبرته ، يدخل في حد الترف الذي لا ينفك صاحبه يستبد بالرأي إذ يتحكم في نظره واستدلاله ، فهو معجب بنفسه مُزَكٍّ لَهَا وإن لم تكن لذلك أهلا ، ولا دليل يستند إليه إلا ما أعجب به من رأيه أو ذوقه ، فلا مستند له من قياس صريح يواطئ نص الوحي الصحيح ، ولا مستند من كتاب ، وهو ما أبطله السياق ، فليس لهم حظ منه ، فجاء الاستفهام يبطل : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ، وثم زيادة أخرى تفيد التوكيد ، كما ذكر بعض المحققين ، وهي زيادة "من" في : (مِنْ قَبْلِهِ) ، ولا تخلو دلالة الفاء في : (فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) ، لا تخلو من سببية ، وإن لم تكن نصا فيها في هذا الموضع ، فإن صح أن لهم حجة صحيحة من كتاب فهم به يستمسكون فَلَا يَتَوَجَّهُ لهم الذم ، فإذ كان الأمر محض تحكم ، كما تقدم ، فهم مذمومون إذ تعسفوا في الاستدلال فرجحوا بلا مرجح من نقل صحيح أو عقل صريح ، بل قد خالفوا مقتضى الأمرين ، فلا نقل ولا عقل ، وإنما هوى وذوق يأرز إلى حظ نفس ، ظهر أو خفي ! ، وَثَمَّ ، كما يقول بعض المحققين ، إشادة بالكتاب المنزل فهو سبب الهدى ، فلو كان لهم منه حظ لسلم استدلالهم من النقض ، فالنص يجري مجرى التَّنَزُّلِ مع الخصم في الجدال بإبطال حجته ، فَلَوْ كان لهم حظ من الكتاب ، كما تقدم ، إذن لَسُلِّمَ لهم بِمَا ذَهَبُوا إليه ، ولكن النفي الذي استفيد من الاستفهام يُبْطِلُ ذَلِكَ ، فلا مستند من الكتاب ، وإنما هي العادة والعرف ، فلا دليل إلا جادة الآباء ، في التصور والحكم ، وإن كانت باطلا لا حظ له من الحق فلا يستند إلى دليل يصح ، فجاء الإضراب :
بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ :
فلا حجة لهم إلا تقليد الآباء ، فأكدوا المقول أن صدروه بالمؤكد الناسخ في "إِنَّا" ، وذكر الآباء إما أن يجري مجرى الحقيقة إذ كل أصل للإنسان تقدمه فهو أب ، سواء أكان يُدْلِي إليه بسبب مباشر ، أم كان ذلك في النظر في الأب الأعلى من الجد ومن تقدمه حتى يرجع الأمر إلى أصول قديمة ارتضت هذه الطريقة الفاسدة في النظر والاستدلال ، وإما أن يجري مجرى المجاز بالنظر في هذه الأصول القديمة ، فيكون إطلاق الأب على الوالد المباشر حقيقة ، ويكون إطلاقه على من عَلَاه من الأصول مجازا ، وعلى كلا الوجهين فلا مستند لهم إلا طريقة الآباء فهي الأمة أو الطريقة المتبعة ، فالأمة تطلق على كل طريقة في الدين أو الفكر أو الحكم يسلكها صاحبها ، فهو يَرْضَى بها **در تَلَقٍّ ، فذلك يعم جميع الطرائق المسلوكة ، إن في العقد أو في الشرع ، إن في السياسة أو في الحكم .... إلخ ، وقد نُكِّرَ وصفُ الأمة ، وذلك يجري مجرى التعظيم بالنظر في اعتقاد القائل لا في نفس الأمر فهي أمة مرذولة لا حظ لها من نقل صحيح أو عقل صريح ، ولفظ الأمة ، عند التدبر والنظر ، مما يقع فيه الاشتراك إذ يدل على جملة معان تَتَبَايَنُ ، والسياق هو الذي يحسم النِّزَاعَ بينها إذ يدل على مراد المتكلم ، فيطلق لفظ الأمة على الجماعة من البشر ، وَالَّتِي لها عقد انتحلته ونظام في الحكم والشرع ارتضته فتواطأت على أصول بعينها ، صحت أو فسدت ، ويطلق على المدة من الزمن ، كما في قوله تعالى : (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) ، ويطلق على الفرد الواحد إذا كان إماما يقتدى به ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، ويطلق على الطريقة المسلوكة ، كما تقدم ، وقد يقال ، والله أعلم ، إن ثم قدرا مشتركا بينها جميعا ، وهو معنى الجمع المطلق في الذهن ، فالأمة جمع ، والطريقة في العقد والحكم أخبار وشرائع مجموعة ، والأمة من الناس مَنْ قد اجتمعت فيه خلال كثيرة ، والأمة من الزمن مدة جمعت فيها الأيام بعضها إلى بعض ، فَثَمَّ اشْتِرَاكٌ في الذهن في معنى الجمع المطلق والذي تَتَعَدَّدُ آحاده في الخارج ، فَثَمَّ جمع محسوس كجمع الأمة من البشر ، وثم آخر معقول كجمع الأخبار والأحكام في الطرق المسلوكة في العقد والشرع والحكم والسياسة ..... إلخ ، وأردفوا إمعانا في تَقْرِيرِ مَقَالِهِم ، أَرْدَفُوا بِلَازِمِ ذَلِكَ من اتباع هذه الطريقة التي جعلوا اقتفاء آثارها مئنة من الهدى ، وذلك ، أيضا ، إنما يصح بالنظر في اعتقادهم لا في حقيقة الأمر ، فأطنبوا بتكرار التوكيد بالناسخ ، فـ : إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير إن حمل الجار والمجرور أَنَّهُ مُتَعَلَّقُ المشتق "مهتدون" ، وقد يجري الإطناب توكيدا على وجه آخر ، كما يذكر بعض المعربين ، أن يجري الأمر مجرى التعدد في الأخبار ، فـ : (عَلَى آثَارِهِمْ) ، خبر أول ، و : (مُهْتَدُونَ) ، خبر ثان ، وتلك سنة تطرد في تقليد الآباء ، وهي مما اختص به أهل الترف ، فـ : كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، فكذلك الذي تقدم ذكره من كلامهم ، قد حصل مثله في سنن الأولين فهم على طريق واحدة في الضلال والغواية فذلك يجري ، كما يقول بعض المحققين ، مجرى التسلية لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا تخلو دلالة الإشارة بالبعيد في "كذلك" من جريان على سنن مشهور في اللسان أن يُشَارَ إلى ما انْقَضَى زمانه قَرِيبًا إشارة البعيد ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة تحقير ، إذ ذلك أمر يَبْعُدُ في الضلالة فهو في دركة دنيا في النظر والاستدلال أن يرضى الناظر بتقليد أعمى دون نظر في دليل الخصم فَلَعَلَّهُ أحق بالاتباع فذلك مقتضى العدل في القياس ، فذلك قانون اطرد في جميع الأمم التي ضلت في باب العقد والشرع ، وهو أمر لَمَّا تَزَلْ آثاره تظهر في كل قَرْنٍ من الزمان ومن الناس ، وانظر في حال كثير من الناس في الأعصار المتأخرة كيف رضوا بتقليد طريقة الآباء وإن كانت ظاهرة البطلان فظنوها دينا أن نشأ فيها صغيرهم وشب ، وشاخ عليها كبيرهم ، فما أعسر تغييرها إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، تجديدا لما درس من آثار الرسالة ، وذلك ما حسن أن يُؤَكَّدَ بِالْقَصْرِ بأقوى أَسَالِيبِهِ ، النفي والاستثناء ، فضلا عن دلالة زيادة في "من" في موضعين في : (مِنْ قَبْلِكَ) ، و : (مِنْ نَذِيرٍ) ، وذلك موضع جلال يحسن فيه الإسناد إلى ضَمِيرِ الْفَاعِلِينَ في : (أَرْسَلْنَا) ، فضلا عن دلالة النذارة في : (نَذِيرٍ) ، فذلك أَلْيَقَ بمواضع الجلال إذ آثارها الانتقامُ والأخذُ بالعذاب الذي يوجب الاعتبار ، فقال مترفوها ، وقولهم هو قول المستكبر الظالم الذي ابْتُلِيَ الناس أن يصير الأمر إليه وإن كان قليل العدد فَلَهُ من السيادة والرياسة ما يوجب له التصدر إن في الحق أو في الباطل فصوته المسموع بما له من جاه ونفوذ ، وهم في الغالب أعداء الرسالات إذ تفوت عليهم ، كما تقدم ، جملة من الحظوظ والشهوات ، فقالوا انتصارا لطريقة الآباء التي ورثوها وورثوا معها جاه الآباء ورياستهم ! ، فورثوا الباطل كابرا عن كابر ، فقالوا : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، فذلك جار على ما تقدم في الآية السابقة ، فواطأ كلام السلف كلام الخلف فهو من مشكاة باطل وضلال واحدةٍ يخرج ! ، وذلك جار على مقتضى القياس الصريح أن تَتَشَابَهَ النتائج تبعا لتشابه المقدمات ، فسبب الضلال واحد ، و***ه واحد وإن اختلفت أنواعه ، وهو ما حسن معه الختام بوصف الاقتداء لا الاهتداء ، فوصف الاهتداء دعوى في مقال بعينها ، وهو مقال من توجه إليهم خطاب التنزيل من قريش وأجوارها ، ووصف الاقتداء ، في المقابل ، *** يجمع كلام السابقين على ما فيه من الاختلاف إذ كل يزعم أنه على الحق وليس له دليل ، كما تقدم ، إلا التخرص والظن ، أو تقليد الآباء والإعراض ، في المقابل ، عن وحي السماء ، فيجري ذلك ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، يجري ذلك مجرى حكاية القول بالمعنى إذ الدعاوى ، كما تقدم ، تختلف ، وحكاية أقوال الماضين إنما تكون بالمعنى ، فالوحي عربي ، وأكثرهم لم ينطق باللسان العربي ، فحكى التنزيل ما قالوا بلسان الوحي الخاتم ، فأكدوا ، كما في السياق المتقدم ، أكدوا بالناسخ المؤكد ، وتكراره في الشطر الثاني على جهة التعاطف تلازما بين الشطرين ، وراثة الطريقة والاقتداء بآثارها ، وإن باطلة ، فليس إلا التعصب الذي يَقْتَرِنُ في الغالب بجهل عظيم بالحق وسوء فِي النية وفساد في القصد فصاحبه يعرض عن اتباع الحق ، بل ويرده ابتداء فيعرض عن النظر في أدلته فلعلها أصح وأولى بالاتباع ، ولكنه يأبى ذلك ضنا بما ورث من الجاه والرياسة والحظوة وهو من أعظم ما يصد الناس أن تنقاد لأحكام الشرعة ، فجادلتهم الرسل ، عليهم السلام ، بالتي هي أحسن ، فاستفهموا في مقام العرض تلطفا مع الخصم وتنزلا معه في الجدال أن يرده إلى صريح القياس الذي يقضي باتباع ما هو أهدى ، ودلالة التفضيل في هذا السياق في : (بِأَهْدَى) مما نُزِعَت دلالته فليسوا إلا على الباطل المحض ، وإنما تلطف معهم المجادل ، كما تقدم ، فجاء الجواب ، أيضا ، مؤكدا بالناسخ ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير ، وزد عليه دلالة العموم في : "ما" في : (بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) ، فكفروا بجميع ما بعثت به الرسل ، عليهم السلام ، ولفظ الكفر الذي ختمت به الآية ينصرف إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، وإن ورد منكرا ، فإن وروده منكرا مما يحتمل ، فيحتمل الكفر الأصغر ، ويحتمل نظيره الأكبر ، إذ لا تفيد النكرة إلا حصول مطلق المعنى في الخارج فتصدق في أدنى قدر من الحقيقة التي تدل عليها في الخارج ، فمعنى الذيوع والشيوع فيها يجعلها تصدق في النوع الأصغر فهو أول ما يثبت منها في الخارج ، وفي النوع الأكبر وهو القدر الزائد فجاء السياق يرشح هذه الزيادة في المعنى ، فانصرف اللفظ إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين .
ولا تخلو دلالة "لو" في قوله تعالى : (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) ، لا تخلو من معنى الوصل مئنة من المبالغة ، كما يقول بعض المحققين ، وذلك آكد في تقرير الجناية أن ردوا الحق وكفروا به ولو كان أهدى مما هم عليه ، وزد عليه دلالة تهكم في كلامهم إذ أقروا بالرسالة وقد كفروا بما جاءت به ! ، فيجري ذلك ، كما ذكر بعض المحققين ، مجرى التهكم في نحو قوله تعالى : (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) ، وإن لم يقروا له بالرسالة ، مع أنهم ، عند التدبر والنظر ، قد اسْتَيْقَنُوا صحة الأمر بجملة متواترة من الأدلة وإن جحدوا ذلك في الظاهر ، فـ : (جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) ، وقد يجري ، مجرى الحقيقة فتأويل الكلام : إنا بما زعمتم أنكم به قد أرسلتم إنا به كافرون ، فجاءت العقوبة على جهة الفور : فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ، ولا تَخْلُو الْفَاءُ من دلالة سَبَبِيَّةٍ ، فالانتقام فَرْعٌ على الكفر والتكذيب ، فذلك موضع اعتبار يحسن فيه الزجر أن جاءت العقوبة على جهة الفور ، وهو ما يحسن فيه ، أيضا ، أن يسند فعل الانتقام إلى ضمير الجماعة فذلك موضع جلال ، وهو ما ورد على حد الاعتبار ، فذلك من قياس العقل الصريح أن يحصل النظر ، فذلك نظر الفؤاد ، إذ الكيف مئنة من الحال ، والنظر فيه نظر الاعتبار الباطن ، وإن لم يخل من نظر البصر الشاهد بمطالعة آثار الظالمين ، فـ : (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) ، فثم قيد بالحال : (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) ، ومن ثم ختم بالعلة : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) ، على جهة الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، وصدرت العلة بالمؤكد الناسخ فدلالته في هذا السياق مئنة من اشتراك بين التوكيد والتعليل ، وإن كانت دلالتها على التوكيد قطعية ، ودلالتها على التعليل ظنية ، وَزِيدَ في تقرير المعنى بجملة أخرى من المؤكدات كاللام إذ زحلقت فأخرت في اللفظ لئلا يجتمع مؤكدان صدرَ الكلام فذلك مما يثقله في النطق ، وزد عليه دلالة الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير في : (فِي ذَلِكَ) ، ومن ثم ختم بالاستفهام إنكارا وتوبيخا ، وهو ما يحسن معه تقدير محذوف بعد همزة الاستفهام إمعانا في تقرير المعنى على تقدير : أغابت عقولهم فلا يسمعون السمع النافع سمع التدبر لا سمع الإدراك لمطلق الحجة فلا ينتفع بها كل أحد ، فلا يحصل انتفاع بها إلا في حق من سُدِّدَ وَهُدِيَ أن يتبع الحق بدليله الصحيح في النقل الصريح في العقل .
وقد قدم اسم الاستفهام "كيف" في آية : (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، إذ له الصدارة مطلقا ، فهو خبر الناسخ الذي يليه في اللفظ ، فتقدم في اللفظ وتأخر في الرتبة إذ لَهُ الصدارة مطلقا ، فالنظر من هذا الوجه لا يتوجه إلى لفظ الكيف ، إذ اسم الاستفهام ، كما تقدم ، له الصدارة مطلقا فلا يعمل فيه متقدم عليه ، فتوجه النظر إلى معناه ، وهو تدبر عاقبة السابقين ، فقياس الطرد والعكس يجري في مثل هذا الموضع وفي جميع موارد الوعد والوعيد ، فمن وافق في الوعد ناله ما نال الموعود من الخير ومن خالف ناله ضده من الشر ، وقل مثله في الوعيد فمن وافق فيه ناله ما نال المتوعد من الشر ، ومن خالف ناله ضده من الخير فاطرد القياس وانعكس على وجه صريح فواطأ نصُّ الوحي الصحيح قياسَ العقل الصريح وذلك أصل جليل يطرد في جميع موارد الأخبار والأحكام جميعا .
والله أعلى وأعلم .
مما اطرد في التنزيل أن أعداء الرسالات ، في الغالب ، هم المترفون ، ولا حجة لهم إلا ما استحسنوا بالقياس أو وجدوا بالذوق أو جمعوا من أسباب الدنيا ما يجعلهم يخشون فَوَاتَ حظهم منه وإن خالف قَانُونَ الْفِطْرَةِ وَالشِّرْعَةِ ، فلا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا ، فإن الفطرة تقضي بالعدل الذي يَقُضُّ مَضَاجِعَ الظالمين ، فَلَا بَقَاءَ لحظوظهم في الجاه والرياسة والثروة إن ساد الأرضَ حكمُ العدل ، وَلَنْ يَسُودَ على أكمل صورة إلا أن تحكم الشَّرِيعَةُ المنقولة ، فَنَصُّهَا المحفوظ المسطور لا يخالف بدائه المعقول ، فالوحي قد جاء يصدق العقل في تصوره توحيدا مجملا ، وحكمه عدلا مطلقا ، فجاء يؤكد هذه المعاني الشريفة ، وجاء يُبَيِّنُ ما أجمل منها ، فَمَثَلُهُ في الإجمال والبيان ، كمثل السنة إذ تُبَيِّنُ ما أجمل من الكتاب ، وجاء الوحي ، أيضا ، يقوم ما اعوج من الفطرة ، فلا حجة لهم في كتاب مُنَزَّلٍ أو قياس مُحَقَّقٍ ، فجاء الاستفهام في سياق الإنكار : (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) ، فإن الحجة كتاب يُؤْتَى فهو من السماء يَنْزِلُ ، وذلك موضع يحسن في التعظيم بالإسناد إلى ضمير الفاعلين فإن إِيتَاءَ الكتابِ على ما فيه من صحيح الأخبار وصريح الأحكام لا يكون إلا من رَبٍّ عَلِيمٍ حكيمٍ ، فهو يعلم الحق في نفس الأمر في كل دقيق وجليل من مسائل العقد والتشريع ، فَلَا حجة لهم من نَقْلٍ يشهد بِبَاطِلِهِم إذ أعرضوا عن الحق ، فَلَا مُسْتَنَدَ لهم من نَقْلٍ أو عَقْلٍ ، بل كل دليل صحيح صريح يشهد ببطلان ما هم عليه ، إن في العقد إذ أشركوا ، أو في الحكم إذ ظلموا ، ولا يخلو كلاهما من فساد في الرأي عظيم ، فكلاهما ظلم وإن تَفَاوَتَتْ دَرَكَاتُهُ ، فالظلم فِي العقد أفحش ، أن يعطى من لا يستحق من المخلوقين ، أن يُعْطَى من صفات الرَّبِّ ، جل وعلا ، أو من وَظَائِفِ الرُّبُوبِيَّةِ ، ما لا يطيقه مخلوق مَرْبُوبٌ ، فإن من صفات الرب ، جل وعلا ، ما لا يحسن أن يتصف به المخلوق بل ولا يجوز فيظهر فيه التفاوت تبعا لاختلاف المحل الذي يقوم به الوصف ، فالمحل الأعظم الذي بلغ الكمال المطلق في الحقيقة والوصف يحتمل من صفات العظمة والكبرياء والجبروت والقهر والإيجاب والإلزام في الحكم وسائر صفات الجلال ما لا يحتمله المحل المخلوق ، فهو ناقص مَرْبُوبٌ يَفْتَقِرُ إلى الأسباب أن تُوجِدَهُ وَتَرُبَّهُ ، فهو يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا في الخلق والإيجاد ، وَفِي الْعِنَايَةِ وَالرِّعَايَةِ ، بل وصفات الجمال لا يبلغ فيها ما يبلغ الخالق ، جل وعلا ، الذي عم برحماته وعطاياه جميع خلقه ، فإحسانه قد تعدى إلى كل مخلوق ، وإحسان المخلوق إلى المخلوق إحسان مقدور ، يضيق أن يعم كل وجه ، فضلا أن يعم كل أحد ، فإحسان الرب ، جل وعلا ، يعم جميع الوجوه وجميع الأفراد ، فيعم الإحسان في أمر الدين أن بَعَثَ الرُّسَلَ والنَّبِيِّينَ ، عليهم السلام ، مبشرين ومنذرين ، بالكتب المنزلة والشرائع المحكمة التي بها ينتظم أمر هذا العالم ، وبها تكون النجاة في اليوم الآخر ، ويعم في أمر الدين إحسانا في الأخبار التي جاءت بها الرسالات ، فهي الأصدق ، وفي الأحكام في الأعدل ، فذلك ، كما تقدم ، أعظم عطاء وإيتاء ، إذ به صلاح الحال والمآل جميعا ، ويعم الإحسان في أمر الدنيا بأسباب الرزق التي بِهَا تُرَبُّ الأبدان وتحفظ الأنواع بما ركز فيها من قوى النسل ، فذلك إحسان عام أَنَّى لمخلوق أن يطيقه ؟! ، وإن أطاق من الإحسان وجها فبما يسر له الرب ، جل وعلا ، من الأسباب ، فهو ، في نفسه ، سبب من الأسباب ، فإن وجب شكره فذلك من شكر من يَسَّرَهُ ، فلا يستقل ، بادي الرأي ، بِنَفْعٍ أو ضر ، وإنما الرب ، جل وعلا ، هو الذي خلقه وهيأه وخلق في قلبه إرادة الإحسان وَيَسَّرَهُ أن يحسن إلى غيره ، فلا تحصل الشركة ، من هذا الوجه ، في حقيقة الوصف في الخارج ، وإن كان ثم اشتراك جائز ففي معنى الصفة المطلق في الذهن ، سواء أكان ذلك على وجه مشروع ، كما في صفات الجمال التي يحسن بالإنسان أن يتصف بها فيكون ثم وجه شبه بالنظر في أصل الوصف المطلق في الذهن ، كما تقدم ، فقد يصح من هذا الوجه ما اصطلح الفلاسفة عليه في حد الفلسفة أنها التشبه بالإله قدر الاستطاعة ، لا على وجه يفضي إلى الشرك الذي وقعوا فيه أن يكون ثم حركة معلولة في الأرض بما يكون من حركة الأفلاك فهي العلة في التأثير ، ولا يخفى ما في ذلك من آثار لمقال الصابئة الذين عبدوا الكواكب والنجوم أن ظنوها هي معادن التأثير في الكون دون رد الأمر إلى السبب الأول الذي لا سبب وراءه ، وهو كلمة التكوين النافذة ، فَوَقَعُوا في الشرك من وجهين ، أن صيروا الكواكب والنجوم أسبابا في عامة ما يقع في الكون من الحوادث ، وذلك شرك في الأسباب أن صيروا ما ليس بسبب في نفع أو ضر ، أن صيروه سببا ! ، فخالفوا سنة الكون ، فَنَازَعُوا الرَّبَّ ، جل وعلا ، حكمه في الكون بِرُبُوبِيَّتِهِ العامة بالأسباب جميعا ، ما كان منها من أسباب الأديان ، وما كان من أسباب الأبدان ، فضاهوا الأسباب الصحيحة بأخرى باطلة ، فجعلوا الكواكب والنجوم أسبابا في التأثير في أمور لا يظهر فيها وجه صحيح ، فليس ثم نص ، وليس ثم نظر واستدلال بالنظر في طرائق البحث التي بها يدرك ا*** جملة من السنن في تأثير الأسباب ، فلا يجحد من له علم بالأفلاك أن الكواكب والنجوم سبب مؤثر في بعض الظواهر الكونية ، ولكن نسبة جميع الحوادث إليها من نَفْعٍ وضر ، وكسب وخسارة ، وعقم وولادة ! ، كل أولئك مما يجري مجرى الكهانة والعرافة فَفِيهَا من التعدي في باب الأسباب ما لا يخفى ، وفيها من الشرك بادعاء علم الغيب وهو من أخص أوصاف الربوبية ، فيها من ذلك ما لا يخفى ، وثم وجه آخر في الشرك ، وهو نسبة الكائنات الحادثة إلى المخلوقات الناقصة على وجه تستقل فيه بالتأثير فليس ثم سبب وراءها ! ، فإن نسبة المسبَّبِ إلى السبب أمر لا يجحد ، بل إنكاره مكابرة ظاهرة تفضي إلى إنكار القياس الصريح في العقل الذي يقضي بإناطة المسبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا ، لا سيما فيما يدركه ا*** من ظواهر الكون ، ولكن الغفلة عما وراء هذه الأسباب ، من سبب أول لا سبب وَرَاءَهُ وهو كلم التكوين النافذ فَضْلًا أَنَّهُ تَأْوِيلٌ لآثار الصفات الفاعلة من الخلق والرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ ..... إلخ ، وهو ما جحده الفلاسفة إذ عطلوا في باب الصفات مع أنهم جعلوا غاية الفلسفة ، كما تقدم ، التشبه بالإله ، وقد صار عدما ! ، بمقتضى تعطيلهم العام في باب الصفات الفاعلة ، فإن أَثْبَتُوا فليس إلا الوجود المطلق ، وإن زادوا في الوصف فعلمه مجمل غير مفصل ! ، فلا يعلم الجزئيات وذلك نقض صريح لكلام النبوات ، فـ : (مَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ، فَثَمَّ عموم استفيد من تسلط النفي على النكرة : "ورقة" ، وَثَمَّ تَوْكِيدٌ بـ : "من" فهي تفيد التنصيص على العموم ، وزد عليه دلالة القصر بأقوى أساليبه ، النفي والاستثناء ، وهو قصر حقيقي إذ استغرق علم الرب العلي ، عز وجل ، استغرق جميع الكائنات والحوادث ، ما جل ومنها وما دق ، وقل مثله في دلالة الإطناب في المبنى بِتِكْرَارِ النفي في : (وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) ، فهو ، كما قرر أهل الشأن ، مئنة من إطناب يضاهيه في المعنى ، وثم إطناب في أجناس المعلومات الدقيقة على وجه يجري مجرى التمثيل لعام *** يستغرق آحاد المعلومات من الدقائق والجلائل ، وإنما أورد بعض الدقائق تمثيلا لعام ، كما تقدم ، فضلا أن فيه تَنْبِيهًا بالأدنى على الأعلى ، فمن عَلِمَ الدقيقَ عَلِمَ الجليلَ من باب أولى ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، مما يجري على سنن القياس الأولوي إذ الحكم يثبت في الجليل من المعلومات وهو الفرع ثُبُوتًا أقوى منه في الدقيق منها وهو الأصل وإن أحاط علم الرب ، جل وعلا ، بها جميعا ، فثبت له ، جل وعلا ، من وصف العلم على جهة الثناء بوصف الإثبات ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، الأصل في الرسالات في باب التوحيد بالاسم والوصف فيكون الإجمال في نفي النقص ، والإطناب في المقابل ، في إثبات الكمال ، فحصل التناقض في كلام الفلاسفة إذ صيروا الإله عدما فقد جردوه من كل وصف وجعلوه المطلق بشرط الإطلاق من كل وجه ! ، وجعلوا الفضيلة هي التشبه بالإله ، فلازم كلامهم أن الفضيلة هي التشبه بالعدم ! ، فأية فضيلة تحصل في ذلك ، وإنما هو شؤم المخالفة عن منهاج الوحي أن يعارض بقياس العقل أو وجدان النفس ، وذلك ، لو تدبرته ، يدخل في حد الترف الذي لا ينفك صاحبه يستبد بالرأي إذ يتحكم في نظره واستدلاله ، فهو معجب بنفسه مُزَكٍّ لَهَا وإن لم تكن لذلك أهلا ، ولا دليل يستند إليه إلا ما أعجب به من رأيه أو ذوقه ، فلا مستند له من قياس صريح يواطئ نص الوحي الصحيح ، ولا مستند من كتاب ، وهو ما أبطله السياق ، فليس لهم حظ منه ، فجاء الاستفهام يبطل : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ ، وثم زيادة أخرى تفيد التوكيد ، كما ذكر بعض المحققين ، وهي زيادة "من" في : (مِنْ قَبْلِهِ) ، ولا تخلو دلالة الفاء في : (فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ) ، لا تخلو من سببية ، وإن لم تكن نصا فيها في هذا الموضع ، فإن صح أن لهم حجة صحيحة من كتاب فهم به يستمسكون فَلَا يَتَوَجَّهُ لهم الذم ، فإذ كان الأمر محض تحكم ، كما تقدم ، فهم مذمومون إذ تعسفوا في الاستدلال فرجحوا بلا مرجح من نقل صحيح أو عقل صريح ، بل قد خالفوا مقتضى الأمرين ، فلا نقل ولا عقل ، وإنما هوى وذوق يأرز إلى حظ نفس ، ظهر أو خفي ! ، وَثَمَّ ، كما يقول بعض المحققين ، إشادة بالكتاب المنزل فهو سبب الهدى ، فلو كان لهم منه حظ لسلم استدلالهم من النقض ، فالنص يجري مجرى التَّنَزُّلِ مع الخصم في الجدال بإبطال حجته ، فَلَوْ كان لهم حظ من الكتاب ، كما تقدم ، إذن لَسُلِّمَ لهم بِمَا ذَهَبُوا إليه ، ولكن النفي الذي استفيد من الاستفهام يُبْطِلُ ذَلِكَ ، فلا مستند من الكتاب ، وإنما هي العادة والعرف ، فلا دليل إلا جادة الآباء ، في التصور والحكم ، وإن كانت باطلا لا حظ له من الحق فلا يستند إلى دليل يصح ، فجاء الإضراب :
بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ :
فلا حجة لهم إلا تقليد الآباء ، فأكدوا المقول أن صدروه بالمؤكد الناسخ في "إِنَّا" ، وذكر الآباء إما أن يجري مجرى الحقيقة إذ كل أصل للإنسان تقدمه فهو أب ، سواء أكان يُدْلِي إليه بسبب مباشر ، أم كان ذلك في النظر في الأب الأعلى من الجد ومن تقدمه حتى يرجع الأمر إلى أصول قديمة ارتضت هذه الطريقة الفاسدة في النظر والاستدلال ، وإما أن يجري مجرى المجاز بالنظر في هذه الأصول القديمة ، فيكون إطلاق الأب على الوالد المباشر حقيقة ، ويكون إطلاقه على من عَلَاه من الأصول مجازا ، وعلى كلا الوجهين فلا مستند لهم إلا طريقة الآباء فهي الأمة أو الطريقة المتبعة ، فالأمة تطلق على كل طريقة في الدين أو الفكر أو الحكم يسلكها صاحبها ، فهو يَرْضَى بها **در تَلَقٍّ ، فذلك يعم جميع الطرائق المسلوكة ، إن في العقد أو في الشرع ، إن في السياسة أو في الحكم .... إلخ ، وقد نُكِّرَ وصفُ الأمة ، وذلك يجري مجرى التعظيم بالنظر في اعتقاد القائل لا في نفس الأمر فهي أمة مرذولة لا حظ لها من نقل صحيح أو عقل صريح ، ولفظ الأمة ، عند التدبر والنظر ، مما يقع فيه الاشتراك إذ يدل على جملة معان تَتَبَايَنُ ، والسياق هو الذي يحسم النِّزَاعَ بينها إذ يدل على مراد المتكلم ، فيطلق لفظ الأمة على الجماعة من البشر ، وَالَّتِي لها عقد انتحلته ونظام في الحكم والشرع ارتضته فتواطأت على أصول بعينها ، صحت أو فسدت ، ويطلق على المدة من الزمن ، كما في قوله تعالى : (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) ، ويطلق على الفرد الواحد إذا كان إماما يقتدى به ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ، ويطلق على الطريقة المسلوكة ، كما تقدم ، وقد يقال ، والله أعلم ، إن ثم قدرا مشتركا بينها جميعا ، وهو معنى الجمع المطلق في الذهن ، فالأمة جمع ، والطريقة في العقد والحكم أخبار وشرائع مجموعة ، والأمة من الناس مَنْ قد اجتمعت فيه خلال كثيرة ، والأمة من الزمن مدة جمعت فيها الأيام بعضها إلى بعض ، فَثَمَّ اشْتِرَاكٌ في الذهن في معنى الجمع المطلق والذي تَتَعَدَّدُ آحاده في الخارج ، فَثَمَّ جمع محسوس كجمع الأمة من البشر ، وثم آخر معقول كجمع الأخبار والأحكام في الطرق المسلوكة في العقد والشرع والحكم والسياسة ..... إلخ ، وأردفوا إمعانا في تَقْرِيرِ مَقَالِهِم ، أَرْدَفُوا بِلَازِمِ ذَلِكَ من اتباع هذه الطريقة التي جعلوا اقتفاء آثارها مئنة من الهدى ، وذلك ، أيضا ، إنما يصح بالنظر في اعتقادهم لا في حقيقة الأمر ، فأطنبوا بتكرار التوكيد بالناسخ ، فـ : إِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير إن حمل الجار والمجرور أَنَّهُ مُتَعَلَّقُ المشتق "مهتدون" ، وقد يجري الإطناب توكيدا على وجه آخر ، كما يذكر بعض المعربين ، أن يجري الأمر مجرى التعدد في الأخبار ، فـ : (عَلَى آثَارِهِمْ) ، خبر أول ، و : (مُهْتَدُونَ) ، خبر ثان ، وتلك سنة تطرد في تقليد الآباء ، وهي مما اختص به أهل الترف ، فـ : كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، فكذلك الذي تقدم ذكره من كلامهم ، قد حصل مثله في سنن الأولين فهم على طريق واحدة في الضلال والغواية فذلك يجري ، كما يقول بعض المحققين ، مجرى التسلية لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولا تخلو دلالة الإشارة بالبعيد في "كذلك" من جريان على سنن مشهور في اللسان أن يُشَارَ إلى ما انْقَضَى زمانه قَرِيبًا إشارة البعيد ، ولا يخلو ، من وجه آخر ، من دلالة تحقير ، إذ ذلك أمر يَبْعُدُ في الضلالة فهو في دركة دنيا في النظر والاستدلال أن يرضى الناظر بتقليد أعمى دون نظر في دليل الخصم فَلَعَلَّهُ أحق بالاتباع فذلك مقتضى العدل في القياس ، فذلك قانون اطرد في جميع الأمم التي ضلت في باب العقد والشرع ، وهو أمر لَمَّا تَزَلْ آثاره تظهر في كل قَرْنٍ من الزمان ومن الناس ، وانظر في حال كثير من الناس في الأعصار المتأخرة كيف رضوا بتقليد طريقة الآباء وإن كانت ظاهرة البطلان فظنوها دينا أن نشأ فيها صغيرهم وشب ، وشاخ عليها كبيرهم ، فما أعسر تغييرها إلا أن يشاء الرب ، جل وعلا ، تجديدا لما درس من آثار الرسالة ، وذلك ما حسن أن يُؤَكَّدَ بِالْقَصْرِ بأقوى أَسَالِيبِهِ ، النفي والاستثناء ، فضلا عن دلالة زيادة في "من" في موضعين في : (مِنْ قَبْلِكَ) ، و : (مِنْ نَذِيرٍ) ، وذلك موضع جلال يحسن فيه الإسناد إلى ضَمِيرِ الْفَاعِلِينَ في : (أَرْسَلْنَا) ، فضلا عن دلالة النذارة في : (نَذِيرٍ) ، فذلك أَلْيَقَ بمواضع الجلال إذ آثارها الانتقامُ والأخذُ بالعذاب الذي يوجب الاعتبار ، فقال مترفوها ، وقولهم هو قول المستكبر الظالم الذي ابْتُلِيَ الناس أن يصير الأمر إليه وإن كان قليل العدد فَلَهُ من السيادة والرياسة ما يوجب له التصدر إن في الحق أو في الباطل فصوته المسموع بما له من جاه ونفوذ ، وهم في الغالب أعداء الرسالات إذ تفوت عليهم ، كما تقدم ، جملة من الحظوظ والشهوات ، فقالوا انتصارا لطريقة الآباء التي ورثوها وورثوا معها جاه الآباء ورياستهم ! ، فورثوا الباطل كابرا عن كابر ، فقالوا : إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ، فذلك جار على ما تقدم في الآية السابقة ، فواطأ كلام السلف كلام الخلف فهو من مشكاة باطل وضلال واحدةٍ يخرج ! ، وذلك جار على مقتضى القياس الصريح أن تَتَشَابَهَ النتائج تبعا لتشابه المقدمات ، فسبب الضلال واحد ، و***ه واحد وإن اختلفت أنواعه ، وهو ما حسن معه الختام بوصف الاقتداء لا الاهتداء ، فوصف الاهتداء دعوى في مقال بعينها ، وهو مقال من توجه إليهم خطاب التنزيل من قريش وأجوارها ، ووصف الاقتداء ، في المقابل ، *** يجمع كلام السابقين على ما فيه من الاختلاف إذ كل يزعم أنه على الحق وليس له دليل ، كما تقدم ، إلا التخرص والظن ، أو تقليد الآباء والإعراض ، في المقابل ، عن وحي السماء ، فيجري ذلك ، كما يقول صاحب "التحرير والتنوير" رحمه الله ، يجري ذلك مجرى حكاية القول بالمعنى إذ الدعاوى ، كما تقدم ، تختلف ، وحكاية أقوال الماضين إنما تكون بالمعنى ، فالوحي عربي ، وأكثرهم لم ينطق باللسان العربي ، فحكى التنزيل ما قالوا بلسان الوحي الخاتم ، فأكدوا ، كما في السياق المتقدم ، أكدوا بالناسخ المؤكد ، وتكراره في الشطر الثاني على جهة التعاطف تلازما بين الشطرين ، وراثة الطريقة والاقتداء بآثارها ، وإن باطلة ، فليس إلا التعصب الذي يَقْتَرِنُ في الغالب بجهل عظيم بالحق وسوء فِي النية وفساد في القصد فصاحبه يعرض عن اتباع الحق ، بل ويرده ابتداء فيعرض عن النظر في أدلته فلعلها أصح وأولى بالاتباع ، ولكنه يأبى ذلك ضنا بما ورث من الجاه والرياسة والحظوة وهو من أعظم ما يصد الناس أن تنقاد لأحكام الشرعة ، فجادلتهم الرسل ، عليهم السلام ، بالتي هي أحسن ، فاستفهموا في مقام العرض تلطفا مع الخصم وتنزلا معه في الجدال أن يرده إلى صريح القياس الذي يقضي باتباع ما هو أهدى ، ودلالة التفضيل في هذا السياق في : (بِأَهْدَى) مما نُزِعَت دلالته فليسوا إلا على الباطل المحض ، وإنما تلطف معهم المجادل ، كما تقدم ، فجاء الجواب ، أيضا ، مؤكدا بالناسخ ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير ، وزد عليه دلالة العموم في : "ما" في : (بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ) ، فكفروا بجميع ما بعثت به الرسل ، عليهم السلام ، ولفظ الكفر الذي ختمت به الآية ينصرف إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين ، وإن ورد منكرا ، فإن وروده منكرا مما يحتمل ، فيحتمل الكفر الأصغر ، ويحتمل نظيره الأكبر ، إذ لا تفيد النكرة إلا حصول مطلق المعنى في الخارج فتصدق في أدنى قدر من الحقيقة التي تدل عليها في الخارج ، فمعنى الذيوع والشيوع فيها يجعلها تصدق في النوع الأصغر فهو أول ما يثبت منها في الخارج ، وفي النوع الأكبر وهو القدر الزائد فجاء السياق يرشح هذه الزيادة في المعنى ، فانصرف اللفظ إلى الكفر الأكبر الناقض لأصل الدين .
ولا تخلو دلالة "لو" في قوله تعالى : (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) ، لا تخلو من معنى الوصل مئنة من المبالغة ، كما يقول بعض المحققين ، وذلك آكد في تقرير الجناية أن ردوا الحق وكفروا به ولو كان أهدى مما هم عليه ، وزد عليه دلالة تهكم في كلامهم إذ أقروا بالرسالة وقد كفروا بما جاءت به ! ، فيجري ذلك ، كما ذكر بعض المحققين ، مجرى التهكم في نحو قوله تعالى : (وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ) ، وإن لم يقروا له بالرسالة ، مع أنهم ، عند التدبر والنظر ، قد اسْتَيْقَنُوا صحة الأمر بجملة متواترة من الأدلة وإن جحدوا ذلك في الظاهر ، فـ : (جَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) ، وقد يجري ، مجرى الحقيقة فتأويل الكلام : إنا بما زعمتم أنكم به قد أرسلتم إنا به كافرون ، فجاءت العقوبة على جهة الفور : فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ، ولا تَخْلُو الْفَاءُ من دلالة سَبَبِيَّةٍ ، فالانتقام فَرْعٌ على الكفر والتكذيب ، فذلك موضع اعتبار يحسن فيه الزجر أن جاءت العقوبة على جهة الفور ، وهو ما يحسن فيه ، أيضا ، أن يسند فعل الانتقام إلى ضمير الجماعة فذلك موضع جلال ، وهو ما ورد على حد الاعتبار ، فذلك من قياس العقل الصريح أن يحصل النظر ، فذلك نظر الفؤاد ، إذ الكيف مئنة من الحال ، والنظر فيه نظر الاعتبار الباطن ، وإن لم يخل من نظر البصر الشاهد بمطالعة آثار الظالمين ، فـ : (أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) ، فثم قيد بالحال : (يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ) ، ومن ثم ختم بالعلة : (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ) ، على جهة الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، وصدرت العلة بالمؤكد الناسخ فدلالته في هذا السياق مئنة من اشتراك بين التوكيد والتعليل ، وإن كانت دلالتها على التوكيد قطعية ، ودلالتها على التعليل ظنية ، وَزِيدَ في تقرير المعنى بجملة أخرى من المؤكدات كاللام إذ زحلقت فأخرت في اللفظ لئلا يجتمع مؤكدان صدرَ الكلام فذلك مما يثقله في النطق ، وزد عليه دلالة الحصر والتوكيد بتقديم ما حقه التأخير في : (فِي ذَلِكَ) ، ومن ثم ختم بالاستفهام إنكارا وتوبيخا ، وهو ما يحسن معه تقدير محذوف بعد همزة الاستفهام إمعانا في تقرير المعنى على تقدير : أغابت عقولهم فلا يسمعون السمع النافع سمع التدبر لا سمع الإدراك لمطلق الحجة فلا ينتفع بها كل أحد ، فلا يحصل انتفاع بها إلا في حق من سُدِّدَ وَهُدِيَ أن يتبع الحق بدليله الصحيح في النقل الصريح في العقل .
وقد قدم اسم الاستفهام "كيف" في آية : (فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، إذ له الصدارة مطلقا ، فهو خبر الناسخ الذي يليه في اللفظ ، فتقدم في اللفظ وتأخر في الرتبة إذ لَهُ الصدارة مطلقا ، فالنظر من هذا الوجه لا يتوجه إلى لفظ الكيف ، إذ اسم الاستفهام ، كما تقدم ، له الصدارة مطلقا فلا يعمل فيه متقدم عليه ، فتوجه النظر إلى معناه ، وهو تدبر عاقبة السابقين ، فقياس الطرد والعكس يجري في مثل هذا الموضع وفي جميع موارد الوعد والوعيد ، فمن وافق في الوعد ناله ما نال الموعود من الخير ومن خالف ناله ضده من الشر ، وقل مثله في الوعيد فمن وافق فيه ناله ما نال المتوعد من الشر ، ومن خالف ناله ضده من الخير فاطرد القياس وانعكس على وجه صريح فواطأ نصُّ الوحي الصحيح قياسَ العقل الصريح وذلك أصل جليل يطرد في جميع موارد الأخبار والأحكام جميعا .
والله أعلى وأعلم .