تسجيل الدخول

مشاهدة النسخة كاملة : من خبر : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ .."


rss
03-24-2016, 08:20 AM
من خبر : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ .."
ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ، فذلك من الحديث القدسي الذي ورد معناه من الله ، جل وعلا ، وحد لفظه من كلام صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فهو ، من هذا الوجه ، نوع من أنواع الحديث ، إذ كلها يجمعها هذا الوصف أن المعنى من الوحي ، واللَّفْظُ من صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ولكن في الحديث القدسي معنى أخص يَقْطَعُ بِنِسْبَةِ المعنى إلى الله ، جل وعلا ، على جهة القول ، فالحديث قد يكون معناه من الوحي على جهة الإقرار في مورد اجتهاد ، فلا ينسب القول إلى الله ، جل وعلا ، تصريحا ، وإن نسب إليه تقريرا أن سكت الوحي في موضع البيان ، ولا يسكت الوحي فَيُقِرُّ صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم على خلاف الأولى فضلا أن يقره على باطل ، فالسكوت في موضع البيان بيان إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، فقال الله تبارك وتعالى : فثم دعاء ثناء فالخبر يحكي صفة الرب ، جل وعلا ، فَتَبَارَكَ ، فذلك وصف الذات ، وبارك ، فذلك وصف الفعل ، فالله ، جل وعلا ، قد اتصف بالبركة ، وهي مئنة من زيادة ، وتلك زيادة في الثناء بوصف الكمال المطلق ، وذلك معنى يحصل على حد الاشتراك ، فهو من المعاني المطلقة في الذهن ، فيحصل الاشتراك فيها على جهة الانقسام في الخارج ، فالبركة تَنْقَسِمُ في الخارج فَثَمَّ بركة الخالق ، جل وعلا ، وثم بركة المخلوق ، والقدر الفارق بينهما كالقدر الفارق بين الذاتين ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، أصل في باب الإلهيات ، إذ الكلام في الصفات كمالا أو نَقْصًا فَرْعٌ على الكلام في الذوات كمالا أو نقصا ، ولكل موصوف ما يليق به ، فَبَرَكَةُ الخالق ، جل وعلا ، بداهة ، أعظم ، فهي بركة لا تحدها العقول وإن وجدت آثارها با*** الظاهر بما تجد من قدرة وحكمة ورحمة فِي الخارج ، في خلق هذا العالم ، وَجَرَيَانِهِ على هذا السنن المحكم ، وما فيه من النعم والآلاء الَّتِي تَرُبُّ الأديان والأبدان جَمِيعًا ، فالبركة ، من هذا الوجه ، منها اللازم الذي يُثْنَى به على الرب ، جل وعلا ، في ذاته ، ومنها المتعدي الذي يُثْنَى به عليه ، تبارك وتعالى ، في فعله ، فهو المبارَك في ذاته ، المبارِك لغيره ، فَالْأُولَى تُرَشِّحُ معنى التوحيد في الذات والاسم والوصف بالثناء المطلق ، والثانية ترشح معنى التوحيد في الفعل ربوبية منها اختراع لا على مثال سابق به تبطل شبهة من أنكر البعث والنشور ، فإن من خلق ابتداء فأبدع في صنعه وأتقن ، فهو على الإعادة أقدر ، فضعف المادة ، كما يذكر صاحب "التلبيس" رحمه الله ، من شبه من أنكر البعث ، فمن خلق ابتداء من هذه المادة الضعيفة ، فخلق من التراب ، فهو مادة الخلق الرئيسة التي انقلبت عَيْنُهَا إلى اللحم والدم والعظم والعصب ، وأخرج الإنسان من نطفة مهينة ، من صنع ذلك فهو على الإعادة أقدر ، فذلك من قياس الأولى الذي يقلب الشبهة أن تصير حجة على من تلبس بها فضعف المادة شاهد عليهم لا لهم ، فـ : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ، فَثَمَّ قصر بتعريف الجزأين ، وثم تفضيل يجري على الحقيقة ، فهو ، جل وعلا ، أغنى الشركاء ، وذلك من الوصف المقيد ، وثم وصف مطلق وَرَدَ فِي نصوص أخرى ، فالله ، جل وعلا ، هو الغني الحميد فذلك وصف الجمال ، فدلالة "أل" في "الغني" مئنة من العموم الذي اسْتَغْرَقَ مَعَانِي الغنى جميعا ، فذلك من الاسْتِغْرَاقِ المعنوي الذي يجرى مجرى المجاز ، عند من يجوزه في الشرع واللسان ، فإن الاستغراق معنى ينصرف إلى الذوات المحسوسة في الخارج ، وقد ينصرف إلى المعاني المعقولة ، وقد يقال إن الاسْتِغْرَاقَ *** مطلق في الذهن تنقسم موارده في الخارج ، فثم استغراق للذوات ، وآخر للمعاني ، والسياق هو الذي يعين مراد المتكلم ، فقد يرشح استغراق المحسوس ، كما في قوله تعالى : (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، فهو يستغرق جميع الأطفال في الخارج ، وإن خص بالوصف الذي يليه ، فدلالته ، من وجه آخر ، دلالة بيان لل*** ، وال*** مطلق في الذهن ، فيحصل البيان بالقيد ، وهو الوصف الذي اشتقت منه الصلة : (لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) ، ودلالة الموصول : "الذين" الذي وصف به الاسم وقد حد على جهة الجمع المذكر ، مما رشح دلالة الاستغراق ، ولو كان الوصف بالاسم المفرد "الذي" لدل على العموم ، أيضا ، فالوصل مئنة من العموم سواء أحد على جهة الجمع أم على جهة المفرد ، وقد تدل "أل" على الاستغراق المعنوي إذا اتصلت باسم معنى كالغنى واللطف .... إلخ ، سواء أكان ذلك على جهة اسم الفاعل أم الوصف المشبه ، وقد تدل على الاثنين ، كما في قوله تعالى : (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، فالتحلية بـ : "أل" تستغرق معاني الكفر فتنصرف إلى الكفر الأكبر ، وهي تستغرق آحادا في الخارج فمعنى الكثرة فيها ظاهر ، إذ هي *** تدخل تحته آحاد من الحكام بدلوا الشرع ، وحكموا بالوضع ، فالعموم من وجه آخر لا يستغرق جميع الكافرين فليس سبب الكفر الوحيد هو تبديل الشرع والحكم بالوضع المحدث الذي يأرز إلى الهوى والذوق ، سواء أكان مكتوبا مسطورا أم عرفا يتحاكم إليه الناس ، كما يصنع ساسة الجور الذين يرومون حمل الناس على أهوائهم وإن خالفت الوحي أن عارض سيادتهم المطلقة فوحده الذي يحسم مادة الطغيان إذ يحصل العدل بِرَدِّ الأمر إلى صاحبه ، فمناط الصراع الرئيس هو السيادة ، فالسيد هو المقدم المطاع الذي يخضع له أتباعه فَيَنْزِلُونَ على حكمه ، فَثَمَّ شرك في الطاعة ، وهو مناط الصراع الرئيس بين النبوة وخصومها ، فالنبوة جاءت تقرر غنى الله ، جل وعلا ، عموما فهو الغني عن الأسباب إذ هو الذي خَلَقَهَا وَأَجْرَاهَا على سنن محكم فهو مدبر أمرها ، فغناه ، جل وعلا ، الغنى المطلق في الذات والوصف والفعل ، فهو الغني عن الأسباب فتلك دلالة العموم في "الغني" ، فَثَمَّ عموم معنوي ، فاستغرقت : "أل" معاني الغنى ، وذلك وصف ذات لا يفارقها ، وهو ما تظهر آثاره في الرُّبُوبِيَّةِ ، فهو ، جل وعلا ، غني في الذات ، وغيره فقير إليه ، فـ : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، فتوجه النداء إلى الناس جميعا ، فوصف الفقر يلازمهم جميعا سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين ، رجالا أم نساء ، صغارا أم كبارا ... إلخ ، فتلك قرينة ترشح معنى العموم في "أل" التي دخلت على "الناس" فتقطع بعموم اللفظ وَتَنْفِي احتمال التخصيص ، فتوجه النداء على جهة التعظيم للمنادي والشحذ لذهن المنادى أن يَتَنَبَّهَ وَيَتَفَطَّنَ لفحوى الخطاب ، وحصل الطباق إيجابا على وجه صحيح اسْتَغْرَقَ شطري القسمة ، الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، فالأول غَنِيٌّ والغنى وصف ذات لازم له أبدا ، فحسن من هذا الوجه الحصر والتوكيد بقصر بتعريف الجزأين ، فـ : (َاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ، فضلا عن دلالة ضمير الفصل "هو" ، واسمية الجملة ، من وجه آخر ، ودلالة "أل" في "الغني" على العموم المعنوي المستغرق لأوصاف الغنى وثم ، أيضا ، دلالة عموم آخر في "أل" في "الحميد" ولا يخلو ذلك من تَرَقٍّ في الوصف من الغنى الأخص إلى الحمد الأعم الذي يستغرق سائر أوصاف الجمال وهو من هذا الوجه يشاطر اسم "المجيد" ، يشاطره الوصف بالكمال المطلق فالأول مئنة من الجمال والثاني مئنة من الجلال وبهما جميع يحصل الثناء بالكمال المطلق ، والثاني فَقِيرٌ ، والفقر ، أيضا ، وصف ذات لازم له أبدا ، وذلك ما حد ، أيضا ، على جهة القصر بتعريف الجزأين : (أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ) ، ومن ثم أطنب في بيان فقرهم في مقابل غناه المطلق وقدرته التامة فالقدرة على الخلق من لوازم الغنى في الوصف ، فـ : (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ) ، فذلك من الشرط وفيه مئنة تلازم لا تخفى بَيْنَ الشرط والمشروط جميعا ، ومن ثم نفى احترازا : (وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ) ، وزيد في توكيد النفي بالباء التي دخلت على خبر "ما" ، فما ذلك عليه ، جل وعلا ، بعزيز لكمال القدرة والغنى .
فالرب ، جل وعلا ، غَنِيٌّ فَذَلِكَ وصف الذات اللازم ، مُغْنٍ فَذَلِكَ وصف الفعل المتعدي ، فهو يغني غيره بما أجرى من الأسباب التي تظهر فيها آيات القدرة والحكمة والرحمة ، فَثَمَّ رُبُوبِيَّةُ الجلال في قدرة نافذة على إجراء أسباب الخلق على سنن محكم به ينتظم أمر هذا العالم ، على وجه يدل ، بداهة ، على تمانع في الرُّبُوبِيَّةِ فلا يستقيم الأمر إلا وَثَمَّ رب واحد يخلق وَيَرْزُقُ وَيُدَبِّرُ ، فَبِأَمْرِهِ انتظم أمر العالم ، فَتَمَانَعُ في الربوبية انْفِرَادًا في الخلق والرزق والتدبير ، يوجب التمانع في الألوهية انْفِرَادًا في العبادة والتأله في جميع موارده ما خص الفرد في عقده وصلاته وزكاته وطعامه وشرابه ولباسه وسائر أفعاله وما عم الجماعة في أحكامها وأخلاقها وسائر أحوالها ، فغناه ، جل وعلا ، عن الأسباب لكمال ذاته ، وغناه أن امتن على الخلق بأسباب الإيجاد والإعداد والإمداد ، فجعل الهيئات ابتداء بفطر بديع لا على مثال سابق ، وجعل الصور المحكمة فهي مما أَتْقَنَ في الصنع ، وَأَمَدَّ هذه الصور بالأسباب التي بِهَا تحفظ وبها يحصل الصلاح بتدافع الأسباب ، فيستقيم أمر الكون ، فكل أولئك مئنة من غنى مطلق فِي الرُّبُوبِيَّةِ يُرَشِّحُ دلالة الغنى المطلق في الألوهية ، فـ : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ" ، فتلك دلالة القصر بتعريف الجزأين ، وهو قصر حقيقي ، فلا أغنى من الرب ، جل وعلا ، فدلالة التفضيل من هذا الوجه دلالة حَقِيقِيَّةٌ لم تُنْزَعْ دلالتها ، فـ : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ، ودلالة "أل" في "الشرك" : دلالة بَيَانٍ لِلْجِنْسِ ، من وجه ، ودلالة اسْتِغْرَاقٍ للأنواع والآحاد ، من وجه آخر ، فهو يعم الشرك كله ، أكبره وأصغره ، ظاهره وخفيه ، فَيَعُمُّ شرك العقد ، وشرك الإرادة ، وشرك المحبة ، وشرك الطاعة ، وشرك الرياء ، وهو ما ينصرف إليه اللفظ في هذا النص لِقَرِينَةِ السياق ، ، وهو في نفسه ، *** تندرج تحته أنواع ، فثم رياء في أصل الدين وهو النفاق ، فذلك يندرج في الشرك الأكبر ، وهو ، من وجه آخر ، كفر أكبر ينقل عن الملة ، إذ *** الكفر أعم ، فمن الكفر الأعم ما هو شرك أخص ، ومن الشرك الأخص ما هو رياء أخص ، والرياء في نفسه ينقسم ، فَمِنْهُ أكبر في أصل الدين ، وَمِنْهُ أصغر في عمل بعينه ، فثم شرك يحبط عملا بعينه ، وهو شرك الرياء في عمل مخصوص فهو يقع في آحاد دون المجموع ، وهو يقع في الفرع لا في الأصل ، وهو ، كما يقول بعض المحققين ، مما لا يتصور في أعمال كالصلاة والزكاة الواجبة فتلك من أركان الدين التي لا يُتَصَوَّرُ حصول الشرك فيها ، ولو بالرياء ، فإن من يُرَائِي في ركن كالصلاة فلا يصلي إلا رياء ! ، لا يتصور أنه ممن آمن أو أسلم إسلاما صحيحا ينفع ، وإن أسلم في الظاهر فأتى بِرُكْنِ القول شهادة و*** العمل الذي لا تصح دعوى الإسلام في الظاهر إلا به ، فتجري عليه أحكام الإسلام إلا أن يستعلن بما يدل على نفاقه الأكبر الذي أخفاه وستره بما أظهر من شعار الإسلام الظاهر ، وَثَمَّ في المقابل شرك يحبط العمل كله ، وهو الشرك الأكبر ، كَشِرْكِ الرِّيَاءِ في أصل الدين ، وَشِرْكِ الحكم بِتَبْدِيلِ مناط الوحي ، وَشِرْكِ العبادة ، وَشِرْكِ المحبة وما يفضي إليه من خَلَلٍ عظيم في الولاء وَالْبَرَاءِ ، فتلك دلالة تلازم في النقل والعقل وا*** فمن احب أهل الكفر حتى نصرهم بالقول أو العمل بل ولو نصرهم بالقلب أن رغب في ظهورهم على أهل الإسلام وفرح بذلك وحزن في المقابل إن ظهر أهل الإسلام عليهم فذلك في نفسه ينقض أصل الإيمان وإن لم يقل ويعمل فكيف إذا صدق ما بطن بما ظهر من القول والعمل ؟! ، فدلالة "أل" فِي الشِّرْكِ تَعُمُّ كل ذلك ، ومن ثم استأنف على حد الشرط الذي يفيد بالمنطوق والمفهوم ، فـ : "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ، وقيد الشرط بالوصف ، فإن ال**در أو المفعول : "عملا" يُوَطِّئُ لما بعده من الوصف ، فهو مناط الفائدة ، فثم إطناب في الوصف ، وثم إحالة قَبْلِيَّةٌ في الضمير فهو رابط الوصف ، وثم عموم في الإضافة في "غيري" ، فهو يَعُمُّ كل من سوى الله ، جل وعلا ، فمن صنع ذلك فَوَقَعَ فِي الشرك ، فالعمل لمن أشرك ، إِذِ الرب ، جل وعلا ، غَنِيٌّ عن الشرك ، فجاء الجواب : "تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ" ، فثم نصب على المعية أو العطف ، فالواو تحتمل أن تكون واو معية ، إذ المعطوف عليه وهو المشرك يخالف الشرك في الحقيقة ، فالأول له حقيقة في الخارج ، والثَّانِي معنى يَقُومُ بالمشرك ، فحصل التخالف الذي يرشح دلالة المعية كما في قولك : ذاكرت وضوءَ ال**باح ، فالمعطوف عليه وهو المتكلم يخالف ضوء ال**باح على وجه لا يتصور فيه العطف على تكرار العامل ، فلا يُتَصَوَّرُ أن ينسب الحكم إلى المعمولين ، وقد يقال إن الحكم يصح تسلطه على المعمولين ، فالترك يصح تسلطه على المشرك والشرك جميعا ، فالرب ، جل وعلا ، يَبْرَأُ من العمل والعامل جميعا ، وَثَمَّ عموم ، كما تقدم ، فِي دلالة الشِّرْكِ الذي أضيف إلى الضمير فاستفاد التعريف في اللفظ والتوضيح والتعميم في المعنى ، وَثَمَّ مفهومٌ أن من سَلِمَ من الشرك فَالرَّبُّ ، جل وعلا ، يقبل عمله ، فيأخذه ولا يرده ، فهو يقبل الطيب وَيُنَمِّيهِ ، فـ : "إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا" ، فَثَمَّ توكيد بالناسخ ، فضلا عن اسمية الجملة ، فجاء الإخبار باسم الطيب ولا يخلو من دلالة الوصف ، فهو من الأسماء ذات الدلالات السلبية إذ تسلب وصف النقص على جهة الإجمال ، كما اطرد في هذا الباب ، فدلالته دلالة التنزيه فيشبه ، من هذا الوجه ، أسماء كالسبوح والسلام ، فقد سلم ، جل وعلا ، من النقص في الذات والوصف ، وذلك ما يستوجب إثبات كمال الضد من الكمال والغنى المطلق ، وذلك أصل في باب الإلهيات فلا يُرَادُ النَّفْيُ لذاته ، وإنما يجب أن يُقْرَنَ بلازمه من إثبات كمال ضده ، فضلا أن النفي مما يحسن فيه الإجمال في مقابل إطناب في الثناء بوصف الكمال فَيَرِدُ على جهة التفصيل لآحاده ، فنفي النقص يستوجب بدلالة اللزوم إثبات ضده من الكمال المطلق ، ونفي الفقر يستوجب بدلالة اللزوم ، أيضا ، إثبات كمال ضده من الغنى ، فوصفه ، جل وعلا ، أنه طيب قد سلم من النقص وتنزه يوجب بدلالة اللُّزُومِ ، أنه الغني عن الشرك ، فلا يقبل إلا طيب العمل الذي سلم من شوب النقص ، إن في النية ، فذلك توحيد القصد أن يخلص العبد العملَ فلا يصرف منه شيئا إلى غير الله ، جل وعلا ، وإن في الماهية ، فذلك توحيد المتابعة لصاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيكون العمل على منهاج السنة ، ويكون الحكم على منهاج الشرعة ، فالرب ، جل وعلا ، طيب ، وثم إطناب على جهة الفصل فلا وصل بعاطف إذ ذلك يجري مجرى التعدد في الأخبار ، فثم خبر مفرد ، وآخر حُدَّ على جِهَةِ الجملة الفعلية التي صدرت بالنفي : "لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا" ، فَأَفَادَ العمومَ إذ تَسَلَّطَ على ال**در الكامل في الفعل فَلَا قَبُولَ مطلقا إلا للطيب من الأعيان والأحوال ، فثم عموم آخر إذ تسلط النفي على النكرة : "طيبا" ، فعم الأعيان والأحوال ، كما تقدم ، فـ : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) ، فذلك طيب الأعيان ولا يخلو إخراجه من طيب في الأحوال ، إذ إخراج الطيب مئنة من إخلاص صاحبه فيخرجه راضيا طيب النفس ، وقد يحملها على ذلك حملا إن لم تطب به ، بادي الرأي ، فيحملها على ما تكره حتى تَرْغَبَ فيه فَلَا تَعْدِلَ عنه ، فـ : (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ، فحصل الطباق في آية البقرة بَيْنَ الطيب والخبيث ، فذلك من دلالة التلازم في الحكم المعلل ، إذ يَدُورُ الحكم مع الوصف الْمُؤَثِّرِ فِي التَّعْلِيلِ ، يَدُورُ معه وجودا وعدما ، فثم أمر بالإنفاق من الطيب ولازمه النهي عن الإنفاق من الخبيث ، فالرب ، جل وعلا ، لا يقبل إلا طيبا من الأعيان ومن الأحوال ، فلا يقبل من الأحوال ما نقص بشرك يبطل العمل كله ، أو يبطل العمل الذي وقع فيه فالرب ، جل وعلا ، منه بريء ، وذلك ما ورد النص عليه في موضع آخر ، فـ : "أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ فَمَنْ عَمَلَ عَمَلًا فَأَشْرَكَ فِيهِ غَيْرِي فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ وَهُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ" ، فأطنب في وصف العمل ، كما تقدم ، فقد وفع فيه الشرك وأجاب بالجملة الاسمية ، فـ : "أَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ" ، وذلك مظنة البطلان ، وذلك خبر يوجب إنشاء التحريم ، فذلك مما علم ضرورة ، فالشرك أعظم محرم ، وضده من التوحيد أول واجب وأعظمه ، فثم إنشاء بنهي استفيد من سياق الخبر ، إذ براءة الله ، جل وعلا ، من عمل ، مظنة التحريم ، فذلك من التلازم الصريح في العقل ، فذم الشيء خبرا يستوجب النهي عنه ، كما أن مدحه في سياق التكليف يستوجب الأمر به ، إما إيجابا أو ندبا ، وثم إنشاء آخر بدلالة تلازم ثان ، إذ النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده ، فذم الشرك بالبراءة منه ومن أهله اقتضى النهي عنه ، وما هو يفيد بدلالة التلازم مدح ضده من التوحيد والأمر به في المقابل .
وأطنب في الذم وذلك ما يحسن في سياق التنفير ، فـ : "هُوَ لِلَّذِي أَشْرَكَ" ، إذ لا يَفْتَقِرُ الرَّبُّ ، جل وعلا ، لما خلص من الأعمال فكيف بما شابه الشرك ، فلا حاجة له فيه من باب أولى فهو للذي أشرك ، وزاد في رواية : "وَلْيَلْتَمِسْ ثَوَابَهُ مِنْهُ" ، فذلك من أمر الإهانة بِرَدِّهِ إلى ناقص لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا أن يثيب غيره أو يعاقبه ! ، ولا يخلو من دلالة تهكم إذ لا ثواب في عمل حبط بالشرك ! .

والله أعلى وأعلم .