rss
04-10-2016, 04:26 PM
من آية : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا ..)
ومن قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ، فَحُدَّ الشرط على جهة الامْتِنَاعِ لامتناع ، فحذف فعل الشرط ، فَلَوْ ثَبَتَ إيمانهم الذي حد على جهة التوكيد بالناسخ إمعانا في تَقْرِيرِ المعنى الذي أَطْنَبَ في لفظه فَعَطَفَ التقوى على الإيمان ، وذلك ، من وجه ، يَجْرِي مجرى عطف الترادف ، فإن الإيمان لو تدبرته لوجدته يعم جميع محال الاختيار الَّتِي يُنَاطُ بِهَا التكليف ، ما بطن وما ظهر ، وكذلك الشأن في التقوى فهي تستغرق جميع محال التكليف ، فثم تقوى العقد أن يوحد القلب ويهجر الشرك والبدعة وسائر ما فسد من المذاهب والأفكار ، وثم تقوى اللسان في النطق والصمت ، فهو يَتَّقِي الفحش والهجر من القول ، وهو ، مع ذلك ، يَنْطِقُ بالحق شِهَادَةً وَذِكْرًا ، فيشهد بالحق في جميع أحواله ، وهو في العمل يَتَّقِي إن في الفعل أو في التَّرْكِ ، فمحال الإيمان تكافئ محال التقوى ، فالإيمان منه باطن وظاهر ، والتقوى كذلك ، والإيمان منه إثبات ونفي ، فلا بد من بَرَاءٍ قَبْلَ الولاء ، فلا بد من الْبَرَاءَةِ من الشرك وأهله ، لحصول مطلق الدين ، مناط النجاة ، ولو مآلا لا ابتداء ، ولا بد من بَرَاءَةٍ أعم من الكفر وأنواعه ، فالشرك أخص من الكفر ، فهو أحد أنواعه ، فلا بد أن يسلم الإنسان من ناقض الإيمان من سائر أجناس الكفر ، فَيَتَّقِي نَوَاقِضَ الإيمان ما ظهر منها وما بطن ولا يكون ذلك إلا بالبراءة من الكفر وأهله ، فكما أن الإسلام يستوجب قبل الإثبات نفيا فذلك معنى "لا إله" ، فيستوجب البراءة من الشرك وأهله ، فكذلك الإيمان فهو يَقْتَضِي الْبَرَاءَةَ من الكفر وأهله ، فَثَمَّ بَرَاءَةٌ في الإسلام وفي الإيمان ، فيبرأ من أسباب الشرك ابتداء من رام تحرير عقد الإسلام ، ويبرأ من أسباب الكفر ابتداء من رام تحرير عقد الإيمان ، وَبِذَا علم القدر الفارق بَيْنَ الإيمان والإسلام ، بالنظر في الضد ، فحد الإيمان بضده أنه عكس الكفر ، وحد الإسلام بضده أنه عكس الشرك ، وذلك يجري مجرى التعريف بالضد ، وهو مما استعمله أهل الحدود والتعاريف في بيان بعض الحقائق إذ بضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، وهو ما ينفع في التَّفْرِيقِ بَيْنَ الحقائق ، فإذا نظرت في ضد الإيمان وهو الكفر وجدته أعم من ضد الإسلام وهو الشرك ، فكل شرك كفر ولا عكس ، فَبَيْنَهُمَا ، من هذا الوجه ، عموم وخصوص مطلق ، وكذلك الشأن في الضدين لهما : الإيمان ضد الكفر ، والإسلام ضد الشرك ، فالإيمان أعم من الإسلام إذ كل إيمان لا بد أن يسبق بإسلام صحيح يقتضي مطلق إيمان بأصل العقد بانقياد الباطن وإقراره ، و*** نطق يشهد وآخر من العمل يصدق أصل الدعوى وإن لم يبلغ بها تمامها فلا يكون ذلك إلا باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فهو يتقي ، إذ التقوى ، كما تقدم ، تكافئ الإيمان ، من وجه ، فَيَتَّقِي كل ما ينقض أصل الإيمان من نواقض العقد والقول والعمل ، وهو ، مع ذلك ، يَتَّقِي ما يخدش حقيقة الإيمان ، فَيُنْقِصُ منه وإن لم يأت على أصله بالإبطال ، فيتقي نواقض الإيمان كلها ، ما ينقض أصل الإيمان ، وما ينقض كماله الواجب ، وإن اقترف ما يقدح في الحقيقة الإيمانية فإنه يُبَادِرُ بِالتَّوْبَةِ والأوبة ، فضلا أنه يعمل من النَّوَافِلِ والزَّوَائِدِ من صالح الأقوال والأعمال ما يجبر كسره ، فإن النوافل متممات الواجبات إن تمهيد لها قبل أدائها أو جبرا لما فات منها بعد أدائها ، والشاهد أن كل إيمان إسلام ولا عكس ، بالنظر في حقيقة الإسلام أنه مطلق إيمان في القلب بتصديق وإقرار ، وشهادة باللسان و*** عمل في الأركان ، وإن لم تستوف آحاده جميعا على وجه لا يأتي على الأصل بالنقض ، وبالنظر في حقيقة الإيمان الكاملة التي تستوجب فعل كل مأمور وَاتِّقَاءَ كل محظور ، فالتقوى على هذا الوجه إذ تَنْصَرِفُ بالنظر في أصل الوضع في اللسان إلى الكف ، التقوى على هذا الوجه شطر الكف في باب الإيمان ، فالإيمان منه فعل لشعب الإيمان ، وَتَرْكٌ لِمَا يَنْقُضُهَا من شعب الكفران سواء أكانت شعب كفر أكبر تنقض أصله ، أم شعب كفر أصغر تنقض كماله الواجب ، فيكون عطف التقوى على الإيمان على هذا الوجه ، من عطف الجزء على الكل ، فالتقوى ، كما تقدم ، تنصرف إلى الترك ، فَيَتَّقِي المكلَّف سوء العذاب ألا يَقْتَرِفَ ما ينقض أصل الإيمان أو كماله الواجب ، والتقوى ، أيضا ، تدخل في حد الإسلام على ذَاتِ الوجه ، فإن الإسلام الأخص لا يسلم من القدح إلا أن يتقي صاحبه أسباب الشرك ، فيتقي أسباب الشرك الأكبر الذي يقدح في أصل الإسلام ، وَيَتَّقِي أسباب الشرك الأصغر الذي يقدح في كمال الإسلام الواجب ، فالإسلام ، من وجه ، منه الإسلام الذي يسبق الإيمان ، ومنه الإسلام الذي يكافئ الإيمان ، فيكون منه الإسلام الواجب ، والإسلام المستحب ، فإسلام واجب بما يأتي صاحبه من الفرائض ، وإسلام مستحب بما يأتي صاحبه من النوافل ، فالتقوى تكافئ هذا الإسلام إذ عم بهذا المعنى جميع محال الاختيار فهو يكافئ الإيمان الذي يحل في الجنان واللسان والأركان جميعا فكذلك الإسلام الأعم إن فارق الإيمان في لفظه فإنه يكافئه في معناه على ما تقرر من دلالة الاقتران والافتراق في اللسان ، فحال افترقا ، وهو محل الشاهد ، اتفقا واقترنا ، فدل كلٌّ على نفسه أصالة وعلى الآخر نيابة ، فهذا الإسلام التام لا يحصل إلا إن اتقى صاحبه كل ما يقدح في الحقيقة الإسلامية سواء أكان القادح قادحا في الأصل أم قادحا في الكمال الواجب ، فيقال هنا ، أيضا ، إما أن الإسلام والتقوى يتكافئان في الحقيقة في الخارج ، فإن محالهما واحدة ، ما بطن من الجنان ، وما ظهر من اللسان والأركان ، وإما أن التقوى شطر الإسلام ، إذ الإسلام ، أيضا ، فعل وكف ، والتقوى ، كما تقدم ، مئنة من وقاية من المحظور فمعنى الترك فيها يظهر فتكون ، كما في الإيمان ، شطر الكف في الحقيقة الإسلامية ، فلا بد من اتقاء المعبودات الباطلة في باب الإسلام واتقاء النواقض الباطنة والظاهرة في باب الإيمان ، لا بد من ذلك قبل الإثبات ، فقبل الإيمان كفر بالطاغوت وهو كل معبود من دون الله ، جل وعلا ، راض بذلك ، وقبل الإسلام براءة من الشرك وأهله ، فبراءة من كل معبود من دون الله ، جل وعلا ، فَمَا دونه من المعبودات الباطنة والظاهرة ، المحسوسة والمعقولة ، ما دونه من تلك المعبودات باطل ظاهر البطلان وإن جادل عنه أولياؤه ما جادلوا فهو من الجدال بالباطل ، لكبر أو حظ نفس ، فإن العقل بهواه والنفس بذوقها ووجدانها يَأْبَيَانِ أن ينقادا لحكم الوحي ، فذلك من الطغيان ومجاوزة الحد على وجه يناقض الحقيقة الإسلامية التي تستوجب كمال الاستسلام والانقياد ، ويناقض في نفس الآن الحقيقة الإيمانية التي تستوجب كمال الطمأنينة بالعقيدة والشريعة فيكون الوحي هو المستمد الأوحد للدين الأقوم ، فأخباره صدق في العقائد ، وأحكامه عدل في الشرائع والسياسات وجميع موارد الترجيح ، فإن كل جائز في هذا الكون يحتمل الضدين ، سواء أكان من أمر الكون فهو يفتقر إلى كلمة التكوين التي بها تكون الكائنات ، والتي بها تخلق الأعيان والأحوال والآيات الكونية ، فَمَرَدُّهَا جميعا إلى الكلمات الكونية النافذة ، فهي ترجح بالإيجاد أو الإعدام ، وكذلك الشأن في أمر الشرع فهو يحتمل الضدين في باب الأخبار الجائزة لا الممتنعة المحالة التي لا يجوز وقوعها في الخارج ولا تصورها في الذهن فغاية أمرها أن تفرض فرض الجدال بالحق إبطالا لحجة المجادل بالباطل واستدراجا له أن يُسَلَّمَ له بمقدمة باطلة ثم يأتي الناظر على نَتِيجَتِهَا بالإبطال ، فأمر الشرع في باب الأخبار يحتمل الضدين ، فلا بد من مرجح من خارج يثبت أو ينفي ، وما كان جائزا محتملا فلا يثبته العقل ولا يَنْفِيهِ إلا بِدَلِيلٍ إِذْ ذَلِكَ بَابُ تَوْقِيفٍ لا تُتَلَقَّى مادته إلا من مشكاة الوحي ، فالعقل ، بَادِيَ الرَّأْيِ ، لا يثبت ولا ينفي ، إلا إجمالا فكل كمال مطلق فالعقل يثبته في الجملة دون أن يخوض في آحاده فيكون مرد أمره في ذلك إلى الوحي ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أمر لا يصح فيه الخوض والجدال بمقياس العقل أو وجدان النفس بمعزل عن الوحي فهو باب توقيف ، والتوقيف ، عموما ، ما كان في الخبر نفيا أو إثباتا ، وما كان في الحكم أمرا أو نهيا ، مما لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، وكذلك الشأن في كل نقص مطلق يستوجب حقيقة لا دعوى ، يستوجب افتقارا يتنزه عنه الرب ، جل وعلا ، دون قياس تمثيل أو شمول على المخلوق يفضي إلى تعطيل صفات كمالٍ لله ، جل وعلا ، بذريعة أن إثباتها على المعنى المشهور المتداول من لسان العرب يفضي إلى نسبة نقص أو افتقار إلى الله ، تبارك وتعالى ، فذلك من سوء الظن بالوحي ، أن يزعم زاعم أن ظاهره يوهم النقص في الخبر أو الجور في الحكم ، فإن ذلك ، لو تدبرت ، مما عمت به البلوى في الأحكام ما عمت به في الأخبار بل وزادت ! ، فظن من ظن أن أحكام التنزيل مئنة من الجور إذ لم توافق هواه أو ذوقه ، فكان جداله بالباطل لينتصر لرأيه أو وجدانه ، إن خالف الوحي ، وإن تلطف فإنه يعمد إلى تأويل الأحكام على وجوه تفضي بصاحبها إلى طرائق في النظر والاستدلال من *** طرائق الباطنية الذين عطلوا الخبر والحكم جميعا ! ، وإن لم يتلطف فجهر بعداوة الوحي لا سيما في أعصار ضعف فيها سلطان الشريعة فاجترأ من اجترأ أن يقدح فيها صراحة إذ أمن العقوبة فأساء الأدب ، فلا سلطان ولا قرآن يَزَعَانِهِ ، فلا تقوى من الله ، جل وعلا ، بالكف عن منابزة الوحي ، ولا تقوى من السلطان الذي يحسم نوازع الشر في الرعية إن في أمور الدين أو الدنيا ، فذلك ما يقتضيه سلطان الولاية السياسية أن يحفظ الدين فتحسم نوازع الشر في تأويل الأخبار أو تعطيل الأحكام أو اقتراف الجنايات التي توجب الحد أو التعزير ، وكذلك الشأن في الأحكام ، فإن كل جور في الجملة يجب نفيه في حق الخالق ، جل وعلا ، وأما آحاده فذلك ما يقع فيه التنازع بين الأهواء إن رد الأمر إلى مرجع العقل من داخل *** يرد إلى مرجع الوحي من خارج ، فهو ، كما تقدم مرارا ، ما يحسم النزاع بين العقول إن في الأخبار أو في الأحكام فوحده الذي يصحح القوة العلمية تصورا ، والقوة العملية حكما فيزكيها ويرشدها ويزيد فيها ما يواطئ أحكام النبوة ، مناط الخير العاجل ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فحد ، أيضا ، على جهة الامتناع وحذف فعل الشرط المقدر بـ : "ثبت" ، وزيد في الدلالة بلام توكيد في الجواب : (لفتحنا) ، فضلا عن إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين المجموع في موضع جمال بفتح البركات ، التي نكرت تعظيما ، وذلك ، أيضا ، مما يحسن في سياق التعظيم للمنة ، وزد عليه العموم الذي دل عليه طباق الإيجاب بين السماء والأرض ، فاستغرق بدلالة عموم اللفظ المحلى بـ : "أل" ، ومن ثم استدرك بالمفهوم ، إذ لم يؤمنوا ، فالمنطوق خير إن آمنوا فذلك الفضل ، والمفهوم شر إن كفروا فذلك العدل ، ودلالة التكذيب هنا تطابق دلالة الإيمان لا على جهة الطباق التام فإن ضد الإيمان هو الكفر ، ومنه كفر التكذيب فذكر فردا من أفراده على جهة النيابة عنه فكان الطباق ناقصا من هذا الوجه ، فأردف بالمفهوم زيادة في تقرير المعنى بالنص عليه بعينه وإن دل عليه الشطر الأول بالاطراد والانعكاس الصريح في العقل ، وحسن في مورد الجلال كما حسن في مورد الجمال أن يسند الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم في موضع عدل ، فالباء مئنة من السبب فما كان ذلك ابتداء ولكن بسببٍ ظاهر صحيح في العقل إذ أنيط به المسبَّب على وجه يواطئ قياس العقل الصريح ، وهذا السبب هو : مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، وهو ما حد على جهة الكينونة الماضية إمعانا في تقرير المعنى بزيادة في المبنى فضلا عن دلالة الديمومة في الاتصاف في لفظ الكينونة ، فعطفت التقوى على الإيمان ، كما في الآية محل الشاهد فإيمان يوجب الطمأنينة والسكينة والرضى بالله ، جل وعلا ، ربا يخلق ، وربا يشرع بما أنزل من الوحي المحكم في الأخبار ومحلها ما بطن من الجنان ، والأحكام ، ومحلها ما ظهر من اللسان والأركان ، فيستغرق بالإيمان جميع محال التكليف ، ولا بد مع ذلك من لازمها من تَقْوَى يُفَارِقُ بِهَا أضداد الوحي من أخبار الكذب وأحكام الجور ، ويفارق ما يعرض من شبهات التأويل التي تفضي إلى التعطيل لخبر الوحي أن يساء به الظن فهو يوهم التشبيه أو التمثيل ، ولحكمه أن يساء به الظن فهو يوهم الجور والظلم في الحكم ، فأحكام النبوة مناط الخير العاجل في هذه الدار ، ومناط الخير الآجل ، وهو الأعظم في القدر والوصف ، فهو خير في الماهية وأبقى فلا يفنى ، فالخيرية في الآية محل الشاهد قد حدت على جهة التفضيل الذي أطلق فعم جميع وجوه الخيرية ، فكما أن خيرية الوحي مطلقة في أخباره فهي الأصدق ، وأحكامه فهي الأعدل ، وإن أساء الظن من أساء ممن خذل فهو يعارض الخبر بتأويل يفضي إلى تكذيب الخبر فيقترح في باب الغيب ما يواطئ قياسه أو ذوقه ، وذلك من الفساد في الاستدلال بمكان عظيم ، جد عظيم ! ، إذ لم يدرك الحقيقة الغيبية بمدارك ا*** الظاهر ليقضي فيها بقياسه أو وجده ، فلا بد قبل الحكم من التصور ، فَإِنْ عجز العقل أن يتصور الحقيقة في الخارج فهي غيب محض لم يكن ثم بد إلا أن يخضع لخبر الوحي وَيَنْقَادَ فهو المستمد الوحيد في باب الغيب إذ العقل غايته أن يجوز فلا يحكم بإثبات أو نفي إلا في الجملة على ما تقدم ، من إثبات الكمال المطلق ونفي النقص ، أي نقص ، وأما في باب التفصيل فلا بد من الرجوع إلى الوحي فهو المرجع من خارج الذي يتجاوز جميع العقول فهو يَزِيدُ عليها درجة ، أية درجة ! ، إذ قد عصم أن صدر من الرب ، جل وعلا ، فتلك من آياته المحكمات التي أَنْزَلَهَا على حملة الرسالات ، عليهم السلام ، فبلغوا اللفظ وبينوا المعنى ونطقوا بالصدق المحض الذي لا يتطرق إليه احتمال الكذب لمكان العصمة الخبرية ، وحكموا بالعدل المحض الذي لا يتطرق إليه احتمال الجور لمكان العصمة الحكمية ، فالوحي أمان في العقد الباطن والشرع الظاهر ، فهو أمان من الكذب والجور ، وبه وحده يحصل مراد كل عاقل من تصحيح قوته العلمية والعملية ، ومن تحصيل أسباب السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فالوحي آيات من رب العالمين ، جل وعلا ، فهي من كلماته ، فصدرت عنه صدور الوصف من الموصوف ، والموصوف قد بلغ الكمال المطلق في الذات والوصف فكذلك ما يصدر عنه من الكلمات إن في الكون خلق تقدير وخلق إيجاد وبعدهما منة سابغة ورحمة غامرة لجميع المحال التي أعدها بحكمة بالغة أن تقبل آثار الأسباب المعقولة ، فمحلها الجنان ، والأسباب المحسوسة فمحلها الأركان ، فَثَمَّ منة باطنة وهي الأعظم ، وأخرى ظاهرة ، فمنة الباطن منة الأديان بما كان من محكم الوحي النازل ، ومنة الظاهر منة الأبدان بما كان من بهيج الزرع النابت ، فكان رزق الدين نازلا ، وكان رزق البدن خارجا ، وكلاهما مما عظم شأنه ، وكلاهما مما يصدر من كلمات الرَّبِّ ، جل وعلا ، فَتَصْدُر ُالكائنات من الكلمات الكونيات ، تقديرا وإيجادا وإعدادا بما تقدم من حكمة بها يعد كل محل أن يقبل الأسباب التي تلائمه ، فإما أن تصلحه ، وذلك الفضل ، وإما أن تفسده ، وذلك العدل فثم محال فاسدة تقضي الحكمة ألا تمد بأسباب الصلاح فذلك من نقص الحكمة الذي تنزه عنه رب العزة ، جل وعلا ، فالحكمة تقضي في هذا الباب بالطرد والعكس ، فيوضع السبب ال**لِح في المحل الصالح ، ويوضع السبب المفسِد في المحل الفاسد ، فاطرد القياس وانعكس ، والمحل في الحالين دائر بين الفضل والعدل فما ظلمه الرب ، جل وعلا ، الذي تنزه عن الظلم إن في كلمات التكوين فقضاؤه العدل ، أو في كلمات التشريع فقضاؤه فيها ، أيضا ، العدل ، فالقضاء *** أعم تنقسم موارده في الخارج فثم قضاء التكوين بكلمات الإيجاد والإعدام والمنع والعطاء ...... إلخ ، فهو يكون بكلمات يصح ، من وجه ، أن تدخل في عموم الآيات الربانية ، فمنها الآيات الكونية الحادثة ، فنسبتها إلى الله ، جل وعلا ، لا تكون نسبة وصف إلى موصوف كما هي الحال في الآيات الشرعية ، وإنما نسبتها إلى الله ، جل وعلا ، تكون نسبة محدَثٍ إلى محدِثٍ ، وإن صح من وجه دقيق أن تنسب إلى الرب الخالق ، جل وعلا ، بالنظر في مبادئها فإنها ما كانت إلا بكلمة تكوين خاصة تندرج في *** أعم وهو الكلم الكوني النافذ ، وهو ، أيضا ، يندرج في *** يعلوه ، وهو *** الكلام المطلق ، وهو من وصف ربنا المهيمن ، تبارك وتعالى ، فمنشأ الكائن أنه من كلمة تكوين ، وهي مما تصح نسبته إلى الرب ، جل وعلا ، نسبة وصف إلى موصوف إذ الكلام ، كما تقدم ، من وصفه ، جل وعلا ، بالنظر في نوعه القديم ، وآحاده المحدثة إن في الكون أو في الشرع ، هي عند التدبر والنظر ، آحاد تندرج في ال*** الأعم ، الذي قَدُم َبالنظر في أصله فيدخل من هذا الوجه في حد اسمه ، جل وعلا ، الأول ، فهو الأول بالذات والوصف ، وأولية الوصف منها أولية الصفات الذاتية التى لا تنفك تتصف بها الذات القدسية فلا تفارقها أبدا فلا تناط بالمشيئة من هذا الوجه إذ المشيئة تقضي بالحدوث سواء أكان حدوث المحدَثات المخلوقات أم حدوث المحدِثات المكوِّنات من كلمات التكوين النافذات فهي مما يحدث شيئا فشيئا كلما أراد الرب ، جل وعلا ، أن يقضي أمرا ، فتلك دلالة الشرط في قوله تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ودلالة "إذا" من وجه مئنة من الاستقبال فذلك من الوصف الذي تتكرر آحاده بالنظر في المستقبل ، وهو ، من وجه آخر ، مما يتصف به الرب ، جل وعلا ، أبدا في الاستقبال في هذه الدار وما وراءها من دور فذلك مما يدخل في حد اسمه الآخر فهو الآخر بذاته ووصفه على حد الكمال المطلق ، فمن الأولية : أولية الصفات الذاتية التي لا يتصور أن تناط بالمشيئة فيتصف بها الرب ، جل وعلا ، تارة دون أخرى ! ، كصفة الحياة ، على سبيل المثال ، فالله ، جل وعلا ، حي قولا واحدا دون تقييد بالمشيئة فذلك مما لا يتصور فلا يقال حي إذا شاء ، فإن المفهوم من هذا المنطوق الفاسد أنه : ميت إذا شاء ! ، فيتصف بضد الحياة إذا شاء ، أو يتصف بالحياة إذا شاء ولا يتصف بها إذا لم يشأ ، وطرد هذا القول يقضي بلازمه من اتصافه بضد الحياة ، وسلب الحياة يكافئ الموت ! ، وذلك من النقص المطلق الذي لا يتصور أن يتصف به الرب ، جل وعلا ، وإن جاز في سياق الفرض تَنَزُّلًا في الجدال ، إذ موت الإله يستوجب فساد الكون واضطرابه فلا حاكم ولا مدبر ! ، فذلك نظر صحيح في المقدمة ، وإذ انتفت هذه المقدمة *** يفسد الكون بل هو جار على سنن محكم لا يتبدل إلا في أحوال نادرة مئنة من عموم القدرة ونفاذ الأمر إعجازا في مواضع كما في خلق آدم وخلق حواء وخلق المسيح ، عليهم السلام جميعا ، وكما في جملة من الكائنات تجري مجرى الآيات فهي تدخل ، أيضا ، في آيات الله ، جل وعلا ، الكونية ، وهي من الآيات الآفاقية إذ خرجت عن حد النفس فليست من الآيات النفسانية فإنها مما يجري في الغالب مجرى العادة في إحكام الخلق وجريان أمره على سنن محكم في وظائف الحياة ، وذلك محل إعجاز بالنظر في الدقة وبالنظر في جملة منها أخبرت عنها الشرعة ولما يكشف أمرها بَعْدُ بالنظر في زمن التنزيل فَكُشِفَ بعد ذلك بما بلغ الإنسان من وسائل البحث والتجريب ، ولكنه في المقابل ليس محل إعجاز بالنظر أنه مما يخرج عن العادة فلا يخرج عن سنن الرب ، جل وعلا ، المحكم في خلق الأبدان وإعدادا محالها أن تقبل آثار الأسباب ، وإمدادها بهذه الأسباب ، وجريان هذه الأسباب على ما تقدم من سنن محكم في التغذي والهضم والتمثيل ، هدما أو بناء ، فذلك أمر ينشعب فيه المقال فلا يكاد يحصى من عظم الخلق ودقته ، ومحله علم وظائف الأعضاء أن يَنْظُرَ الباحث في سنن كل عضو في خلقه وفي عمله ، وكيف واطأ الخلقُ العملَ فجاء كل عضو على وجه يلائم وظيفته ، فتلك حكمة أولى ، وكيف ينتفع بالأسباب من الغذاء ونحوه ، فيكون تمثيله لها على وجه ينتفع به سائر البدن هضما للطعام وإنتاجا للطاقة وطردا للفضلة الزائدة مهضومة أو غير مهضومة ، فتلك حكمة ثانية ، فإذ انتفت المقدمة *** يفسد الكون إذ يجري على ما تقدم من السنن المحكم ، فذلك يقضي بامتناع الموت في حق الرب ، جل وعلا ، فلو سها أو أخذته سنة أو نوم لفسد الكون واختل نظامه فكيف لو جاز في حقه الموت إِذًا لفسد الكون من باب أولى ، فالنفي في الآية : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ) ، يدل على انتفاء الموت من باب أولى فذلك من قياس الأولى الصريح ، إذ انتفى الأدنى فوجب انتفاء الأعلى ، فَلَهُ ، جل وعلا ، الحياة الكاملة أزلا وأبدا ، فصدر بالإثبات : إثبات الحياة وهي أصل صفات الذات والقيومية وهي أصل صفات الأفعال ، ثم احترز بنفي السِّنَةِ والنوم وما يستوجبه ذلك من باب أولى من نفي الموت ، فلا يصح من هذا الوجه أن تناط الحياة بالمشيئة إذ تلازم الذات القدسية ولا تفارقها ، فضلا أن الموت نقص مطلق ، فكما أن الحياة أصل كل كمال ، فكذلك الموت إذ يلزم منه النقص من غيبوبة الميت فلا يشهد ولا يعلم ، وفنائه وتحلله ..... إلخ مما يقطع بانتفائه في حق الرب ، جل وعلا ، الذي يعلم أزلا ويشهد خلقه فهو يتعاهدهم بكلمات التدبير والتشريع فعمهم ، كما تقدم ، بمنة الإيجاد والإعداد والإمداد ، بكلمات التكوين ، وعمهم بمنة الفصل بَيْنَهُم إن تَنَازَعُوا في الخبر أو الحكم بما يصحح مداركهم العلمية التصورية ، ويصحح نتائجهم العملية الحكمية فهي فرع على ما يدركون ابتداء ، إذ الحكم ، كما تقدم مرارا ، فرع على التصور والإدراك ، فعمهم بمنة الكون والشرع جميعا بما يصلح الحال والمآل جميعا ، فالأولية ، من هذا الوجه ، تستغرق أولية الذات ، وأولية ما يقوم بها من الصفات الذاتية سواء أكانت معنوية أم خبرية ، ومنها ، في المقابل ، أولية في الصفات الفعلية التي تناط بالمشيئة ، والتي يحدث ، جل وعلا ، من آحادها ما شاء كيف شاء متى شاء ، فهذه الأولية إنما تكون بالنظر في النوع ، فإن آحاده تحدث وَتَتَجَدَّدُ إذا شاء ، جل وعلا ، ذلك ، فتأويلها كلمات كونية تَتَعَدَّدُ بالنظر في أنواعها فكلم إيجاد وكلم إعدام ، وكلم إعطاء وكلم منع ..... إلخ ، وبالنظر في آحادها ، فثم كلم خلق لعين فلان ثم عين فلان ... إلخ من الأشياء سواء أكانت حية متحركة أم ميتة جامدة ، ومن الأحياء ، سواء أعقلت أم عجمت ، فهذه الكلمات مما يحدث ، جل وعلا ، منه ما شاء إذا شاء كيف شاء وإن اتصف بأنواعها أزلا وأبدا فهي من هذا الوجه تدخل في دلالة اسمه الأول والآخر ، وكذلك الشأن في كلمات الشرع ، فالرب ، جل وعلا ، يحدث منها ابتداء أو نسخا ما يشاء على وجه تحصل به الحكمة وتعظم به المنة بإكمال الشرعة ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم المنة في قول ذي الجبروت والعزة تبارك وتعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، وبهذه الكلمات الشرعية يكون ما تقدم من شرط المثوبة التي اتصفت بالخيرية المطلقة في آية البقرة ، فضلا عن الديمومة والبقاء الذي ورد في نصوص أخرى على جهة الإطلاق ، أيضا ، فـ : (مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، فهو من النعيم الدائم الذي لا يفنى فآحاده لما تَزَلْ تَتَجَدَّدُ فإن انتفع بها أهل الجنان أكلا أو شربا .... إلخ ، فالآحاد من هذا الوجه تفنى ولكن الأنواع باقية لما تَزَلْ ، فهي كالأجناس العامة التي تندرج تحتها أفراد ، فيحدث ، جل وعلا ، من آحادها شيئا فشيئا ، فكلما تمتع أهل الجنة بآحاد منها أحدث ، جل وعلا ، منها آحادا أخرى ، فالتسلسل في المفعولات في الأزل واجب إذ دار النعيم ودار العذاب جميعا دور خلد لا تفنى ، فيحدث ، جل وعلا ، من آحادها ما يحصل به التسلسل الواجب في المفعولات وهي ، من وجه آخر ، مما يحصل به الثناء على رب البريات ، جل وعلا ، فهي آثار أوصاف الجمال في دار النعيم ، وآثار أوصاف الجلال في دار العذاب ، فالمثوبة اسم *** يستغرق مثوبة الخير فضلا ، أو مثوبة الشر عدلا ، فهو **در ميمي يدل على مطلق الحقيقة في الذهن ، وهي ، كما تقدم ، مما تنقسم موارده في الخارج فمنها مثوبة الخير ومنها ضدها ، فيجري فيها الاشتراك من هذا الوجه ، على وجه بلغ من الإجمال ما بلغ كما قرر أهل الشأن في باب المشترك فإن من أشد أنواعه إجمالا وافتقارا إلى البيان ما كان من الأضداد إذ يحتملُ اللفظُ الواحد المعنى وضده جميعا ، فلا يحسم النزاع في هذا المورد إلا قرينة من السياق تشهد ، فقرينة السياق في آية المطففين : (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، وهو من استفهام التقرير الذي تعظم به النكاية فضلا عما يدل عليه من معنى العدالة فما ظلمهم الرب ، جل وعلا ، شيئا ، ولكن أنفسهم يظلمون ، فدلالة "هل" على هذا الوجه تضاهي دلالة "قد" التي تفيد التحقيق إذا دخلت على الماضي ، فتقدير الكلام على هذا التأويل : قد ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ، وذلك بالنظر في زمن الكلام ولما يأت بعد ، وإنما حد على جهة الماضوية إمعانا في الإثبات والتقرير فهو أمر كائن لا محالة على وجه صح معه الإخبار عنه بالماضي مئنة من تحقق الوقوع فكأنه قد وقع وانتهى ، كما في قوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فهذا ، عند التدبر والنظر ، تحقق وقوع من *** تحقق الوقوع باستعمال "إذا" في الشرط ، فتحقق الوقوع *** أعم تندرج تحته آحاد منها ما تقدم ، كما أن امتناع الوقوع *** أعم تندرج تحته آحاد كتعليق الأمر على جهة الشرطية باستعمال ما يدل على الندرة ، كما في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ، فذلك ، كما تقدم ، من الْمُحَالِ لذاته إذ يستلزم إثبات النقص للرب الكامل ، جل وعلا ، إذ لا ينفك الوالد يفتقر إلى الولد فهو الذي يُبْقِي ذكره وَيَرِثُ عَرَضَهُ ، والرب الكامل ، جل وعلا ، غني الغنى المطلق ، فلا يَفْتَقِرُ إلى ولد أو إلى أي سبب من خارج ، وقد يكون امتناع الوقوع ، من وجه آخر ، بتعليق الأمر على محال ، كما في هذا الموضع ، أيضا ، فقد علق الجزاء : (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ، وذلك شرك لو عبد الولد ، وهو مما ينتفي بداهة في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، لمكان العصمة ، فامتنع وقوعه إذ هو من المحال أن علق على شرط محال ، فتعليق الشيء على محال مئنة أنه من المحال في نفس الأمر ، كما أن تعليق الأمر على ممكن مئنة أنه ممكن ، وقل مثله في الواجب فتعليق الأمر على واجب مئنة أنه واجب فاستوفت القسمة أجزاءها في باب الجائز والممتنع في العقليات على وجه يظهر فيه التلاؤم بين النقل الصحيح والعقل الصريح في سائر موارد التنزيل من أمور التصديق في الخبريات وأمور التحكيم في الشرعيات ، فقرينة ورود اللفظ في سياق ذم ونكاية بالكافرين مئنة أن المثوبة في الآية مئنة من الجزاء بالشر على ما اقترفوا من الذنب ، فثم باء مقدرة ، على تأويل السياق ، والله أعلم ، بـ : هل ثوب الكفار بما كانوا يعملون ، والتنزيل يشهد بهذا التقدير في مواضع ، كما في قوله تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) ، فظهرت باء السببية في موضع الحبس بما كسبوا والعذاب بما كفروا ، وذلك ، من وجه ، يجري مجرى تفسير التنزيل بالتنزيل وتقدير المحذوف على المذكور في كلام الوحي المنزل فهو أولى ما يقدر به الكلام حال الحذف ، فالمذكور في سياق يدل على المحذوف في آخر ، فدلالة الباء المقدرة دلالة السببية ، فذلك العدل ، فضلا عن دلالة إطناب بالموصول : "ما" والكينونة الماضية فهي مئنة من ديمومة الاتصاف بعمل السوء وذلك ما يحسن أن تعظم به النكاية فهو آكد في تقرير المعنى من قولك في غير التنزيل المحكم : هل ثوب الكفار بِفِعْلِهِم ؟ ، فالزيادة في المبنى مئنة من زيادة في المعنى تضاهيها كما قرر أهل الأصول والنظر ، وأما قرينة السياق في آية البقرة ، محل الشاهد ، فهي تشهد أن المثوبة هي مثوبة الفضل بالثواب لا العدل بالعقاب كما في آية المطففين ، وقد زيد في اللفظ لام دخلت على جواب الشرط : "لمثوبة" فهي مئنة من توكيد زائد به يكون تقرير المعنى ، وتنكير المثوبة ، من وجه آخر ، مئنة من التعظيم ، وهو مما يزيد ، أيضا ، في تقرير المعنى ، وزد عليه الوصف بالظرف : (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، فإن شرف المثوبة من شرف من تصدر عنه ، فدلالة "من" : دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية هذه المثوبة من عند أعظم موجود وأكمل ذات قامت بها أكمل صفات الجمال والجلال كلها على وجه حفظ فيه العموم والإطلاق فلا يتطرق إليه تخصيص أو تقييد بأي وصف نقص فذلك مما تنزه عنه الرب الكامل ، جل وعلا ، فإذا كانت المثوبة في سياق الامتنان ممن هذا وصفه فهي أعظم مثوبة فضلا من الله ، جل وعلا ، فمناطها صفات الجمال وآثارها في هذا الموضع الفضل ، كما أن مثوبة الكفار في المقابل مما تحصل به أعظم نكاية فمناطها صفات الجلال وآثارها في ذلك الموضع العدل أن يجزى الكفار بما عملوا فما ظلمهم الرب ، جل وعلا ، شيئا ، ولكن أنفسهم يظلمون ، وكل أولئك مما يحسن معه إطلاق اسم التفضيل "خير" ، فضلا أنه ، من وجه آخر ، مما يصح معه نزع دلالة التفضيل من الاسم ، إذ لا وجه للمقابلة بين مثوبة من عند الخالق الكامل ، جل وعلا ، وأخرى من عند المخلوق الناقص ، فالتباين بَيْنَهُمَا من الظهور وَالْعِظَمِ بمكان ، إذ مثوبة الخالق ، جل وعلا ، فرع على وصفه ، والكامل لا يثيب إلا بكامل ، ومثوبة المخلوق في المقابل فرع على وصفه ، والناقص لا يثيب إلا بناقص ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يواطئ قياس العقل الصريح فأين الثرى من الثريا ؟! ، فلا وجه للتفضيل من هذا الوجه بل قد يدخله الذم إن حمل على التفضيل ، على وزان :
إِذَا أنتَ فَضَّلتَ امْرَأً ذَا بَرَاعَة ******* عَلى نَاقص كَانَ المديحُ منَ النَّقص .
فالخيرية على هذا الوجه قد تحمل على الخيرية منزوعة الدلالة في باب التفضيل في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) .
ومن ثم ختم بشرط آخر على جهة الإلهاب والتهييج على ما صدرت به الآية من امتثال طريقة الإيمان ومنهاج التقوى في القول والعمل ، في الفعل والكف : (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ، ولا يخلو من دلالة تعريض بهم ، إذ ذلك وصف من يعلم ، فإذ غفلوا فَلَمْ يؤمنوا وَيَتَّقُوا فهم الجاهلون ، وزد عليه ما تقدم من إطناب اللفظ بالكينونة الماضية والمضارعة فهي مئنة من ديمومة الاتصاف بالعلم ودلالة المفهوم ديمومة أخرى في سياق الذم ، وهي ديمومة الاتصاف بالجهل إذ قد غفلوا عما صدرت به الآية ، فاطرد الأمر وانعكس ، منطوقا ومفهوما ، كما اطرد من دلالة الشرط الخبرية ودلالته الإنشائية ، فلا يخلو الشرط في موضع كهذا من دلالة تحضيض على الفعل ، كما أنه لا يخلو من ذلك في مواضع المدح والوعد ، وهو ، في المقابل ، لا يخلو من دلالة تحذير في مواضع الذم والوعيد ، وجواب الشرط قد حذف لما تقدم ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر على تقدير الكلام بـ : لو كانوا يعلمون لعلموا أن المثوبة من عند الله ، جل وعلا ، خير ، ولحملهم ذلك أن يؤمنوا ويتقوا ، فيكون العطف من هذا الوجه : عطف ترادف بين الإيمان والتقوى ، من وجه ، ولا يخلو أن يكون عطف جزء على كل إذ تنصرف التقوى إلى الكف ، والإيمان كُلٌّ فيه الفعل والترك أو الكف إن في الباطن أو في الظاهر ، فيكف عن الشرك وينهج التوحيد ويكف عن فاحش اللفظ إن في العقد أو في الشرع وينهج حسنه من طيب القول توحيدا وتسبيحا وإصلاحا بين الناس ..... إلخ من أجناس الكلم الطيب ، ويكف عن فاحش العمل سواء أكان كفرا ينقض أصل الإيمان ، أم شيئا دونه من الكبائر التي تنقض كمال الإيمان على وجه يعظم فاستحق الوعيد المخصوص ، أو من شيء دونها فهي تنقض كمال الإيمان الواجب أيضا ولكن أمرها أهون من الكبائر ، فكما أن الطاعات درجات فالمعاصي في المقابل دركات ، ولو تدبرت العطف ، من وجه آخر ، لوجدته عطف تغاير ، بالنظر في دلالة التلازم ، فإن التقوى لازم الإيمان ، فالإيمان أمر ينشأ في الباطن وتظهر آثاره في الخارج ومنها التقوى بامتثال المأمور واجتناب المحظور كما تقدم .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ، فَحُدَّ الشرط على جهة الامْتِنَاعِ لامتناع ، فحذف فعل الشرط ، فَلَوْ ثَبَتَ إيمانهم الذي حد على جهة التوكيد بالناسخ إمعانا في تَقْرِيرِ المعنى الذي أَطْنَبَ في لفظه فَعَطَفَ التقوى على الإيمان ، وذلك ، من وجه ، يَجْرِي مجرى عطف الترادف ، فإن الإيمان لو تدبرته لوجدته يعم جميع محال الاختيار الَّتِي يُنَاطُ بِهَا التكليف ، ما بطن وما ظهر ، وكذلك الشأن في التقوى فهي تستغرق جميع محال التكليف ، فثم تقوى العقد أن يوحد القلب ويهجر الشرك والبدعة وسائر ما فسد من المذاهب والأفكار ، وثم تقوى اللسان في النطق والصمت ، فهو يَتَّقِي الفحش والهجر من القول ، وهو ، مع ذلك ، يَنْطِقُ بالحق شِهَادَةً وَذِكْرًا ، فيشهد بالحق في جميع أحواله ، وهو في العمل يَتَّقِي إن في الفعل أو في التَّرْكِ ، فمحال الإيمان تكافئ محال التقوى ، فالإيمان منه باطن وظاهر ، والتقوى كذلك ، والإيمان منه إثبات ونفي ، فلا بد من بَرَاءٍ قَبْلَ الولاء ، فلا بد من الْبَرَاءَةِ من الشرك وأهله ، لحصول مطلق الدين ، مناط النجاة ، ولو مآلا لا ابتداء ، ولا بد من بَرَاءَةٍ أعم من الكفر وأنواعه ، فالشرك أخص من الكفر ، فهو أحد أنواعه ، فلا بد أن يسلم الإنسان من ناقض الإيمان من سائر أجناس الكفر ، فَيَتَّقِي نَوَاقِضَ الإيمان ما ظهر منها وما بطن ولا يكون ذلك إلا بالبراءة من الكفر وأهله ، فكما أن الإسلام يستوجب قبل الإثبات نفيا فذلك معنى "لا إله" ، فيستوجب البراءة من الشرك وأهله ، فكذلك الإيمان فهو يَقْتَضِي الْبَرَاءَةَ من الكفر وأهله ، فَثَمَّ بَرَاءَةٌ في الإسلام وفي الإيمان ، فيبرأ من أسباب الشرك ابتداء من رام تحرير عقد الإسلام ، ويبرأ من أسباب الكفر ابتداء من رام تحرير عقد الإيمان ، وَبِذَا علم القدر الفارق بَيْنَ الإيمان والإسلام ، بالنظر في الضد ، فحد الإيمان بضده أنه عكس الكفر ، وحد الإسلام بضده أنه عكس الشرك ، وذلك يجري مجرى التعريف بالضد ، وهو مما استعمله أهل الحدود والتعاريف في بيان بعض الحقائق إذ بضدها تَتَمَايَزُ الأشياء ، وهو ما ينفع في التَّفْرِيقِ بَيْنَ الحقائق ، فإذا نظرت في ضد الإيمان وهو الكفر وجدته أعم من ضد الإسلام وهو الشرك ، فكل شرك كفر ولا عكس ، فَبَيْنَهُمَا ، من هذا الوجه ، عموم وخصوص مطلق ، وكذلك الشأن في الضدين لهما : الإيمان ضد الكفر ، والإسلام ضد الشرك ، فالإيمان أعم من الإسلام إذ كل إيمان لا بد أن يسبق بإسلام صحيح يقتضي مطلق إيمان بأصل العقد بانقياد الباطن وإقراره ، و*** نطق يشهد وآخر من العمل يصدق أصل الدعوى وإن لم يبلغ بها تمامها فلا يكون ذلك إلا باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فهو يتقي ، إذ التقوى ، كما تقدم ، تكافئ الإيمان ، من وجه ، فَيَتَّقِي كل ما ينقض أصل الإيمان من نواقض العقد والقول والعمل ، وهو ، مع ذلك ، يَتَّقِي ما يخدش حقيقة الإيمان ، فَيُنْقِصُ منه وإن لم يأت على أصله بالإبطال ، فيتقي نواقض الإيمان كلها ، ما ينقض أصل الإيمان ، وما ينقض كماله الواجب ، وإن اقترف ما يقدح في الحقيقة الإيمانية فإنه يُبَادِرُ بِالتَّوْبَةِ والأوبة ، فضلا أنه يعمل من النَّوَافِلِ والزَّوَائِدِ من صالح الأقوال والأعمال ما يجبر كسره ، فإن النوافل متممات الواجبات إن تمهيد لها قبل أدائها أو جبرا لما فات منها بعد أدائها ، والشاهد أن كل إيمان إسلام ولا عكس ، بالنظر في حقيقة الإسلام أنه مطلق إيمان في القلب بتصديق وإقرار ، وشهادة باللسان و*** عمل في الأركان ، وإن لم تستوف آحاده جميعا على وجه لا يأتي على الأصل بالنقض ، وبالنظر في حقيقة الإيمان الكاملة التي تستوجب فعل كل مأمور وَاتِّقَاءَ كل محظور ، فالتقوى على هذا الوجه إذ تَنْصَرِفُ بالنظر في أصل الوضع في اللسان إلى الكف ، التقوى على هذا الوجه شطر الكف في باب الإيمان ، فالإيمان منه فعل لشعب الإيمان ، وَتَرْكٌ لِمَا يَنْقُضُهَا من شعب الكفران سواء أكانت شعب كفر أكبر تنقض أصله ، أم شعب كفر أصغر تنقض كماله الواجب ، فيكون عطف التقوى على الإيمان على هذا الوجه ، من عطف الجزء على الكل ، فالتقوى ، كما تقدم ، تنصرف إلى الترك ، فَيَتَّقِي المكلَّف سوء العذاب ألا يَقْتَرِفَ ما ينقض أصل الإيمان أو كماله الواجب ، والتقوى ، أيضا ، تدخل في حد الإسلام على ذَاتِ الوجه ، فإن الإسلام الأخص لا يسلم من القدح إلا أن يتقي صاحبه أسباب الشرك ، فيتقي أسباب الشرك الأكبر الذي يقدح في أصل الإسلام ، وَيَتَّقِي أسباب الشرك الأصغر الذي يقدح في كمال الإسلام الواجب ، فالإسلام ، من وجه ، منه الإسلام الذي يسبق الإيمان ، ومنه الإسلام الذي يكافئ الإيمان ، فيكون منه الإسلام الواجب ، والإسلام المستحب ، فإسلام واجب بما يأتي صاحبه من الفرائض ، وإسلام مستحب بما يأتي صاحبه من النوافل ، فالتقوى تكافئ هذا الإسلام إذ عم بهذا المعنى جميع محال الاختيار فهو يكافئ الإيمان الذي يحل في الجنان واللسان والأركان جميعا فكذلك الإسلام الأعم إن فارق الإيمان في لفظه فإنه يكافئه في معناه على ما تقرر من دلالة الاقتران والافتراق في اللسان ، فحال افترقا ، وهو محل الشاهد ، اتفقا واقترنا ، فدل كلٌّ على نفسه أصالة وعلى الآخر نيابة ، فهذا الإسلام التام لا يحصل إلا إن اتقى صاحبه كل ما يقدح في الحقيقة الإسلامية سواء أكان القادح قادحا في الأصل أم قادحا في الكمال الواجب ، فيقال هنا ، أيضا ، إما أن الإسلام والتقوى يتكافئان في الحقيقة في الخارج ، فإن محالهما واحدة ، ما بطن من الجنان ، وما ظهر من اللسان والأركان ، وإما أن التقوى شطر الإسلام ، إذ الإسلام ، أيضا ، فعل وكف ، والتقوى ، كما تقدم ، مئنة من وقاية من المحظور فمعنى الترك فيها يظهر فتكون ، كما في الإيمان ، شطر الكف في الحقيقة الإسلامية ، فلا بد من اتقاء المعبودات الباطلة في باب الإسلام واتقاء النواقض الباطنة والظاهرة في باب الإيمان ، لا بد من ذلك قبل الإثبات ، فقبل الإيمان كفر بالطاغوت وهو كل معبود من دون الله ، جل وعلا ، راض بذلك ، وقبل الإسلام براءة من الشرك وأهله ، فبراءة من كل معبود من دون الله ، جل وعلا ، فَمَا دونه من المعبودات الباطنة والظاهرة ، المحسوسة والمعقولة ، ما دونه من تلك المعبودات باطل ظاهر البطلان وإن جادل عنه أولياؤه ما جادلوا فهو من الجدال بالباطل ، لكبر أو حظ نفس ، فإن العقل بهواه والنفس بذوقها ووجدانها يَأْبَيَانِ أن ينقادا لحكم الوحي ، فذلك من الطغيان ومجاوزة الحد على وجه يناقض الحقيقة الإسلامية التي تستوجب كمال الاستسلام والانقياد ، ويناقض في نفس الآن الحقيقة الإيمانية التي تستوجب كمال الطمأنينة بالعقيدة والشريعة فيكون الوحي هو المستمد الأوحد للدين الأقوم ، فأخباره صدق في العقائد ، وأحكامه عدل في الشرائع والسياسات وجميع موارد الترجيح ، فإن كل جائز في هذا الكون يحتمل الضدين ، سواء أكان من أمر الكون فهو يفتقر إلى كلمة التكوين التي بها تكون الكائنات ، والتي بها تخلق الأعيان والأحوال والآيات الكونية ، فَمَرَدُّهَا جميعا إلى الكلمات الكونية النافذة ، فهي ترجح بالإيجاد أو الإعدام ، وكذلك الشأن في أمر الشرع فهو يحتمل الضدين في باب الأخبار الجائزة لا الممتنعة المحالة التي لا يجوز وقوعها في الخارج ولا تصورها في الذهن فغاية أمرها أن تفرض فرض الجدال بالحق إبطالا لحجة المجادل بالباطل واستدراجا له أن يُسَلَّمَ له بمقدمة باطلة ثم يأتي الناظر على نَتِيجَتِهَا بالإبطال ، فأمر الشرع في باب الأخبار يحتمل الضدين ، فلا بد من مرجح من خارج يثبت أو ينفي ، وما كان جائزا محتملا فلا يثبته العقل ولا يَنْفِيهِ إلا بِدَلِيلٍ إِذْ ذَلِكَ بَابُ تَوْقِيفٍ لا تُتَلَقَّى مادته إلا من مشكاة الوحي ، فالعقل ، بَادِيَ الرَّأْيِ ، لا يثبت ولا ينفي ، إلا إجمالا فكل كمال مطلق فالعقل يثبته في الجملة دون أن يخوض في آحاده فيكون مرد أمره في ذلك إلى الوحي ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أمر لا يصح فيه الخوض والجدال بمقياس العقل أو وجدان النفس بمعزل عن الوحي فهو باب توقيف ، والتوقيف ، عموما ، ما كان في الخبر نفيا أو إثباتا ، وما كان في الحكم أمرا أو نهيا ، مما لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، وكذلك الشأن في كل نقص مطلق يستوجب حقيقة لا دعوى ، يستوجب افتقارا يتنزه عنه الرب ، جل وعلا ، دون قياس تمثيل أو شمول على المخلوق يفضي إلى تعطيل صفات كمالٍ لله ، جل وعلا ، بذريعة أن إثباتها على المعنى المشهور المتداول من لسان العرب يفضي إلى نسبة نقص أو افتقار إلى الله ، تبارك وتعالى ، فذلك من سوء الظن بالوحي ، أن يزعم زاعم أن ظاهره يوهم النقص في الخبر أو الجور في الحكم ، فإن ذلك ، لو تدبرت ، مما عمت به البلوى في الأحكام ما عمت به في الأخبار بل وزادت ! ، فظن من ظن أن أحكام التنزيل مئنة من الجور إذ لم توافق هواه أو ذوقه ، فكان جداله بالباطل لينتصر لرأيه أو وجدانه ، إن خالف الوحي ، وإن تلطف فإنه يعمد إلى تأويل الأحكام على وجوه تفضي بصاحبها إلى طرائق في النظر والاستدلال من *** طرائق الباطنية الذين عطلوا الخبر والحكم جميعا ! ، وإن لم يتلطف فجهر بعداوة الوحي لا سيما في أعصار ضعف فيها سلطان الشريعة فاجترأ من اجترأ أن يقدح فيها صراحة إذ أمن العقوبة فأساء الأدب ، فلا سلطان ولا قرآن يَزَعَانِهِ ، فلا تقوى من الله ، جل وعلا ، بالكف عن منابزة الوحي ، ولا تقوى من السلطان الذي يحسم نوازع الشر في الرعية إن في أمور الدين أو الدنيا ، فذلك ما يقتضيه سلطان الولاية السياسية أن يحفظ الدين فتحسم نوازع الشر في تأويل الأخبار أو تعطيل الأحكام أو اقتراف الجنايات التي توجب الحد أو التعزير ، وكذلك الشأن في الأحكام ، فإن كل جور في الجملة يجب نفيه في حق الخالق ، جل وعلا ، وأما آحاده فذلك ما يقع فيه التنازع بين الأهواء إن رد الأمر إلى مرجع العقل من داخل *** يرد إلى مرجع الوحي من خارج ، فهو ، كما تقدم مرارا ، ما يحسم النزاع بين العقول إن في الأخبار أو في الأحكام فوحده الذي يصحح القوة العلمية تصورا ، والقوة العملية حكما فيزكيها ويرشدها ويزيد فيها ما يواطئ أحكام النبوة ، مناط الخير العاجل ، فـ : (لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ، فحد ، أيضا ، على جهة الامتناع وحذف فعل الشرط المقدر بـ : "ثبت" ، وزيد في الدلالة بلام توكيد في الجواب : (لفتحنا) ، فضلا عن إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين المجموع في موضع جمال بفتح البركات ، التي نكرت تعظيما ، وذلك ، أيضا ، مما يحسن في سياق التعظيم للمنة ، وزد عليه العموم الذي دل عليه طباق الإيجاب بين السماء والأرض ، فاستغرق بدلالة عموم اللفظ المحلى بـ : "أل" ، ومن ثم استدرك بالمفهوم ، إذ لم يؤمنوا ، فالمنطوق خير إن آمنوا فذلك الفضل ، والمفهوم شر إن كفروا فذلك العدل ، ودلالة التكذيب هنا تطابق دلالة الإيمان لا على جهة الطباق التام فإن ضد الإيمان هو الكفر ، ومنه كفر التكذيب فذكر فردا من أفراده على جهة النيابة عنه فكان الطباق ناقصا من هذا الوجه ، فأردف بالمفهوم زيادة في تقرير المعنى بالنص عليه بعينه وإن دل عليه الشطر الأول بالاطراد والانعكاس الصريح في العقل ، وحسن في مورد الجلال كما حسن في مورد الجمال أن يسند الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم في موضع عدل ، فالباء مئنة من السبب فما كان ذلك ابتداء ولكن بسببٍ ظاهر صحيح في العقل إذ أنيط به المسبَّب على وجه يواطئ قياس العقل الصريح ، وهذا السبب هو : مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، وهو ما حد على جهة الكينونة الماضية إمعانا في تقرير المعنى بزيادة في المبنى فضلا عن دلالة الديمومة في الاتصاف في لفظ الكينونة ، فعطفت التقوى على الإيمان ، كما في الآية محل الشاهد فإيمان يوجب الطمأنينة والسكينة والرضى بالله ، جل وعلا ، ربا يخلق ، وربا يشرع بما أنزل من الوحي المحكم في الأخبار ومحلها ما بطن من الجنان ، والأحكام ، ومحلها ما ظهر من اللسان والأركان ، فيستغرق بالإيمان جميع محال التكليف ، ولا بد مع ذلك من لازمها من تَقْوَى يُفَارِقُ بِهَا أضداد الوحي من أخبار الكذب وأحكام الجور ، ويفارق ما يعرض من شبهات التأويل التي تفضي إلى التعطيل لخبر الوحي أن يساء به الظن فهو يوهم التشبيه أو التمثيل ، ولحكمه أن يساء به الظن فهو يوهم الجور والظلم في الحكم ، فأحكام النبوة مناط الخير العاجل في هذه الدار ، ومناط الخير الآجل ، وهو الأعظم في القدر والوصف ، فهو خير في الماهية وأبقى فلا يفنى ، فالخيرية في الآية محل الشاهد قد حدت على جهة التفضيل الذي أطلق فعم جميع وجوه الخيرية ، فكما أن خيرية الوحي مطلقة في أخباره فهي الأصدق ، وأحكامه فهي الأعدل ، وإن أساء الظن من أساء ممن خذل فهو يعارض الخبر بتأويل يفضي إلى تكذيب الخبر فيقترح في باب الغيب ما يواطئ قياسه أو ذوقه ، وذلك من الفساد في الاستدلال بمكان عظيم ، جد عظيم ! ، إذ لم يدرك الحقيقة الغيبية بمدارك ا*** الظاهر ليقضي فيها بقياسه أو وجده ، فلا بد قبل الحكم من التصور ، فَإِنْ عجز العقل أن يتصور الحقيقة في الخارج فهي غيب محض لم يكن ثم بد إلا أن يخضع لخبر الوحي وَيَنْقَادَ فهو المستمد الوحيد في باب الغيب إذ العقل غايته أن يجوز فلا يحكم بإثبات أو نفي إلا في الجملة على ما تقدم ، من إثبات الكمال المطلق ونفي النقص ، أي نقص ، وأما في باب التفصيل فلا بد من الرجوع إلى الوحي فهو المرجع من خارج الذي يتجاوز جميع العقول فهو يَزِيدُ عليها درجة ، أية درجة ! ، إذ قد عصم أن صدر من الرب ، جل وعلا ، فتلك من آياته المحكمات التي أَنْزَلَهَا على حملة الرسالات ، عليهم السلام ، فبلغوا اللفظ وبينوا المعنى ونطقوا بالصدق المحض الذي لا يتطرق إليه احتمال الكذب لمكان العصمة الخبرية ، وحكموا بالعدل المحض الذي لا يتطرق إليه احتمال الجور لمكان العصمة الحكمية ، فالوحي أمان في العقد الباطن والشرع الظاهر ، فهو أمان من الكذب والجور ، وبه وحده يحصل مراد كل عاقل من تصحيح قوته العلمية والعملية ، ومن تحصيل أسباب السعادة في الأولى والنجاة في الآخرة ، فالوحي آيات من رب العالمين ، جل وعلا ، فهي من كلماته ، فصدرت عنه صدور الوصف من الموصوف ، والموصوف قد بلغ الكمال المطلق في الذات والوصف فكذلك ما يصدر عنه من الكلمات إن في الكون خلق تقدير وخلق إيجاد وبعدهما منة سابغة ورحمة غامرة لجميع المحال التي أعدها بحكمة بالغة أن تقبل آثار الأسباب المعقولة ، فمحلها الجنان ، والأسباب المحسوسة فمحلها الأركان ، فَثَمَّ منة باطنة وهي الأعظم ، وأخرى ظاهرة ، فمنة الباطن منة الأديان بما كان من محكم الوحي النازل ، ومنة الظاهر منة الأبدان بما كان من بهيج الزرع النابت ، فكان رزق الدين نازلا ، وكان رزق البدن خارجا ، وكلاهما مما عظم شأنه ، وكلاهما مما يصدر من كلمات الرَّبِّ ، جل وعلا ، فَتَصْدُر ُالكائنات من الكلمات الكونيات ، تقديرا وإيجادا وإعدادا بما تقدم من حكمة بها يعد كل محل أن يقبل الأسباب التي تلائمه ، فإما أن تصلحه ، وذلك الفضل ، وإما أن تفسده ، وذلك العدل فثم محال فاسدة تقضي الحكمة ألا تمد بأسباب الصلاح فذلك من نقص الحكمة الذي تنزه عنه رب العزة ، جل وعلا ، فالحكمة تقضي في هذا الباب بالطرد والعكس ، فيوضع السبب ال**لِح في المحل الصالح ، ويوضع السبب المفسِد في المحل الفاسد ، فاطرد القياس وانعكس ، والمحل في الحالين دائر بين الفضل والعدل فما ظلمه الرب ، جل وعلا ، الذي تنزه عن الظلم إن في كلمات التكوين فقضاؤه العدل ، أو في كلمات التشريع فقضاؤه فيها ، أيضا ، العدل ، فالقضاء *** أعم تنقسم موارده في الخارج فثم قضاء التكوين بكلمات الإيجاد والإعدام والمنع والعطاء ...... إلخ ، فهو يكون بكلمات يصح ، من وجه ، أن تدخل في عموم الآيات الربانية ، فمنها الآيات الكونية الحادثة ، فنسبتها إلى الله ، جل وعلا ، لا تكون نسبة وصف إلى موصوف كما هي الحال في الآيات الشرعية ، وإنما نسبتها إلى الله ، جل وعلا ، تكون نسبة محدَثٍ إلى محدِثٍ ، وإن صح من وجه دقيق أن تنسب إلى الرب الخالق ، جل وعلا ، بالنظر في مبادئها فإنها ما كانت إلا بكلمة تكوين خاصة تندرج في *** أعم وهو الكلم الكوني النافذ ، وهو ، أيضا ، يندرج في *** يعلوه ، وهو *** الكلام المطلق ، وهو من وصف ربنا المهيمن ، تبارك وتعالى ، فمنشأ الكائن أنه من كلمة تكوين ، وهي مما تصح نسبته إلى الرب ، جل وعلا ، نسبة وصف إلى موصوف إذ الكلام ، كما تقدم ، من وصفه ، جل وعلا ، بالنظر في نوعه القديم ، وآحاده المحدثة إن في الكون أو في الشرع ، هي عند التدبر والنظر ، آحاد تندرج في ال*** الأعم ، الذي قَدُم َبالنظر في أصله فيدخل من هذا الوجه في حد اسمه ، جل وعلا ، الأول ، فهو الأول بالذات والوصف ، وأولية الوصف منها أولية الصفات الذاتية التى لا تنفك تتصف بها الذات القدسية فلا تفارقها أبدا فلا تناط بالمشيئة من هذا الوجه إذ المشيئة تقضي بالحدوث سواء أكان حدوث المحدَثات المخلوقات أم حدوث المحدِثات المكوِّنات من كلمات التكوين النافذات فهي مما يحدث شيئا فشيئا كلما أراد الرب ، جل وعلا ، أن يقضي أمرا ، فتلك دلالة الشرط في قوله تعالى : (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) ، ودلالة "إذا" من وجه مئنة من الاستقبال فذلك من الوصف الذي تتكرر آحاده بالنظر في المستقبل ، وهو ، من وجه آخر ، مما يتصف به الرب ، جل وعلا ، أبدا في الاستقبال في هذه الدار وما وراءها من دور فذلك مما يدخل في حد اسمه الآخر فهو الآخر بذاته ووصفه على حد الكمال المطلق ، فمن الأولية : أولية الصفات الذاتية التي لا يتصور أن تناط بالمشيئة فيتصف بها الرب ، جل وعلا ، تارة دون أخرى ! ، كصفة الحياة ، على سبيل المثال ، فالله ، جل وعلا ، حي قولا واحدا دون تقييد بالمشيئة فذلك مما لا يتصور فلا يقال حي إذا شاء ، فإن المفهوم من هذا المنطوق الفاسد أنه : ميت إذا شاء ! ، فيتصف بضد الحياة إذا شاء ، أو يتصف بالحياة إذا شاء ولا يتصف بها إذا لم يشأ ، وطرد هذا القول يقضي بلازمه من اتصافه بضد الحياة ، وسلب الحياة يكافئ الموت ! ، وذلك من النقص المطلق الذي لا يتصور أن يتصف به الرب ، جل وعلا ، وإن جاز في سياق الفرض تَنَزُّلًا في الجدال ، إذ موت الإله يستوجب فساد الكون واضطرابه فلا حاكم ولا مدبر ! ، فذلك نظر صحيح في المقدمة ، وإذ انتفت هذه المقدمة *** يفسد الكون بل هو جار على سنن محكم لا يتبدل إلا في أحوال نادرة مئنة من عموم القدرة ونفاذ الأمر إعجازا في مواضع كما في خلق آدم وخلق حواء وخلق المسيح ، عليهم السلام جميعا ، وكما في جملة من الكائنات تجري مجرى الآيات فهي تدخل ، أيضا ، في آيات الله ، جل وعلا ، الكونية ، وهي من الآيات الآفاقية إذ خرجت عن حد النفس فليست من الآيات النفسانية فإنها مما يجري في الغالب مجرى العادة في إحكام الخلق وجريان أمره على سنن محكم في وظائف الحياة ، وذلك محل إعجاز بالنظر في الدقة وبالنظر في جملة منها أخبرت عنها الشرعة ولما يكشف أمرها بَعْدُ بالنظر في زمن التنزيل فَكُشِفَ بعد ذلك بما بلغ الإنسان من وسائل البحث والتجريب ، ولكنه في المقابل ليس محل إعجاز بالنظر أنه مما يخرج عن العادة فلا يخرج عن سنن الرب ، جل وعلا ، المحكم في خلق الأبدان وإعدادا محالها أن تقبل آثار الأسباب ، وإمدادها بهذه الأسباب ، وجريان هذه الأسباب على ما تقدم من سنن محكم في التغذي والهضم والتمثيل ، هدما أو بناء ، فذلك أمر ينشعب فيه المقال فلا يكاد يحصى من عظم الخلق ودقته ، ومحله علم وظائف الأعضاء أن يَنْظُرَ الباحث في سنن كل عضو في خلقه وفي عمله ، وكيف واطأ الخلقُ العملَ فجاء كل عضو على وجه يلائم وظيفته ، فتلك حكمة أولى ، وكيف ينتفع بالأسباب من الغذاء ونحوه ، فيكون تمثيله لها على وجه ينتفع به سائر البدن هضما للطعام وإنتاجا للطاقة وطردا للفضلة الزائدة مهضومة أو غير مهضومة ، فتلك حكمة ثانية ، فإذ انتفت المقدمة *** يفسد الكون إذ يجري على ما تقدم من السنن المحكم ، فذلك يقضي بامتناع الموت في حق الرب ، جل وعلا ، فلو سها أو أخذته سنة أو نوم لفسد الكون واختل نظامه فكيف لو جاز في حقه الموت إِذًا لفسد الكون من باب أولى ، فالنفي في الآية : (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ) ، يدل على انتفاء الموت من باب أولى فذلك من قياس الأولى الصريح ، إذ انتفى الأدنى فوجب انتفاء الأعلى ، فَلَهُ ، جل وعلا ، الحياة الكاملة أزلا وأبدا ، فصدر بالإثبات : إثبات الحياة وهي أصل صفات الذات والقيومية وهي أصل صفات الأفعال ، ثم احترز بنفي السِّنَةِ والنوم وما يستوجبه ذلك من باب أولى من نفي الموت ، فلا يصح من هذا الوجه أن تناط الحياة بالمشيئة إذ تلازم الذات القدسية ولا تفارقها ، فضلا أن الموت نقص مطلق ، فكما أن الحياة أصل كل كمال ، فكذلك الموت إذ يلزم منه النقص من غيبوبة الميت فلا يشهد ولا يعلم ، وفنائه وتحلله ..... إلخ مما يقطع بانتفائه في حق الرب ، جل وعلا ، الذي يعلم أزلا ويشهد خلقه فهو يتعاهدهم بكلمات التدبير والتشريع فعمهم ، كما تقدم ، بمنة الإيجاد والإعداد والإمداد ، بكلمات التكوين ، وعمهم بمنة الفصل بَيْنَهُم إن تَنَازَعُوا في الخبر أو الحكم بما يصحح مداركهم العلمية التصورية ، ويصحح نتائجهم العملية الحكمية فهي فرع على ما يدركون ابتداء ، إذ الحكم ، كما تقدم مرارا ، فرع على التصور والإدراك ، فعمهم بمنة الكون والشرع جميعا بما يصلح الحال والمآل جميعا ، فالأولية ، من هذا الوجه ، تستغرق أولية الذات ، وأولية ما يقوم بها من الصفات الذاتية سواء أكانت معنوية أم خبرية ، ومنها ، في المقابل ، أولية في الصفات الفعلية التي تناط بالمشيئة ، والتي يحدث ، جل وعلا ، من آحادها ما شاء كيف شاء متى شاء ، فهذه الأولية إنما تكون بالنظر في النوع ، فإن آحاده تحدث وَتَتَجَدَّدُ إذا شاء ، جل وعلا ، ذلك ، فتأويلها كلمات كونية تَتَعَدَّدُ بالنظر في أنواعها فكلم إيجاد وكلم إعدام ، وكلم إعطاء وكلم منع ..... إلخ ، وبالنظر في آحادها ، فثم كلم خلق لعين فلان ثم عين فلان ... إلخ من الأشياء سواء أكانت حية متحركة أم ميتة جامدة ، ومن الأحياء ، سواء أعقلت أم عجمت ، فهذه الكلمات مما يحدث ، جل وعلا ، منه ما شاء إذا شاء كيف شاء وإن اتصف بأنواعها أزلا وأبدا فهي من هذا الوجه تدخل في دلالة اسمه الأول والآخر ، وكذلك الشأن في كلمات الشرع ، فالرب ، جل وعلا ، يحدث منها ابتداء أو نسخا ما يشاء على وجه تحصل به الحكمة وتعظم به المنة بإكمال الشرعة ، فهي ، من هذا الوجه ، تدخل في عموم المنة في قول ذي الجبروت والعزة تبارك وتعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) ، وبهذه الكلمات الشرعية يكون ما تقدم من شرط المثوبة التي اتصفت بالخيرية المطلقة في آية البقرة ، فضلا عن الديمومة والبقاء الذي ورد في نصوص أخرى على جهة الإطلاق ، أيضا ، فـ : (مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، فهو من النعيم الدائم الذي لا يفنى فآحاده لما تَزَلْ تَتَجَدَّدُ فإن انتفع بها أهل الجنان أكلا أو شربا .... إلخ ، فالآحاد من هذا الوجه تفنى ولكن الأنواع باقية لما تَزَلْ ، فهي كالأجناس العامة التي تندرج تحتها أفراد ، فيحدث ، جل وعلا ، من آحادها شيئا فشيئا ، فكلما تمتع أهل الجنة بآحاد منها أحدث ، جل وعلا ، منها آحادا أخرى ، فالتسلسل في المفعولات في الأزل واجب إذ دار النعيم ودار العذاب جميعا دور خلد لا تفنى ، فيحدث ، جل وعلا ، من آحادها ما يحصل به التسلسل الواجب في المفعولات وهي ، من وجه آخر ، مما يحصل به الثناء على رب البريات ، جل وعلا ، فهي آثار أوصاف الجمال في دار النعيم ، وآثار أوصاف الجلال في دار العذاب ، فالمثوبة اسم *** يستغرق مثوبة الخير فضلا ، أو مثوبة الشر عدلا ، فهو **در ميمي يدل على مطلق الحقيقة في الذهن ، وهي ، كما تقدم ، مما تنقسم موارده في الخارج فمنها مثوبة الخير ومنها ضدها ، فيجري فيها الاشتراك من هذا الوجه ، على وجه بلغ من الإجمال ما بلغ كما قرر أهل الشأن في باب المشترك فإن من أشد أنواعه إجمالا وافتقارا إلى البيان ما كان من الأضداد إذ يحتملُ اللفظُ الواحد المعنى وضده جميعا ، فلا يحسم النزاع في هذا المورد إلا قرينة من السياق تشهد ، فقرينة السياق في آية المطففين : (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) ، وهو من استفهام التقرير الذي تعظم به النكاية فضلا عما يدل عليه من معنى العدالة فما ظلمهم الرب ، جل وعلا ، شيئا ، ولكن أنفسهم يظلمون ، فدلالة "هل" على هذا الوجه تضاهي دلالة "قد" التي تفيد التحقيق إذا دخلت على الماضي ، فتقدير الكلام على هذا التأويل : قد ثوب الكفار ما كانوا يفعلون ، وذلك بالنظر في زمن الكلام ولما يأت بعد ، وإنما حد على جهة الماضوية إمعانا في الإثبات والتقرير فهو أمر كائن لا محالة على وجه صح معه الإخبار عنه بالماضي مئنة من تحقق الوقوع فكأنه قد وقع وانتهى ، كما في قوله تعالى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فهذا ، عند التدبر والنظر ، تحقق وقوع من *** تحقق الوقوع باستعمال "إذا" في الشرط ، فتحقق الوقوع *** أعم تندرج تحته آحاد منها ما تقدم ، كما أن امتناع الوقوع *** أعم تندرج تحته آحاد كتعليق الأمر على جهة الشرطية باستعمال ما يدل على الندرة ، كما في قوله تعالى : (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ، فذلك ، كما تقدم ، من الْمُحَالِ لذاته إذ يستلزم إثبات النقص للرب الكامل ، جل وعلا ، إذ لا ينفك الوالد يفتقر إلى الولد فهو الذي يُبْقِي ذكره وَيَرِثُ عَرَضَهُ ، والرب الكامل ، جل وعلا ، غني الغنى المطلق ، فلا يَفْتَقِرُ إلى ولد أو إلى أي سبب من خارج ، وقد يكون امتناع الوقوع ، من وجه آخر ، بتعليق الأمر على محال ، كما في هذا الموضع ، أيضا ، فقد علق الجزاء : (فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) ، وذلك شرك لو عبد الولد ، وهو مما ينتفي بداهة في حق الأنبياء ، عليهم السلام ، لمكان العصمة ، فامتنع وقوعه إذ هو من المحال أن علق على شرط محال ، فتعليق الشيء على محال مئنة أنه من المحال في نفس الأمر ، كما أن تعليق الأمر على ممكن مئنة أنه ممكن ، وقل مثله في الواجب فتعليق الأمر على واجب مئنة أنه واجب فاستوفت القسمة أجزاءها في باب الجائز والممتنع في العقليات على وجه يظهر فيه التلاؤم بين النقل الصحيح والعقل الصريح في سائر موارد التنزيل من أمور التصديق في الخبريات وأمور التحكيم في الشرعيات ، فقرينة ورود اللفظ في سياق ذم ونكاية بالكافرين مئنة أن المثوبة في الآية مئنة من الجزاء بالشر على ما اقترفوا من الذنب ، فثم باء مقدرة ، على تأويل السياق ، والله أعلم ، بـ : هل ثوب الكفار بما كانوا يعملون ، والتنزيل يشهد بهذا التقدير في مواضع ، كما في قوله تعالى : (أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ) ، فظهرت باء السببية في موضع الحبس بما كسبوا والعذاب بما كفروا ، وذلك ، من وجه ، يجري مجرى تفسير التنزيل بالتنزيل وتقدير المحذوف على المذكور في كلام الوحي المنزل فهو أولى ما يقدر به الكلام حال الحذف ، فالمذكور في سياق يدل على المحذوف في آخر ، فدلالة الباء المقدرة دلالة السببية ، فذلك العدل ، فضلا عن دلالة إطناب بالموصول : "ما" والكينونة الماضية فهي مئنة من ديمومة الاتصاف بعمل السوء وذلك ما يحسن أن تعظم به النكاية فهو آكد في تقرير المعنى من قولك في غير التنزيل المحكم : هل ثوب الكفار بِفِعْلِهِم ؟ ، فالزيادة في المبنى مئنة من زيادة في المعنى تضاهيها كما قرر أهل الأصول والنظر ، وأما قرينة السياق في آية البقرة ، محل الشاهد ، فهي تشهد أن المثوبة هي مثوبة الفضل بالثواب لا العدل بالعقاب كما في آية المطففين ، وقد زيد في اللفظ لام دخلت على جواب الشرط : "لمثوبة" فهي مئنة من توكيد زائد به يكون تقرير المعنى ، وتنكير المثوبة ، من وجه آخر ، مئنة من التعظيم ، وهو مما يزيد ، أيضا ، في تقرير المعنى ، وزد عليه الوصف بالظرف : (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ، فإن شرف المثوبة من شرف من تصدر عنه ، فدلالة "من" : دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء غاية هذه المثوبة من عند أعظم موجود وأكمل ذات قامت بها أكمل صفات الجمال والجلال كلها على وجه حفظ فيه العموم والإطلاق فلا يتطرق إليه تخصيص أو تقييد بأي وصف نقص فذلك مما تنزه عنه الرب الكامل ، جل وعلا ، فإذا كانت المثوبة في سياق الامتنان ممن هذا وصفه فهي أعظم مثوبة فضلا من الله ، جل وعلا ، فمناطها صفات الجمال وآثارها في هذا الموضع الفضل ، كما أن مثوبة الكفار في المقابل مما تحصل به أعظم نكاية فمناطها صفات الجلال وآثارها في ذلك الموضع العدل أن يجزى الكفار بما عملوا فما ظلمهم الرب ، جل وعلا ، شيئا ، ولكن أنفسهم يظلمون ، وكل أولئك مما يحسن معه إطلاق اسم التفضيل "خير" ، فضلا أنه ، من وجه آخر ، مما يصح معه نزع دلالة التفضيل من الاسم ، إذ لا وجه للمقابلة بين مثوبة من عند الخالق الكامل ، جل وعلا ، وأخرى من عند المخلوق الناقص ، فالتباين بَيْنَهُمَا من الظهور وَالْعِظَمِ بمكان ، إذ مثوبة الخالق ، جل وعلا ، فرع على وصفه ، والكامل لا يثيب إلا بكامل ، ومثوبة المخلوق في المقابل فرع على وصفه ، والناقص لا يثيب إلا بناقص ، فاطرد الحكم وانعكس على وجه يواطئ قياس العقل الصريح فأين الثرى من الثريا ؟! ، فلا وجه للتفضيل من هذا الوجه بل قد يدخله الذم إن حمل على التفضيل ، على وزان :
إِذَا أنتَ فَضَّلتَ امْرَأً ذَا بَرَاعَة ******* عَلى نَاقص كَانَ المديحُ منَ النَّقص .
فالخيرية على هذا الوجه قد تحمل على الخيرية منزوعة الدلالة في باب التفضيل في قول الرب الحميد المجيد تبارك وتعالى : (آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) .
ومن ثم ختم بشرط آخر على جهة الإلهاب والتهييج على ما صدرت به الآية من امتثال طريقة الإيمان ومنهاج التقوى في القول والعمل ، في الفعل والكف : (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ، ولا يخلو من دلالة تعريض بهم ، إذ ذلك وصف من يعلم ، فإذ غفلوا فَلَمْ يؤمنوا وَيَتَّقُوا فهم الجاهلون ، وزد عليه ما تقدم من إطناب اللفظ بالكينونة الماضية والمضارعة فهي مئنة من ديمومة الاتصاف بالعلم ودلالة المفهوم ديمومة أخرى في سياق الذم ، وهي ديمومة الاتصاف بالجهل إذ قد غفلوا عما صدرت به الآية ، فاطرد الأمر وانعكس ، منطوقا ومفهوما ، كما اطرد من دلالة الشرط الخبرية ودلالته الإنشائية ، فلا يخلو الشرط في موضع كهذا من دلالة تحضيض على الفعل ، كما أنه لا يخلو من ذلك في مواضع المدح والوعد ، وهو ، في المقابل ، لا يخلو من دلالة تحذير في مواضع الذم والوعيد ، وجواب الشرط قد حذف لما تقدم ، فدل المذكور المتقدم على المحذوف المتأخر على تقدير الكلام بـ : لو كانوا يعلمون لعلموا أن المثوبة من عند الله ، جل وعلا ، خير ، ولحملهم ذلك أن يؤمنوا ويتقوا ، فيكون العطف من هذا الوجه : عطف ترادف بين الإيمان والتقوى ، من وجه ، ولا يخلو أن يكون عطف جزء على كل إذ تنصرف التقوى إلى الكف ، والإيمان كُلٌّ فيه الفعل والترك أو الكف إن في الباطن أو في الظاهر ، فيكف عن الشرك وينهج التوحيد ويكف عن فاحش اللفظ إن في العقد أو في الشرع وينهج حسنه من طيب القول توحيدا وتسبيحا وإصلاحا بين الناس ..... إلخ من أجناس الكلم الطيب ، ويكف عن فاحش العمل سواء أكان كفرا ينقض أصل الإيمان ، أم شيئا دونه من الكبائر التي تنقض كمال الإيمان على وجه يعظم فاستحق الوعيد المخصوص ، أو من شيء دونها فهي تنقض كمال الإيمان الواجب أيضا ولكن أمرها أهون من الكبائر ، فكما أن الطاعات درجات فالمعاصي في المقابل دركات ، ولو تدبرت العطف ، من وجه آخر ، لوجدته عطف تغاير ، بالنظر في دلالة التلازم ، فإن التقوى لازم الإيمان ، فالإيمان أمر ينشأ في الباطن وتظهر آثاره في الخارج ومنها التقوى بامتثال المأمور واجتناب المحظور كما تقدم .
والله أعلى وأعلم .