rss
03-12-2016, 07:16 PM
من آية : (فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ ............)
ومن قوله تعالى : فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى :
فتلك دلالة الشرط والتوقيت في "لما" ، ***ا أتى النار نُودِيَ ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فالمنادِي هو الرب ، جل وعلا ، على جهة التعظيم ، فهو مئنة من علو الذات والشأن والقهر ، ولا يخلو من دلالة توقير للمنادَى ، فهو توقير للكليم ، عليه السلام ، في موضع الاصطفاء بكلم الرسالة ، فأجمل ثم بَيَّنَ ، ففحوى النداء : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، فثم توكيد بجملة من المؤكدات منها : المؤكد الناسخ والقصر بتعريف الجزأين قبل دخول الناسخ ، فضلا عن دلالة الفصل بـ : "أنا" فهو مئنة من الحصر والتوكيد ، في اللفظ ، ولذلك لا يجتمع مع التوكيد الظاهر ، فلا يقال : زيد نفسه هو الفاضل ، إذ لا يجتمع في السياق الواحد لفظان لهما نفس الوظيفة بأصل الوضع ، وقد يقال إن ثم ما يشهد بخلاف ذلك ، كما في هذه الآية فقد اجتمع في السياق التوكيد بالمؤكد الناسخ : "إن" وضمير الفصل : "أنا" ولم يمتنع الجمع بينهما في سياق واحد ، وقد عَنْوَنَ باسم الربوبية الخاصة فذلك موضع رعاية وامتنان بعطاء النبوة كلاما بلا واسطة من رسول مَلَكِيٍّ ، ومن ثم فرع بالفاء ، فـ : (اخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، فذلك ، كما يقول بعض المحققين ، مَئِنَّةٌ من تَعْظِيمِ البقعة إذ كان فيها الكلام ، فعظمت وشرفت بهذه الخاصة ، ولا يخلو من خشوع إذ خلع النعل مِمَّا يَسْتَجْلِبُهُ ، ومن ثم ختم بالعلة على جهة التوكيد ، ففصل بلا وصل لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، فـ : (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ، فعلة خلع النعل ما ثبت من قدسية الوادي وذلك بداهة مما لا يعلم إلا بالتوقيف فإثبات البركة أو القدسية لمكان أو زمان مما لا يثبت إلا بنص ، فلا يقال بالرأي ولا يقترح ، وفي ذلك إبطال لكل من غلا في الدين فأحدث إذ زاد تعظيما وتقديسا لمكان أو زمان بلا دليل فذلك من التخصيص بلا مخصص ، ولا يخلو ذلك من غلو في شخص أو بقعة كما في غلو قوم نوح ، عليه السلام ، في صالحيهم فاتخذوا لهم الصور وعكفوا عندهم يدعون حتى استدرجهم الشيطان فوقعوا فيما كانوا منه يحذرون من الشرك الأكبر الناقض لأصل الدين ، *** يريدوا ابتداء إلا تمحيص التوحيد والزيادة في العبادة *** يغن عنهم حسن القصد شيئا إذ فسد العمل *** يسلك صاحبه جادة النبوة ، فلا يقبل عمل إلا بِشَرْطَيِ : الإخلاص في القصد الباطن والمتابعة في الصورة الظاهرة ، ومثله غلو اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم أحياء إذ اتخذوهم آلهة ، وأمواتا إذ عكفوا على قبورهم واتخذوا عليها المساجد والمشاهد وذلك ما سلكته الأمة الخاتمة ، فكان الغلو المعقول في مشرِّعٍ يقترح من الأحكام ما يواطئ هواه وإن خالف عن أمر الوحي المنزل ، وكان الغلو المحسوس في المقبور باتخاذ قبره عيدا ، والدعاء عنده فخص بفضيلة لا تعلم ، كما تقدم ، إلا بالتوقيف فلا يعلم ذلك بالرأي ، إذ هو من علم الغيب المحض الذي لا يصح القياس فيه ، فلا قِيَاسَ فِي الخصائص والفضائل ، فهي مما يَقْتَصِرُ على محله ولا يتعدى إلى غيره إلا بنص آخر كالنص الأول ، ولذلك حرم شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة فلا يقاس عليها الطور أو غيره من المشاهد أو المساجد فذلك ، كما تقدم ، مما لا يثبت إلا بدليل فمن اعتقد فضيلة لبقعة فتلك دعوى تفتقر إلى بينة ، فلا بد أن يقيم عليها دعوى صحيحة صريحة سالمة من المعارضة ، فلا يجزئ في ذلك ما يهوى برأيه أو يجد بذوقه أو كان تجربة أصابت عرضا فدعا عند قبر أو مشهد فاستجيب له ، فاتخذها القوم سنة ، فتلك من السنة السيئة في الدين إحداثا لأمر لا شاهد له من التنزيل ، وَزِيدَ في الغلو أن طلب الحيُّ من الميت الشفاعة والواسطة أن يدعو له بالمغفرة وهو ميت لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، فما أحوجه إلى من يدعو له ! ، إذ انقطع تكليفه ، والدعاء عبادة لا تقع إلا من حي مكلف ، فذلك الشرك الأصغر الناقض لكمال الإيمان الواجب ، فهو مما ينهى عنه لذاته ، من وجه ، ومما ينهى عنه سدا لذريعة الشرك الأكبر أن يدعو المقبور نفسه ! ، فيطلب منه قضاء حوائجه من رزق وتدبير فذلك شرك أكبر في الربوبية ، ينقض أصل الدين الجامع وهو آخر خطوات الشيطان في هذا الباب وإنما كان مبدأ الأمر غلوا خرج صاحبه عن حد الوحي ، في الأمر والنهي ، فجاوز المشروع ، وإن حسن قصده أن يُمْعِنَ في العبادة ، فوقع في المحظور إذ أساء الظن بالوحي أنه لا يَفِي بِحَاجَتِهِ من التعبد فَوَجَدَ في نفسه حاجة أن يحدث ، فما أحدث من المحظور إلا بعد أن نقص حظه من المشروع ، جهلا أو تفريطا أو إعراضا ، فلا تخلو حاله من تقصير في طلب الحق ، فكانت العقوبة أن تلبس بضده من الباطل ، وتلك جبلة النفس إذ خلقت لتعتقد لا لتبقى خلوا من التصور ، ولتعمل لا لتترك ، فإن لم تعتنق التوحيد وقعت في التشريك ، وإن لم تعمل بالشرع عملت بضده من المحدث ، إن في الشعائر فعلا وتركا ، أو في الشرائع وضعا ، أو في السياسات جورا ، أو في الزهد غلوا في رسوم الرياضة والفتوة ، فتلك الفتنة التي حذر منها الشارع ، جل وعلا ، إن خرج الإنسان عن أمر الوحي ، فـ : (لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وبقدر الخروج عنه تزيد الفتنة وتعظم ، فالأمر يطرد وينعكس ، فقد تنقض الفتنة كمال الدين الواجب دون أصله الجامع بشرك أصغر في الاعتقاد أو عصيان في أعمال الجوارح ، وقد تنقض أصل الدين الجامع باقتراف ناقض من نواقض الإيمان الباطنة أو الظاهرة ، فذلك المنطوق الذي يطرد والذي يتفاوت ، كما تقدم ، تبعا لتفاوت الجرم ، والنص ، من وجه آخر ، يفيد بالمفهوم أن من لم يخالف عن الأمر فقد سلم من الفتنة فكلما أمعن في اقتفاء آثار النبوة في التصور والحكم كان أبعد من الفتنة وأسلم من المحنة .
ومن ثم كان الاختيار لمنصب النبوة أشرف ما يناله العبد المكلف باصطفاء ربه المهيمن ، جل وعلا ، فجاء العطف في قول الرب تبارك وتعالى :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى :
فذلك من اصطفاء النبوة ، وهو ما يحسن معه تكرار الإسناد توكيدا ، فكرر ضميرا بارزا منفصلا على جهة الابتداء : "أنا" ، وآخر بارزا متصلا على جهة الفاعلية وهو تاء الفاعل في : "اخترتك" ، ولا تخلو كاف المخاطب من اختصاص وذلك آكد في تقرير المنة وتعظيم قدرها ، واختيار النبوة يَقْتَضِي تَلَقِّي الوحي ، فتلك خاصة النبوة التي لا تنال بكسب أو فتوة ، فالولاية لا تسبق النبوة ، ونورها لا يطفئ شمس النبوة ، فهي ساطعة أبدا ، يَغْمُرُ ضياؤها كل أرض تشرق عليها ، فلا يستغني عن الوحي إلا زنديق يزعم أنه قد وصل ، وقد صدق فَقَدْ وصل إلى سقر كما أثر عن بعض المحققين ! ، فالنبوة معدن عصمة لا تُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، واستماع الوحي وظيفة النبوة ، فهي تبلغ وتبين ، وقبل ذلك ، بداهة ، لا بد من استماع وإصغاء ، فهو قدر يزيد على مطلق السمع ، فَالزِّيَادَةُ في المبنى مئنة من الزيادة فِي المعنى ، وقد زيدت اللام توكيدا في : "لما يوحى" ، فالفعل "استمع" يتعدى بنفسه ، فيقال : استمع فلان الحق ، ويتعدى باللام ، فيقال : استمع فلان للحق ، فيشبه من هذا الوجه اسم الفاعل فهو يتعدى بنفسه ويتعدى بلام تقوية إذ يضعف أن يعمل عمل مضارعه ، كما في قوله تعالى : (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) ، فيصح في غير التنزيل : فعال ما يريد ، و : (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) ، فيصح في غير التنزيل : و**دقا ما بين يدي من التوراة .
وثم حذف لشرط مقدر ، على تقدير : إن علمت قدرك وما بلغته من درجة النبوة اصطفاء فاستمع لما يوحى ، أو يقال إن ثم مقدرا عطف عليه فعل الاستماع على تقدير : تنبه فاستمع ، فذانك وجهان ذكرها بعض المعربين ، وهذا الاستماع يستوجب التبليغ والتبيين على وجه تقوم به الحجة ، ودلالة الوصل في : "ما يوحى" مئنة من العموم ، فَاسْتَمِعْ للوحي كله ، خبره وحكمه ، فلا تُفَرِّقْ بَيْنَ أبعاضه ، فَكُلُّهُ من عند الرَّبِّ ، جل وعلا ، فلا وجه لِلتَّفْرِيقِ وال**در واحد ، وهو الشرع النَّازِلُ ، فالوحي لا يَتَفَاضَلُ من جهة ال**در ، فجميعه كلام ربنا ، جل وعلا ، المنَزَّلُ ، ولا يَتَفَاضَلُ بالنظر في فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني ، فلا تجد فيه من التفاوت ما تجد في كلام البشر ، فلا يوجد بشر يجيد فنون اللسان كلها خبرا وإنشاء ..... إلخ ، فإن أجاد فَنًّا فَلَنْ يجيد بقية الفنون بِنَفْسِ الدرجة ، كما ذكر بعض المحققين في بيان أوجه الإعجاز في التنزيل فمنه إعجاز الفصاحة والبلاغة من وجه ، وعدم التفاوت فيها مع اختلاف الأغراض ، خبرا وإنشاء ، نفيا وإثباتا ، إيجابا وتحريما ، إباحة وحظرا ، مدحا وذما ، وعدا ووعيدا ..... إلخ ، فآيات التنزيل من هذين الوجهين لا تَتَفَاوَتُ ، وإن كان ثم تفاضل فَفِي دلالات الآيات ، فآيات الأخبار تغاير آيات الأحكام في اللفظ والمعنى ، فثم آحاد من النجوم القرآنية تَتْرَى ، وبعضها يُبَايِنُ بَعْضًا ، وبعضها يتفاضل من جهة المعنى ، كما تقدم ، فلا يستوي خبر فحواه أوصاف البشر ، وإن كانت في سياق المدح كمدح النبيين ، عليهم السلام ، ومدح روح القدس أمين وحي السماء ومقدم الملائك الكرام ، جبريل عليه السلام ، فضلا أن يكون في سياق ذم كخبر فرعون وهامان وقاورن وإبي لهب ، فلا يستوي أولئك ، بداهة ، وأوصاف الرب ، جل وعلا ، فآي ينطق بأبلغ ثَنَاءٍ وحمد لله ، جل وعلا ، فهو الكامل في ذَاتِهِ وَوَصْفِهِ أزلا وأبدا ، وهو الفاعل بالقدرة والحكمة ، فَفِعْلُه فعل الاختيار لا الطبع ، فَيَخْتَارُ على جهة الإطلاق ، فمنه الاختيار العام ، كما في قوله تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) ، ومنه الاختيار الخاص ، كاختيار النبوة فهي ، كما تقدم ، مما لا ينال بكسب أو رياضة أو فتوة ، وليس ذلك لغيره ، فإن الخيرة في فعل المكلف لا تكون في مواضع الاقتضاء ، إن في الأمر أو في النهي ، فلا خيرة في الواجب أن يترك ، ولا خيرة في المحرم أن يُقْتَرَفَ ، ففي مقابل إطلاق الفعل في حق الرب ، جل وعلا ، فهو يعم جميع موارد الاختيار بقرينة ما تقدم من السياق : (مَا يَشَاءُ) ، في مقابله جاء النفي في حق البشر : (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، فزيد في التوكيد بتسلط النفي على الكينونة الماضية ، فذلك يجري مجرى الطباق سلبا بين إثبات الخيرة المطلقة في حق الرب ، جل وعلا ، ونفيها في حقهم ، وهو آكد في تقرير الفرق في الحكم ، إثباتا ونفيا ، فرعا عن الفرق في الوصف ربا وعبدا ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، فلا خيرة مع قضاء التشريع من الله ، جل وعلا ، إنشاء ، ومن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تبليغا وتبيينا ، فـ : "من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم" ، كما أثر عن الزهري رحمه الله ، فَتَدَرَّجَ من الأعلى إلى الأدنى من الرب الأعلى ، جل وعلا ، إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إلى عامة المكلفين ، وقدم ما حقه التأخير في كل شطر ، فابتداء الأمر من الله ، جل وعلا ، ودلالة "من" مئنة من ابتداء الغاية ، فابتداء غاية الرسالة من الله ، جل وعلا ، وحيا تكلم به إذا شاء ، فيحدث من أمره في الخبر أو الإنشاء ما شاء ، وإن قَدُمَ النوع فهو ، كما تقدم ، أزلي بأزلية الذات القدسية وأوليتها المطلقة ، وعلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم البلاغ ، فذلك تصديق الكتاب : (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) ، على جهة القصر ، فهو قصر إضافي يحمل على المبالغة بالنظر في وظيفة الرساله الرئيسة وإلا فعليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما على بقية المكلفين ، عليه من التكليف ما يجب حتى يأتيه الموت ، فيتأول بذلك قول الرب جل وعلا : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، فذلك أمر إيجاب وإن لزم صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواجهة فهو يعم بقية الأمة بقرينة العموم في التشريع ويتوجه إلى غيره من باب أولى خلافا لمن غلا فأسقط التكليف ببلوغ رتبة ظنها تحقيقا ولو تدبر لوجدها تخريفا ! ، إن كان ثم عذر بذهاب عقل بما أصابه من الإفراط في الجوع والسهر ! ، فضلا أن يكون ممن تزندق في الباطن فَرَامَ نقض الشريعة واستباحة المحارم كما وقع من فئام من الإباحية رامت إحياء دين المزدكية .
والبلاغ يعم ، من وجه آخر ، بلاغ الألفاظ نطقا ، وبلاغ المعاني فهما ، فقد بلغهما صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجه تَنْتَفِي معه الحاجة إلى ما سوى الشرع المنزل فما أحدث من أحدث إلا أنه لم يتزود من الوحي ويتضلع ، فاقتضت طبيعة النفس بما جبلت عليه من ا*** والحركة والإرادة أن يتزود من الباطل ويتضلع فمال إلى الضد إذ لم يكن له حظ من الأصل ، وبقدر عدوله عن الحق والعدل يكون تلبسه بالباطل والجور ، فذلك أمر يطرد وينعكس ، فيجتمع في القلب إيمان بالنظر في الأصل وشعب من الكفر الأصغر تزاحمه فذلك أمر يتصور فينتقض كمال الإيمان الواجب ، وقد يبلغ الأمر أن ينتقض أصل الإيمان إما بمزاحمة أصل الكفر له أو باقتراف شعبة من شعب الكفر الأكبر ، باطنا أو ظاهرا ، مما ينقض أصل الدين الجامع .
فبلغ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدين كله : منطوقا أو مفهوما ، نصا أو قياسا صحيحا لا يخالف أصلا ولا يعلل بما يأتي على الأصل بالبطلان ، فذلك من فساد الاعتبار بمكان ، فدل أمته على كل خير ، في كل علم أو عمل ، وجاء بجملة وافرة من النصوص ، كتابا وسنة ، فهي تَسْتَغْرِقُ جمهور ما يحتاجه المكلف ، وما حدث من النوازل وجد ففي القياس خصوصا والاجتهاد عموما ، ما يكفي مؤنته ، بقيد رئيس يمنع التوسع في الرأي حتى يخرج بصاحبه عن حد الوحي ، فثم قيد رئيس يمنع ذلك وهو ألا يخالف الاجتهاد الشرع لا في مقصد كلي ولا في نص جزئي فكل ما خالف الشرع في جليل أو دقيق فهو هدر ، سواء أكان قياسا أم **لحة مرسلة أم استحسانا أم عرفا ..... إلخ من أدلة النظر التي تدخل في عموم الرأي .
وعلينا التسليم فذلك التكليف العام ، فيكون التسليم الذي أطلق فهو يعم التسليم بالأخبار تصديقا ، والتسليم بالأحكام امتثالا إن في أمر أو في نهي ، إن في فعل أو في ترك ، إن في شعيرة أو شريعة أو سياسة أو رياضة فيعم سائر موارد الاختيار في أحكام الفرد والجماعة ، فلا خيرة فيه ، فكل أولئك مما يدخل في عموم : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، فانتفى *** الخيرة ، فتلك دلالة "أل" في "الخيرة" ، فضلا عن دلالة العموم في المضاف إلى الضمير : "أمرهم" ، فإضافة الأمر المنكر إلى الضمير مما يعرفه في اللفظ ويعممه في المعنى فيستغرق جميع الأمور من العقائد والشعائر والشرائع والسياسات والرياضات .... إلخ من موارد الاختيار التي يظهر فيها وجه تكليف .
فاستوفى السياق أجزاء القسمة : المرسِل جل وعلا ، والمرسلَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبتوحيدهما إخلاصا واتباعا يكون تكليف القسم الثالث وهو المرسلَ إليهم ، فيوحدون الله ، جل وعلا ، إخلاصا في العقد ويوحدون الرسالة اتباعا في الشرع ، بتصديق الخبر وامتثال الحكم في كل دقيق وجليل فبذا وحده يكون كمال التسليم .
والخيرة في فعل المكلف ، من وجه آخر ، قد تكون في المندوب وإن رجح الفعل ، والمكروه وإن رجح الترك ، والمباح وهو ما استوى طرفاه ، وإن كان ثم وجه إيجاب يخفى ، بالنظر في *** المندوب ، ووجه تحريم يخفى بالنظر في *** المكروه لا آحاده ، فضلا أن ثم مكروها كراهته كراهة التحريم لا التنزيه على قول الحنفية ، رحمهم الله ، فهو يؤول إلى المحرم الذي لا خيرة في تَرْكِهِ ، فَتَرْكُهُ حتم لازم ، وإن كان عندهم دون المحرم الصريح ، فالمحرمات على دركات ، كما أن الواجبات على درجات ، فالمكروه تحريما دون المحرم الصريح بالنظر في قوة الدليل ، وهو ، من وجه آخر ، فَوْقَ المكروه تَنْزِيهًا ، فمادة الوحي تعم كل ما نَزَلَ من نصوص الكتاب والحكمة ، فجميعها حجة في الخبر فهو الصادق ، سواء أكان خبرا عن غيب ماض أو مستقبل ، أو كان خبرا شاهدا من آي الكون المعجز الذي تحصل العبرة بالتفكر فيه ، فدلالة القياس الصريح أن من أبدع هذا الكون على هذا الوجه المعجز ، قادر أن يخلق الناس ، من باب أولى ، وقادر أن يعيدهم تارة أخرى ، فالإنشاء إبداعا أيسر من الإعادة ، وَكُلُّهُ يَسِيرٌ على ربنا ، جل وعلا ، ولا يخفى فيه ، أيضا ، وجه الحكمة ، إذ لِكُلٍّ سنة جارية إن في الابتداء أو في الإعادة ، فـ : (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فَاللَّام ، لام الابتداء التي تدخل على الخبر ظاهرا أو مقدرا ، وهي مَئِنَّةٌ من التَّوْكِيدِ ، ودلالة الإضافة مئنة من العموم ، فهو يستغرق خلق التقدير وخلق التكوين ، فهذا الخلق أكبر من خلق الناس ، فهو أشد خلقا ، وآيات القدرة والحكمة فيه أعظم ، فـ : (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) ، ومن ثم جاء الاستدراك ، إذ لا يعلم أكثر الناس ذلك مع وضوح الدلالة على جهة القياس الأولوي ، وقد أظهر ما حقه الإضمار ، وهو لفظ "الناس" في : (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، إمعانا في تسجيل الجناية .
فجاء الأمر بالاستماع للوحي كله ، خبره وحكمه : (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، وحذف الفاعل للعلم به بداهة ، فلا وحي يعتبر إلا ما نَزَلَ من الرب ، جل وعلا ، وعائد الصلة هو الضمير المستتر في العامل على جهة النيابة عن الفاعل .
فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى :
وهو وحي الشرع الذي يتنزل تترى ، فدلالة المضارعة بالنظر في زمن التكلم ، وهي ، من وجه آخر ، تحتمل الحال والاستقبال حتى انقطع ذلك بقبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ودلالة الأمر قبلها تمحض معناها للاستقبال إذ يقع المأمور من الاستماع عقيب الأمر به ، وذلك ، كما تقدم ، بالنظر في زمن التكلم ، ولا يخلو بالنظر في زمن نزول الآية من دلالة استحضار للصورة ، ودلالة التكرار المستغرق للحال والاستقبال تُرَشِّحُ معنى الحدوث بالنظر في آحاد الوحي التي تَتَجَدَّدُ فَيُحْدِثُ ، جل وعلا ، منها ما شاء ، وإن كان نوعها أولا قديما ، فهي تندرج في *** الكلام الأعلى ، فتحته أنواع ، فثم الكلام الكوني ، وهو وحي إلى الملائك أن تدبر الأمر بإذن ربها ، جل وعلا ، فتتأول أمر الإنجاء للرسل عليهم السلام ومن معهم وأمر الإهلاك لأعدائهم ، وأمر الإعطاء وأمر المنع ، وأمر القطر وأمر القحط ..... إلخ من أفعال الربوبية التي بها يظهر انفراده ، جل وعلا ، بالخلق والرزق والتدبير ، فذلك وحي الكون ، ولازمه أن يمتثل الناظر وحي الشرع بالإثبات والنفي في الأخبار ، وبالأمر والنهي في الأحكام ، فهو يعم ، كما تقدم ، جميع محال الاختيار الباطن والظاهر ، الخاص والعام .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى : فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى :
فتلك دلالة الشرط والتوقيت في "لما" ، ***ا أتى النار نُودِيَ ، وقد حذف الفاعل للعلم به ، بداهة ، فالمنادِي هو الرب ، جل وعلا ، على جهة التعظيم ، فهو مئنة من علو الذات والشأن والقهر ، ولا يخلو من دلالة توقير للمنادَى ، فهو توقير للكليم ، عليه السلام ، في موضع الاصطفاء بكلم الرسالة ، فأجمل ثم بَيَّنَ ، ففحوى النداء : إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ، فثم توكيد بجملة من المؤكدات منها : المؤكد الناسخ والقصر بتعريف الجزأين قبل دخول الناسخ ، فضلا عن دلالة الفصل بـ : "أنا" فهو مئنة من الحصر والتوكيد ، في اللفظ ، ولذلك لا يجتمع مع التوكيد الظاهر ، فلا يقال : زيد نفسه هو الفاضل ، إذ لا يجتمع في السياق الواحد لفظان لهما نفس الوظيفة بأصل الوضع ، وقد يقال إن ثم ما يشهد بخلاف ذلك ، كما في هذه الآية فقد اجتمع في السياق التوكيد بالمؤكد الناسخ : "إن" وضمير الفصل : "أنا" ولم يمتنع الجمع بينهما في سياق واحد ، وقد عَنْوَنَ باسم الربوبية الخاصة فذلك موضع رعاية وامتنان بعطاء النبوة كلاما بلا واسطة من رسول مَلَكِيٍّ ، ومن ثم فرع بالفاء ، فـ : (اخْلَعْ نَعْلَيْكَ) ، فذلك ، كما يقول بعض المحققين ، مَئِنَّةٌ من تَعْظِيمِ البقعة إذ كان فيها الكلام ، فعظمت وشرفت بهذه الخاصة ، ولا يخلو من خشوع إذ خلع النعل مِمَّا يَسْتَجْلِبُهُ ، ومن ثم ختم بالعلة على جهة التوكيد ، ففصل بلا وصل لشبه كمال الاتصال بين العلة والمعلول ، فـ : (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) ، فعلة خلع النعل ما ثبت من قدسية الوادي وذلك بداهة مما لا يعلم إلا بالتوقيف فإثبات البركة أو القدسية لمكان أو زمان مما لا يثبت إلا بنص ، فلا يقال بالرأي ولا يقترح ، وفي ذلك إبطال لكل من غلا في الدين فأحدث إذ زاد تعظيما وتقديسا لمكان أو زمان بلا دليل فذلك من التخصيص بلا مخصص ، ولا يخلو ذلك من غلو في شخص أو بقعة كما في غلو قوم نوح ، عليه السلام ، في صالحيهم فاتخذوا لهم الصور وعكفوا عندهم يدعون حتى استدرجهم الشيطان فوقعوا فيما كانوا منه يحذرون من الشرك الأكبر الناقض لأصل الدين ، *** يريدوا ابتداء إلا تمحيص التوحيد والزيادة في العبادة *** يغن عنهم حسن القصد شيئا إذ فسد العمل *** يسلك صاحبه جادة النبوة ، فلا يقبل عمل إلا بِشَرْطَيِ : الإخلاص في القصد الباطن والمتابعة في الصورة الظاهرة ، ومثله غلو اليهود والنصارى في أحبارهم ورهبانهم أحياء إذ اتخذوهم آلهة ، وأمواتا إذ عكفوا على قبورهم واتخذوا عليها المساجد والمشاهد وذلك ما سلكته الأمة الخاتمة ، فكان الغلو المعقول في مشرِّعٍ يقترح من الأحكام ما يواطئ هواه وإن خالف عن أمر الوحي المنزل ، وكان الغلو المحسوس في المقبور باتخاذ قبره عيدا ، والدعاء عنده فخص بفضيلة لا تعلم ، كما تقدم ، إلا بالتوقيف فلا يعلم ذلك بالرأي ، إذ هو من علم الغيب المحض الذي لا يصح القياس فيه ، فلا قِيَاسَ فِي الخصائص والفضائل ، فهي مما يَقْتَصِرُ على محله ولا يتعدى إلى غيره إلا بنص آخر كالنص الأول ، ولذلك حرم شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة فلا يقاس عليها الطور أو غيره من المشاهد أو المساجد فذلك ، كما تقدم ، مما لا يثبت إلا بدليل فمن اعتقد فضيلة لبقعة فتلك دعوى تفتقر إلى بينة ، فلا بد أن يقيم عليها دعوى صحيحة صريحة سالمة من المعارضة ، فلا يجزئ في ذلك ما يهوى برأيه أو يجد بذوقه أو كان تجربة أصابت عرضا فدعا عند قبر أو مشهد فاستجيب له ، فاتخذها القوم سنة ، فتلك من السنة السيئة في الدين إحداثا لأمر لا شاهد له من التنزيل ، وَزِيدَ في الغلو أن طلب الحيُّ من الميت الشفاعة والواسطة أن يدعو له بالمغفرة وهو ميت لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، فما أحوجه إلى من يدعو له ! ، إذ انقطع تكليفه ، والدعاء عبادة لا تقع إلا من حي مكلف ، فذلك الشرك الأصغر الناقض لكمال الإيمان الواجب ، فهو مما ينهى عنه لذاته ، من وجه ، ومما ينهى عنه سدا لذريعة الشرك الأكبر أن يدعو المقبور نفسه ! ، فيطلب منه قضاء حوائجه من رزق وتدبير فذلك شرك أكبر في الربوبية ، ينقض أصل الدين الجامع وهو آخر خطوات الشيطان في هذا الباب وإنما كان مبدأ الأمر غلوا خرج صاحبه عن حد الوحي ، في الأمر والنهي ، فجاوز المشروع ، وإن حسن قصده أن يُمْعِنَ في العبادة ، فوقع في المحظور إذ أساء الظن بالوحي أنه لا يَفِي بِحَاجَتِهِ من التعبد فَوَجَدَ في نفسه حاجة أن يحدث ، فما أحدث من المحظور إلا بعد أن نقص حظه من المشروع ، جهلا أو تفريطا أو إعراضا ، فلا تخلو حاله من تقصير في طلب الحق ، فكانت العقوبة أن تلبس بضده من الباطل ، وتلك جبلة النفس إذ خلقت لتعتقد لا لتبقى خلوا من التصور ، ولتعمل لا لتترك ، فإن لم تعتنق التوحيد وقعت في التشريك ، وإن لم تعمل بالشرع عملت بضده من المحدث ، إن في الشعائر فعلا وتركا ، أو في الشرائع وضعا ، أو في السياسات جورا ، أو في الزهد غلوا في رسوم الرياضة والفتوة ، فتلك الفتنة التي حذر منها الشارع ، جل وعلا ، إن خرج الإنسان عن أمر الوحي ، فـ : (لْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، وبقدر الخروج عنه تزيد الفتنة وتعظم ، فالأمر يطرد وينعكس ، فقد تنقض الفتنة كمال الدين الواجب دون أصله الجامع بشرك أصغر في الاعتقاد أو عصيان في أعمال الجوارح ، وقد تنقض أصل الدين الجامع باقتراف ناقض من نواقض الإيمان الباطنة أو الظاهرة ، فذلك المنطوق الذي يطرد والذي يتفاوت ، كما تقدم ، تبعا لتفاوت الجرم ، والنص ، من وجه آخر ، يفيد بالمفهوم أن من لم يخالف عن الأمر فقد سلم من الفتنة فكلما أمعن في اقتفاء آثار النبوة في التصور والحكم كان أبعد من الفتنة وأسلم من المحنة .
ومن ثم كان الاختيار لمنصب النبوة أشرف ما يناله العبد المكلف باصطفاء ربه المهيمن ، جل وعلا ، فجاء العطف في قول الرب تبارك وتعالى :
وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى :
فذلك من اصطفاء النبوة ، وهو ما يحسن معه تكرار الإسناد توكيدا ، فكرر ضميرا بارزا منفصلا على جهة الابتداء : "أنا" ، وآخر بارزا متصلا على جهة الفاعلية وهو تاء الفاعل في : "اخترتك" ، ولا تخلو كاف المخاطب من اختصاص وذلك آكد في تقرير المنة وتعظيم قدرها ، واختيار النبوة يَقْتَضِي تَلَقِّي الوحي ، فتلك خاصة النبوة التي لا تنال بكسب أو فتوة ، فالولاية لا تسبق النبوة ، ونورها لا يطفئ شمس النبوة ، فهي ساطعة أبدا ، يَغْمُرُ ضياؤها كل أرض تشرق عليها ، فلا يستغني عن الوحي إلا زنديق يزعم أنه قد وصل ، وقد صدق فَقَدْ وصل إلى سقر كما أثر عن بعض المحققين ! ، فالنبوة معدن عصمة لا تُتَلَقَّى إلا من مشكاة الوحي ، واستماع الوحي وظيفة النبوة ، فهي تبلغ وتبين ، وقبل ذلك ، بداهة ، لا بد من استماع وإصغاء ، فهو قدر يزيد على مطلق السمع ، فَالزِّيَادَةُ في المبنى مئنة من الزيادة فِي المعنى ، وقد زيدت اللام توكيدا في : "لما يوحى" ، فالفعل "استمع" يتعدى بنفسه ، فيقال : استمع فلان الحق ، ويتعدى باللام ، فيقال : استمع فلان للحق ، فيشبه من هذا الوجه اسم الفاعل فهو يتعدى بنفسه ويتعدى بلام تقوية إذ يضعف أن يعمل عمل مضارعه ، كما في قوله تعالى : (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) ، فيصح في غير التنزيل : فعال ما يريد ، و : (مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) ، فيصح في غير التنزيل : و**دقا ما بين يدي من التوراة .
وثم حذف لشرط مقدر ، على تقدير : إن علمت قدرك وما بلغته من درجة النبوة اصطفاء فاستمع لما يوحى ، أو يقال إن ثم مقدرا عطف عليه فعل الاستماع على تقدير : تنبه فاستمع ، فذانك وجهان ذكرها بعض المعربين ، وهذا الاستماع يستوجب التبليغ والتبيين على وجه تقوم به الحجة ، ودلالة الوصل في : "ما يوحى" مئنة من العموم ، فَاسْتَمِعْ للوحي كله ، خبره وحكمه ، فلا تُفَرِّقْ بَيْنَ أبعاضه ، فَكُلُّهُ من عند الرَّبِّ ، جل وعلا ، فلا وجه لِلتَّفْرِيقِ وال**در واحد ، وهو الشرع النَّازِلُ ، فالوحي لا يَتَفَاضَلُ من جهة ال**در ، فجميعه كلام ربنا ، جل وعلا ، المنَزَّلُ ، ولا يَتَفَاضَلُ بالنظر في فصاحة الألفاظ وبلاغة المعاني ، فلا تجد فيه من التفاوت ما تجد في كلام البشر ، فلا يوجد بشر يجيد فنون اللسان كلها خبرا وإنشاء ..... إلخ ، فإن أجاد فَنًّا فَلَنْ يجيد بقية الفنون بِنَفْسِ الدرجة ، كما ذكر بعض المحققين في بيان أوجه الإعجاز في التنزيل فمنه إعجاز الفصاحة والبلاغة من وجه ، وعدم التفاوت فيها مع اختلاف الأغراض ، خبرا وإنشاء ، نفيا وإثباتا ، إيجابا وتحريما ، إباحة وحظرا ، مدحا وذما ، وعدا ووعيدا ..... إلخ ، فآيات التنزيل من هذين الوجهين لا تَتَفَاوَتُ ، وإن كان ثم تفاضل فَفِي دلالات الآيات ، فآيات الأخبار تغاير آيات الأحكام في اللفظ والمعنى ، فثم آحاد من النجوم القرآنية تَتْرَى ، وبعضها يُبَايِنُ بَعْضًا ، وبعضها يتفاضل من جهة المعنى ، كما تقدم ، فلا يستوي خبر فحواه أوصاف البشر ، وإن كانت في سياق المدح كمدح النبيين ، عليهم السلام ، ومدح روح القدس أمين وحي السماء ومقدم الملائك الكرام ، جبريل عليه السلام ، فضلا أن يكون في سياق ذم كخبر فرعون وهامان وقاورن وإبي لهب ، فلا يستوي أولئك ، بداهة ، وأوصاف الرب ، جل وعلا ، فآي ينطق بأبلغ ثَنَاءٍ وحمد لله ، جل وعلا ، فهو الكامل في ذَاتِهِ وَوَصْفِهِ أزلا وأبدا ، وهو الفاعل بالقدرة والحكمة ، فَفِعْلُه فعل الاختيار لا الطبع ، فَيَخْتَارُ على جهة الإطلاق ، فمنه الاختيار العام ، كما في قوله تعالى : (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) ، ومنه الاختيار الخاص ، كاختيار النبوة فهي ، كما تقدم ، مما لا ينال بكسب أو رياضة أو فتوة ، وليس ذلك لغيره ، فإن الخيرة في فعل المكلف لا تكون في مواضع الاقتضاء ، إن في الأمر أو في النهي ، فلا خيرة في الواجب أن يترك ، ولا خيرة في المحرم أن يُقْتَرَفَ ، ففي مقابل إطلاق الفعل في حق الرب ، جل وعلا ، فهو يعم جميع موارد الاختيار بقرينة ما تقدم من السياق : (مَا يَشَاءُ) ، في مقابله جاء النفي في حق البشر : (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، فزيد في التوكيد بتسلط النفي على الكينونة الماضية ، فذلك يجري مجرى الطباق سلبا بين إثبات الخيرة المطلقة في حق الرب ، جل وعلا ، ونفيها في حقهم ، وهو آكد في تقرير الفرق في الحكم ، إثباتا ونفيا ، فرعا عن الفرق في الوصف ربا وعبدا ، فـ : (مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، فلا خيرة مع قضاء التشريع من الله ، جل وعلا ، إنشاء ، ومن رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تبليغا وتبيينا ، فـ : "من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم" ، كما أثر عن الزهري رحمه الله ، فَتَدَرَّجَ من الأعلى إلى الأدنى من الرب الأعلى ، جل وعلا ، إلى رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، إلى عامة المكلفين ، وقدم ما حقه التأخير في كل شطر ، فابتداء الأمر من الله ، جل وعلا ، ودلالة "من" مئنة من ابتداء الغاية ، فابتداء غاية الرسالة من الله ، جل وعلا ، وحيا تكلم به إذا شاء ، فيحدث من أمره في الخبر أو الإنشاء ما شاء ، وإن قَدُمَ النوع فهو ، كما تقدم ، أزلي بأزلية الذات القدسية وأوليتها المطلقة ، وعلى الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم البلاغ ، فذلك تصديق الكتاب : (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) ، على جهة القصر ، فهو قصر إضافي يحمل على المبالغة بالنظر في وظيفة الرساله الرئيسة وإلا فعليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، كما على بقية المكلفين ، عليه من التكليف ما يجب حتى يأتيه الموت ، فيتأول بذلك قول الرب جل وعلا : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) ، فذلك أمر إيجاب وإن لزم صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم مواجهة فهو يعم بقية الأمة بقرينة العموم في التشريع ويتوجه إلى غيره من باب أولى خلافا لمن غلا فأسقط التكليف ببلوغ رتبة ظنها تحقيقا ولو تدبر لوجدها تخريفا ! ، إن كان ثم عذر بذهاب عقل بما أصابه من الإفراط في الجوع والسهر ! ، فضلا أن يكون ممن تزندق في الباطن فَرَامَ نقض الشريعة واستباحة المحارم كما وقع من فئام من الإباحية رامت إحياء دين المزدكية .
والبلاغ يعم ، من وجه آخر ، بلاغ الألفاظ نطقا ، وبلاغ المعاني فهما ، فقد بلغهما صلى الله عليه وعلى آله وسلم على وجه تَنْتَفِي معه الحاجة إلى ما سوى الشرع المنزل فما أحدث من أحدث إلا أنه لم يتزود من الوحي ويتضلع ، فاقتضت طبيعة النفس بما جبلت عليه من ا*** والحركة والإرادة أن يتزود من الباطل ويتضلع فمال إلى الضد إذ لم يكن له حظ من الأصل ، وبقدر عدوله عن الحق والعدل يكون تلبسه بالباطل والجور ، فذلك أمر يطرد وينعكس ، فيجتمع في القلب إيمان بالنظر في الأصل وشعب من الكفر الأصغر تزاحمه فذلك أمر يتصور فينتقض كمال الإيمان الواجب ، وقد يبلغ الأمر أن ينتقض أصل الإيمان إما بمزاحمة أصل الكفر له أو باقتراف شعبة من شعب الكفر الأكبر ، باطنا أو ظاهرا ، مما ينقض أصل الدين الجامع .
فبلغ صلى الله عليه وعلى آله وسلم الدين كله : منطوقا أو مفهوما ، نصا أو قياسا صحيحا لا يخالف أصلا ولا يعلل بما يأتي على الأصل بالبطلان ، فذلك من فساد الاعتبار بمكان ، فدل أمته على كل خير ، في كل علم أو عمل ، وجاء بجملة وافرة من النصوص ، كتابا وسنة ، فهي تَسْتَغْرِقُ جمهور ما يحتاجه المكلف ، وما حدث من النوازل وجد ففي القياس خصوصا والاجتهاد عموما ، ما يكفي مؤنته ، بقيد رئيس يمنع التوسع في الرأي حتى يخرج بصاحبه عن حد الوحي ، فثم قيد رئيس يمنع ذلك وهو ألا يخالف الاجتهاد الشرع لا في مقصد كلي ولا في نص جزئي فكل ما خالف الشرع في جليل أو دقيق فهو هدر ، سواء أكان قياسا أم **لحة مرسلة أم استحسانا أم عرفا ..... إلخ من أدلة النظر التي تدخل في عموم الرأي .
وعلينا التسليم فذلك التكليف العام ، فيكون التسليم الذي أطلق فهو يعم التسليم بالأخبار تصديقا ، والتسليم بالأحكام امتثالا إن في أمر أو في نهي ، إن في فعل أو في ترك ، إن في شعيرة أو شريعة أو سياسة أو رياضة فيعم سائر موارد الاختيار في أحكام الفرد والجماعة ، فلا خيرة فيه ، فكل أولئك مما يدخل في عموم : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) ، فانتفى *** الخيرة ، فتلك دلالة "أل" في "الخيرة" ، فضلا عن دلالة العموم في المضاف إلى الضمير : "أمرهم" ، فإضافة الأمر المنكر إلى الضمير مما يعرفه في اللفظ ويعممه في المعنى فيستغرق جميع الأمور من العقائد والشعائر والشرائع والسياسات والرياضات .... إلخ من موارد الاختيار التي يظهر فيها وجه تكليف .
فاستوفى السياق أجزاء القسمة : المرسِل جل وعلا ، والمرسلَ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وبتوحيدهما إخلاصا واتباعا يكون تكليف القسم الثالث وهو المرسلَ إليهم ، فيوحدون الله ، جل وعلا ، إخلاصا في العقد ويوحدون الرسالة اتباعا في الشرع ، بتصديق الخبر وامتثال الحكم في كل دقيق وجليل فبذا وحده يكون كمال التسليم .
والخيرة في فعل المكلف ، من وجه آخر ، قد تكون في المندوب وإن رجح الفعل ، والمكروه وإن رجح الترك ، والمباح وهو ما استوى طرفاه ، وإن كان ثم وجه إيجاب يخفى ، بالنظر في *** المندوب ، ووجه تحريم يخفى بالنظر في *** المكروه لا آحاده ، فضلا أن ثم مكروها كراهته كراهة التحريم لا التنزيه على قول الحنفية ، رحمهم الله ، فهو يؤول إلى المحرم الذي لا خيرة في تَرْكِهِ ، فَتَرْكُهُ حتم لازم ، وإن كان عندهم دون المحرم الصريح ، فالمحرمات على دركات ، كما أن الواجبات على درجات ، فالمكروه تحريما دون المحرم الصريح بالنظر في قوة الدليل ، وهو ، من وجه آخر ، فَوْقَ المكروه تَنْزِيهًا ، فمادة الوحي تعم كل ما نَزَلَ من نصوص الكتاب والحكمة ، فجميعها حجة في الخبر فهو الصادق ، سواء أكان خبرا عن غيب ماض أو مستقبل ، أو كان خبرا شاهدا من آي الكون المعجز الذي تحصل العبرة بالتفكر فيه ، فدلالة القياس الصريح أن من أبدع هذا الكون على هذا الوجه المعجز ، قادر أن يخلق الناس ، من باب أولى ، وقادر أن يعيدهم تارة أخرى ، فالإنشاء إبداعا أيسر من الإعادة ، وَكُلُّهُ يَسِيرٌ على ربنا ، جل وعلا ، ولا يخفى فيه ، أيضا ، وجه الحكمة ، إذ لِكُلٍّ سنة جارية إن في الابتداء أو في الإعادة ، فـ : (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، فَاللَّام ، لام الابتداء التي تدخل على الخبر ظاهرا أو مقدرا ، وهي مَئِنَّةٌ من التَّوْكِيدِ ، ودلالة الإضافة مئنة من العموم ، فهو يستغرق خلق التقدير وخلق التكوين ، فهذا الخلق أكبر من خلق الناس ، فهو أشد خلقا ، وآيات القدرة والحكمة فيه أعظم ، فـ : (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) ، ومن ثم جاء الاستدراك ، إذ لا يعلم أكثر الناس ذلك مع وضوح الدلالة على جهة القياس الأولوي ، وقد أظهر ما حقه الإضمار ، وهو لفظ "الناس" في : (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) ، إمعانا في تسجيل الجناية .
فجاء الأمر بالاستماع للوحي كله ، خبره وحكمه : (فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) ، وحذف الفاعل للعلم به بداهة ، فلا وحي يعتبر إلا ما نَزَلَ من الرب ، جل وعلا ، وعائد الصلة هو الضمير المستتر في العامل على جهة النيابة عن الفاعل .
فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى :
وهو وحي الشرع الذي يتنزل تترى ، فدلالة المضارعة بالنظر في زمن التكلم ، وهي ، من وجه آخر ، تحتمل الحال والاستقبال حتى انقطع ذلك بقبض صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ودلالة الأمر قبلها تمحض معناها للاستقبال إذ يقع المأمور من الاستماع عقيب الأمر به ، وذلك ، كما تقدم ، بالنظر في زمن التكلم ، ولا يخلو بالنظر في زمن نزول الآية من دلالة استحضار للصورة ، ودلالة التكرار المستغرق للحال والاستقبال تُرَشِّحُ معنى الحدوث بالنظر في آحاد الوحي التي تَتَجَدَّدُ فَيُحْدِثُ ، جل وعلا ، منها ما شاء ، وإن كان نوعها أولا قديما ، فهي تندرج في *** الكلام الأعلى ، فتحته أنواع ، فثم الكلام الكوني ، وهو وحي إلى الملائك أن تدبر الأمر بإذن ربها ، جل وعلا ، فتتأول أمر الإنجاء للرسل عليهم السلام ومن معهم وأمر الإهلاك لأعدائهم ، وأمر الإعطاء وأمر المنع ، وأمر القطر وأمر القحط ..... إلخ من أفعال الربوبية التي بها يظهر انفراده ، جل وعلا ، بالخلق والرزق والتدبير ، فذلك وحي الكون ، ولازمه أن يمتثل الناظر وحي الشرع بالإثبات والنفي في الأخبار ، وبالأمر والنهي في الأحكام ، فهو يعم ، كما تقدم ، جميع محال الاختيار الباطن والظاهر ، الخاص والعام .
والله أعلى وأعلم .