المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من آية : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ)


rss
03-30-2016, 07:40 AM
من آية : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ)
مما تقرر في نصوص الرسالة الخاتمة أنه لا يتلقى حد في الشرع ، لعقد صحيح أو حكم صريح إلا بالنظر في الوحي ، فهو معدن العصمة ، وهذا الوحي مادة في القول والعمل والتقرير ، وذلك ما جاءت به السنة بمفهومها التشريعي الأعم ، فضلا أنها تدل على جملة من الآداب في باب المباحات على وجه يكمل به الهدي ويحصل به الأجر في الاقتداء ، وإن لم يكن ثَمَّ مَعْنًى مخصوص في المباح تَصِحُّ إناطة التكليف به ، إلا ما كان من استيفاء لقسمة العقل ، وما كان من اعتقاد أنه مباح فلا يكون غلو في تحريم ما أحل الله ، جل وعلا ، من الطيبات ، فالسنة تدل على هدي كامل من القول والعمل والإقرار ، فيحصل بامتثال أمرها من الخير ما يعم الدارين ، فَثَمَّ سنة الشرع ، وَثَمَّ سنة العادة ، وسنة الشرع منها سنة الهدي التي داوم عليها النبي المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ومنها سنة النفل الزائد ، وسنة العادة مِمَّا تحصل فيه الأسوة ، فالاقتداء في المباح يحصل به الثواب لا على جهة التعبد ، كما تقدم ، وإنما يكون الثواب بما يحصل من محبة لمن يُقْتَدَى به ، وذلك عمل باطن ، وهو ، من وجه آخر ، من أَوْثَقِ عرى الدين ، إذ يحمل المحِبَّ على تقليد الم**** ، وذلك ما يشبع في النَّفْسِ غَرِيزَةَ التَّقْلِيدِ ، فَهِيَ مِمَّا رُكِزَ في الجبلة ، فيثاب أن اقتدى بأهل الحق ، فذلك مئنة من حبهم ، وحب الصالحين عبادة إذ ما أحبهم إلا لِمَا هم عليه من الحق ، فحبه ، عند التدبر والنظر ، يَنْصَرِفُ إلى الحق ، وذلك عمل صالح يصح التوسل والاستشفاع به إلى الرب ، جل وعلا ، وحب الحق حركة صحيحة في الباطن لا تنفك آثارها تظهر في الخارج امتثالا لأمره وَنُصْرَةً لأهله ومعاداة لخصومه ، فَيَجْرِي على سنن القياس الصريح إذ حب الشيء يستوجب بغض ضده ، وحب الشيء يستوجب ، من وجه آخر ، امتثاله إن كان تكليفا ، ويستوجب حب أهله ، وموالاتهم ، فمن أحب طَرِيقَةً في الفكر أو السياسة أو الحرب ، رغب أن يَقْتَدِيَ بِأَهْلِهَا ولو في سمتهم الظاهر ، فتجد أصحاب السمت الواحد يَتَنَاصَرُونَ ما لا يَتَنَاصَرُ غيرهم فَمَيْلُ بعضهم إلى بعض أمر ظاهر ، فتكون الموالاة ، وقل مثله في ضده ، فبغض الشيء ، لا سيما إن كان منشأ الأمر دِينًا ، فهو يبغض الباطل ويبغض أهله ، فذلك ، أيضا ، قياس صحيح ، فالتلازم فيه ضروري في العقل وا*** ، وذلك مما يظهر أَثَرُهُ في الخارج بَرَاءً ومعاداة ، وهذه المعاداة *** تندرج فيه آحاد ، فثم المعاداة الباطنة بغضا فهي تكافئ أضعف الإيمان في باب الإنكار ، فَيُغَيِّرُهُ بِقَلْبِهِ أن يُبْغِضَهُ وَيُبْغِضَ الفاعل ، وَيَبْرَأَ منهما جميعا ، وثم المعاداة الظاهرة ، وهي ، أيضا ، *** تندرج تحته آحاد ، فثم المعاداة باللسان ، وهي تكافئ تَغْيِيرَ المنكر باللسان ، وذلك جهاد الحجة والبرهان بآي القرآن ، فيدخل ذلك في عموم قوله تعالى : (فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) ، فذلك جهاد اللسان ، وهو ، من وجه آخر ، يَنْقَسِمُ ، فَثَمَّ بَيَانٌ لِلْحَقِّ يكافئ الإثبات في الشهادة ، وَثَمَّ دحض للشبهات بِتَفْنِيدِ الباطل من الأديان المبدلة والمذاهب المحدثة سواء أكانت في الدين أم في الفكر ، وذلك يكافئ النفي في الشهادة ، وثم المعاداة بالجوارح ، وهي تكافئ تَغْيِيرَ المنكر باليد ، وذكر اليد يخرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ، إذ الغالب في الفعل أن يكون باليد ، فكل أولئك من الحركات الضرورية في الحب والبغض في الباطن ، والنطق والصمت ، والفعل والترك ، في الظاهر ، على ما تقدم مرارا ، من التلازم الوثيق بين الباطن والظاهر ، فَيَتَأَوَّلُ جملة من نصوص الحب والبغض ، وما يستوجبه ذلك في الخارج من الولاء والبراء ، فَثَمَّ أسوة بالنبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ، فذلك ما يستلزم موافقته صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الهيئة الباطنة والهيئة الظاهرة ، في العقد والشرع والهدي الظاهر ، سواء أكان من الواجب أم من المندوب أم من المباح من أمور الجبلة فَيَكُونُ الثَّوَابُ ، كما تقدم ، على الاقتداء وإن لم يكن ثَمَّ معنى أخص في التعبد الذي يناط به الثواب في نفسه لا لأمر خارج عن حقيقته وماهيته ، كما في مواضع الاقتداء في المباح ، فثم خبر أكد بِاللَّامِ و : "قد" ، فاللام مئنة من قسم مقدر ، أو هي ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مئنة من ابتداء ، والتوكيد على كلا الوجهين ، حاصل ، وإن تفاوت في القدر ، فالتوكيد بالقسم أقوى ، وَثَمَّ لَامٌ هي مئنة من الاختصاص في : (لَكُمْ) ، والخطاب قد توجه ، ابتداء ، إلى جملة من حضر ، فهو ينصرف إلى من آمن ، إذ هم أول من يتوجه إليهم خطاب التكليف ، وذلك ، من وجه آخر ، يستغرق من غاب *** يحضر ، سواء آمن أو كفر ، فيعم المؤمن بقرينة الخطاب الأخص ، خطاب الإجابة ، ويعم الكافر بقرينة الخطاب الأعم ، خطاب الدعوة ، فثم أُمَّتَانِ : أمة الدعوة الأعم ، وأمة الإجابة الأخص ، وَبَيْنَهُمَا ، عند التدبر والنظر ، عموم وخصوص مطلق ، فأمة الإجابة تندرج في أمة الدعوة ولا عكس ، فكل من استجاب فإنه قد دعي فَلَبَّى ، ولا عكس ، فليس كل من دعي قد استجاب ، فيشبه ذلك ، وجه ، *** الهداية ، فهو ، أيضا ، *** أعم ، تندرج فيه أنواع ، فثم هداية البيان والإرشاد الأعم ، فهي خطاب الدعوة ، وثم هداية التوفيق والإلهام الأخص ، فلا تحصل إلا لأمة الإجابة ، فكل من أجاب فقد حصلت له ، ابتداء ، هداية البيان والإرشاد ، ثم حصل له قدر زائد هو منة أخص من الرب الخالق ، جل وعلا ، أن ألهمه امتثال الحق فخلق في قلبه الإرادة ، وخلق في جوارحه قوة النطق بالحق والصمت عن الباطل ، وقوة الفعل للمشروع وقوة الترك للمحظور ، وخلق الأحوال نفسها نطقا وصمتا في باب القول ، وفعلا وتركا في باب العمل ، وذانك أمران يتلازمان في القياس الصريح ، فالنطق بالحق يستوجب الكف عن ضده ، وفِعْلُ الشيء يستوجب تَرْكَ ضده ، ففعل المشروع يستوجب ترك المحظور ، وكل أولئك مما يأرز ابتداء إلى قوة الحب والبغض في الباطن فهي قوى إرادية تحصل من التصور العلمي الأول لما ينفع فهو يُحَبُّ ، وما يضر فهو يُكْرَهُ ، فذلك ، أيضا ، من القياس الصريح ، وإنما الشأن في **در التلقي في الخبر وما يستلزمه من إنشاء ، إما لحركة إيجاب مناطها الحب الذي يحمل على النطق والفعل ، أو حركة نفي مناطها البغض الذي يحمل على الصمت والترك ، على وجه يطرد فيه الحكم وينعكس ، فَإِذا صَحَّ **در التلقي العلمي ، فكان المستند هو الوحي ، صحت حركة الباطن في الحب والبغض ، وما يستوجبه ذلك من إرادة الفعل ومناطها الحب ، كما تقدم ، وإرادة الترك ومناطها البغض ، وإذا فسد **در التلقي العلمي ، في المقابل ، فكان المستند هو الوضع المحدث ، فسدت حركة الباطن والظاهر جميعا ، فالقياس يطرد وينعكس ، فمن حصلت له هداية التوفيق والإلهام الأخص ، فَقَدْ حصلت له ابتداء هداية الْبَيَانِ والإرشاد الأعم ، فجمعت له الْمِنَّتَانِ : المنة الأعم من البيان ، والمنة الأخص من الإلهام ، ولا عكس ، فقد تحصل المنة الأعم بالبيان فتقوم الحجة وتستبين المحجة ، ولا تحصل المنة الأخص ، فلا يوفق الناظر أن يمتثل خبر الشرع تصديقا ، وحكمه امتثالا ، فالأسوة تعم جميع موارد التكليف ، بل وتعم جميع موارد الاقتداء ، فتعم الباطن والظاهر ، حبا وبغضا في الجنان لا تنفك تظهر آثاره في اللسان والأركان ، في النطق والصمت ، في الفعل والترك ، وتعم ، من وجه آخر ، موارد الاقتداء الواجب في باب الشرع ، وموارد الاقتداء المندوب في العادة ، فثم ، سنة شرع ، وهي *** تندرج تحته أَنْوَاعٌ ، فالسنة ، من هذا الوجه ، تَدُورُ على أحكام الدين كلها ، الواجب والمندوب فعلا ، والمحرم والمكروه تَرْكًا ، فالسنة ، من هذا الوجه ، تَعُمُّ السنة في العقد الباطن ، كما قد اصطلح من أطلق اسمها على جملة من ال**نفات ، فهي تحمل اسم السنة بالنظر في ما أثر عن صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وعن السلف الأوائل من الجيل الفاضل الذي يعم القرون الثلاثة التي زكاها الوحي ، فَزَكَّى التَّنْزِيلُ محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، النبي الخاتم ، ومن معه من الجيل الفاضل ، فـ : (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) ، وزكت السنة القرون الثلاثة ، فهم أعلم الناس بالشرع ، بمفهومه الأعم ، الذي يستغرق العقد الباطن والفقه الظاهر ، فيعم جميع موارد التكليف الذي يناط بمواضع الاختيار ، في الْبَاطِنِ تَصَوُّرًا فِي الإثبات والنَّفْيِ ، وفي الظاهر حكما فِي الْفِعْلِ والتَّرْكِ ، فالسنة في باب العقائد ، وهي الاصطلاح الأخص الذي أطلقه ال**نفون الأوائل في الرَّدِّ على أهل الأهواء ، فانصرفت عنايتهم من وجه أن يقرروا ما ثَبَتَ عَنِ الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، من آثار في الأخبار والعقائد ، وأن يَرَدُّوا ما حدث من مقالات ابتدعها أهل الأهواء فَلَمْ يَكُنْ لَهَا فِي الوحي أصل ، وَإِنَّمَا هي مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ مَقَالٍ أجنبي وفد من المقال الفلسفي اليوناني ، والمقال الباطني ، الفارسي والهندي ، والمقال الديني المبدل ، اليهودي والنصراني ، فلا تخرج مادة الابتداع في دين الإسلام ، لا تخرج في الجملة عن هذه ال**ادر ، بل لو تدبرتها لوجدتها ، من وجه آخر ، **در ما يحدث ولا يَزَال في هذه الأعصار ، من المقالات التي تناهض الوحي المحكم وتناجزه ، فهي من المتشابه الذي لا يَتَّبِعُهُ إلا من في قلبه زيغ ، فهو يستعين بالتأويلات الباطلة والتفسيرات الباطنة أن يَرُدَّ بِهَا ما أحكم من الحق ، وذلك من الغلط الظاهر ، كما أُثِرَ عن بعض المحققين ، فـ : "من ادعى باطن علم ينقض ظاهر حكم فهو غالط" ، فقوله قاعدة كلية في باب الاتباع ، في التصور والحكم جميعا ، فحسن أن يُورَدَ عَلَى حَدِّ الشرط الذي يَعُمُّ بدلالته ، كما قرر أهل الشأن ، فضلا عما يحسن في مواضع التَّقْرِيرِ للحقائق العلمية من إِنَاطَةِ الحكم بعلته على جهة الدَّوَرَانِ ، وجودا وعدما ، وذلك ما يحسن معه حد القاعدة على جهة الشرطية فثم تلازم في القياس الصريح بين الشرط والمشروط ، على جهة الطرد والعكس ، فضلا عن دلالة الطباق إيجابا بين العلم والحكم ، من وجه ، فالعلم قوة تصور باطن ، والحكم ما يقابله في الخارج من قوة الفعل الظاهر ، ودلالة الطباق إيجابا بين الباطن والظاهر ، فمن زعم أن في الباطن من التصور ما يسوغ الخروج على ظاهر الحكم فهو غالط ، فحسن أن يورد الجواب مقرونا بالفاء لعلة في اللفظ أنه اسم ، وذلك من مواضع اقتران الجواب بالفاء الرابطة على حد الإيجاب ، فضلا عما تحمله دلالة الاسم من ثبوت ، ديمومة في الحال واستمرارا في الاستقبال ، فذلك آكد في تقرير الحكم ، فذلك من الغلط الذي بلغ ما بلغ فصنفت فيه ال**نفات ، وليس لها مستند من وحي محكم ، كما ذكر صاحب "التلبيس" رحمه الله ، فليست إلا حكايات تستند إلى هوى أو ذوق أو وجدان أو منام ، فليست إلا حكايات يَتَلَقَّفُهَا الخلف عن السلف فيحكيها دينا وليست إلا وقائع أعيان ، فإن صحت في نفس الأمر فليس فيها ما يُلْزِم فهي وجدان غير معصوم ، فكيف وقد أفرزت ما أفرزت من القول غير المعقول والحال غير المحمود الذي نقض دلالة الظاهر باسم العلم الباطن الذي لا يدركه إلا الخاصة الذين بَلَغُوا من رتبة العلم يقينا ما سوغ لهم الخروج عن حد التشريع الظاهر *** يلتزموه في أمر أو نهي ، بل تبجح منهم من تبجح فجعل المخالفة عن أمر الوحي مئنة من كمال الرتبة فهو مما دُوِّنَ في **نفات الأعلام ! أنه مئنة من كمال الديانة والولاية ! ، خلافا للعامة الذين قصرت مداركهم الغليظة التي لم تَرِقَّ وَتَلْطُفْ بوجوه الرياضة العقلية والذوقية فجمدوا على الظاهر من لفظ الأخبار والأحكام ، ولم يَبْلُغُوا ما بلغ الخاصة من التحقيق والتدقيق ، بل قد بلغت الحال أن صار الوحي كله أكذوبة لفقتها الرسل عليهم السلام استصلاحا لنفوس العامة التي كثف حجابها الشهواني فلا تسلم وَلَا تَنْقَادُ لرسوم التهذيب إلا بوعود الترغيب بلذات ا*** الدنيا دون لذات الروح العليا فتلك حكر على الأرواح الفلسفية العالمة حتى غلا من غلا فقصر البعث عليها دون الأرواح السفلية الجاهلة ! ، فأنكر من البعث ما قد علم من الدين ضرورة فهو ركن رئيس من أركان الإيمان وما ذلك إلا من شؤم العدول عن منهاج الرسالات ، فالقدح في الإيمان بالرسل ، عليهم السلام ، يفضي إلى نقض جميع أركان الإيمان فكلها مما ثبت ابتداء بخبر الرسالة ، فإذا جحدت النبوات أفضى ذلك إلى تكذيب أخبارها وتعطيل أحكامها ، فحصل من الهدم لحقيقة الإيمان قدر هائل بل الهدم ، عند التدبر والنظر ، هدم كامل ، فكان غلو أولئك في باطنهم في مقابل الحط على علماء الشريعة أنهم علماء الظاهر ، فرأوا أنفسهم بأهوائهم ومواجيدهم أولى بالتقديم والتوقير من علماء الشريعة الذين مدحهم الوحي ، في الكتاب : (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، و : (يَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ، فصحة رؤيتهم فرع على وصفهم أنهم ممن أوتي العلم من مشكاة الوحي لا أنهم ممن أوتي علوما باطنة من مشكاة الأهواء والأذواق ! ، وفي الأثر : "مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" ، فأولئك أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في الطلب ، فالأولون يزعمون أن العلم قد حصل لهم فجأة فقذف في قلوبهم قذفا على وجه يجعلهم هم والأنبياء ، عليهم السلام ، على حد سواء ! ، فما جدوى إنفاق الأعمار في طلب الأخبار والآثار التي أخذ بها أهل الظاهر ، وإسنادهم فيها ميت عن مثله ! ، والقوم قد أخذوها بلا واسطة من الحي الذي لا يموت ! ، فحصلت القسمة الجائرة فالخلق من العوام ، كما يقول بعض أهل الطريق ، قد قعدوا على الرسوم والقوم قد شغلوا أنفسهم بالحقائق فصاروا طائفة مخصوصة ، والخلق قد تكلفوا الظاهر في التكليف ، وأولئك قد طالبوا أنفسهم بحقيقة الورع ومداومة الصدق ، وظاهر الكلام يحتمل ، فهو يحتمل أنهم امتثلوا الظاهر وزادوا عليه ما زادوا من الورع والصدق فزينوا عمل الظاهر بالإخلاص ، فذلك معنى يحمد ، ويحتمل ، من وجه آخر ، ما حصل في مسالك كثير المتأخرين من أهل الطريق أن صيروا هذه الحقيقة ذريعة إلى تعطيل أحكام الشريعة ، وأي غلط أعظم من ذلك ؟! ، بل ذلك ، عند التدبر والنظر ، ليس غلطا فحسب ، بل هو مما ينقض أصل الدين نقضا ، فحد من حد في الأسماء والأحكام ، حد من نواقض الإيمان أن يعتقد الناظر أنه يسعه الخروج عن دين الإسلام ، إما بتأويل باطن أو وضع حادث ، فيعم ذلك باب العلم ، فتجده في باب الرواية يستدل بالضعيف والموضوع ، وتجده في باب الدراية يستدل بوجوه من اللسان بعيدة فهي مهجورة غير متداولة ، كما يقع من أهل التأويل ، فضلا أن تكون وُجُوهًا باطلة لَا أَصْلَ لَهَا في اللسان ، ولو بعيدة مهجورة ، كما يقع في كلام أهل الباطن ، ويعم ذلك ، أيضا ، باب العمل ، كما قد عمت البلوى في هذه الأعصار أن استجاز من استجاز أن يبدل الشرع ويعطله فاستبدل الوضع الحادث بالشرع النازل ، ولسان حال الفاعل لسان الاستباحة ، وإن اعتقد تحريمه في الباطن ، فالفعل في نفسه ناقض من نواقض الإيمان العملية ، فهو يستجيز بالفعل أن يخرج عن حكم الشرع بل إنه في مواضع يجترئ فَيَزْدَرِيهِ أن يسويه بغيره من الشرائع المحدثة فَيَرَى الحكم بها جميعا من الجائز فالباب واسع إذ مداره على ال**الح مطلقا ! ، وإن خالفت مقاصد الوحي الكلية أو نصوصه الجزئية ، ولو حكما واحدا فكيف بمنظومة أحكام كاملة تضاهي المنظومة الشرعية النازلة ؟! ، فضلا أن يعتقد أن الشرع المحدث أفضل فهو الذي يلائم الحال المعاصرة ، فالأمر عنده ، كما تقدم ، ليس بشرع ملزم يحصل به الابتلاء في الامتثال في باب الأمر والنهي ، فهو تصديق ما يقوم بالقلب واللسان من دعوى الإيمان ، فلازمها الإقرار والإذعان في الباطن وما يحصل من ذلك ، ضرورة ، من الإرادة فعلا وتركا ، فهي ، كما تقدم ، آثار الحركة الباطنة حبا وبغضا ، فلا تنفك آثارها تظهر في الخارج فعلا وتركا ، كما في هذا الباب ، فإن الحكم بالشرع تأويل ما يقوم بالقلب من تصديق أنه الحق وحب له وإرادة للتحاكم إليه في كل دقيق وجليل ، فلا يجزئ التصديق المحض ، فكم من **دق يبغض فلا يريد التحاكم إلى الوحي في علم أو عمل إذ يفوت عليه جملة من الحظوظ ، من جاه أو رياسة أو مال ....... إلخ من الحظوظ النفسانية العاجلة ، فضلا أن العمل نفسه جزء من الحقيقة الإيمانية المركبة من العقد الباطن والقول الناطق والعمل الشاهد على صدق الدعوى الإيمانية ، فهو لازم لها ، من وجه ، قسيم لها بالنظر في ال*** الأعلى ، *** الإيمان ، فهو العقد والقول والعمل جميعا ، وزد على ذلك ما يكون من حرب للوحي ، فهو يتقصد التضييق على حُكَّامِهِ وأتباعه في مقابل حمل الناس حملا على أضداده ، فذلك في نقض الدعوى الإيمانية آكد ، وكل أولئك ، عند التدبر والنظر ، يَنْقُضُ الإنشاء الذي دل عليه الخبر في الآية ، فإن توكيد الخبر أن ثم أسوة حسنة ، بجملة من المؤكدات ، فثم ، كما تقدم ، التوكيد باللام ، والتوكيد بقد إذ دخلت على فعل الكينونة الماضي فأفادت التحقيق من هذا الوجه ، وزد عليه دلالة الكينونة الماضية فهي مئنة من ديمومة الاتصاف ، فدلالتها الزمانية ، من هذا الوجه ، قد نُزِعَت ، كما في قوله تعالى : (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فَلَمَّا يَزَلْ ربنا ، جل وعلا ، متصفا بالعلم والحكمة أولا وآخرا ، أزلا في الماضي وأبدا في المستقبل على وجه لا يُتَصَوَّرُ فيه انفكاك بين الذات القدسية وما يقوم بها من الصفات العلية ، ولا يتصور فيه طروء الكمال بعد النقص ، فَلَهُ ، جل وعلا ، الكمال المطلق ، ابتداء فهو الأول ، وانتهاء فهو الآخر .
وزد عليه من المؤكدات دلالة اللام على جهة الاختصاص ، في : (لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) ، فذلك آكد في تقرير هذه المنة ، فضلا عما نوه به بعض المحققين من دلالة التَّجْرِيدِ على جهة المبالغة فَانْتَزَعَ من محل التأسي وهو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ذاتا أخرى ، فيها الأسوة ، مع أن الأسوة هي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نفسه ، كما في قولك : اتخذت من محمد صاحبا فكأنك جردت منه صاحبا ثانيا ، فثم محمد الصاحب الأول ، وثم الصاحب المجرد منه فهو الصاحب الثاني وذلك آكد في تقرير صحبته على جهة المبالغة ، وزد عليه ، أيضا ، تقديم ما حقه التأخير فهو مئنة من الحصر والتوكيد ، وتنكير الأسوة مما يجري مجرى التعظيم ، فضلا أنه يستغرق ، كما تقدم ، جميع موارد التأسي في الباطن والظاهر ، في الشرع والعادة ، وقل مثله في وصفها با***ن فهو حسن عظيم نٌكِّرَ فرعا على تنكير الموصوف ، فالصفة لا تكون أعرف من الموصوف ، كما قرر أهل الشأن ، ولذلك حملت الإضافة في "ممطرنا" في قوله تعالى : (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) ، أنها من الإضافة اللفظية التي تفيد التخفيف فليست من الإضافة المعنوية التي تفيد التعريف لئلا يفضي ذلك إلى وصف النكرة بالمعرفة ، ومن ثم ختم على جهة التعريض فهي أسوة مخصوصة بالنظر في الانتفاع بها ، فدلالة اللام تخص من هذا الوجه ، وإن كان الأسوة عامة بالنظر في معنى التكليف الذي يستغرق كل من بلغه خبر الرسالة الخاتمة ، فهي أسوة حسنة : لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ، فثم عموم آخر في الوصل فضلا عما تقدم من دلالة الكينونة فتلك حاله المطردة ، فهو يرجو الله ، جل وعلا ، واليوم الآخر ، وتلك دعوى لازمها العمل ، فختم بالذكر الكثير ، فلفظ : "كثيرا" وصف ل**در محذوف ، على تقدير : وذكر الله ، جل وعلا ، ذكرا كثيرا ، فحذف الموصوف وأقام الوصف مقامه ، وذلك من الإيجاز بالحذف على وجه اطرد في الشرع واللسان جميعا ، وهو بالنظر الأعم ، يستغرق جميع موارد الذكر ، ما بطن وما ظهر ، فهو العمل الذي يصدق الدعوى ، فالرجاء يوجب الفعل ، كما أن الخوف في مقابله يوجب الترك ، وبهما جميعا يحصل حد العبادة بالنظر في فعل العبد فهي كمال الحب الموجب للفعل ، وكمال الخوف الموجب للترك ، وذلك ما تظهر آثاره في مفعولات العبد أن يحقق حد العبادة بالنظر في مفعولاتها في الخارج فهي ، كما اطرد في كلام المحققين ، اسم جامع لكل ما يحبه الله ، جل وعلا ، ويرضاه من الأقوال والأعمال ما ظهر منها وما بطن ، وإناطة الأسوة باسم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، مئنة من وجهِ الاقتداء وهو ما جاء به من أحكام الرسالة التي تعم ، كما تقدم ، جميع وجوه التكليف الباطن والظاهر ، والإضافة ، بداهة ، من إضافة المخلوق إلى الخالق ، جل وعلا ، فتجري من هذا الوجه مجرى التشريف ، وإذا تدبرت ، من وجه آخر ، وجدت اسم الرسول قد اشتق من اسم الرسالة ، وفحواها كلام الرب ، جل وعلا ، خبرا في الإثبات والنفي ، وحكما في الأمر والنهي ، وكلامه ، جل وعلا ، من وصفه الذاتي بالنظر في نوعه القديم ، ووصفه الفعلي بالنظر في آحاده الحادثة ، فإضافة شخص الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى الله ، جل وعلا ، إضافة مخلوق إلى خالق على جهة التشريف ، وإضافة الرسالة إلى الله ، جل وعلا ، وفحواها ، كما تقدم ، الخبر والحكم ، إضافتها إليه ، تبارك وتعالى ، تجري مجرى إضافة الوصف إلى الموصوف ، كما في قوله تعالى : (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ) ، و : (إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ) ، فإضافة الرسالات إليه إضافة وصف إذ الرسالات ، كما تقدم ، وحي ينزل من كلمه المحكم في الخبر والإنشاء جميعا .

والله أعلى وأعلم .