rss
03-25-2016, 07:16 AM
من آية : (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ .......)
مما تقرر في فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم أعلم الناس بِتَأْوِيلِ النصوص على وجه صحيح مشروع إذ فيهم بعث النبي الخاتم وعليهم نَزَلَ الوحي الناصح الذي استجمع مادة الصدق والعدل ، فصدق في الأخبار نفيا وإثباتا ، وعدل في الأحكام أَمْرًا وَنَهْيًا ، فَهُمْ مَنْ عَنَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، رضي الله عنهما ، بقوله للخوارج : "أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صِهْر رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله" ، فَنَوَّهَ بمن أَتَى من عندهم فهم صفوة العالمين بعد الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، فذكرهم بالاسم الشرعي المحمود الذي أَثْنَى عليه الرَّبُّ المعبود ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فـ : (السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، فصدر بلفظ السبق وهو مناط مدح ، وهو مئنة من تقدم في الدرجة وَأَوَّلِيَّةٍ في الرُّتْبَةِ ، فالإطناب بالوصف : "الأولون" ، يجري مجرى الوصف باللازم إذ السبق مظنة الأولية ، ولا يخلو من دلالة سَبَبِيَّةٍ ، إذ السَّبْقُ سَبَبٌ في حصول الأولية ، وثم إجمال في اللفظ وإن دل على حكم السبق فتلك مادة الاشتقاق ، وذلك ما يُرَشِّحُ دلالة الوصل في "أل" ، إذ دخلت على اسم مشتق سواء أكان اسم فاعل ، فينحل اللفظ إلى موصول صريح سواء أكان خاصا أم مشتركا ، جمعا أم مفردا ، فدلالة العموم فيها جميعا معتبرة ، فيصح في هذا اللفظ أن يقال : والذي سبق مفردا في الوصل الخاص ، أو : والذين سبقوا جمعا في الوصل الخاص الذي وضع في اللسان ، بادي الرأي ، لجماعة الذكور ودل على جماعة الإناث تغليبا فهم يعم السابقات من المهاجرات والأنصاريات ، أو : ومن سبق مفردا في الوصل المشترك ، أو : ومن سبقوا جمعا في الوصف المشترك ، فَيَنْحَلُّ اللفظ إلى الموصول الصريح وصلته التي يَنْصَرِفُ الذَّهْنُ ، بادي الرأي ، بدلالة اللسان ، أن يحدها على جهة المضارعة إذ اسم الفاعل نَائِبٌ عن مضارعه ، فَيَؤُولُ اللفظ إلى : والذين يسبقون من المهاجرين والأنصار ، فثم إجمال ، كما تقدم ، يستوجب سؤالا دل عليه السياق اقتضاء ، فمن هم أولئك الذين اتصفوا بالسبق والأولية ؟ ، وهذا سؤال يطرد في جميع موارد المدح والذم ، فيسأل السامع في موارد المدح سعيا أن يوافقهم في الوصف فيحصل له من وعد الخير ما حصل لهم ، أو يقاربهم فيحصل له من *** الوعد ما حصل لهم وإن لم يماثلهم في الرتبة ، فإن الوعد على درجات شتى ، ولكل درجة تليق بحاله بما حصل له من سبب الوعد من الإيمان والامتثال ، فذلك مِمَّا يستأنس به من يُقَرِّرُ الزيادة والنقص في باب الإيمان ، فالإيمان يزيد بالطاعة ، فيكون الإقرار والامتثال مناط الحكم مدحا ووعدا ، فكلما أمعن الناظر أو المخاطَب أن يؤمن فَيُقِرُّ ويمتثل ، فهو يصدق القول بالعمل ، كلما أمعن في ذلك حصل له من زيادة الإيمان ما يجعله يَرْقَى في الرتبة ويعلو في الدرجة ، وثم درجات لا تنال بكسب أو رياضة ، كدرجة النبوة ، وَيَلْتَحِقُ بها درجة الصحبة فهي فضيلة لا تعدلها فضيلة فَوَرَدَ التَّنْوِيهُ بِهَا فِي هذا الموضع ، والأمر يطرد وينعكس ، فكما أن الإيمان يزيد بالطاعة فهو ينقص بالمعصية ، فيكون التكذيب والجحود في الباطن والعصيان في الظاهر يكون ، كل أولئك ، مناط الحكم ذما ووعيدا ، فكلما أمعن الناظر أو المخاطَب في الوصف المذموم فجحد أو كذب ، وأبى أو استكبر ، وعصى ومرق إن على وجه ينقض كمال الإيمان الواجب أو على آخر ينقض أصل الدين إن كان العصيان مما ينقض الإيمان سواء أكان عصيان باطن في العقد أو آخر ظاهرا في القول أو العمل ، فكلما أمعن في ذلك حصل له من نقص الإيمان ما يجعله يَدْنُو في الرتبة وينحط في الدركة ، بل قد ينقص الإيمان حتى يَزُولَ فلا يَبْقَى منه شيء ! ، إن كان العصيان ، كما تقدم ، مما ينقض أصل الإيمان ، سواء أكان باطنا أم ظاهرا ، وذلك مقال أهل السنة في باب الأسماء والأحكام ، في مقابل مقال أهل الإرجاء إذ يقصرون ناقض الإيمان على الناقض الباطن من الجحود ونحوه ، فلا ينتقض الإيمان عندهم بقول أو عمل ، وذلك فرع عن انحراف آخر أن أخرجوا العمل كله مسمى الإيمان فلا يدخل في ماهيته التي تَتَأَلَّفُ عند أهل السنة من مجموع مركب من العقد والقول والعمل ، فلا يصح إيمان إلا أن يثبت من *** العمل ما ينفي عن صاحبه أنه تارك للعمل الترك المطلق ، فلا بد من ثبوت قدر من العمل يصدق الدعوى ، ولو بالنظر في أصلها دون كمالها الواجب ، فيحصل له مطلق الإيمان الذي يكافئ إسلام الأعراب في آية الحجرات ، فـ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، فإذا تَرَقَّى فِي باب العمل فَأَتَى من الواجب ما يجزئ ومن المندوب ما يجبر ، زاد إيمانه من مطلق إيمان أول فَبَلَغَ حد الإيمان الكامل ، فهو الإيمان المطلق الذي أنيط به الوعد بالنجاة ابتداء فيدخل الجنة بلا سابقة عذاب فضلا من رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فجاء الاستفهام : ومن أولئك ؟ ، فجاء الجواب بدلالة "من" ، فهي مئنة من بَيَانِ ال*** ، ولا تخلو من دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء الغاية في بيان أولئك هو قَبِيلٌ بِعَيْنِهِ من البشر ، خصوا بفضيلة الصحبة من المهاجرين والأنصار ، رضي الله عنهم جميعا ، فعطف على جهة الوصل الإضافي ، وذلك ، من وجه ، عطف تغاير يستوفي شطري القسمة العقلية ، وهو ، من وجه آخر ، عطف تدرج من الأعلى إلى ما دونه ، وإن اشتركا جميعا في وصف الصحبة ، فهي على درجات ، فالمهاجرون خَيْرٌ من الأنصار إذ سَبَقُوا ، فَالسَّابِقُونَ فِي أَنْفُسِهِم على مَرَاتِبَ تَتَفَاوَتُ ، فَصَنَّفَ من صَنَّفَ في طبقات الصحابة ، رضي الله عنهم ، وإن استغرقهم جميعا وصف الصحبة الأعم ، فثم أوصاف أخص من مهاجرين وأنصار وبدريين ومن شهد الحديبية وصغار الصحابة ومن أسلم يوم الفتح ..... إلخ ، فالمهاجرون خير من الأنصار ، وذلك ، من وجه آخر ، يجري مجرى التفضيل لمجموع على مجموع لا جميع على جميع ، فثم آحاد من كبار الأنصار لهم فضيلة تزيد على فضيلة بعض المهاجرين ممن تأخر إسلامهم فتأخرت هجرتهم ودلالة اللفظ : اسم على مسمى ، إذ اشتق من مادة الهجرة والنصرة ، فدلالة "أل" ، من هذا الوجه ، دلالة الوصل إذ اتصل باسم مشتق ، ومناط الفائدة ، كما تقدم ، المعنى الذي اشتق منه اسم الوصف ، فتقدير الكلام : والسابقون الأولون من الذين هاجروا والذين نصروا ، فثم من هاجر ، وثم من آوى ونصر ، ولكل فضلا لا يجحد ، فلا يجحده إلا من أراد أن يطعن في هذا الدين ، فتحايل أن يطعن في نقلته ، فذلك قول قصد صاحبه ، كما يقول ابن عقيل رحمه الله ، أن يطعن في أصل الدين والنبوة ، فما ورد من ذلك أمر غيب بالنظر في حال الخلف الذين تلقوا ذلك نقلا عن السلف ، فإن طعن من طعن في واسطة النقل بين النبوة والخلف ، وهي السلف ، انقطعت سلسلة الإسناد الصحيح فهي مستند الناظر فيما يطمئن به من الذكر ، فإذا طعن في الواسطة سقط الاحتجاج بالخبر فبطل الدين أصلا وفرعا ، فضلا عما يستوجبه ذلك من الطعن في مقام النبوة ، أن كان أولئك أتباعها فلو كانت حقا ما سارعوا إلى نقض حكمها وإبطال وصيتها وظلم أهلها وذويها ، كما زعم من زعم من الغلاة في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وعليه يبطل قول من قال إن دلالة "من" في هذا السياق دلالة تبعيض فتخص الفضيلة بعضا دون آخر ، كما قال من قال مثل ذلك في قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ، فإن كلهم قد وعد با***نى ، لا بعضهم ، إذ دلالة "من" : دلالة بَيَانٍ لل*** ، فهي تستغرق جميع الأفراد لا بعضهم ، كما في قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) ، فلا يتصور أن يكون بعضها رجسا وبعضها طاهرا فيفيد الكلام بمنطوقه : اجتناب الرجس من الأوثان دون الطاهر فيجوز قُرْبَانُهُ ! ، وَإِنَّمَا الأوثان كلها رجس لا يجوز قُرْبَانُهَا ، فكذلك الشأن في "من" فلا مفهوم لتبعيض أن بعضهم قد سبق والآخر لم يسبق ، أو أن بعضهم قد وعد بالمغفرة والأجر العظيم وبعض لم يُوعَدْ ، فتكون تلك ذريعة إلى الطعن في بعضهم ، بل قد بلغت الحال بمن تأخر من أهل البدعة المغلظة أن كَفَّرَ جمهورهم ، بل وأنكر من الدين ما قد علم ضرورة من نصوص الثناء المتواتر على مجموعهم ، ونصوص الثناء الخاص على آحاد منهم قد تواترت فضائلهم بل وخصائصهم على وجه لا يُنْكِرُهُ إلا جاحد أو مسفسط ! ، فتأولها التأويل الباطل أن كل أولئك كان قبل ارتدادهم على أعقابهم خاسرين ! ، فتحكم بلا دليل ، لو سلم بجواز ما يقول ابتداء ، فإن تلك أخبار ، والأخبار لا يجوز نسخها إذ يَلْزَمُ من ذلك تكذيب الخبر ! ، وكأن من خلقهم وَأَثْنَى عليهم لم يكن يعلم بما سَتَؤُولُ إليه حالهم من الردة والنكوص على الأعقاب ! ، والبدعة لا تزال بصاحبها حتى تخرجه عن حد العقل فضلا عن حد الشرع ! ، وذلك من شؤم الغلو والتعصب والذي يقترن في العادة بالجهل المطبق ، ولو تأملت ذلك الطعن في الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، لوجدته محل إجماع بين جميع أعداء الملة من الكفار الأصليين والمرتدين والمنافقين وأهل الأهواء وكل من في قلبه شك أو غل لهذا الدين وأهله ، وقد أطلق في وصفهم وعطف على جهة الاستيفاء لأجزاء القسمة العقلية ، عطف على جهة الوصل : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ : فَقَيَّدَ في المقابل بالحال : "بإحسان" ، فهي في تقدير : والذين اتبعوهم محسنين ، فأطلق في حق الأولين فهم الأعلم بالتأويل كما تَقَدَّمَ من مقال ابن عباس ، رضي الله عنهما ، إذ ناظر الخوارج ، فـ : "أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صِهْر رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله" ، وهم الأصدق في القول والنقل ، وهم الأفصح فقد نَزَلَ الوحي بِلِسَانِهِم ، وهم الأنصح لخاصة المؤمنين وعامتهم فاجتهدوا في تبليغ الشريعة ، وبيان ألفاظها أخبارا وأحكاما ، ونصروا الدين بالحجة والبرهان والسيف والسنان ، ففتحوا الجنان بالبرهان الصادق ، وفتحوا البلاد بالسنان العادل ، فلا ظلم ولا جور ، فأخلصوا النصح لسائر الأمم ، فهم الأمة التي أخرجت للناس تدعوهم إلى الحق ، فوصفهم في التنزيل : خير أمة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فكنتم خير الناس للناس ، كما في الأثر ، فَلَهُمْ من الفضيلة ما ليس لمن جاء بعدهم ، فأطلق وصفهم وقيد وصف من جاء بعدهم أن يتبعهم محسنا فلا يبدل ولا يغير ، فيسلك جادتهم في القول والعمل ، في العقد والشرع ، والحكم والسياسة ، والزهد والرياضة ، وسائر موارد الاختيار التي يناط بها التكليف ، فعطف بالوصل ، ومناط الفائدة ، كما تقدم ، هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وبعد الإطناب الذي استغرق أجزاء القسمة العقلية عطفا بالواو ، وَتَدَرُّجًا من الأعلى إلى من دونه ، بعد هذا الإطناب في بيان أجزاء المسند إليه جاء الحكم المسند على حد الإخبار بالماضي : (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) ، مئنة من تحقق الحكم وحصوله في نفس الأمر ، فهو ، من *** الإخبار بالماضي في قَوْلِهِ تَعَالَى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فذلك مئنة من تحقق وقوعه في نفس الأمر ، كما تقدم ، فجاء الخبر المسند : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ : فذلك الوصف ثَنَاءً ، على جهة الجناس في الاشتقاق ، فمادة الاشتقاق واحدة ، وهي الرضى ، وثم طباق إيجاب ومقابلة بالنظر في الشطرين ، وثم مشاكلة في اللفظ لا تخلو من مشاكلة في المعنى بالنظر في ال*** الأعم ، وهو مطلق الرضى في الذهن وهو مما يقبل الشركة فيه على حد المشترك المعنوي المطلق في الذهن والذي تنقسم آحاده في الخارج ، فثم رضى الخالق ، جل وعلا ، وثم رضى المخلوق وشتان بينهما في الحقيقة في الخارج وإن اشتركا في المعنى الكلي المشترك في الذهن فالمشاكلة في اللفظ وفي مطلق المعنى في الذهن وذلك ما ينفي التعطيل الذي يحصل بنفي دلالة اللفظ مطلقا ، وليس ثم ، في المقابل ، مشاكلة في الحقيقة والماهية في الخارج فشتان وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق في المقابل وذلك ما ينفي التمثيل الذي يحصل بإثبات قدر مشترك بين الحقيقتن في الخارج خلافا لإثبات قدر مشترك من المعنى في الذهن فلا يلزم منه تشبيه أو تمثيل في الخارج بل لا يدل لفظ ، أي لفظ ، على معناه إلا بإثبات هذا القدر المعنوي المطلق في الذهن ، وقد قدم الأشرف منهما وهو رضى الله ، جل وعلا ، فهو الشأن ، كل الشأن ، وذلك مما يثبت لله ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله فلا وجه أن يتأول بإرادة الإنعام أو الإحسان ، كما اطرد في مسلك المتكلمين أن تأولوا وصف الرضى والمحبة والغضب ..... إلخ ، بالإرادة إن جمالا بالإنعام ، أو جلالا بالانتقام ، وذلك حق بالنظر في اللازم ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يوجب تأويل الصفة بلازمها بل يثبت الوصف ويثبت لازمه على الوجه اللائق بجلال الرب ، تبارك وتعالى ، بلا زيادة في التمثيل ، أو نقص في التعطيل ، فيثبت في هذا السياق وصف الرضى ولازمه من إرادة الثواب الذي عطف عليه ، فالعطف ، من هذا الوجه ، عطف لازم على مَلْزُومٍ ، أو عطف مسبَّبٍ على سبب ، فالرضى سبب في حصول الثواب ، وإن كان لكل حقيقة تغاير حقيقة الآخر فلا يحسن ، كما تقدم ، تأويل الوصف رضى بلازمه من الثواب الذي عطف عليه : وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ : فذلك الجزاء فضلا ، وهو مما أعد وَفُرِغَ منه ، وقد أطنب في وصف الجنات بالجملة : (تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) ، ولا تخلو المضارعة من استحضار للصورة فضلا عن دلالة الحال والاستقبال ، فالجنة قد خلقت بالنظر في مجموعها لا في جميع أجناس النعيم ، فثم منها ما يغرس حالا واستقبالا كلما أحدث العبد من الفعل ما له جزاء مخصوص يحدث شيئا فشيئا في الجنة ، فـ : "مَنْ قَالَ : سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ" ، وهو مما رواه الترمذي ، رحمه الله ، في جامعه ، وأردف أن حكم عليه بقوله : "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ" ، فهو غَرِيبٌ غَرَابَةً مطلقة مع أنه اشترط في ا***ن تعدد الطرق ، فيحمل ذلك على تعدد الشواهد وإن من أخبار أخرى تدل على نفس المعنى ، وإن بألفاظ غير ألفاظ الخبر فهي من رواية آخرين ، فتحمل على الشواهد كما كان الترمذي يقول في أحيان عقيب تخريجِ حديثٍ والحكمِ عليه : وفي الباب عن فلان وفلان ، أي في معنى الباب وإن في أخبار أخرى غير الخبر محل البحث ، وقد رواه من طريق أبي ال**ير عن جابر ، رضي الله عنه ، معنعنا ، أي بصيغة : عن ، وأبو ال**ير مدلس إلا فيما رواه الليث بن سعد عنه عن جابر ، كما قد نص بعض أهل العلم ، على خلاف في قبول ذلك ، فتقبل روايته بالعنعنة عن جابر من طريق الليث فقط إذ قد أوقفه فاستعلمه عما رواه سماعا من جابر ، رضي الله عنه ، فأمن تدليسه من هذا الوجه ، وليس هذا الخبر منها فقد فالراوي عن أبي ال**ير عن جابر هو : حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ ، فيحمل ذلك ، والله أعلم ، أن الترمذي ، رحمه الله ، قد عثر على شواهد له ولو كانت كما تقدم مما يرويه في الباب من شواهد من أخبار أخرى رواتها وطرقها غير الخبر محل البحث ، ومن ثم أطنب بالحال احترازا : خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، وأطنب بالظرف : "أبدا" ، فهو مما ينفي احتمال الفناء الذي ينغص أية نعمة ، وإن عظمت فمآلها الفناء والزوال ، ولو بعد طول زمان ، ومن ثَمَّ خَتَمَ بِقَصْرٍ بتعريف الجزأين ، فـ : ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، فضلا عن الإشارة إلى ما تقدم إشارة البعيد بـ : "ذلك" ، فهو مما اشتهر في لسان العرب أن يشار إلى ما انقضى في اللفظ ، ولو قريبا ، أن يشار إليه إشارة البعيد فضلا عن دلالة التعظيم ، فَثَمَّ علو في الوصف والرٌّتْبَةِ يحسن معه أن يشار إليه إشارة البعيد ، فذلك من العلو المعنوي ، كما في قوله تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فضلا أن العلو ا***ي مما يلحظ فيه فالجنات في السماوات ، وهي مما يعلو حسا ، وأعلاها الفردوس ، فَسَقْفُهُ عرش الرحمن ، جل وعلا ، كما في الخبر ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، والخبر قد ورد على حد الإطناب ، فثم **در يفيد بنفسه معنى يحسن في سياق الوعد ، وهو الفوز ، وثم وصف العظيم ، وهو مما استغرق بدلالة "أل" : أوصاف العظمة حسا ومعنى ، فضلا عن حده على مثال "فعيل" فلا يخلو من مبالغة في تَقْرِيرِ المعنى ، وإن حد من فعل لازم فدلالته دلالة الوصف المشبه ، وذلك ، من وجه آخر ، آكد في تقرير المعنى إذ الوصف المشبه مئنة من ملازمة الوصف للموصوف فلا يفارقه ولا ينفك عنه أبدا .
والله أعلى وأعلم .
مما تقرر في فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم أعلم الناس بِتَأْوِيلِ النصوص على وجه صحيح مشروع إذ فيهم بعث النبي الخاتم وعليهم نَزَلَ الوحي الناصح الذي استجمع مادة الصدق والعدل ، فصدق في الأخبار نفيا وإثباتا ، وعدل في الأحكام أَمْرًا وَنَهْيًا ، فَهُمْ مَنْ عَنَى ابْنُ عَبَّاسٍ ، رضي الله عنهما ، بقوله للخوارج : "أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صِهْر رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله" ، فَنَوَّهَ بمن أَتَى من عندهم فهم صفوة العالمين بعد الأنبياء والمرسلين ، عليهم السلام ، فذكرهم بالاسم الشرعي المحمود الذي أَثْنَى عليه الرَّبُّ المعبود ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، فـ : (السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) ، فصدر بلفظ السبق وهو مناط مدح ، وهو مئنة من تقدم في الدرجة وَأَوَّلِيَّةٍ في الرُّتْبَةِ ، فالإطناب بالوصف : "الأولون" ، يجري مجرى الوصف باللازم إذ السبق مظنة الأولية ، ولا يخلو من دلالة سَبَبِيَّةٍ ، إذ السَّبْقُ سَبَبٌ في حصول الأولية ، وثم إجمال في اللفظ وإن دل على حكم السبق فتلك مادة الاشتقاق ، وذلك ما يُرَشِّحُ دلالة الوصل في "أل" ، إذ دخلت على اسم مشتق سواء أكان اسم فاعل ، فينحل اللفظ إلى موصول صريح سواء أكان خاصا أم مشتركا ، جمعا أم مفردا ، فدلالة العموم فيها جميعا معتبرة ، فيصح في هذا اللفظ أن يقال : والذي سبق مفردا في الوصل الخاص ، أو : والذين سبقوا جمعا في الوصل الخاص الذي وضع في اللسان ، بادي الرأي ، لجماعة الذكور ودل على جماعة الإناث تغليبا فهم يعم السابقات من المهاجرات والأنصاريات ، أو : ومن سبق مفردا في الوصل المشترك ، أو : ومن سبقوا جمعا في الوصف المشترك ، فَيَنْحَلُّ اللفظ إلى الموصول الصريح وصلته التي يَنْصَرِفُ الذَّهْنُ ، بادي الرأي ، بدلالة اللسان ، أن يحدها على جهة المضارعة إذ اسم الفاعل نَائِبٌ عن مضارعه ، فَيَؤُولُ اللفظ إلى : والذين يسبقون من المهاجرين والأنصار ، فثم إجمال ، كما تقدم ، يستوجب سؤالا دل عليه السياق اقتضاء ، فمن هم أولئك الذين اتصفوا بالسبق والأولية ؟ ، وهذا سؤال يطرد في جميع موارد المدح والذم ، فيسأل السامع في موارد المدح سعيا أن يوافقهم في الوصف فيحصل له من وعد الخير ما حصل لهم ، أو يقاربهم فيحصل له من *** الوعد ما حصل لهم وإن لم يماثلهم في الرتبة ، فإن الوعد على درجات شتى ، ولكل درجة تليق بحاله بما حصل له من سبب الوعد من الإيمان والامتثال ، فذلك مِمَّا يستأنس به من يُقَرِّرُ الزيادة والنقص في باب الإيمان ، فالإيمان يزيد بالطاعة ، فيكون الإقرار والامتثال مناط الحكم مدحا ووعدا ، فكلما أمعن الناظر أو المخاطَب أن يؤمن فَيُقِرُّ ويمتثل ، فهو يصدق القول بالعمل ، كلما أمعن في ذلك حصل له من زيادة الإيمان ما يجعله يَرْقَى في الرتبة ويعلو في الدرجة ، وثم درجات لا تنال بكسب أو رياضة ، كدرجة النبوة ، وَيَلْتَحِقُ بها درجة الصحبة فهي فضيلة لا تعدلها فضيلة فَوَرَدَ التَّنْوِيهُ بِهَا فِي هذا الموضع ، والأمر يطرد وينعكس ، فكما أن الإيمان يزيد بالطاعة فهو ينقص بالمعصية ، فيكون التكذيب والجحود في الباطن والعصيان في الظاهر يكون ، كل أولئك ، مناط الحكم ذما ووعيدا ، فكلما أمعن الناظر أو المخاطَب في الوصف المذموم فجحد أو كذب ، وأبى أو استكبر ، وعصى ومرق إن على وجه ينقض كمال الإيمان الواجب أو على آخر ينقض أصل الدين إن كان العصيان مما ينقض الإيمان سواء أكان عصيان باطن في العقد أو آخر ظاهرا في القول أو العمل ، فكلما أمعن في ذلك حصل له من نقص الإيمان ما يجعله يَدْنُو في الرتبة وينحط في الدركة ، بل قد ينقص الإيمان حتى يَزُولَ فلا يَبْقَى منه شيء ! ، إن كان العصيان ، كما تقدم ، مما ينقض أصل الإيمان ، سواء أكان باطنا أم ظاهرا ، وذلك مقال أهل السنة في باب الأسماء والأحكام ، في مقابل مقال أهل الإرجاء إذ يقصرون ناقض الإيمان على الناقض الباطن من الجحود ونحوه ، فلا ينتقض الإيمان عندهم بقول أو عمل ، وذلك فرع عن انحراف آخر أن أخرجوا العمل كله مسمى الإيمان فلا يدخل في ماهيته التي تَتَأَلَّفُ عند أهل السنة من مجموع مركب من العقد والقول والعمل ، فلا يصح إيمان إلا أن يثبت من *** العمل ما ينفي عن صاحبه أنه تارك للعمل الترك المطلق ، فلا بد من ثبوت قدر من العمل يصدق الدعوى ، ولو بالنظر في أصلها دون كمالها الواجب ، فيحصل له مطلق الإيمان الذي يكافئ إسلام الأعراب في آية الحجرات ، فـ : (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) ، فإذا تَرَقَّى فِي باب العمل فَأَتَى من الواجب ما يجزئ ومن المندوب ما يجبر ، زاد إيمانه من مطلق إيمان أول فَبَلَغَ حد الإيمان الكامل ، فهو الإيمان المطلق الذي أنيط به الوعد بالنجاة ابتداء فيدخل الجنة بلا سابقة عذاب فضلا من رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فجاء الاستفهام : ومن أولئك ؟ ، فجاء الجواب بدلالة "من" ، فهي مئنة من بَيَانِ ال*** ، ولا تخلو من دلالة ابتداء للغاية ، فابتداء الغاية في بيان أولئك هو قَبِيلٌ بِعَيْنِهِ من البشر ، خصوا بفضيلة الصحبة من المهاجرين والأنصار ، رضي الله عنهم جميعا ، فعطف على جهة الوصل الإضافي ، وذلك ، من وجه ، عطف تغاير يستوفي شطري القسمة العقلية ، وهو ، من وجه آخر ، عطف تدرج من الأعلى إلى ما دونه ، وإن اشتركا جميعا في وصف الصحبة ، فهي على درجات ، فالمهاجرون خَيْرٌ من الأنصار إذ سَبَقُوا ، فَالسَّابِقُونَ فِي أَنْفُسِهِم على مَرَاتِبَ تَتَفَاوَتُ ، فَصَنَّفَ من صَنَّفَ في طبقات الصحابة ، رضي الله عنهم ، وإن استغرقهم جميعا وصف الصحبة الأعم ، فثم أوصاف أخص من مهاجرين وأنصار وبدريين ومن شهد الحديبية وصغار الصحابة ومن أسلم يوم الفتح ..... إلخ ، فالمهاجرون خير من الأنصار ، وذلك ، من وجه آخر ، يجري مجرى التفضيل لمجموع على مجموع لا جميع على جميع ، فثم آحاد من كبار الأنصار لهم فضيلة تزيد على فضيلة بعض المهاجرين ممن تأخر إسلامهم فتأخرت هجرتهم ودلالة اللفظ : اسم على مسمى ، إذ اشتق من مادة الهجرة والنصرة ، فدلالة "أل" ، من هذا الوجه ، دلالة الوصل إذ اتصل باسم مشتق ، ومناط الفائدة ، كما تقدم ، المعنى الذي اشتق منه اسم الوصف ، فتقدير الكلام : والسابقون الأولون من الذين هاجروا والذين نصروا ، فثم من هاجر ، وثم من آوى ونصر ، ولكل فضلا لا يجحد ، فلا يجحده إلا من أراد أن يطعن في هذا الدين ، فتحايل أن يطعن في نقلته ، فذلك قول قصد صاحبه ، كما يقول ابن عقيل رحمه الله ، أن يطعن في أصل الدين والنبوة ، فما ورد من ذلك أمر غيب بالنظر في حال الخلف الذين تلقوا ذلك نقلا عن السلف ، فإن طعن من طعن في واسطة النقل بين النبوة والخلف ، وهي السلف ، انقطعت سلسلة الإسناد الصحيح فهي مستند الناظر فيما يطمئن به من الذكر ، فإذا طعن في الواسطة سقط الاحتجاج بالخبر فبطل الدين أصلا وفرعا ، فضلا عما يستوجبه ذلك من الطعن في مقام النبوة ، أن كان أولئك أتباعها فلو كانت حقا ما سارعوا إلى نقض حكمها وإبطال وصيتها وظلم أهلها وذويها ، كما زعم من زعم من الغلاة في آل البيت ، رضي الله عنهم ، وعليه يبطل قول من قال إن دلالة "من" في هذا السياق دلالة تبعيض فتخص الفضيلة بعضا دون آخر ، كما قال من قال مثل ذلك في قوله تعالى : (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) ، فإن كلهم قد وعد با***نى ، لا بعضهم ، إذ دلالة "من" : دلالة بَيَانٍ لل*** ، فهي تستغرق جميع الأفراد لا بعضهم ، كما في قوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) ، فلا يتصور أن يكون بعضها رجسا وبعضها طاهرا فيفيد الكلام بمنطوقه : اجتناب الرجس من الأوثان دون الطاهر فيجوز قُرْبَانُهُ ! ، وَإِنَّمَا الأوثان كلها رجس لا يجوز قُرْبَانُهَا ، فكذلك الشأن في "من" فلا مفهوم لتبعيض أن بعضهم قد سبق والآخر لم يسبق ، أو أن بعضهم قد وعد بالمغفرة والأجر العظيم وبعض لم يُوعَدْ ، فتكون تلك ذريعة إلى الطعن في بعضهم ، بل قد بلغت الحال بمن تأخر من أهل البدعة المغلظة أن كَفَّرَ جمهورهم ، بل وأنكر من الدين ما قد علم ضرورة من نصوص الثناء المتواتر على مجموعهم ، ونصوص الثناء الخاص على آحاد منهم قد تواترت فضائلهم بل وخصائصهم على وجه لا يُنْكِرُهُ إلا جاحد أو مسفسط ! ، فتأولها التأويل الباطل أن كل أولئك كان قبل ارتدادهم على أعقابهم خاسرين ! ، فتحكم بلا دليل ، لو سلم بجواز ما يقول ابتداء ، فإن تلك أخبار ، والأخبار لا يجوز نسخها إذ يَلْزَمُ من ذلك تكذيب الخبر ! ، وكأن من خلقهم وَأَثْنَى عليهم لم يكن يعلم بما سَتَؤُولُ إليه حالهم من الردة والنكوص على الأعقاب ! ، والبدعة لا تزال بصاحبها حتى تخرجه عن حد العقل فضلا عن حد الشرع ! ، وذلك من شؤم الغلو والتعصب والذي يقترن في العادة بالجهل المطبق ، ولو تأملت ذلك الطعن في الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، لوجدته محل إجماع بين جميع أعداء الملة من الكفار الأصليين والمرتدين والمنافقين وأهل الأهواء وكل من في قلبه شك أو غل لهذا الدين وأهله ، وقد أطلق في وصفهم وعطف على جهة الاستيفاء لأجزاء القسمة العقلية ، عطف على جهة الوصل : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ : فَقَيَّدَ في المقابل بالحال : "بإحسان" ، فهي في تقدير : والذين اتبعوهم محسنين ، فأطلق في حق الأولين فهم الأعلم بالتأويل كما تَقَدَّمَ من مقال ابن عباس ، رضي الله عنهما ، إذ ناظر الخوارج ، فـ : "أتيتكم من عند المهاجرين والأنصار ومن عند صِهْر رسولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ علي، وعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بتأويله" ، وهم الأصدق في القول والنقل ، وهم الأفصح فقد نَزَلَ الوحي بِلِسَانِهِم ، وهم الأنصح لخاصة المؤمنين وعامتهم فاجتهدوا في تبليغ الشريعة ، وبيان ألفاظها أخبارا وأحكاما ، ونصروا الدين بالحجة والبرهان والسيف والسنان ، ففتحوا الجنان بالبرهان الصادق ، وفتحوا البلاد بالسنان العادل ، فلا ظلم ولا جور ، فأخلصوا النصح لسائر الأمم ، فهم الأمة التي أخرجت للناس تدعوهم إلى الحق ، فوصفهم في التنزيل : خير أمة ، فـ : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فكنتم خير الناس للناس ، كما في الأثر ، فَلَهُمْ من الفضيلة ما ليس لمن جاء بعدهم ، فأطلق وصفهم وقيد وصف من جاء بعدهم أن يتبعهم محسنا فلا يبدل ولا يغير ، فيسلك جادتهم في القول والعمل ، في العقد والشرع ، والحكم والسياسة ، والزهد والرياضة ، وسائر موارد الاختيار التي يناط بها التكليف ، فعطف بالوصل ، ومناط الفائدة ، كما تقدم ، هو المعنى الذي اشتقت منه الصلة ، وبعد الإطناب الذي استغرق أجزاء القسمة العقلية عطفا بالواو ، وَتَدَرُّجًا من الأعلى إلى من دونه ، بعد هذا الإطناب في بيان أجزاء المسند إليه جاء الحكم المسند على حد الإخبار بالماضي : (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) ، مئنة من تحقق الحكم وحصوله في نفس الأمر ، فهو ، من *** الإخبار بالماضي في قَوْلِهِ تَعَالَى : (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، فذلك مئنة من تحقق وقوعه في نفس الأمر ، كما تقدم ، فجاء الخبر المسند : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ : فذلك الوصف ثَنَاءً ، على جهة الجناس في الاشتقاق ، فمادة الاشتقاق واحدة ، وهي الرضى ، وثم طباق إيجاب ومقابلة بالنظر في الشطرين ، وثم مشاكلة في اللفظ لا تخلو من مشاكلة في المعنى بالنظر في ال*** الأعم ، وهو مطلق الرضى في الذهن وهو مما يقبل الشركة فيه على حد المشترك المعنوي المطلق في الذهن والذي تنقسم آحاده في الخارج ، فثم رضى الخالق ، جل وعلا ، وثم رضى المخلوق وشتان بينهما في الحقيقة في الخارج وإن اشتركا في المعنى الكلي المشترك في الذهن فالمشاكلة في اللفظ وفي مطلق المعنى في الذهن وذلك ما ينفي التعطيل الذي يحصل بنفي دلالة اللفظ مطلقا ، وليس ثم ، في المقابل ، مشاكلة في الحقيقة والماهية في الخارج فشتان وصف الخالق ، جل وعلا ، ووصف المخلوق في المقابل وذلك ما ينفي التمثيل الذي يحصل بإثبات قدر مشترك بين الحقيقتن في الخارج خلافا لإثبات قدر مشترك من المعنى في الذهن فلا يلزم منه تشبيه أو تمثيل في الخارج بل لا يدل لفظ ، أي لفظ ، على معناه إلا بإثبات هذا القدر المعنوي المطلق في الذهن ، وقد قدم الأشرف منهما وهو رضى الله ، جل وعلا ، فهو الشأن ، كل الشأن ، وذلك مما يثبت لله ، جل وعلا ، على الوجه اللائق بجلاله فلا وجه أن يتأول بإرادة الإنعام أو الإحسان ، كما اطرد في مسلك المتكلمين أن تأولوا وصف الرضى والمحبة والغضب ..... إلخ ، بالإرادة إن جمالا بالإنعام ، أو جلالا بالانتقام ، وذلك حق بالنظر في اللازم ، ولكنه ، من وجه آخر ، لا يوجب تأويل الصفة بلازمها بل يثبت الوصف ويثبت لازمه على الوجه اللائق بجلال الرب ، تبارك وتعالى ، بلا زيادة في التمثيل ، أو نقص في التعطيل ، فيثبت في هذا السياق وصف الرضى ولازمه من إرادة الثواب الذي عطف عليه ، فالعطف ، من هذا الوجه ، عطف لازم على مَلْزُومٍ ، أو عطف مسبَّبٍ على سبب ، فالرضى سبب في حصول الثواب ، وإن كان لكل حقيقة تغاير حقيقة الآخر فلا يحسن ، كما تقدم ، تأويل الوصف رضى بلازمه من الثواب الذي عطف عليه : وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ : فذلك الجزاء فضلا ، وهو مما أعد وَفُرِغَ منه ، وقد أطنب في وصف الجنات بالجملة : (تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) ، ولا تخلو المضارعة من استحضار للصورة فضلا عن دلالة الحال والاستقبال ، فالجنة قد خلقت بالنظر في مجموعها لا في جميع أجناس النعيم ، فثم منها ما يغرس حالا واستقبالا كلما أحدث العبد من الفعل ما له جزاء مخصوص يحدث شيئا فشيئا في الجنة ، فـ : "مَنْ قَالَ : سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الجَنَّةِ" ، وهو مما رواه الترمذي ، رحمه الله ، في جامعه ، وأردف أن حكم عليه بقوله : "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ" ، فهو غَرِيبٌ غَرَابَةً مطلقة مع أنه اشترط في ا***ن تعدد الطرق ، فيحمل ذلك على تعدد الشواهد وإن من أخبار أخرى تدل على نفس المعنى ، وإن بألفاظ غير ألفاظ الخبر فهي من رواية آخرين ، فتحمل على الشواهد كما كان الترمذي يقول في أحيان عقيب تخريجِ حديثٍ والحكمِ عليه : وفي الباب عن فلان وفلان ، أي في معنى الباب وإن في أخبار أخرى غير الخبر محل البحث ، وقد رواه من طريق أبي ال**ير عن جابر ، رضي الله عنه ، معنعنا ، أي بصيغة : عن ، وأبو ال**ير مدلس إلا فيما رواه الليث بن سعد عنه عن جابر ، كما قد نص بعض أهل العلم ، على خلاف في قبول ذلك ، فتقبل روايته بالعنعنة عن جابر من طريق الليث فقط إذ قد أوقفه فاستعلمه عما رواه سماعا من جابر ، رضي الله عنه ، فأمن تدليسه من هذا الوجه ، وليس هذا الخبر منها فقد فالراوي عن أبي ال**ير عن جابر هو : حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ ، فيحمل ذلك ، والله أعلم ، أن الترمذي ، رحمه الله ، قد عثر على شواهد له ولو كانت كما تقدم مما يرويه في الباب من شواهد من أخبار أخرى رواتها وطرقها غير الخبر محل البحث ، ومن ثم أطنب بالحال احترازا : خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ، وأطنب بالظرف : "أبدا" ، فهو مما ينفي احتمال الفناء الذي ينغص أية نعمة ، وإن عظمت فمآلها الفناء والزوال ، ولو بعد طول زمان ، ومن ثَمَّ خَتَمَ بِقَصْرٍ بتعريف الجزأين ، فـ : ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، فضلا عن الإشارة إلى ما تقدم إشارة البعيد بـ : "ذلك" ، فهو مما اشتهر في لسان العرب أن يشار إلى ما انقضى في اللفظ ، ولو قريبا ، أن يشار إليه إشارة البعيد فضلا عن دلالة التعظيم ، فَثَمَّ علو في الوصف والرٌّتْبَةِ يحسن معه أن يشار إليه إشارة البعيد ، فذلك من العلو المعنوي ، كما في قوله تعالى : (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ، فضلا أن العلو ا***ي مما يلحظ فيه فالجنات في السماوات ، وهي مما يعلو حسا ، وأعلاها الفردوس ، فَسَقْفُهُ عرش الرحمن ، جل وعلا ، كما في الخبر ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، والخبر قد ورد على حد الإطناب ، فثم **در يفيد بنفسه معنى يحسن في سياق الوعد ، وهو الفوز ، وثم وصف العظيم ، وهو مما استغرق بدلالة "أل" : أوصاف العظمة حسا ومعنى ، فضلا عن حده على مثال "فعيل" فلا يخلو من مبالغة في تَقْرِيرِ المعنى ، وإن حد من فعل لازم فدلالته دلالة الوصف المشبه ، وذلك ، من وجه آخر ، آكد في تقرير المعنى إذ الوصف المشبه مئنة من ملازمة الوصف للموصوف فلا يفارقه ولا ينفك عنه أبدا .
والله أعلى وأعلم .