rss
03-22-2016, 07:25 AM
من آية : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ ..)
ومن قوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فذلك الوحي العام الذي نَزَلَ على جميع الأنبياء ، عليهم السلام ، فهو الدين العام الذي اشتركت فيه جميع الرسالات ، فذلك وحي الرسالة الشرعي ، وذلك أعظم وحي ، إذ به هداية البشر وصلاح الأرض ، بصلاح الأديان أن يصح توجه القلب ، فهو يَنْهَلُ من معين التوحيد الصافي الذي سلم من شوب الشرك وكدره ، فسلم من شوب الشرك في الذات والوصف ، كما وقع من أهل الحلول والاتحاد ، وتلك عقائد قديمة نشأت في بلاد الهند واليونان ، وهي أمم لم تعرف من النبوة شيئا ، فكان ضلالها عن التوحيد أعظم إذ ضلت عن معينه الصافي ، معين الوحي الذي لا يصدر إلا من مشكاة النبوة ، وسلم من شوب التعطيل ، فَشِرْكُ التَّعْطِيلِ تشبيه للرب ، جل وعلا ، بالعدم ، وما صدر إلا من شرك آخر ، هو شرك التشبيه والتمثيل ، فإن تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق أصل كل فساد في العقد ، فثم من شَبَّهَ التشبيه الساذج ، فَوَقَعَ في حلول واتحاد ، أو غَلَا في المخلوق فَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الرَّبِّ المعبود ، جل وعلا ، أو جفا في حق الخالق ، تبارك وتعالى ، فشبهه بالمخلوق بل ثم من زاد جفاؤه فشبه الرب ، جل وعلا ، بالمعدوم ، بل ثم من زاد غلوه فشبه الرب ، جل وعلا ، بالمحال ، فليس بموجود ولا بمعدوم ! ، فنفى الضدين ورفع النقيضين ، كما قال الغلاة من أهل الباطن من الإسماعيلية والنصيرية ، وثم من وقع في تشبيه أدق وأخفى فَشَبَّهَ حكم العبد بحكم الرب ، جل وعلا ، أن رضي مخلوقا مثله إلها يشرع ويحكم بما يهوى ويجد ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، نوع تشبيه ، بل وفيه شبهة حلول واتحاد ، فالحاخامية ، على سبيل المثال ، تكاد تكون أنموذجا لذلك ، فقول الكاهن قد صار العمدة في تفسير النص التوراتي ، فصار لفظه شرعا ، فينطق بحكم الله ، جل وعلا ، فصفة الحكم ، وهي ، من أخص أوصاف الربوبية قد حلت في الحاخام فصار يحكم بما يرى ويجد ، وصار حكمه هو حكم الله ، جل وعلا ، قطعا ، فلا يخلو الحلول والاتحاد من دلالة اشتراك تنقسم مواردها في الخارج ، فثم حلول واتحاد في ا*** ، وثم آخر في المعنى ، فَحَلَّ الله ، جل وعلا ، بذاته في ناسوت أرضي ، فذلك الحلول المحسوس ، سواء أكان خاصا بشخص نَبِيًّا كان كمقال النصارى في المسيح عليه السلام أو غيره من عامة الناس بدعوى الولاية أو الإمامة كما وقع من غلاة الشيعة في حق علي رضي الله عنه وأولاده من بعده وكما وقع من أمثال الحلاج ، وحل وصفه وهو حكمه في الحاكم الأرضي الذي يزعم أنه ينطق باسم الله ، ويحكم بحكمه يقينا لا على جهة النبوة ، فالنبوة ، وحدها ، هي التي تنطق عن الله ، جل وعلا ، حقا قطعي الثبوت والدلالة ، إن في الخبر أو في الإنشاء لقرينة العصمة ، فـ : (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، وقد انقطعت ، وهي دعوى يجحدها الحلولية ، لا جحد الإنكار ، وإنما جحد الازدراء ، إذ يهونون من شأن النبوة فثم طريق أخرى منها يَتَلَقَّى الْوَلِيُّ أو الشَّيْخُ العلوم اللدنية الَّتِي تُسَوِّغُ له الخروج عن منهاج الوحي ، فهو ممن بلغ رتبة من العلم تجوز له الخروج عن الشرع ، وذلك مما عده أهل الشأن ناقضا من نواقض الإيمان ، ولو تدبرت ذلك لوجدت المشرع الأرضي الذي ينازع الرب العلي ، تبارك وتعالى ، وصف الحكم ، لوجدته يجوز بلسان الحال والمقال جميعا ! ، الخروج عن منهاج الوحي وحكم الشرع ، فهو ، وإن عظم الشرع ، فتعظيمه لا يعدو أن يكون من *** تعظيم الفلاسفة ، فهم يُقِرُّونَ أن الشرع الخاتم هو أكمل ناموس عرفه البشر ، ولكنهم ، مع ذلك ، لا يجدون غضاضة أن يُحْكَمَ الناس بِشَرْعٍ غَيْرِهِ ، فتجويز الخروج عن الوحي ولو مع الإقرار بفضيلته ! ، مما ينقض أصل الدين ، ولو حكم الحاكم بالوحي ، وهو يرى أن له خِيَرَةً في الأمر ! ، أو لغيره فيجوز له أن يحكم بغيره ، ولو حكم وهو يرى أن الأمر لا يعدو أن يكون اختيارا لمنظومة تشريع ، فكل أمة تختار ما يلائمها ، وإن خالفت عن منهاج الوحي ، فهي ، عند التدبر والنظر ، من يحكم ! ، إذ تختار فلا إِلْزَامَ ! ، فإن اختارت الوحي فليس أمرا لازما فلا يلزم ويجب إلا ما اختارت الأمة ! ، فهي الحاكم الذي منه تستمد صلاحيات التشريع ، وهي ، عند التدبر والنظر ، من يُضْفِي الشرعية على أي نظام حكم ، فحكمها هو حكم الحق ، وإن أصابتها لوثة الحلول والاتحاد ، فحكمها حكم الله ، جل وعلا ! ، وذلك ما نهى عنه صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا" ، فحكم المجتهد ، وإن تحرى أصول الاجتهاد الصحيح ، لا يعدو أن يكون ظنا ، وإن رجح ، وكان مُعْتَبَرًا بل وَوَاجِبًا في حقه فهو الذي انتهى إليه اجتهاده ، فيجب عليه أن ينهجه ويجب ذلك على من استفتاه فَقَلَّدَهُ على وجه صحيح يجوز فيه التقليد ، فلا يعدو ، مع ذلك ، أن يكون ظَنًّا يرجح ، فاحتمال الخطأ فيه وارد ، وإن مرجوحا ، فيشبه ، من هذا الوجه ، دلالة الظاهر ، إذ الظاهر يحتمل طرفا راجحا ، وآخر مرجوحا ، فينصرف الذهن ، بادي الرأي ، إلى الراجح ، إلا إن وردت قَرِينَةٌ تؤيد المرجوح ، فاحتمال رجحانه وارد ، وإن ضعيفا ، فلا يخلو الأمر من احتمال ، وهو مما لا يسقط به الاستدلال ، ولكنه ، من وجه آخر ، مما يمنع الجزم أنه حكم الله ، جل وعلا ، قطعا ، إلا أن يقع إجماع ، فهو قرينة تقطع بصحة الحكم في نفس الأمر ، لقرينة العصمة ، فإذا أرادوا النُّزُولَ على حكم الله ، جل وعلا ، فلا تحسن إجابتهم إلى ذلك ، وإنما يجتهد المحاصر أن يتحرى حكم الله ، جل وعلا ، فيهم ، فلا ينسب قوله إلى الشرع ، وإن صح ذلك في الجملة بالنظر في أقوال الفقهاء والمجتهدين ، فهي من الشرع الذي اجتهد أصحابه لا على جهة التبديل لحكم التنزيل ، وإنما على جهة الاجتهاد في تحرير مناط الحكم ، وتحقيقه في نازلة بِعَيْنِهَا ، ولكنها بالنظر في أعيانها ليست من الشرع المنزل ، وإن أشار الشرع المنزل إلى طرائق استنباطها ، فأرشد الناظر إلى مسالك الاستدلال الصريح ، وهو ، ما فقهه عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكما حكم به فقال : هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر ، فقال : لا تقل هكذا ولكن قل : هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" ، فذلك ما قضى به عمر ، رضي الله عنه ، وهو قد يوافق الحق أو يخالف ، على وجه لا يذم فيه المخالف ، فمخالفة الشرع على أنحاء :
فثم من يخالف جهلا ، وهو مورد تقسيم :
فثم من الجهل ما يعذر صاحبه .
وثم من العذر ما يرفع الحكم والإثم جميعا ، بل ويوجب الأجر في موارد التأويل السائغ في الاجتهاد في حكم نازلة سواء أكان اجتهادا في إثبات نص بطرائق الإثبات المعتبرة أم اجتهادا في استنباط على وجه يسوغ فلا يسلك صاحبه طرائق من الاستنباط بعيدة فضلا أن تكون باطلة من كل وجه فالقبح فيها أظهر .
ومنه ما يرفع الحكم ولكنه لا يرفع الإثم إذ لا تخلو حال صاحبه من تقصير في طلب الحق أو إعراض عنه ، فثم مانع من هوى أو ذوق ، وإن خفي ، فلا يخلو حاله في الغالب من حظ نفس انضم إليه الجهل بالحق ، فكان الفساد في القصد ، وكان الضعف في العقل فضلا عن قلة العلم ، فكل أولئك مما يمتاز به أصحاب المقالات المحدثة فإنها لا تلقى رواجا إلا في أ**ار وأعصار يقل فيها العلم ويفشو في مقابله الجهل ، وتعظم فيه الحظوظ في الشهرة والرياسة ، ولو في بَاطِلٍ ! ، فيفسد القصد وينحرف النهج ، فلا نية صحيحة ولا عمل صالح ، وشرط قبول العمل : صحة القصد ، وصحة النهج ، فيكون على منهاج الشريعة ، ويكون على منهاج التوحيد ، فيجتمع له من صلاح الباطن نية ، وصلاح الظاهر صفة وماهية ، وإلا رد على صاحبه ، وإن عذر بجهله ، على وجه يرفع الحكم والإثم ، أو قد يرفع الحكم دون الإثم ، وثم من الجهل ما لا يعذر صاحبه فهو يجهل ما لا يسع الناظر جهله من العلوم الضرورية التي بلغت حد التواتر في النقل والقطع في العقل فهي أصول الدين التي اشتهرت على وجه يقطع العذر وذلك إنما يكون في دار فشا فيها الإسلام ونشرت فيها أعلام السنة فلا يعذر فيها المخالف إن نقض أصلا من أصول الدين فجاء يما يخدش أصل التوحيد ، خلاف من نشأ في دار حرب ، أو دار عم فيها الجهل وفشت فيها البدعة وقمع فيها أهل السنة فلا يكاد الحق يظهر فيها إلا آثارا دارسة ، فتلك دور يعذر أصحابها ما لا يعذر أصحاب الدور الأولى ، إلا أن يَؤُولَ أمرهم إلى إعراض عن الحق ، فهم يتذرعون بالجهل ألا يتعلموا ! ، خشية أن يكلفوا ! ، وذلك ما يفضي بهم إلى نوع إعراض عن الحق قد يدخلهم دائرة الذم بل ودائرة النقض لأصل الدين ، إن هم أعرضوا عن تعلم الضروري الذي لا يسعهم جهله من أصول الدين والشرائع مع توافر أسباب العلم في حقهم وإن لم تتوافر لغيرهم فكل امرئ حجيج نفسه ! ، فإن الجهل ، كما تقدم ، منه ما يعذر صاحبه العذر الكامل ، فيرتفع الحكم والإثم ، بل وقد يحظى صاحبه بالأجر إن جهل مورد الحق في نازلة بِعَيْنِهَا ، مع اجتهاده في تحريه سواء أكان مجتهدا ينظر بنفسه أم مقلدا يجتهد في اختيار من يفتيه ، فاجتهدا على وجه صحيح ، كل بما يطيق ، على وجه سلم من الأغراض والأهواء ، فَمُرَادُهُمَا طلب الحق بدليله ، *** يصيباه في نفس الأمر ، فذلك مورد جهل بالنظر أنه يخالف العلم بالحق في نفس الأمر ، ولكنه ، من وجه آخر ، مورد علم ، أن اجتهدا كل بما بلغه من علم بما يجب عليه ، فيجب على المجتهد الذي حصل آلة الاجتهاد أن ينظر بنفسه بما توافر من آلات الإثبات المعتبرة للألفاظ ، وآلات الاستنباط المعتبرة في درك الأحكام ، فيجتهد في النقل إثباتا ، وفي الحكم استنباطا بما تواتر من دلالات الألفاظ فهي طرائق الاستثمار ، ويجب على المقلد الذي لم يحصل آلة الاجتهاد أن يجتهد في النظر في أحوال المفتين ، فيختار الأعلم والأورع ، وقد يجوز ذلك للمجتهد ، أيضا ، إن تضايق الوقت ، فيجوز له أن يقلد الأعلم ، فالمجتهدون على مَرَاتِبَ حَدَّهَا أهل الأصول فَلَيْسُوا جميعا على حال سواء ، بل ثم تفاوت ، أيما تفاوت ! ، فمثلهم في ذلك كمثل أي معنى يقوم بالنفس كالإيمان والإخلاص والتقوى ، فهي أجناس عامة تندرج فيها آحاد ، فاختلافهم في حقائقها في الخارج اختلاف عظيم وإن حصل الاشتراك في المعاني الكلية التي أطلقت في الذهن ، فكذلك الاجتهاد فهو معنى كلي يطلق في الذهن ، وآحاده تتفاوت في الخارج فالمجتهدون بعضهم أعلى رتبة من بعض إذ بعضهم أعلم من بعض ، وإن اشتركوا ، كما تقدم ، في معنى كلي مطلق ، به يصح النظر في النصوص استنباطا لأحكام على وجه صحيح لا يخالف نصا أو إجماعا فهو ينصرف إلى النوازل التي تجد ، فينظر فيها المجتهد بِرَدِّهَا إلى أصول في الشريعة سواء أكانت نصوصا بعينها فذلك القياس في اصطلاح أهل الأصول ، أو بِرَدِّهَا إلى أصول الاجتهاد العامة ، من **لحة مرسلة أو استحسان أو عرف أو سد ذرائع ، فدائرة الاجتهاد أعم من دائرة القياس ، فدخوله فيها دخول جزء في كل ، فَبَيْنَهُمَا ، عند التدبر والنظر ، عموم وخصوص مطلق ، فكل قياس اجتهاد ، ولا عكس ، فالاجتهاد *** أعم تندرج فيه آحاد ، فيندرج فيه القياس والاستحسان ..... إلخ ، ويجوز للمجتهد ، من وجه آخر ، أن يقلد ، وذلك إذا جهل ، فلا يشترط في المجتهد أن يعلم كل حكم ، وأن يفتي في كل نازلة ، وأن يلم بجميع أبواب العلم ، على خلاف في ذلك ، فَثَمَّ من حظر التجزئة في الاجتهاد ، وثم من أجازها فيكون مجتهدا في باب من أبواب العلم دون بقية الأبواب ، وذلك أمر يتصور في جميع الصنائع المحسوسة والمعقولة فتجد الصانع أو الناظر حاذقا في باب بعينه دون بقية الأبواب ، وثم من أجاز له ذلك في حق نفسه دون غيره فَيُقَلِّدُ في أحكام تخصه دون بَقِيَّةِ الأحكام التي يستفتيه فِيهَا غيره فلا يجوز أن يكون مستنده فيها تقليد مجتهد آخر مع قدرته على النظر واتساع الوقت وانتفاء مانع الاجتهاد ، فعدوله عما كلف به من الاجتهاد إلى التقليد ، عدول يذم فهو مئنة من تقصير وكسل ! ، فمثله كمثل من قصر وفرط فيما أمر به وكلف ، فترك ما يجب عليه ركونا إلى الراحة ، فليس مثله كمثل عامة المكلفين ممن يجوز لهم التقليد ، بادي الرأي ، بل لا ينفكون ، كما تقدم ، يجتهدون ، ولو في اختيار من يفتيهم ، فلا يخلو عاقل من نظر ، دق أو جل ، فالعقل مناط التكليف ، والتكليف لا يكون إلا بعلم ، وثم لكل عاقل منه حظ يجعله يختار من الأقوال والأحوال ما يلائمه إن في الدين أو في الدنيا ، فلا يعذر بتقليد الآباء في الشرك فذلك تقليد ذمه التنزيل إذ عطل صاحبه آلة التكليف ، فانحط بفضيلة العقل والنظر إلى دركة التقليد ، فذلك تفريط يقابله إفراط من غلا في العقل فقدمه على النقل فاجتهد وليس أهلا للاجتهاد ركونا إلى عقله وثقة في رأيه على وجه يخرج به عن جادة الصواب ولا يخلو من عجب وغرور يذم صاحبه فضلا أنه مظنة الخطأ ، إذ يستند صاحبه مطلقا إلى عقل لم يعصم ، فحكمه وإن وافق الحق في أحوال فلا يوافقه في أخرى فلا يصلح معيارا به يحكم الناظر في نصوص الوحي المحكم فقوله هو المتشابه الذي يجب القضاء فيه بحكم الوحي ، لا العكس ! ، فقياس العقل الصريح أن ترد متشابهات العقول إلى محكمات الوحي ، فالكتاب الهادي هو الذي يفصل بين العقول ويحسم مادة التنازع بينها إن هي اختلفت في خبر أو إنشاء ، فكل أولئك مما يدخل في عموم : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فالجهل بالحق ليس عذرا في كل حال ، فالمعرض عن الحق جاهل به مع توافر الأسباب : (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) ، وجهله بداهة لا يعذر صاحبه فليس كجهل من عجز عن درك الحق فَتَوَقَّفَ ولم يوفق أن يجد من يسدده ، *** تَتَيَّسَرْ له أسباب العلم ، فتلك حال ناقصة ولكن صاحبها لم يجد من يهديه السبيل فجهل الحق لا كبرا أو إعراضا ، وإنما جهل أن لم تَتَيَسَّرْ له أسباب العلم خلاف من تَيَسَّرَتْ له أسباب العلم فأعرض ، فقد خالف الحق إذ أبى أن ينظر في أدلته فلا يخلو ذلك ، كما تقدم ، من حظ نفس ، فهو فرح بما عنده من العلم ، وحقيقته أنه عين الجهل ! ، وذلك أمر يتفاوت فقد يبلغ حدا ينقض أصل الدين ، فيكون ذلك من كفر الإباء والاستكبار الذي يفضي إلى الإعراض عن أسباب التوحيد مع تَيَسُّرِ النظر فيها ، وذلك الأصل في حجة الوحي البالغة ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، من رحمة الله ، جل وعلا ، البالغة ، فـ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، فإن حجة الرسالة هي أظهر حجة إذ الحاجة إلى فحواها من التوحيد والتشريع تعظم ، فلا صلاح للأديان والأبدان إلا بها ، فحاجة الناس إليها حاجة متصلة لا تنقطع ، فحاجتهم إلى سائر الأسباب دونها حاجة لا تَتَّصِلُ ، فحاجتهم إلى السبب الذي به تحيى الأبدان من المطعوم والمشروب ، حاجة لا يتصل زمانها ، خلاف حاجتهم إلى الوحي ، فهي أعظم حاجة ، فكانت حجته أظهر حجة ، فكان إرسال الرسل ، عليهم السلام ، بها ، رعاية للأديان واستصلاحا لما فسد منها وتقويما لما اعوج من حقائقها إن في التصور أو في الحكم ، فرحمة الرب ، جل وعلا ، تقضي ، كما يقول بعض المحققين ، أن تتوافر الأسباب وتتيسر تَبَعًا لعظم الحاجة إليها ، فكلما عظمت الحاجة إلى السبب ، سواء أكان من أسباب الأديان أم الأبدان ، كان عطاء الربوبية بتوافر أسبابه على وجه يسد الحاجة ويذهب الفاقة ، فكان ظهور حجة الرسالة بتوافر الأدلة على وجه يوجب النظر فيها ، فمن بلغته على وجه صحيح صريح ، إن في أصل أو في فرع ، وأعرض عنها ، فقد استحق الذم وصار أهلا للوعيد وذلك أمر يتفاوت تبعا لِتَفَاوُتِ ما أعرض عنه ، فليس من أعرض عن حجة التوحيد ، أصل الدين ، كمن أعرض عن الحجة في أصل آخر غير التوحيد فأحدث من المقالات ما ينقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فالمقالات المحدثة منها ما ينقض أصل الدين كمقالات غلاة المعطلة وأهل الباطن ومن عطل الشرع فاستبدل به الوضع فكل أولئك من المقالات والأحوال المحدثة التي تنقض أصل الإيمان وإن لم يكن ثم جحود أو إنكار أو استحلال ، فليس كفر الجحود هو الناقض الأوحد للإيمان ، بل ثم كفر التكذيب ، وكفر الإباء والاستكبار ، وكفر باقتراف ناقض من قول أو عمل ، وكفر الإعراض عن الحجة مع قيامها على وجه صحيح صريح يوجب النظر فيها ، وهو محل الشاهد ، فمن أعرض عنها مع توافر أسبابها فهو كالمكذب بها بعد أن بلغته ، فَرَدَّهَا لحظ نفس كما ردت قريش حجة الرسالة الخاتمة إذ ثم مانع من حظ النفس في الجاه والرياسة صدهم وصد غيرهم في كل عصر و**ر أن يقبلوا حجة الحق التي تذهب بحظوظهم ورياستهم ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، فالمترفون أعداء الوحي في كل عصر و**ر ، فتلك سنة تطرد ، توجب المدافعة بين القبيلين حتى يحكم الله ، جل وعلا ، في أمرهما ، فإما أن يظهر أهل الحق إن استمسكوا به وبذلوا السبب قدر الوسع والطاقة ، فهي مناط التكليف ، وإما أن يظهر أهل الباطل حينا أن قصر أهل الحق في الاستمساك به أو قعدوا عن الأخذ بأسباب القوة والمنعة *** يعدوا العدة ، ففرطوا إما في الكتاب الهادي أن لم يستمسكوا بحدوده تصديقا بخبره وامتثالا لحكمه ، وإما في الحديد الناصر أن قعدوا عن تحصيل أسبابه ، فلا يظهر هذا الأمر إلا بكتاب النبوة يهدي ، وسيف الشريعة يقضي في المخالف برسم العدل فلا يحمله الشنآن أن يخرج عن حكم الرحمن ، جل وعلا ، ولا يوجب ذلك ، في المقابل ، رقة أو ميوعة ، وإنما الفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين رذيلتين ، والحق ، مع ذلك ، ظاهر أبدا سواء أقام به أهل الحق أم نكصوا ، فهو ظاهر أبدا بالحجة والبرهان ، وإن لم يظهر في كل حين ظهور السيف والسنان .
وليس جهل من أعرض عن الحق ، كجهل المجتهد به أن لم يصبه في نفس الأمر مع تحريه أسباب الاجتهاد رواية ودراية ، فهو معذور ، من باب أولى ، إذ عُذِرَ من جَهِلَهُ أن لم تَتَوَفَّرْ له أسباب الحق ، فهذا قد توافرت له أسباب الحق فأقبل عليها طالبا للحق متجردا من الهوى *** يصب الحق في نفس الأمر ففاته الأجران دون الأجر ، وثم في المقابل من توافرت له طرائق الحق أن ينظر في أسبابه فأعرض لحظ نفس يخاف فواته فلا يعذر فهو المعرض عن طلب الحق مع توافر أسبابه ، وثم من توافرت له الأسباب فنظر فيها ثم أعرض أن خالفت حظ نفس ، فهو ابتداء لم يتجرد في طلب الحق ، فلا يعذر من باب أولى ، فهو المكذب مع حصول التصديق الباطن إذ يعلم يقينا أن الحق في خلاف ما ينهج ، وأن دعوى المخالف صحيحة قد شهد لها النقل والعقل جميعا ، وإنما منعه الكبر أن يقبل دعوى المخالف ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ا) ، فصار الجهل ، على أربعة أنحاء :
جهل المجتهد بالحق في نفس الأمر وإن علم طرائق الاستنباط الصحيح وسلكها فيعذر بل ويؤجر .
وجهل العاجز الذي لم تتوافر له أسباب الحق مع تجرده في نفسه أنه يروم الحق من أي سبيل فهو معذور .
وجهل المعرض عن أسباب الحق مع توافرها فليس بمعذور ، فتيسر أسباب الشيء كحصوله في نفس الأمر .
وجهل المكذب به بعد أن بلغته فنظر فيها فعلم أن الحق على خلاف ما يعتقد أو ينتهج وإنما منعه الكبر أو حظ النفس كما تقدم .
وذلك الدين العام ، دين الوحي المعصوم في خبره المحكم في أمره ونهيه ، هو معدن العصمة في التصور والحكم فهو الذي يجنب صاحبه الزلل الذي وقع فيه كل من رام حد الحقائق فخرج بها عن منهاج الشرائع ، فضل في أودية من الباطل تترى لا تكاد تجد لها حدا ينتهي ، فضلال لا منتهى له إذ قد حاد صاحبه عن سبب الهدى الأوحد في خقائق العلم والعمل ، فاستحق هذا الدين العام ، دين التوحيد في العقد والشرع ، دين العلم النافي لما تقدم من صور الجهل ، استحق التوكيد بقسم مقدر دلت عليه اللام ، فضلا عن دلالة "قد" إذ دخلت على الفعل الماضي في قوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فأفادت التحقيق من هذا الوجه ، ودلالة اللام ، على قول آخر ، دلالة ابتداء ، فثم توكيد إما بلام قسم مقدر ، وإما بلام ابتداء ، ويرجح القول الأول أن التوكيد فيه أعظم ، ويرجح القول الثاني أن ليس ثم تقدير لمحذوف ، وهو الأصل ، وقد حصل الغرض من التوكيد بدلالة اللام ابتداء ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فحد فعل : "أُوحِيَ" لما لم يسم فاعله ، فمن يوحي إلى الأنبياء هو الله ، جل وعلا ، وذلك وحي الرحمن ، جل وعلا ، في مقابل وحي الشيطان إلى أوليائه ، فـ : (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) ، فثم توكيد ، أيضا ، بالمؤكد الناسخ الذي صدر به الكلام ، واللام المزحلقة في : "ليوحون" ، فذلك مما يحسن في سياق التحذير من هذا الوحي الذي يضل صاحبه ولا يهدي ، فهو وسواس لا يأمر بخير ، وإنما يغر الإنسان بزخرف من القول فيصور الباطل حقا ! ، ولا ينجو الإنسان من هذا الوسواس إلا أن يستعيذ الإنسان برب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) ، فالرب ، جل وعلا ، خالق كل شيء ، فخلق الخير فضلا ، وخلق الشر لحكمة تعظم وإن خفيت ، بادي الرأي ، فبه يحصل من النفع ما يعظم ضرره العاجل ، وذلك مقتضى الحكمة البالغة فبخلقه تظهر آثار الأسماء والصفات الكاملة ، وبه يستخرج ، جل وعلا ، من عُبُودِيَّاتِ المدافعة ما يحب ويرضى ، فهو ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، الذي خلق الشيطان ووسواسه ، فعليك بالخالق يكفك مؤنة المخلوق ، كما حكى صاحب "التلبيس" رحمه الله عن بعض السلف : "أنه قَالَ لتلميذه : مَا تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟ ، قَالَ : أجاهده ، قَالَ : فَإِن عاد ؟ ، قَالَ : أجاهده . قَالَ : فَإِن عاد ؟ ، قَالَ : أجاهده . قَالَ : هَذَا يطول أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أَوْ منعك من العبور مَا تصنع ؟ ، قَالَ : أكابده وأرده جهدي . قَالَ : هَذَا يطول عليك ولكن استعن بصاحب الغنم يَكُفُّه عنك" . اهـ
فيعتصم الإنسان بالوحي الرحماني الذي يحسم مادة الشر في القول والعمل ، فقد جاء بخبر الصدق وحكم العدل ، فجاء بالتوحيد الخالص ، فهو معدن العدل المطلق ، إذ يقضي أن يعطى الرب ، جل وعلا ، الخالق الرازق المدبر ، أن يعطى حقه من التوحيد في التصور والحكم ، فتصور يثبت الكمال المطلق لِلرَّبِّ المهيمن ، جل وعلا ، وينفي عنه النقص ، فذلك تلازم صريح في العقل ، فإن الثناء لا يحصل إلا بالنفي والإثبات ، فينفى النقص إجمالا إذ تكرار خصال النفي ، عند التدبر والنظر ، مظنة العيب ، ويثبت الكمال مفصلا ، فذلك ما يحسن فيه الإطناب فهو آكد في الثناء والمدح ، وهذا توحيد علمي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي الإلهي ، فالخبر عن أمر غيب لا يتلقى إلا من مخبِر ، فالنظر في حاله حتم لازم قبل قبول خبره ، ولذلك كانت الحكمة الربانية البالغة أن أقام ، جل وعلا ، على النبوة من الدلائل الصحيحة الصريحة ما بلغ حد التواتر ، فذلك ، أيضا ، مما أوحى به الرب ، جل وعلا ، فأوحى بتوحيد المرسِل ، جل وعلا ، وأوحى بتوحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأوحى به تصريحا ، فـ : (مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ، وأوحى به ضمنا ، فـ : (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، والعمل الصالح هو العمل الصائب ، ولا يكون ذلك إلا أن يَقْتَفِيَ صاحبه بَيَانَ الوحي في ماهية الفعل وصفته ، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ بَلَّغَ اللفظ وأبان عن المعنى ، فَبَلَّغَ الوحي وَبَيَّنَهُ خَبَرًا وَحُكْمًا ، فذلك من الوحي الذي يدخل في عموم الآية ، فإن التوحيد يكون في العقد ، فَيُفْرِدُ العبدُ ربه ، جل وعلا ، بتوحيد الكمال في الذات والوصف فلا يخلط به غيره حلولا أو اتحادا ، ولا يقع في شرك التشبيه أو التعطيل ، فهو يدرك القدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وهو ، مع ذلك ، لا يعطل المعنى الذي يثبت في الذهن مطلقا ، فهو بين التعطيل فيثبت القدر المشترك من المعنى المطلق في الذهن ، والتمثيل فيثبت القدر الفارق في الخارج ، فَيُمَيِّزُ بين الحقيقتين : حقيقة الخالق ، وحقيقة المخلوق ، فثم ، من هذا الوجه ، طباق إيجاب وإن كانت مادة الاشتقاق واحدة ، فإن المشتق منها قد اخْتَلَفَ بل وتقابل على جهة الطباق فدلالة التضاد فيه ظاهرة ، ولا يخلو من دلالة تقسيم صحيح في العقل يَحْصُلُ بسبر أجزائه بَيَانٌ لحقيقة التوحيد فهي ، كما تقدم ، حقيقة التمايز بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، أعظم متباينين ، فإن الخالق ، تبارك وتعالى ، أول ، والمخلوق حادث ، والخالق ، عز وجل ، آخر ، والمخلوق فَانٍ ، والخالق ، جل شأنه وتقدس اسمه ووصفه ، كامل ، والمخلوق ناقص ، فثم تقابل في الحقيقتين ، وثم تقابل في أوصافهما ، فوصف الخالق ، تقدست ذاته وعظمت آلاؤه ، وصف الكمال المطلق ، ووصف المخلوق وإن احتمل كمالا من وجه ، إلا أنه لا ينفك يقترن بالنقص ، وإن بَلَغَ من الكمال ما بَلَغَ ! ، ولو في أصل الوجود ، فوجود واجب في حق الرب الخالق ، جل وعلا ، ووجود جائز في حق المخلوق ، وقل مثله في الفعل وفي الحكم ، وهو مما عمت به البلوى في كل عصر ، وإن عظمت البلوى في هذه الأعصار ما لم تعم في غيرها ، فإن العقل إذ يطغى فإنه ينازع الوحي ، فالمخلوق ينازع الخالق ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه ، وهو وصف الحكم ، فيكون الشرك الذي يحبط العمل ، فإنه يدخل في عموم الآية : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، وهو ، من وجه آخر ، كفر أكبر ينقض أصل الدين الجامع ، ولو بمنازعة الوحي في مناط واحد ، فاجتمع فيه وصف الكفر ، فهو جحود لحكم الرب ، جل وعلا ، وازدراء للوحي في مقابل تعظيم العقل ، فذلك من الإعجاب بالرأي ، ولا يخلو من الكبر الذي ينقض أصل الدين إن كان الكبر من *** ما وقع من إبليس إذ أبى الانقياد لحكم الشرع ، فعارضه بقياسه الفاسد ، وهو ، من وجه آخر ، شرك في الحكم ، ولا يخلو من شرك في العبادة إذ هي مئنة من الانقياد والطاعة ، والطاعة تظهر في الرضى بالحكم فلا خيرة في خبر أو إنشاء وإنما تسليم تام بالتصديق والامتثال ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من شرك في الرُّبُوبِيَّةِ ، إذ الرب هو الحاكم المشرع الذي يَرُبُّ العباد بما يصلح الحال من الأمر والنهي ، فيقام بنيان الجماعة على أصول راسخة من الوحي المنزل ، فمن أَنْزَلَهُ هو الذي يعلم السر وأخفى ، فيعلم ما يصلح الحال ، ويعلم ما يَتَنَازَعُ الإنسان من الأهواء والأغراض على وجه يفضي إلى التصادم إذ تَتَعَارَضُ الغايات ، فلكلٍّ غَرَضٌ يَرُومُ بُلُوغَهُ ولو أفضى ذلك إلى ظلم غيره وسلبه حقه بما جبلت عليه النفس من الشح ، فلا يحسم هذه المادة إلا الوحي فهو الذي يقلص طبائع الاستبداد في النفس وهو الذي يضبط حركة النفس والجوارح ، فلا يكون طغيان في التصور يُفْضِي إلى شِرْكٍ سَبَبُهُ الرئيس هو الغلو فيغلو من يغلو في محسوس أو معقول ، فيغلو في معبود منحوت في ا*** ، أو آخر منحوت في الذهن من شرائع محدثة تأرز إلى النفس ، ف**درها العقل أو الذوق ، فهو عقل الفرد أو الجماعة الذي يأبى الانقياد لمرجع متجاوز من خارج ، من وحي هو الغيب الذي نزل به الْمَلَكُ الكريم ، فهو ، كما تقدم ، مما يدخل في عموم الآية ، فهو مما وراء الطبيعة المحسوسة التي قصر عليها القوم تصورهم فغلظ الحجاب أن ينظر في الغيب ، فقصر نظره في المحسوس الذي يدرك بآلات ا*** في الخارج ، وذلك ما ينحط بصاحبه إلى دركة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما يجد بِالْغَرِيزَةِ الجبلية ، فيأبى العقل إذ طغى أن ينقاد للوحي ويستبدل به ما هو أدنى من علائق اجتماعية وأنظمة سياسية وضعية تخالف عن أمر الوحي ، إن في أصل النظرية ، فهي تنزع السيادة من الوحي وتجعله للعقل مع قصوره أن يدرك المآلات إذ لا يعلم من الغيب إلا ما جاءت به النبوات ، إن هدي وسدد فآمن بها وصدق ، فتخالفه في أصل النظرية وفي كثير من فروعها ، وإن حصل نوع عدل ، فهو عدل نسبي لا يضاهي العدل المطلق في كلام النبوات ، وهو عدل يقصر أن يحقق معنى التوحيد الذي جاءت به النبوة ، فقد قصر مفهوم العدل على التسوية مطلقا ، وذلك قد يكون عدلا في مواضع ، كما في عطية المال هبة ، كما في الخبر عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ المَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلاَمٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ المَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ، قَالَ: «لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، «لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ، فمناط الهبة هو وصف البنوة ، وهي مما يخالف الإرث ، فتكون الهبة في الحياة ويكون الإرث بعد الموت ، فثم فرق حسنت معه التسوية في الهبة ، ولم تحسن في الإرث ، فلا يكون العدل فيه هو التسوية مطلقا فذلك من هوى العقل إذ يخرج عن منهاج الوحي الذي فَرَّقَ *** يُسَوِّ ، فإن ثم **لحة أهدرها الشرع ، فلا يصح استنباط مناط البنوة مطلقا أن يكون هو علة الإرث ، فيفضي إلى التسوية إذ يشترك فيه الذكر والأنثى ، فذلك معنى يأتي على الأصل بالإبطال ، فلا اعتبار له وقد ألغاه الوحي ، فإنه وحده الذي يحكم بالتسوية أو الفرق ، فلا يسوى بين طرفين ولا يفرق بينهما في الحكم إلا استنادا إلى الوحي ، فليس العدل هو مطلق التسوية ، فذلك ما يرشحه العقل بادي الرأي بما يظهر له من معنى قد يستحسنه ولكنه إن رده إلى الوحي لم يسلم بإطلاقه ، فهو ، كما تقدم ، يصح في مواضع ولا يصح في أخرى ، فيكون التنازع بين العقول ، فما يستحسنه عقل من التسوية بين طرفين يستقبحه آخر ، ويكون ثم تجاذب فلا يحسم النزاع آنذاك إلا وحي السماء ، فهو يرد الأمر إلى الرب الواحد ، جل وعلا ، الذي له من العلم الأول الكامل الذي أحاط بكل شيء في الكون والشرع جميعا والحكمة البالغة ما يجعله وحده الذي يحكم بما أَنْزَلَ من الوحي الذي بَلَّغَهُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَبَيَّنَهُ ، فذلك توحيد الحكم الذي يعم ، كما تقدم ، توحيد الوصف حكما بعلم وحكمة فليس حكما بجهل وهوى كما يقع في كثير من أحكام البشر إن خالفوا عن منهاج النبوة ، ويعم ، أيضا ، توحيد الربوبية والعناية فيتعاهد الرب ، جل وعلا ، الأمم بشرائع تهذب الطبائع وتفصل في الخصومات على وجه تصلح به الحال والمآل ، ويعم توحيد التأله طاعة وانقيادا لحكم الرب ، جل وعلا ، فذلك توحيد في الحكم ، فثم توحيد في الذات والوصف ، وتوحيد في ربوبية الفعل في الكون ، بالإيجاد والإعدام ، بالإعطاء والمنع ، وتوحيد في التأله والطاعة ، إن في العبادة الخاصة في الشعائر الواجبة والمندوبة وما يكون من مباح يصير عبادة لا بالنظر في حقيقته المطلقة فلا يظهر فيها بادي الرأي معنى تكليف وإنما يكون ذلك بما ينضم إليها من قرائن من نية الفاعل الذي يتعاطى المباح فقد يتذرع به إلى واجب فيكون واجبا إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ، وقد يتذرع به إلى محرم فيكون محرما لا تحصل السلامة في هذه الحال خاصة إلا بتركه وإن كان مباحا بالنظر في ماهيته المطلقة ، كما تقدم ، أو في الأحكام العامة في الشرائع والسياسات ، فالتوحيد الذي جاءت به النبوات والذي يضاد الشرك الذي ورد التحذير منه في الآية ، هذا التوحيد يعم جميع ما تقدم من أجناس التأله ، فهو يَتَرَاوَحُ بَيْنَ تصديق باطن وحكم ظاهر ، وهو يعم جميع محال التكليف : الباطن عقدا وإرادة ، والظاهر فعلا وتركا ، حكما وَشَرْعًا ، قولا وعملا ، نطقا وسكوتا ، فعلا وتركا ، فيعم جميع محال التعبد ما بطن وما ظهر ، ويعم جميع محاب الرب ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال ، ما ظهر منها وما بطن ، فذلك حد العبادة في كلام المحققين ، فالعبادة لا تصح إلا بشرط صحة أول هو التوحيد ، ولا يكون ذلك إلا بنفي لضده من الشرك فهو يتقدمه تخلية للمحل قبل أن يحلى بالتوحيد الباطن في التصور والظاهر في الحكم ، ويكون التوحيد ، من وجه آخر ، توحيد المعبود ، جل وعلا ، وتوحيد المبلِّغ المبيِّن الذي بين الماهيات والصفات على وجه أزال كل إشكال ورفع كل إجمال ، فذلك ، كما تقدم ، توحيد المرسِل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَبَلَّغَ لفظ الأخبار وَمَعَانِيهَا ، وَبَيَّنَ ماهيات الأحكام ومراميها ، فثم مقاصد للشرع رئيسة ، وهي مقاصد كلية لا يقوم بُنْيَانُ الدين إلا عَلَيْهَا ، وثم أحكام جزئية تَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ المقاصد ، وهي ، مع ذلك ، لا تخضع للأهواء فلا يجزئ الإيمان بالكليات المطلقة مع المخالفة في الجزئيات المفصلة فيكون الوحي معان مجملة يرد بيانها إلى الرأي والذوق فكلٌّ يشرع في موارد النِّزَاعِ الخاصة ما يَرُوقُ له إذ قصر حجية الوحي على المقاصد الكلية المطلقة ورد البيان والتقييد إلى العقل ، فحقيقة الأمر أنه لم يسلم لمرجع الوحي الذي يتجاوز العقل فهو وراد من خارج ، والعقل إذ يطغى فهو لا يقبل إلا مرجعه الخاص الذي تَشَكَّلَ من مجموع عقول جزئية بِهَا اكتملت صورة استدلال أرضي يأبى الانقياد للوحي السماوي ، فيكون الشرك في التصور والشرك في الحكم ، فقد نازع مرجعُ العقل مرجعَ الوحي ، نازعه منصب الحكم ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، معدن الصراع الرئيس بين القَبِيلَيْنِ : قبيل النبوة وما بشر به من توحيد ، وقبيل الشيطان وما زين من التشريك الذي يضاد التوحيد ، فالتشريك ، كما في الآية ، سبب في حبوط العمل كله ، فتلك دلالة الإضافة إلى الضمير المعرف في "عملك" ، وهو ذريعة إلى الخذلان والخسران الذي ختمت به الآية : (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فالعطف من هذا الوجه بين : (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، و : (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، العطف من هذا الوجه يجري مجرى العطف السببي ، فعطف المسبَّب وهو الخسران ، على السبب وهو حبوط العمل ، وهو ، من وجه آخر ، مسبَّبٌ ناشئ من سببب أول هو الشرك .
والخسران معنى أطلق فَعَمَّ الحال والمآل ، وإن حسنت الحال ، بادي الرأي ، فلا تَنْفَكُّ يقترن بها من الفساد ما يعظم فتعطيل الوحي سبب في ضنك المعاش ، بما يَنْتَابُ النفس من القلق ، وما يعم الجماعة من الخوف والتوجس إذ تفسد الأخلاق الخاصة والعامة ، فتصير الحياة جحيما لا يطاق فتلك عقوبة عامة تستغرق الجميع وإن كان ثم صالح ، فهو فرد في جماعة أو قليل في كثير ، والسنن الرَّبَّانِيَّةُ تعم بالعقوبة ، ودلالة "أل" في : "الخاسرين" ، من وجه آخر ، دلالة استغراق لمعاني الخسران ، فخسران في أمر الدنيا بضيق الأرزاق وَنَزْعِ البركات ، وخسران في الآخرة وهو الخسران الأعظم ، فجاء التوكيد باللام و : "قد" ، وجاء العموم المستغرق : (إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) ، فَانْتِهَاءُ الغاية الذي دلت عليه "إلى" قد بَلَغَ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فدلالة الخطاب في الكاف دلالة اختصاص بالنظر في خطاب النبوة الأخص ، وأما خطاب التكليف الأعم فهو يستغرق أمته جميعا ، أمة الدعوة وأمة الإجابة ، فإن الشرك يبطل العمل ، فتلك قاعدة كلية تعم جميع أفرادها فلا مخصص ، وقد يقال إن ثم قرينة تقصر الخطاب على الأمة دون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي قرينة العصمة ، فذلك قد يصح القول بجوازه بالنظر في الحقيقة البشرية المطلقة ، فالرسل ، عليهم السلام ، داخلون فيها ، وإنما ورد المخصص الذي صَيَّرَ ذلك من المحال الممتنع في حقهم ، فصار محالا في حقهم لا لذاته ، فهو ، كما تقدم ، من الجائز ، بادي الرأي ، وإنما لغيره إذ احتفت به قرينة العصمة ، فصار الخطاب ، من هذا الوجه ، خاصا بالأمم التي بعثوا فيها ، فَخُصَّتْ بالخبر دونهم فخرجوا من العموم بقرينة العصمة المخصِّصَةِ ، فَهِيَ تُخَصِّصُ عموم القاعدة المجوزة للشرك في حق البشر بالنظر في ماهية الإنسان المطلقة ، بل قد وقع من أكثر أفراد العام ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، بالنظر في المجموع وإن كان الأصل هو التوحيد ، إن في البشر عموما بالنظر في الجيل الذي تقدم ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فكانوا على التوحيد ثم اختلفوا ، فـ : (بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، أو في الفرد خاصة ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ" ، فصار الخطاب ، من هذا الوجه ، على ثلاثة أنحاء :
خطاب يعم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعم غيره من عامة الأمة ذكرانا وإناثا فهو الأصل في خطاب التكليف لقرينة عموم التشريع .
وخطاب يخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون بقية الأمة ، كما في الخصائص إن بالتخفيف ، فـ : (امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، أو بالتكليف الزَّائِدِ ، كما في وصال الصوم وإيجاب قيام الليل على تفصيل في ذلك .
وخطاب يخص الأمة دون نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما في هذه الآية فخرج النبي عليه الصلاة والسلام بقرينة من خارج هي امتناع الشرك الطارئ أو ذلك ، كما تقدم ، يجري مجرى التقرير لقاعدة عامة في بيان مقادير الأعمال ثوابا أو عقابا .
فثم دلالة عموم استغرق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستغرق جميع الأنبياء عليهم السلام ، على جهة التكرار لـ : "إِلَى" ، فذلك من الإطناب الذي يزيد المعنى بَيَانًا وتقريرا ، فضلا أنه جار على سنن المشهور من لسان العرب ، فالعطف على الضمير المجرور لا يكون إلا مع إعادة الجار ، وذلك من الوصل الإضافي الذي يحمل على التغاير والاختلاف بَيْنَ الأعيان المعطوفة ، فخص ، جل وعلا ، نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخطاب يخصه ، ثم عم من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ، فتلك دلالة الوصل الذي عطف على الضمير المجرور ، وهو ، من وجه آخر ، عطف يستغرق أجزاء القسمة العقلية ، فهي ، كما تقدم ، قاعدة عامة وردت في جميع النبوات ، إذ دعوتها الرئيسة : دعوة التوحيد الذي دل عليها السياق بمفهومه ، فالمنطوق التحذير من الشرك فهو سبب حبوط العمل ، والمفهوم أن ضده من التوحيد هو سبب صلاح العمل الذي يُبَلِّغُ صاحبه الفوز في الدارين فذلك ما يقابل خسران المشركين وإن حصل لهم نوع متاع في الدنيا فلا يخلو من آية حكمة عظمى ، إن بتعجيل الثواب أو الاستدراج ، ودلالة "الذين" من وجه آخر ، مما طابق معناه في اللسان معناه في الشرع ، فالعموم فيه يقتصر على *** الذكور دون الإناث إذ النبوة منصب الرجال ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، خلافا لابن حزم ، رحمه الله ، والقرطبي في ظاهر كلامه ، وإن قصروا ذلك على النبوة دون الرسالة ، إذ الرسالة في المشهور من حدها ، مقام تبليغ يستوجب الاشتهار الذي يُنَافِي ما جبلت عليه النساء من الاستتار ، وأما النبوة فهي محض تكليم دون أمر بتبليغ ، فيجوز في كلامهما ، من هذا الوجه ، أن يوحى إلى النساء وحي النبوة الأعم لا وحي الرسالة الأخص ، فاستدلوا بآيات ورد فيها النص على الوحي إلى النساء ، كما في قوله تعالى في حق أم موسى عليه السلام : (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) ، وورد فيها تكليم النساء من قبل الملَك ، كما في تكليم الروح القدس ، عليه السلام ، مريمَ ، عليها السلام ، فـ : (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) ، وإن كان كلامه ، عند التدبر والنظر ، كلام تكوين بما قدر رب العالمين ، جل وعلا ، فليس كلام تشريع بوحي يخبر وينشئ ، *** يأت بإثبات أو نفي في الأخبار ، أو أمر ونهي في الأحكام ، فذلك وحي التشريع الأخص ، وهو الوحي المراد في الآية ، فواطأت دلالة "الذين" في اللسان دلالته في الشرع في هذا الموضع بعينه إذ الأصل أن تعم ال***ين ، الرجال بدلالة الوضع الأول في المعجم ، والنساء بدلالة التغليب ، فذلك ، كما تقدم ، وحي عم النبوات كلها إذ التوحيد شرط صحة في كل عمل ، والشرك في المقابل ، مانع يمنع قبول أي عمل ، فإن كان ثم ثمرة ففي الأولى من عاجل ما يحصل من ثواب وليس ثم في الآخرة من خلاق ، فذلك يدخل في عموم : (نْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، والخبر ، كما تقدم ، قد أكد بجملة من المؤكدات تلائم عظم الأمر فهو فحوى النبوات جميعا وهو الحكمة الرئيسة من إرسال الرسل ، عليهم السلام ، وخلق الخلق ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، والعبادة لا تكون إلا بشرع يأمر وينهى ، وذلك الشرع ، كما تقدم مرارا ، مما لا يتلقى إلا من مشكاة النبوة ، فجاء التوكيد بلام توطئة تدل على قسم مقدر في : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) ، فضلا عن دلالة اللام الداخلة على جواب القسم : (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، ونون التوكيد المثقلة التي اتصلت به ، وهو ما تكرر في الجواب وفي المعطوف عليه جميعا : (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، ودلالة الخبر لا تخلو من دلالة إنشاء بالتحذير على تقدير : لا تشرك فيحبطَ عملك ، فثم دلالة شرط خبرية : إن أشركت حبط عملك ، وثم دلالة نهي إنشائية ، وفي كلا الدلالتين ثم اقتران على جهة السببية ، فالشرك ، كما تقدم ، سبب في حبوط العمل ، فحسن النهي عنه ، من هذا الوجه .
وبعد تخلية المحل بالتحذير من الشرك ، جاءت التحلية بالتوحيد على جهة القصر بتقديم ما حقه التأخير ، فجاء الإضراب انتقالا من النفي إلى الإثبات : (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) ، فتقدم لفظ الجلالة الاسم الكريم على العامل ، فتقدير الكلام : اعبده وحده ، تبارك وتعالى ، ولا تعبد معه سواه ، ومن ثم عطف على جهة البيان ، فالعبادة تأويلها الشكر الذي يعم جميع موارد التكليف ما بطن من العقد ، وما ظهر من القول والعمل ، ودلالة "من" : دلالة بَيَانٍ لل*** في كلا الآيتين ، وهي أبلغ في الدلالة إن في التحذير في الآية الأولى ، أو في الإنشاء في الآية الثانية ، فهي أبلغ من قولك في غير التنزيل في الآية الأولى : ولتكونن خاسرا ، وأبلغ من قولك في غير التنزيل في الآية الثانية : وكن شاكرا .
والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .
ومن قوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فذلك الوحي العام الذي نَزَلَ على جميع الأنبياء ، عليهم السلام ، فهو الدين العام الذي اشتركت فيه جميع الرسالات ، فذلك وحي الرسالة الشرعي ، وذلك أعظم وحي ، إذ به هداية البشر وصلاح الأرض ، بصلاح الأديان أن يصح توجه القلب ، فهو يَنْهَلُ من معين التوحيد الصافي الذي سلم من شوب الشرك وكدره ، فسلم من شوب الشرك في الذات والوصف ، كما وقع من أهل الحلول والاتحاد ، وتلك عقائد قديمة نشأت في بلاد الهند واليونان ، وهي أمم لم تعرف من النبوة شيئا ، فكان ضلالها عن التوحيد أعظم إذ ضلت عن معينه الصافي ، معين الوحي الذي لا يصدر إلا من مشكاة النبوة ، وسلم من شوب التعطيل ، فَشِرْكُ التَّعْطِيلِ تشبيه للرب ، جل وعلا ، بالعدم ، وما صدر إلا من شرك آخر ، هو شرك التشبيه والتمثيل ، فإن تشبيه الخالق ، جل وعلا ، بالمخلوق أصل كل فساد في العقد ، فثم من شَبَّهَ التشبيه الساذج ، فَوَقَعَ في حلول واتحاد ، أو غَلَا في المخلوق فَنَزَّلَهُ مَنْزِلَةَ الرَّبِّ المعبود ، جل وعلا ، أو جفا في حق الخالق ، تبارك وتعالى ، فشبهه بالمخلوق بل ثم من زاد جفاؤه فشبه الرب ، جل وعلا ، بالمعدوم ، بل ثم من زاد غلوه فشبه الرب ، جل وعلا ، بالمحال ، فليس بموجود ولا بمعدوم ! ، فنفى الضدين ورفع النقيضين ، كما قال الغلاة من أهل الباطن من الإسماعيلية والنصيرية ، وثم من وقع في تشبيه أدق وأخفى فَشَبَّهَ حكم العبد بحكم الرب ، جل وعلا ، أن رضي مخلوقا مثله إلها يشرع ويحكم بما يهوى ويجد ، فذلك ، عند التدبر والنظر ، نوع تشبيه ، بل وفيه شبهة حلول واتحاد ، فالحاخامية ، على سبيل المثال ، تكاد تكون أنموذجا لذلك ، فقول الكاهن قد صار العمدة في تفسير النص التوراتي ، فصار لفظه شرعا ، فينطق بحكم الله ، جل وعلا ، فصفة الحكم ، وهي ، من أخص أوصاف الربوبية قد حلت في الحاخام فصار يحكم بما يرى ويجد ، وصار حكمه هو حكم الله ، جل وعلا ، قطعا ، فلا يخلو الحلول والاتحاد من دلالة اشتراك تنقسم مواردها في الخارج ، فثم حلول واتحاد في ا*** ، وثم آخر في المعنى ، فَحَلَّ الله ، جل وعلا ، بذاته في ناسوت أرضي ، فذلك الحلول المحسوس ، سواء أكان خاصا بشخص نَبِيًّا كان كمقال النصارى في المسيح عليه السلام أو غيره من عامة الناس بدعوى الولاية أو الإمامة كما وقع من غلاة الشيعة في حق علي رضي الله عنه وأولاده من بعده وكما وقع من أمثال الحلاج ، وحل وصفه وهو حكمه في الحاكم الأرضي الذي يزعم أنه ينطق باسم الله ، ويحكم بحكمه يقينا لا على جهة النبوة ، فالنبوة ، وحدها ، هي التي تنطق عن الله ، جل وعلا ، حقا قطعي الثبوت والدلالة ، إن في الخبر أو في الإنشاء لقرينة العصمة ، فـ : (مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) ، وقد انقطعت ، وهي دعوى يجحدها الحلولية ، لا جحد الإنكار ، وإنما جحد الازدراء ، إذ يهونون من شأن النبوة فثم طريق أخرى منها يَتَلَقَّى الْوَلِيُّ أو الشَّيْخُ العلوم اللدنية الَّتِي تُسَوِّغُ له الخروج عن منهاج الوحي ، فهو ممن بلغ رتبة من العلم تجوز له الخروج عن الشرع ، وذلك مما عده أهل الشأن ناقضا من نواقض الإيمان ، ولو تدبرت ذلك لوجدت المشرع الأرضي الذي ينازع الرب العلي ، تبارك وتعالى ، وصف الحكم ، لوجدته يجوز بلسان الحال والمقال جميعا ! ، الخروج عن منهاج الوحي وحكم الشرع ، فهو ، وإن عظم الشرع ، فتعظيمه لا يعدو أن يكون من *** تعظيم الفلاسفة ، فهم يُقِرُّونَ أن الشرع الخاتم هو أكمل ناموس عرفه البشر ، ولكنهم ، مع ذلك ، لا يجدون غضاضة أن يُحْكَمَ الناس بِشَرْعٍ غَيْرِهِ ، فتجويز الخروج عن الوحي ولو مع الإقرار بفضيلته ! ، مما ينقض أصل الدين ، ولو حكم الحاكم بالوحي ، وهو يرى أن له خِيَرَةً في الأمر ! ، أو لغيره فيجوز له أن يحكم بغيره ، ولو حكم وهو يرى أن الأمر لا يعدو أن يكون اختيارا لمنظومة تشريع ، فكل أمة تختار ما يلائمها ، وإن خالفت عن منهاج الوحي ، فهي ، عند التدبر والنظر ، من يحكم ! ، إذ تختار فلا إِلْزَامَ ! ، فإن اختارت الوحي فليس أمرا لازما فلا يلزم ويجب إلا ما اختارت الأمة ! ، فهي الحاكم الذي منه تستمد صلاحيات التشريع ، وهي ، عند التدبر والنظر ، من يُضْفِي الشرعية على أي نظام حكم ، فحكمها هو حكم الحق ، وإن أصابتها لوثة الحلول والاتحاد ، فحكمها حكم الله ، جل وعلا ! ، وذلك ما نهى عنه صاحب الشريعة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا" ، فحكم المجتهد ، وإن تحرى أصول الاجتهاد الصحيح ، لا يعدو أن يكون ظنا ، وإن رجح ، وكان مُعْتَبَرًا بل وَوَاجِبًا في حقه فهو الذي انتهى إليه اجتهاده ، فيجب عليه أن ينهجه ويجب ذلك على من استفتاه فَقَلَّدَهُ على وجه صحيح يجوز فيه التقليد ، فلا يعدو ، مع ذلك ، أن يكون ظَنًّا يرجح ، فاحتمال الخطأ فيه وارد ، وإن مرجوحا ، فيشبه ، من هذا الوجه ، دلالة الظاهر ، إذ الظاهر يحتمل طرفا راجحا ، وآخر مرجوحا ، فينصرف الذهن ، بادي الرأي ، إلى الراجح ، إلا إن وردت قَرِينَةٌ تؤيد المرجوح ، فاحتمال رجحانه وارد ، وإن ضعيفا ، فلا يخلو الأمر من احتمال ، وهو مما لا يسقط به الاستدلال ، ولكنه ، من وجه آخر ، مما يمنع الجزم أنه حكم الله ، جل وعلا ، قطعا ، إلا أن يقع إجماع ، فهو قرينة تقطع بصحة الحكم في نفس الأمر ، لقرينة العصمة ، فإذا أرادوا النُّزُولَ على حكم الله ، جل وعلا ، فلا تحسن إجابتهم إلى ذلك ، وإنما يجتهد المحاصر أن يتحرى حكم الله ، جل وعلا ، فيهم ، فلا ينسب قوله إلى الشرع ، وإن صح ذلك في الجملة بالنظر في أقوال الفقهاء والمجتهدين ، فهي من الشرع الذي اجتهد أصحابه لا على جهة التبديل لحكم التنزيل ، وإنما على جهة الاجتهاد في تحرير مناط الحكم ، وتحقيقه في نازلة بِعَيْنِهَا ، ولكنها بالنظر في أعيانها ليست من الشرع المنزل ، وإن أشار الشرع المنزل إلى طرائق استنباطها ، فأرشد الناظر إلى مسالك الاستدلال الصريح ، وهو ، ما فقهه عمر ، رضي الله عنه ، فـ : "لما كتب الكاتب بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكما حكم به فقال : هذا ما أرى الله أمير المؤمنين عمر ، فقال : لا تقل هكذا ولكن قل : هذا ما رأى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب" ، فذلك ما قضى به عمر ، رضي الله عنه ، وهو قد يوافق الحق أو يخالف ، على وجه لا يذم فيه المخالف ، فمخالفة الشرع على أنحاء :
فثم من يخالف جهلا ، وهو مورد تقسيم :
فثم من الجهل ما يعذر صاحبه .
وثم من العذر ما يرفع الحكم والإثم جميعا ، بل ويوجب الأجر في موارد التأويل السائغ في الاجتهاد في حكم نازلة سواء أكان اجتهادا في إثبات نص بطرائق الإثبات المعتبرة أم اجتهادا في استنباط على وجه يسوغ فلا يسلك صاحبه طرائق من الاستنباط بعيدة فضلا أن تكون باطلة من كل وجه فالقبح فيها أظهر .
ومنه ما يرفع الحكم ولكنه لا يرفع الإثم إذ لا تخلو حال صاحبه من تقصير في طلب الحق أو إعراض عنه ، فثم مانع من هوى أو ذوق ، وإن خفي ، فلا يخلو حاله في الغالب من حظ نفس انضم إليه الجهل بالحق ، فكان الفساد في القصد ، وكان الضعف في العقل فضلا عن قلة العلم ، فكل أولئك مما يمتاز به أصحاب المقالات المحدثة فإنها لا تلقى رواجا إلا في أ**ار وأعصار يقل فيها العلم ويفشو في مقابله الجهل ، وتعظم فيه الحظوظ في الشهرة والرياسة ، ولو في بَاطِلٍ ! ، فيفسد القصد وينحرف النهج ، فلا نية صحيحة ولا عمل صالح ، وشرط قبول العمل : صحة القصد ، وصحة النهج ، فيكون على منهاج الشريعة ، ويكون على منهاج التوحيد ، فيجتمع له من صلاح الباطن نية ، وصلاح الظاهر صفة وماهية ، وإلا رد على صاحبه ، وإن عذر بجهله ، على وجه يرفع الحكم والإثم ، أو قد يرفع الحكم دون الإثم ، وثم من الجهل ما لا يعذر صاحبه فهو يجهل ما لا يسع الناظر جهله من العلوم الضرورية التي بلغت حد التواتر في النقل والقطع في العقل فهي أصول الدين التي اشتهرت على وجه يقطع العذر وذلك إنما يكون في دار فشا فيها الإسلام ونشرت فيها أعلام السنة فلا يعذر فيها المخالف إن نقض أصلا من أصول الدين فجاء يما يخدش أصل التوحيد ، خلاف من نشأ في دار حرب ، أو دار عم فيها الجهل وفشت فيها البدعة وقمع فيها أهل السنة فلا يكاد الحق يظهر فيها إلا آثارا دارسة ، فتلك دور يعذر أصحابها ما لا يعذر أصحاب الدور الأولى ، إلا أن يَؤُولَ أمرهم إلى إعراض عن الحق ، فهم يتذرعون بالجهل ألا يتعلموا ! ، خشية أن يكلفوا ! ، وذلك ما يفضي بهم إلى نوع إعراض عن الحق قد يدخلهم دائرة الذم بل ودائرة النقض لأصل الدين ، إن هم أعرضوا عن تعلم الضروري الذي لا يسعهم جهله من أصول الدين والشرائع مع توافر أسباب العلم في حقهم وإن لم تتوافر لغيرهم فكل امرئ حجيج نفسه ! ، فإن الجهل ، كما تقدم ، منه ما يعذر صاحبه العذر الكامل ، فيرتفع الحكم والإثم ، بل وقد يحظى صاحبه بالأجر إن جهل مورد الحق في نازلة بِعَيْنِهَا ، مع اجتهاده في تحريه سواء أكان مجتهدا ينظر بنفسه أم مقلدا يجتهد في اختيار من يفتيه ، فاجتهدا على وجه صحيح ، كل بما يطيق ، على وجه سلم من الأغراض والأهواء ، فَمُرَادُهُمَا طلب الحق بدليله ، *** يصيباه في نفس الأمر ، فذلك مورد جهل بالنظر أنه يخالف العلم بالحق في نفس الأمر ، ولكنه ، من وجه آخر ، مورد علم ، أن اجتهدا كل بما بلغه من علم بما يجب عليه ، فيجب على المجتهد الذي حصل آلة الاجتهاد أن ينظر بنفسه بما توافر من آلات الإثبات المعتبرة للألفاظ ، وآلات الاستنباط المعتبرة في درك الأحكام ، فيجتهد في النقل إثباتا ، وفي الحكم استنباطا بما تواتر من دلالات الألفاظ فهي طرائق الاستثمار ، ويجب على المقلد الذي لم يحصل آلة الاجتهاد أن يجتهد في النظر في أحوال المفتين ، فيختار الأعلم والأورع ، وقد يجوز ذلك للمجتهد ، أيضا ، إن تضايق الوقت ، فيجوز له أن يقلد الأعلم ، فالمجتهدون على مَرَاتِبَ حَدَّهَا أهل الأصول فَلَيْسُوا جميعا على حال سواء ، بل ثم تفاوت ، أيما تفاوت ! ، فمثلهم في ذلك كمثل أي معنى يقوم بالنفس كالإيمان والإخلاص والتقوى ، فهي أجناس عامة تندرج فيها آحاد ، فاختلافهم في حقائقها في الخارج اختلاف عظيم وإن حصل الاشتراك في المعاني الكلية التي أطلقت في الذهن ، فكذلك الاجتهاد فهو معنى كلي يطلق في الذهن ، وآحاده تتفاوت في الخارج فالمجتهدون بعضهم أعلى رتبة من بعض إذ بعضهم أعلم من بعض ، وإن اشتركوا ، كما تقدم ، في معنى كلي مطلق ، به يصح النظر في النصوص استنباطا لأحكام على وجه صحيح لا يخالف نصا أو إجماعا فهو ينصرف إلى النوازل التي تجد ، فينظر فيها المجتهد بِرَدِّهَا إلى أصول في الشريعة سواء أكانت نصوصا بعينها فذلك القياس في اصطلاح أهل الأصول ، أو بِرَدِّهَا إلى أصول الاجتهاد العامة ، من **لحة مرسلة أو استحسان أو عرف أو سد ذرائع ، فدائرة الاجتهاد أعم من دائرة القياس ، فدخوله فيها دخول جزء في كل ، فَبَيْنَهُمَا ، عند التدبر والنظر ، عموم وخصوص مطلق ، فكل قياس اجتهاد ، ولا عكس ، فالاجتهاد *** أعم تندرج فيه آحاد ، فيندرج فيه القياس والاستحسان ..... إلخ ، ويجوز للمجتهد ، من وجه آخر ، أن يقلد ، وذلك إذا جهل ، فلا يشترط في المجتهد أن يعلم كل حكم ، وأن يفتي في كل نازلة ، وأن يلم بجميع أبواب العلم ، على خلاف في ذلك ، فَثَمَّ من حظر التجزئة في الاجتهاد ، وثم من أجازها فيكون مجتهدا في باب من أبواب العلم دون بقية الأبواب ، وذلك أمر يتصور في جميع الصنائع المحسوسة والمعقولة فتجد الصانع أو الناظر حاذقا في باب بعينه دون بقية الأبواب ، وثم من أجاز له ذلك في حق نفسه دون غيره فَيُقَلِّدُ في أحكام تخصه دون بَقِيَّةِ الأحكام التي يستفتيه فِيهَا غيره فلا يجوز أن يكون مستنده فيها تقليد مجتهد آخر مع قدرته على النظر واتساع الوقت وانتفاء مانع الاجتهاد ، فعدوله عما كلف به من الاجتهاد إلى التقليد ، عدول يذم فهو مئنة من تقصير وكسل ! ، فمثله كمثل من قصر وفرط فيما أمر به وكلف ، فترك ما يجب عليه ركونا إلى الراحة ، فليس مثله كمثل عامة المكلفين ممن يجوز لهم التقليد ، بادي الرأي ، بل لا ينفكون ، كما تقدم ، يجتهدون ، ولو في اختيار من يفتيهم ، فلا يخلو عاقل من نظر ، دق أو جل ، فالعقل مناط التكليف ، والتكليف لا يكون إلا بعلم ، وثم لكل عاقل منه حظ يجعله يختار من الأقوال والأحوال ما يلائمه إن في الدين أو في الدنيا ، فلا يعذر بتقليد الآباء في الشرك فذلك تقليد ذمه التنزيل إذ عطل صاحبه آلة التكليف ، فانحط بفضيلة العقل والنظر إلى دركة التقليد ، فذلك تفريط يقابله إفراط من غلا في العقل فقدمه على النقل فاجتهد وليس أهلا للاجتهاد ركونا إلى عقله وثقة في رأيه على وجه يخرج به عن جادة الصواب ولا يخلو من عجب وغرور يذم صاحبه فضلا أنه مظنة الخطأ ، إذ يستند صاحبه مطلقا إلى عقل لم يعصم ، فحكمه وإن وافق الحق في أحوال فلا يوافقه في أخرى فلا يصلح معيارا به يحكم الناظر في نصوص الوحي المحكم فقوله هو المتشابه الذي يجب القضاء فيه بحكم الوحي ، لا العكس ! ، فقياس العقل الصريح أن ترد متشابهات العقول إلى محكمات الوحي ، فالكتاب الهادي هو الذي يفصل بين العقول ويحسم مادة التنازع بينها إن هي اختلفت في خبر أو إنشاء ، فكل أولئك مما يدخل في عموم : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، فالجهل بالحق ليس عذرا في كل حال ، فالمعرض عن الحق جاهل به مع توافر الأسباب : (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) ، وجهله بداهة لا يعذر صاحبه فليس كجهل من عجز عن درك الحق فَتَوَقَّفَ ولم يوفق أن يجد من يسدده ، *** تَتَيَّسَرْ له أسباب العلم ، فتلك حال ناقصة ولكن صاحبها لم يجد من يهديه السبيل فجهل الحق لا كبرا أو إعراضا ، وإنما جهل أن لم تَتَيَسَّرْ له أسباب العلم خلاف من تَيَسَّرَتْ له أسباب العلم فأعرض ، فقد خالف الحق إذ أبى أن ينظر في أدلته فلا يخلو ذلك ، كما تقدم ، من حظ نفس ، فهو فرح بما عنده من العلم ، وحقيقته أنه عين الجهل ! ، وذلك أمر يتفاوت فقد يبلغ حدا ينقض أصل الدين ، فيكون ذلك من كفر الإباء والاستكبار الذي يفضي إلى الإعراض عن أسباب التوحيد مع تَيَسُّرِ النظر فيها ، وذلك الأصل في حجة الوحي البالغة ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، من رحمة الله ، جل وعلا ، البالغة ، فـ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) ، فإن حجة الرسالة هي أظهر حجة إذ الحاجة إلى فحواها من التوحيد والتشريع تعظم ، فلا صلاح للأديان والأبدان إلا بها ، فحاجة الناس إليها حاجة متصلة لا تنقطع ، فحاجتهم إلى سائر الأسباب دونها حاجة لا تَتَّصِلُ ، فحاجتهم إلى السبب الذي به تحيى الأبدان من المطعوم والمشروب ، حاجة لا يتصل زمانها ، خلاف حاجتهم إلى الوحي ، فهي أعظم حاجة ، فكانت حجته أظهر حجة ، فكان إرسال الرسل ، عليهم السلام ، بها ، رعاية للأديان واستصلاحا لما فسد منها وتقويما لما اعوج من حقائقها إن في التصور أو في الحكم ، فرحمة الرب ، جل وعلا ، تقضي ، كما يقول بعض المحققين ، أن تتوافر الأسباب وتتيسر تَبَعًا لعظم الحاجة إليها ، فكلما عظمت الحاجة إلى السبب ، سواء أكان من أسباب الأديان أم الأبدان ، كان عطاء الربوبية بتوافر أسبابه على وجه يسد الحاجة ويذهب الفاقة ، فكان ظهور حجة الرسالة بتوافر الأدلة على وجه يوجب النظر فيها ، فمن بلغته على وجه صحيح صريح ، إن في أصل أو في فرع ، وأعرض عنها ، فقد استحق الذم وصار أهلا للوعيد وذلك أمر يتفاوت تبعا لِتَفَاوُتِ ما أعرض عنه ، فليس من أعرض عن حجة التوحيد ، أصل الدين ، كمن أعرض عن الحجة في أصل آخر غير التوحيد فأحدث من المقالات ما ينقض كمال الإيمان الواجب دون أصله الجامع ، فالمقالات المحدثة منها ما ينقض أصل الدين كمقالات غلاة المعطلة وأهل الباطن ومن عطل الشرع فاستبدل به الوضع فكل أولئك من المقالات والأحوال المحدثة التي تنقض أصل الإيمان وإن لم يكن ثم جحود أو إنكار أو استحلال ، فليس كفر الجحود هو الناقض الأوحد للإيمان ، بل ثم كفر التكذيب ، وكفر الإباء والاستكبار ، وكفر باقتراف ناقض من قول أو عمل ، وكفر الإعراض عن الحجة مع قيامها على وجه صحيح صريح يوجب النظر فيها ، وهو محل الشاهد ، فمن أعرض عنها مع توافر أسبابها فهو كالمكذب بها بعد أن بلغته ، فَرَدَّهَا لحظ نفس كما ردت قريش حجة الرسالة الخاتمة إذ ثم مانع من حظ النفس في الجاه والرياسة صدهم وصد غيرهم في كل عصر و**ر أن يقبلوا حجة الحق التي تذهب بحظوظهم ورياستهم ، فـ : (كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) ، فالمترفون أعداء الوحي في كل عصر و**ر ، فتلك سنة تطرد ، توجب المدافعة بين القبيلين حتى يحكم الله ، جل وعلا ، في أمرهما ، فإما أن يظهر أهل الحق إن استمسكوا به وبذلوا السبب قدر الوسع والطاقة ، فهي مناط التكليف ، وإما أن يظهر أهل الباطل حينا أن قصر أهل الحق في الاستمساك به أو قعدوا عن الأخذ بأسباب القوة والمنعة *** يعدوا العدة ، ففرطوا إما في الكتاب الهادي أن لم يستمسكوا بحدوده تصديقا بخبره وامتثالا لحكمه ، وإما في الحديد الناصر أن قعدوا عن تحصيل أسبابه ، فلا يظهر هذا الأمر إلا بكتاب النبوة يهدي ، وسيف الشريعة يقضي في المخالف برسم العدل فلا يحمله الشنآن أن يخرج عن حكم الرحمن ، جل وعلا ، ولا يوجب ذلك ، في المقابل ، رقة أو ميوعة ، وإنما الفضيلة ، كما تقدم مرارا ، وسط بين رذيلتين ، والحق ، مع ذلك ، ظاهر أبدا سواء أقام به أهل الحق أم نكصوا ، فهو ظاهر أبدا بالحجة والبرهان ، وإن لم يظهر في كل حين ظهور السيف والسنان .
وليس جهل من أعرض عن الحق ، كجهل المجتهد به أن لم يصبه في نفس الأمر مع تحريه أسباب الاجتهاد رواية ودراية ، فهو معذور ، من باب أولى ، إذ عُذِرَ من جَهِلَهُ أن لم تَتَوَفَّرْ له أسباب الحق ، فهذا قد توافرت له أسباب الحق فأقبل عليها طالبا للحق متجردا من الهوى *** يصب الحق في نفس الأمر ففاته الأجران دون الأجر ، وثم في المقابل من توافرت له طرائق الحق أن ينظر في أسبابه فأعرض لحظ نفس يخاف فواته فلا يعذر فهو المعرض عن طلب الحق مع توافر أسبابه ، وثم من توافرت له الأسباب فنظر فيها ثم أعرض أن خالفت حظ نفس ، فهو ابتداء لم يتجرد في طلب الحق ، فلا يعذر من باب أولى ، فهو المكذب مع حصول التصديق الباطن إذ يعلم يقينا أن الحق في خلاف ما ينهج ، وأن دعوى المخالف صحيحة قد شهد لها النقل والعقل جميعا ، وإنما منعه الكبر أن يقبل دعوى المخالف ، فـ : (قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ ا) ، فصار الجهل ، على أربعة أنحاء :
جهل المجتهد بالحق في نفس الأمر وإن علم طرائق الاستنباط الصحيح وسلكها فيعذر بل ويؤجر .
وجهل العاجز الذي لم تتوافر له أسباب الحق مع تجرده في نفسه أنه يروم الحق من أي سبيل فهو معذور .
وجهل المعرض عن أسباب الحق مع توافرها فليس بمعذور ، فتيسر أسباب الشيء كحصوله في نفس الأمر .
وجهل المكذب به بعد أن بلغته فنظر فيها فعلم أن الحق على خلاف ما يعتقد أو ينتهج وإنما منعه الكبر أو حظ النفس كما تقدم .
وذلك الدين العام ، دين الوحي المعصوم في خبره المحكم في أمره ونهيه ، هو معدن العصمة في التصور والحكم فهو الذي يجنب صاحبه الزلل الذي وقع فيه كل من رام حد الحقائق فخرج بها عن منهاج الشرائع ، فضل في أودية من الباطل تترى لا تكاد تجد لها حدا ينتهي ، فضلال لا منتهى له إذ قد حاد صاحبه عن سبب الهدى الأوحد في خقائق العلم والعمل ، فاستحق هذا الدين العام ، دين التوحيد في العقد والشرع ، دين العلم النافي لما تقدم من صور الجهل ، استحق التوكيد بقسم مقدر دلت عليه اللام ، فضلا عن دلالة "قد" إذ دخلت على الفعل الماضي في قوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فأفادت التحقيق من هذا الوجه ، ودلالة اللام ، على قول آخر ، دلالة ابتداء ، فثم توكيد إما بلام قسم مقدر ، وإما بلام ابتداء ، ويرجح القول الأول أن التوكيد فيه أعظم ، ويرجح القول الثاني أن ليس ثم تقدير لمحذوف ، وهو الأصل ، وقد حصل الغرض من التوكيد بدلالة اللام ابتداء ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فحد فعل : "أُوحِيَ" لما لم يسم فاعله ، فمن يوحي إلى الأنبياء هو الله ، جل وعلا ، وذلك وحي الرحمن ، جل وعلا ، في مقابل وحي الشيطان إلى أوليائه ، فـ : (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) ، فثم توكيد ، أيضا ، بالمؤكد الناسخ الذي صدر به الكلام ، واللام المزحلقة في : "ليوحون" ، فذلك مما يحسن في سياق التحذير من هذا الوحي الذي يضل صاحبه ولا يهدي ، فهو وسواس لا يأمر بخير ، وإنما يغر الإنسان بزخرف من القول فيصور الباطل حقا ! ، ولا ينجو الإنسان من هذا الوسواس إلا أن يستعيذ الإنسان برب الأرض والسماء ، جل وعلا ، فـ : (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) ، فالرب ، جل وعلا ، خالق كل شيء ، فخلق الخير فضلا ، وخلق الشر لحكمة تعظم وإن خفيت ، بادي الرأي ، فبه يحصل من النفع ما يعظم ضرره العاجل ، وذلك مقتضى الحكمة البالغة فبخلقه تظهر آثار الأسماء والصفات الكاملة ، وبه يستخرج ، جل وعلا ، من عُبُودِيَّاتِ المدافعة ما يحب ويرضى ، فهو ، تَبَارَكَ وَتَعَالَى ، الذي خلق الشيطان ووسواسه ، فعليك بالخالق يكفك مؤنة المخلوق ، كما حكى صاحب "التلبيس" رحمه الله عن بعض السلف : "أنه قَالَ لتلميذه : مَا تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟ ، قَالَ : أجاهده ، قَالَ : فَإِن عاد ؟ ، قَالَ : أجاهده . قَالَ : فَإِن عاد ؟ ، قَالَ : أجاهده . قَالَ : هَذَا يطول أرأيت إن مررت بغنم فنبحك كلبها أَوْ منعك من العبور مَا تصنع ؟ ، قَالَ : أكابده وأرده جهدي . قَالَ : هَذَا يطول عليك ولكن استعن بصاحب الغنم يَكُفُّه عنك" . اهـ
فيعتصم الإنسان بالوحي الرحماني الذي يحسم مادة الشر في القول والعمل ، فقد جاء بخبر الصدق وحكم العدل ، فجاء بالتوحيد الخالص ، فهو معدن العدل المطلق ، إذ يقضي أن يعطى الرب ، جل وعلا ، الخالق الرازق المدبر ، أن يعطى حقه من التوحيد في التصور والحكم ، فتصور يثبت الكمال المطلق لِلرَّبِّ المهيمن ، جل وعلا ، وينفي عنه النقص ، فذلك تلازم صريح في العقل ، فإن الثناء لا يحصل إلا بالنفي والإثبات ، فينفى النقص إجمالا إذ تكرار خصال النفي ، عند التدبر والنظر ، مظنة العيب ، ويثبت الكمال مفصلا ، فذلك ما يحسن فيه الإطناب فهو آكد في الثناء والمدح ، وهذا توحيد علمي لا يُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي الإلهي ، فالخبر عن أمر غيب لا يتلقى إلا من مخبِر ، فالنظر في حاله حتم لازم قبل قبول خبره ، ولذلك كانت الحكمة الربانية البالغة أن أقام ، جل وعلا ، على النبوة من الدلائل الصحيحة الصريحة ما بلغ حد التواتر ، فذلك ، أيضا ، مما أوحى به الرب ، جل وعلا ، فأوحى بتوحيد المرسِل ، جل وعلا ، وأوحى بتوحيد المرسَل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فأوحى به تصريحا ، فـ : (مَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ) ، وأوحى به ضمنا ، فـ : (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) ، والعمل الصالح هو العمل الصائب ، ولا يكون ذلك إلا أن يَقْتَفِيَ صاحبه بَيَانَ الوحي في ماهية الفعل وصفته ، وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ بَلَّغَ اللفظ وأبان عن المعنى ، فَبَلَّغَ الوحي وَبَيَّنَهُ خَبَرًا وَحُكْمًا ، فذلك من الوحي الذي يدخل في عموم الآية ، فإن التوحيد يكون في العقد ، فَيُفْرِدُ العبدُ ربه ، جل وعلا ، بتوحيد الكمال في الذات والوصف فلا يخلط به غيره حلولا أو اتحادا ، ولا يقع في شرك التشبيه أو التعطيل ، فهو يدرك القدر الفارق بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، وهو ، مع ذلك ، لا يعطل المعنى الذي يثبت في الذهن مطلقا ، فهو بين التعطيل فيثبت القدر المشترك من المعنى المطلق في الذهن ، والتمثيل فيثبت القدر الفارق في الخارج ، فَيُمَيِّزُ بين الحقيقتين : حقيقة الخالق ، وحقيقة المخلوق ، فثم ، من هذا الوجه ، طباق إيجاب وإن كانت مادة الاشتقاق واحدة ، فإن المشتق منها قد اخْتَلَفَ بل وتقابل على جهة الطباق فدلالة التضاد فيه ظاهرة ، ولا يخلو من دلالة تقسيم صحيح في العقل يَحْصُلُ بسبر أجزائه بَيَانٌ لحقيقة التوحيد فهي ، كما تقدم ، حقيقة التمايز بين الخالق ، جل وعلا ، والمخلوق ، أعظم متباينين ، فإن الخالق ، تبارك وتعالى ، أول ، والمخلوق حادث ، والخالق ، عز وجل ، آخر ، والمخلوق فَانٍ ، والخالق ، جل شأنه وتقدس اسمه ووصفه ، كامل ، والمخلوق ناقص ، فثم تقابل في الحقيقتين ، وثم تقابل في أوصافهما ، فوصف الخالق ، تقدست ذاته وعظمت آلاؤه ، وصف الكمال المطلق ، ووصف المخلوق وإن احتمل كمالا من وجه ، إلا أنه لا ينفك يقترن بالنقص ، وإن بَلَغَ من الكمال ما بَلَغَ ! ، ولو في أصل الوجود ، فوجود واجب في حق الرب الخالق ، جل وعلا ، ووجود جائز في حق المخلوق ، وقل مثله في الفعل وفي الحكم ، وهو مما عمت به البلوى في كل عصر ، وإن عظمت البلوى في هذه الأعصار ما لم تعم في غيرها ، فإن العقل إذ يطغى فإنه ينازع الوحي ، فالمخلوق ينازع الخالق ، جل وعلا ، وصفا من أخص أوصافه ، وهو وصف الحكم ، فيكون الشرك الذي يحبط العمل ، فإنه يدخل في عموم الآية : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، وهو ، من وجه آخر ، كفر أكبر ينقض أصل الدين الجامع ، ولو بمنازعة الوحي في مناط واحد ، فاجتمع فيه وصف الكفر ، فهو جحود لحكم الرب ، جل وعلا ، وازدراء للوحي في مقابل تعظيم العقل ، فذلك من الإعجاب بالرأي ، ولا يخلو من الكبر الذي ينقض أصل الدين إن كان الكبر من *** ما وقع من إبليس إذ أبى الانقياد لحكم الشرع ، فعارضه بقياسه الفاسد ، وهو ، من وجه آخر ، شرك في الحكم ، ولا يخلو من شرك في العبادة إذ هي مئنة من الانقياد والطاعة ، والطاعة تظهر في الرضى بالحكم فلا خيرة في خبر أو إنشاء وإنما تسليم تام بالتصديق والامتثال ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) ، ولا يخلو ، مع ذلك ، من شرك في الرُّبُوبِيَّةِ ، إذ الرب هو الحاكم المشرع الذي يَرُبُّ العباد بما يصلح الحال من الأمر والنهي ، فيقام بنيان الجماعة على أصول راسخة من الوحي المنزل ، فمن أَنْزَلَهُ هو الذي يعلم السر وأخفى ، فيعلم ما يصلح الحال ، ويعلم ما يَتَنَازَعُ الإنسان من الأهواء والأغراض على وجه يفضي إلى التصادم إذ تَتَعَارَضُ الغايات ، فلكلٍّ غَرَضٌ يَرُومُ بُلُوغَهُ ولو أفضى ذلك إلى ظلم غيره وسلبه حقه بما جبلت عليه النفس من الشح ، فلا يحسم هذه المادة إلا الوحي فهو الذي يقلص طبائع الاستبداد في النفس وهو الذي يضبط حركة النفس والجوارح ، فلا يكون طغيان في التصور يُفْضِي إلى شِرْكٍ سَبَبُهُ الرئيس هو الغلو فيغلو من يغلو في محسوس أو معقول ، فيغلو في معبود منحوت في ا*** ، أو آخر منحوت في الذهن من شرائع محدثة تأرز إلى النفس ، ف**درها العقل أو الذوق ، فهو عقل الفرد أو الجماعة الذي يأبى الانقياد لمرجع متجاوز من خارج ، من وحي هو الغيب الذي نزل به الْمَلَكُ الكريم ، فهو ، كما تقدم ، مما يدخل في عموم الآية ، فهو مما وراء الطبيعة المحسوسة التي قصر عليها القوم تصورهم فغلظ الحجاب أن ينظر في الغيب ، فقصر نظره في المحسوس الذي يدرك بآلات ا*** في الخارج ، وذلك ما ينحط بصاحبه إلى دركة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما يجد بِالْغَرِيزَةِ الجبلية ، فيأبى العقل إذ طغى أن ينقاد للوحي ويستبدل به ما هو أدنى من علائق اجتماعية وأنظمة سياسية وضعية تخالف عن أمر الوحي ، إن في أصل النظرية ، فهي تنزع السيادة من الوحي وتجعله للعقل مع قصوره أن يدرك المآلات إذ لا يعلم من الغيب إلا ما جاءت به النبوات ، إن هدي وسدد فآمن بها وصدق ، فتخالفه في أصل النظرية وفي كثير من فروعها ، وإن حصل نوع عدل ، فهو عدل نسبي لا يضاهي العدل المطلق في كلام النبوات ، وهو عدل يقصر أن يحقق معنى التوحيد الذي جاءت به النبوة ، فقد قصر مفهوم العدل على التسوية مطلقا ، وذلك قد يكون عدلا في مواضع ، كما في عطية المال هبة ، كما في الخبر عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ المَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي، فَقَالَتْ: لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلاَمٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ المَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ: «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ؟» ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأُرَاهُ، قَالَ: «لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، «لاَ أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ» ، فمناط الهبة هو وصف البنوة ، وهي مما يخالف الإرث ، فتكون الهبة في الحياة ويكون الإرث بعد الموت ، فثم فرق حسنت معه التسوية في الهبة ، ولم تحسن في الإرث ، فلا يكون العدل فيه هو التسوية مطلقا فذلك من هوى العقل إذ يخرج عن منهاج الوحي الذي فَرَّقَ *** يُسَوِّ ، فإن ثم **لحة أهدرها الشرع ، فلا يصح استنباط مناط البنوة مطلقا أن يكون هو علة الإرث ، فيفضي إلى التسوية إذ يشترك فيه الذكر والأنثى ، فذلك معنى يأتي على الأصل بالإبطال ، فلا اعتبار له وقد ألغاه الوحي ، فإنه وحده الذي يحكم بالتسوية أو الفرق ، فلا يسوى بين طرفين ولا يفرق بينهما في الحكم إلا استنادا إلى الوحي ، فليس العدل هو مطلق التسوية ، فذلك ما يرشحه العقل بادي الرأي بما يظهر له من معنى قد يستحسنه ولكنه إن رده إلى الوحي لم يسلم بإطلاقه ، فهو ، كما تقدم ، يصح في مواضع ولا يصح في أخرى ، فيكون التنازع بين العقول ، فما يستحسنه عقل من التسوية بين طرفين يستقبحه آخر ، ويكون ثم تجاذب فلا يحسم النزاع آنذاك إلا وحي السماء ، فهو يرد الأمر إلى الرب الواحد ، جل وعلا ، الذي له من العلم الأول الكامل الذي أحاط بكل شيء في الكون والشرع جميعا والحكمة البالغة ما يجعله وحده الذي يحكم بما أَنْزَلَ من الوحي الذي بَلَّغَهُ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَبَيَّنَهُ ، فذلك توحيد الحكم الذي يعم ، كما تقدم ، توحيد الوصف حكما بعلم وحكمة فليس حكما بجهل وهوى كما يقع في كثير من أحكام البشر إن خالفوا عن منهاج النبوة ، ويعم ، أيضا ، توحيد الربوبية والعناية فيتعاهد الرب ، جل وعلا ، الأمم بشرائع تهذب الطبائع وتفصل في الخصومات على وجه تصلح به الحال والمآل ، ويعم توحيد التأله طاعة وانقيادا لحكم الرب ، جل وعلا ، فذلك توحيد في الحكم ، فثم توحيد في الذات والوصف ، وتوحيد في ربوبية الفعل في الكون ، بالإيجاد والإعدام ، بالإعطاء والمنع ، وتوحيد في التأله والطاعة ، إن في العبادة الخاصة في الشعائر الواجبة والمندوبة وما يكون من مباح يصير عبادة لا بالنظر في حقيقته المطلقة فلا يظهر فيها بادي الرأي معنى تكليف وإنما يكون ذلك بما ينضم إليها من قرائن من نية الفاعل الذي يتعاطى المباح فقد يتذرع به إلى واجب فيكون واجبا إذ ما لا يتم الواجب المطلق إلا به فهو واجب ، وقد يتذرع به إلى محرم فيكون محرما لا تحصل السلامة في هذه الحال خاصة إلا بتركه وإن كان مباحا بالنظر في ماهيته المطلقة ، كما تقدم ، أو في الأحكام العامة في الشرائع والسياسات ، فالتوحيد الذي جاءت به النبوات والذي يضاد الشرك الذي ورد التحذير منه في الآية ، هذا التوحيد يعم جميع ما تقدم من أجناس التأله ، فهو يَتَرَاوَحُ بَيْنَ تصديق باطن وحكم ظاهر ، وهو يعم جميع محال التكليف : الباطن عقدا وإرادة ، والظاهر فعلا وتركا ، حكما وَشَرْعًا ، قولا وعملا ، نطقا وسكوتا ، فعلا وتركا ، فيعم جميع محال التعبد ما بطن وما ظهر ، ويعم جميع محاب الرب ، جل وعلا ، من الأقوال والأعمال ، ما ظهر منها وما بطن ، فذلك حد العبادة في كلام المحققين ، فالعبادة لا تصح إلا بشرط صحة أول هو التوحيد ، ولا يكون ذلك إلا بنفي لضده من الشرك فهو يتقدمه تخلية للمحل قبل أن يحلى بالتوحيد الباطن في التصور والظاهر في الحكم ، ويكون التوحيد ، من وجه آخر ، توحيد المعبود ، جل وعلا ، وتوحيد المبلِّغ المبيِّن الذي بين الماهيات والصفات على وجه أزال كل إشكال ورفع كل إجمال ، فذلك ، كما تقدم ، توحيد المرسِل صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فَبَلَّغَ لفظ الأخبار وَمَعَانِيهَا ، وَبَيَّنَ ماهيات الأحكام ومراميها ، فثم مقاصد للشرع رئيسة ، وهي مقاصد كلية لا يقوم بُنْيَانُ الدين إلا عَلَيْهَا ، وثم أحكام جزئية تَتَفَرَّعُ عَلَى هَذِهِ المقاصد ، وهي ، مع ذلك ، لا تخضع للأهواء فلا يجزئ الإيمان بالكليات المطلقة مع المخالفة في الجزئيات المفصلة فيكون الوحي معان مجملة يرد بيانها إلى الرأي والذوق فكلٌّ يشرع في موارد النِّزَاعِ الخاصة ما يَرُوقُ له إذ قصر حجية الوحي على المقاصد الكلية المطلقة ورد البيان والتقييد إلى العقل ، فحقيقة الأمر أنه لم يسلم لمرجع الوحي الذي يتجاوز العقل فهو وراد من خارج ، والعقل إذ يطغى فهو لا يقبل إلا مرجعه الخاص الذي تَشَكَّلَ من مجموع عقول جزئية بِهَا اكتملت صورة استدلال أرضي يأبى الانقياد للوحي السماوي ، فيكون الشرك في التصور والشرك في الحكم ، فقد نازع مرجعُ العقل مرجعَ الوحي ، نازعه منصب الحكم ، فذلك ، كما تقدم مرارا ، معدن الصراع الرئيس بين القَبِيلَيْنِ : قبيل النبوة وما بشر به من توحيد ، وقبيل الشيطان وما زين من التشريك الذي يضاد التوحيد ، فالتشريك ، كما في الآية ، سبب في حبوط العمل كله ، فتلك دلالة الإضافة إلى الضمير المعرف في "عملك" ، وهو ذريعة إلى الخذلان والخسران الذي ختمت به الآية : (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، فالعطف من هذا الوجه بين : (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، و : (لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، العطف من هذا الوجه يجري مجرى العطف السببي ، فعطف المسبَّب وهو الخسران ، على السبب وهو حبوط العمل ، وهو ، من وجه آخر ، مسبَّبٌ ناشئ من سببب أول هو الشرك .
والخسران معنى أطلق فَعَمَّ الحال والمآل ، وإن حسنت الحال ، بادي الرأي ، فلا تَنْفَكُّ يقترن بها من الفساد ما يعظم فتعطيل الوحي سبب في ضنك المعاش ، بما يَنْتَابُ النفس من القلق ، وما يعم الجماعة من الخوف والتوجس إذ تفسد الأخلاق الخاصة والعامة ، فتصير الحياة جحيما لا يطاق فتلك عقوبة عامة تستغرق الجميع وإن كان ثم صالح ، فهو فرد في جماعة أو قليل في كثير ، والسنن الرَّبَّانِيَّةُ تعم بالعقوبة ، ودلالة "أل" في : "الخاسرين" ، من وجه آخر ، دلالة استغراق لمعاني الخسران ، فخسران في أمر الدنيا بضيق الأرزاق وَنَزْعِ البركات ، وخسران في الآخرة وهو الخسران الأعظم ، فجاء التوكيد باللام و : "قد" ، وجاء العموم المستغرق : (إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) ، فَانْتِهَاءُ الغاية الذي دلت عليه "إلى" قد بَلَغَ النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فدلالة الخطاب في الكاف دلالة اختصاص بالنظر في خطاب النبوة الأخص ، وأما خطاب التكليف الأعم فهو يستغرق أمته جميعا ، أمة الدعوة وأمة الإجابة ، فإن الشرك يبطل العمل ، فتلك قاعدة كلية تعم جميع أفرادها فلا مخصص ، وقد يقال إن ثم قرينة تقصر الخطاب على الأمة دون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهي قرينة العصمة ، فذلك قد يصح القول بجوازه بالنظر في الحقيقة البشرية المطلقة ، فالرسل ، عليهم السلام ، داخلون فيها ، وإنما ورد المخصص الذي صَيَّرَ ذلك من المحال الممتنع في حقهم ، فصار محالا في حقهم لا لذاته ، فهو ، كما تقدم ، من الجائز ، بادي الرأي ، وإنما لغيره إذ احتفت به قرينة العصمة ، فصار الخطاب ، من هذا الوجه ، خاصا بالأمم التي بعثوا فيها ، فَخُصَّتْ بالخبر دونهم فخرجوا من العموم بقرينة العصمة المخصِّصَةِ ، فَهِيَ تُخَصِّصُ عموم القاعدة المجوزة للشرك في حق البشر بالنظر في ماهية الإنسان المطلقة ، بل قد وقع من أكثر أفراد العام ، فـ : (مَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) ، بالنظر في المجموع وإن كان الأصل هو التوحيد ، إن في البشر عموما بالنظر في الجيل الذي تقدم ، فـ : (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ، فكانوا على التوحيد ثم اختلفوا ، فـ : (بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) ، أو في الفرد خاصة ، فـ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ" ، فصار الخطاب ، من هذا الوجه ، على ثلاثة أنحاء :
خطاب يعم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويعم غيره من عامة الأمة ذكرانا وإناثا فهو الأصل في خطاب التكليف لقرينة عموم التشريع .
وخطاب يخص النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون بقية الأمة ، كما في الخصائص إن بالتخفيف ، فـ : (امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ، أو بالتكليف الزَّائِدِ ، كما في وصال الصوم وإيجاب قيام الليل على تفصيل في ذلك .
وخطاب يخص الأمة دون نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما في هذه الآية فخرج النبي عليه الصلاة والسلام بقرينة من خارج هي امتناع الشرك الطارئ أو ذلك ، كما تقدم ، يجري مجرى التقرير لقاعدة عامة في بيان مقادير الأعمال ثوابا أو عقابا .
فثم دلالة عموم استغرق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستغرق جميع الأنبياء عليهم السلام ، على جهة التكرار لـ : "إِلَى" ، فذلك من الإطناب الذي يزيد المعنى بَيَانًا وتقريرا ، فضلا أنه جار على سنن المشهور من لسان العرب ، فالعطف على الضمير المجرور لا يكون إلا مع إعادة الجار ، وذلك من الوصل الإضافي الذي يحمل على التغاير والاختلاف بَيْنَ الأعيان المعطوفة ، فخص ، جل وعلا ، نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بخطاب يخصه ، ثم عم من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام ، فتلك دلالة الوصل الذي عطف على الضمير المجرور ، وهو ، من وجه آخر ، عطف يستغرق أجزاء القسمة العقلية ، فهي ، كما تقدم ، قاعدة عامة وردت في جميع النبوات ، إذ دعوتها الرئيسة : دعوة التوحيد الذي دل عليها السياق بمفهومه ، فالمنطوق التحذير من الشرك فهو سبب حبوط العمل ، والمفهوم أن ضده من التوحيد هو سبب صلاح العمل الذي يُبَلِّغُ صاحبه الفوز في الدارين فذلك ما يقابل خسران المشركين وإن حصل لهم نوع متاع في الدنيا فلا يخلو من آية حكمة عظمى ، إن بتعجيل الثواب أو الاستدراج ، ودلالة "الذين" من وجه آخر ، مما طابق معناه في اللسان معناه في الشرع ، فالعموم فيه يقتصر على *** الذكور دون الإناث إذ النبوة منصب الرجال ، على الراجح من أقوال أهل العلم ، خلافا لابن حزم ، رحمه الله ، والقرطبي في ظاهر كلامه ، وإن قصروا ذلك على النبوة دون الرسالة ، إذ الرسالة في المشهور من حدها ، مقام تبليغ يستوجب الاشتهار الذي يُنَافِي ما جبلت عليه النساء من الاستتار ، وأما النبوة فهي محض تكليم دون أمر بتبليغ ، فيجوز في كلامهما ، من هذا الوجه ، أن يوحى إلى النساء وحي النبوة الأعم لا وحي الرسالة الأخص ، فاستدلوا بآيات ورد فيها النص على الوحي إلى النساء ، كما في قوله تعالى في حق أم موسى عليه السلام : (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) ، وورد فيها تكليم النساء من قبل الملَك ، كما في تكليم الروح القدس ، عليه السلام ، مريمَ ، عليها السلام ، فـ : (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا) ، وإن كان كلامه ، عند التدبر والنظر ، كلام تكوين بما قدر رب العالمين ، جل وعلا ، فليس كلام تشريع بوحي يخبر وينشئ ، *** يأت بإثبات أو نفي في الأخبار ، أو أمر ونهي في الأحكام ، فذلك وحي التشريع الأخص ، وهو الوحي المراد في الآية ، فواطأت دلالة "الذين" في اللسان دلالته في الشرع في هذا الموضع بعينه إذ الأصل أن تعم ال***ين ، الرجال بدلالة الوضع الأول في المعجم ، والنساء بدلالة التغليب ، فذلك ، كما تقدم ، وحي عم النبوات كلها إذ التوحيد شرط صحة في كل عمل ، والشرك في المقابل ، مانع يمنع قبول أي عمل ، فإن كان ثم ثمرة ففي الأولى من عاجل ما يحصل من ثواب وليس ثم في الآخرة من خلاق ، فذلك يدخل في عموم : (نْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، والخبر ، كما تقدم ، قد أكد بجملة من المؤكدات تلائم عظم الأمر فهو فحوى النبوات جميعا وهو الحكمة الرئيسة من إرسال الرسل ، عليهم السلام ، وخلق الخلق ، فـ : (مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ، والعبادة لا تكون إلا بشرع يأمر وينهى ، وذلك الشرع ، كما تقدم مرارا ، مما لا يتلقى إلا من مشكاة النبوة ، فجاء التوكيد بلام توطئة تدل على قسم مقدر في : (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) ، فضلا عن دلالة اللام الداخلة على جواب القسم : (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) ، ونون التوكيد المثقلة التي اتصلت به ، وهو ما تكرر في الجواب وفي المعطوف عليه جميعا : (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ، ودلالة الخبر لا تخلو من دلالة إنشاء بالتحذير على تقدير : لا تشرك فيحبطَ عملك ، فثم دلالة شرط خبرية : إن أشركت حبط عملك ، وثم دلالة نهي إنشائية ، وفي كلا الدلالتين ثم اقتران على جهة السببية ، فالشرك ، كما تقدم ، سبب في حبوط العمل ، فحسن النهي عنه ، من هذا الوجه .
وبعد تخلية المحل بالتحذير من الشرك ، جاءت التحلية بالتوحيد على جهة القصر بتقديم ما حقه التأخير ، فجاء الإضراب انتقالا من النفي إلى الإثبات : (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) ، فتقدم لفظ الجلالة الاسم الكريم على العامل ، فتقدير الكلام : اعبده وحده ، تبارك وتعالى ، ولا تعبد معه سواه ، ومن ثم عطف على جهة البيان ، فالعبادة تأويلها الشكر الذي يعم جميع موارد التكليف ما بطن من العقد ، وما ظهر من القول والعمل ، ودلالة "من" : دلالة بَيَانٍ لل*** في كلا الآيتين ، وهي أبلغ في الدلالة إن في التحذير في الآية الأولى ، أو في الإنشاء في الآية الثانية ، فهي أبلغ من قولك في غير التنزيل في الآية الأولى : ولتكونن خاسرا ، وأبلغ من قولك في غير التنزيل في الآية الثانية : وكن شاكرا .
والله أعلى وأعلم .
يتبع إن شاء الله .