المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أحجية حية .....بقلمي


rss
04-09-2016, 03:51 PM
أحجية حية .....بقلمي
"العير مقبلة و عين أبرهة أراها مشتعلة من الحقد"
عنوان في محله، أثار رغبتي في معرفة أعداء ملتي سابقا
بجد، بجد ،مسرحية رائعة
رأيت فيها ترف الانتاج ،و سلاسة الإخراج ،و متعة الأفواج المتفرجة
من روائع الفن أن نقطن في الموشحات، أو نحتجب في الأدوار، أو نستسلم للمزمار ،أو نهيم في حب النثر و الأشعار
ألف قبلة لجبلة المواضيع الغابرة، أتعلم لماذا لا أنتقدك يا غالي؟
لأنك مثال في التفقه ،تلميذ شره يحب، نشر الطيب ،و يكره أن يكون عصبا مريب
أنظر يا تلميذي، و تأمل في تعبيري ،هل ترى فيه شق؟ هل تلاحظ عليه مسيرة عرق؟
ربما كان العرق وارد بشدة في نصوص الوحدة، لكن دون ذالك أعتبره مهالك ،وجب عليها الرق
ساهمت في التعليل في أكثر من لقاء أدبي
لكن سرعان ما يعتبرني المشاهد غاوي مَشاهد و يعنفني أكثر من بقية القوم
في يوم اقترحت عليّ دار نشر ،أن أذبح بقرة ،و أوزعها على الناس، حتى يسقط عنها نحس الإفلاس، لكني لا أملك بقرة ،و لو ملكتها لجعلتها سفرة الفقراء
فأنا لا أروي ما يسعد الأهواء، و إن رويت، أروي ما اشتهيت
أو ما يمليه علي ضميري وعرفي الأخلاقي
يريدون مني، أن أنحني للقرين، انحنائي لثلة الثيبين
أمور مزرية، تشبه احجية ،كانت ترويها لي الجدة في الصِّبى
تقول الجدة أن غولة اعترضت طريق زوجين مسافرين، و كانت على غير الصورة المرعبة التي تظهر عليها عادة، و هي في خلوتها ،أو وسط بني ***ها
أوهمت الغولة الزوجين ،أنها عجوز في الغابرين ،تعيش وحيدة في بيتها المنعزل
و أنها لن تجد مانعا في استضافتهما لفترة محددة
قبل الزوجين الفقيرين بالعرض و اتجها نحو بيت المضيفة ،علهما يجدان المقامة النظيفة والأكلة الحفيفة التي تعيد الصحة لجرحى الروح و البدن
أولمت العجوز للزوجين، و كان لحم ضأن مما يشتهيه السن و الضرس
لكن الطعام كان مسموما فراح الرجل يهيم في غيبوبة، بينما ضلت المرأة
تعاني من مغص ،تلاه مخاض ،أجبر المرأة على الولادة ،و من ثم الشهادة
التي كتبت لها على يد عجوز ملحدة، أو ماردة كما نقول بلغة المعقول
رزقت المرأة بتوءم ذكر، لكنها كانت في طريقها إلى الآخرة و لم تسمع
لهما إلا صرخات مختصرة
شبّ الصبيّان في بيت العجوز، و ظنا ظن اليقين، أنها ام الوالد الموقر
و ضلت لعبة الأقدار ،تعاصر سلم الأعذار، بوثب ما بعده وثب
بحيث سعت إلى تفريق الذكرين المتشابهين جسديا ،تفريقا معنويا ،فأتى أحدهما
راعيا واعي و جاء الآخر، راعيا أرعن متفنن في الغباوة
و عن طريق الصدفة، أدرك الشابين أن العجوز تملك صورة باطنية، لا تظهر للبيان ،إلا في الظلام الدامس، عندما تنام البرية و تتبعها أنفس البشرية، و أنها تشرب الدماء ،و تأكل الأفاعي، و تمتص العظام ،كلما وجدت نفسها في خلوة المقام
لكن لا سبيل للهروب من الغولة لأنها تطير بفعل السحر، و حاسة الشم لديها تفوق كل احتمال
و كالعادة كانت رحلتهم نحو الأراضي الخصبة، زاهرة ومزدهرة ،ما دام قطيع الغنم لا يعود إلى حجر العجوز، إلا ممتلئ البطن ،و وفير اللبن
و ضلت رحلة الرعي بالنسبة لهما، قسمة ذات منظومة عضلية ،يوما لي و يوما لأخي
و في أحد الأيام سقط الدور على صاحب الغباء عثمان، فقبع عامر الذكي في بيت العجوز بينما غادر شقيقه لينهال على الخيال ، تماما كما فعل دون كيشوت، مع الأشباح أو طواحين الرياح
و بينما هو مضطجع أمام كوكبة نعاجه الصافية الصوف و المتخمة البطن ،إذ ا به يدهق عبارات السخط ، و يزرف من مكانه زرف المحبط ، كأنه خرج لتوه من حلم فضيع
و بدى له الصراخ كحيلة عادلة يسقط بها تواطؤ الغنم
و ضل يركض و يركض وراءهم ،محاولا فقر بطن سيدهم قبل ضعيفهم و في ذروة الغضب كان يردد قائلا
أنتم أغبى من البقرة ،انتم بلا عقل يا كفرة ، سرقتم حبيبات الذرى المتواجدة في فمي،
سأنهي شراهتكم بعصاي هذه، و لن يجد لكم أحدا ركزا في هذا المكان

ذروة الغباء جعلته ينهال على الغنم ضربا بالعصا ، حتى أرداهم قتلى ،و لم يبقي فيهم إلا مترفيهم ،ذوي الاجسام الغليظة، الذين استحال عليه بقرهم ،بما لديه من عود ثاقب
و لم يدرك و لو لدقيقة واحدة أنه من ابتلع حبات الذرى، و هو مضطجع وسط العشب المرتفع، لكنه كان غبي بمعنى الكلمة ، و لا يدرك أن الغنم بطيئة الهضم
تأكل بانتظام تام ،و حين تنتهي من الدرس، يضل فمها يمتص، ما تبقى بين شق الضرس
لم يصدق عامر ما رآه بعد ولوجه المرعى، و حين سأل عن السبب
رد الغبي رد العجب ،و ما قاله عجّل في ال**يبة ،و فتح الأبواب للرهبة و العتبى
و بما أن العجوز تعاني من ضعف النظر، فكان من الواجب ،أن تنتظر شروق الشمس ،لتجز كباشها ،و تعد خرفانها ،و تحلب نعاجها
تعاقد الأخوين على الفرار ، قبل أن تتسع رقعة تورطهما ،و يفضح الصبح أمرهما
و على مائدة العشاء رفض عامر، أن يثقل بطنه بالك***ي ،و ارتئ أن يدفع بالملاعق المحشوة طعام تحت الحصير الذي يتربع عليه ، برأيه السفر يتطلب القوة ،و الخفة، و الأكل الثقيل لا يزيد الركض، إلا علة و قلة
و بينما ضل عامر في أرق مستديم كان عثمان يلهف وراء الطعام الزاخر بالمرق، و لا يمنح أخاه أي اهتمام ، رغم أنه كان يشير إليه بأنامل يديه ،آملا في إقناعه بالكف عن الرشف المستمر
وحين خلص من دفن الأكل تحت الحصير، راح عامر يكرر سؤاله المعتاد للجدة المستلقية على سريرها، لعله ينال ما يطمح إليه في عجال
هل نمتِ يا جدة؟ هل نمتِ يا جدة؟
و ضلت هي تكرر الجواب باستعذاب تام ، لأنها تحب أن تكون موقع اهتمام
الشخص الذي يخشى العنصر المرهب
لا أبدا، تعلم أني لا أنام إلا حين تُقبر الأقدام ،و ينتهي الكلام، و تسيح الأحلام
عندما تعوي الذئاب، و يصعد نقيق الضفادع ، و يتجلى السَّحَر بنور القمر
و حين يخر الاعتصام ينتهي الامر بالجدة داخل نفق من الظلام فتكتم انفاسها و تزج بروحها داخل عالم من الاوهام يعرف بصرح المنام او برزخ الارواح السائحة
يخرج الشقيقان من البيت محمليّن بمؤنة قليلة، نظرا لضيق الوقت ، و تماطل الأخ الغبي الذي كان يأبى النهوض من فراشه الدافيء
في الظلام الدامس، يطلب عامر من أخيه أن يسحب الباب وراءه ،و قد كانت كلمة تشبه المجاز، القصد منها غلق الباب، أو دفعها للانتصاب، غير أن عثمان، اقتلع الباب ، و وضعه على ظهره، و كانت تلك علامة من علامات ضعفه العقلي
و ضل يسير بخطى متثاقلة و وهنة، إلى أن صاح فيه عامر، و قال
لما هذا التماطل يا أخي ؟ العجوز ستلحق بنا، و ستنكل بأجسادنا ،قبل أن تبتلع أجسادنا دفعة واحدة
و سارا على ذالك الوضع، إلى أن بزغ نور الفجر، ليكتشف عامر أن شقيقه الغبي كان سبب ضياعه و انحصاره في صحن الغولة، بما أن صراخها كان يرج المكان، و ينبئ بهوان ليس له مثيل
و تسلق عامر أعلى شجرة لينجو بنفسه
بينما راح الغبي عثمان يعانق الغولة و يقول
عفوا جدتي لقد فعلها بي أخي ،هو من قال أنكِ تأكلين الرجال و النساء و الأطفال، و تعبثين بال**ير
و تركت الغولة عثمان و لم تأكله في الأوان ، لأنه أبدى لها الامتنان و الخضوع
بينما سجرت الشجرة التي احتمى بها عامر، جزاء ما اقترفته يديّه و صاغه عقله المتمرد على العبودية
عجبا عجب أحجية تشبه قصة الروم و العرب، ترى من بلغها للجدة ،و من كان راء هذه الحكمة الجادة
آه يا تلميذي قلبي يعشق العودة إلى الماضي، و لا تقل أنه كان زمانا افتراضي
صحيح كان أجدادنا فقراء، لكنهم كانوا نوابغ الرخاء الأدبي ،و ضلت وثائق التحذير تسري في أفواههم إلى زمن بعيد، رغم الذل و التعبيد ،الذي كان يحاصرهم من كل مكان و في كل زمان
أديبنا هو من مات و أصبحت عظامه رفات ، و ليس من كتب هذه الأحجيات الثمينة
لأنه إنسان انتهج سبيل النبوءة، و أثراها على لسان العباد
و أين نجد مثل هكذا مُنَجِّد ؟ و أين نجد مثل هكذا مداد ؟