المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : السر الأعظم أو سر الأسرار ? الجزء الرابع والثلاثون


rss
02-20-2016, 03:40 PM
السر الأعظم أو سر الأسرار ? الجزء الرابع والثلاثون
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العظيم

نستمر في طريقنا للبحث عن الأسرار من خلال علم الأسماء وعلم البيان كعلوم ربانية سماوية مُستثنين العلوم البشرية الأرضية، تلك العلوم التي ارتضاها أغلب الناس لتكون مقياساً لهُم فيحكمون ويتحكمون من خلالها على كل ما يواجههِم وُحيط بهِم فيما يخص حياتهِم على الأرض، وذلك بالرغم من فشل هذهِ العلوم الوضعية على مواجهة وحل أغلب مشاكل البشر إن لم تكن كلها، والتي عانا وما زال يُعاني منها الناس وذلك طوال وجودهم على الأرض.
ما يجب ويتحتم على الإنسان أن يعرفهُ ويتيقن منه هو أنَّ ما تعانيه البشرية ونعني هُنا كل البشرية وكل الناس دون استثناء منذ وجودهم على الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ليس سوى لعنةٌ من الله، ولهذا السبب لن يستطيع أي إنسان أن يفك ألغاز هذهِ اللعنة وينهيها من خلال أي علِم آخر أو معرفة إلا عن طريق علم الأسماء وعِلم البيان، واللذان هُما أصلاً مما علمهُ الرحمن للإنسان، فاللعنة التي أصابت البشر إنما هي من الله ولن تزول إلا عن طريق الله، نقرأ هذا الكلام في تأويلنا للآية الكريمة من سورة طه: قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)، من هذهِ الآيتين الكريمتين نفهم ونتيقن، بأن عدم شقاء الإنسان أو عدم ضلاله أي سوء اختياره إنما هو مرهون بإتباع هُدى الرحمن فقط لا أكثر ولا أقل، ولذلك فالذي يُريد السعادة والهناء والراحة والبقاء في الدُنيا والآخرة عليهِ أن يتَّبع هُدى الرحمن، أما الذي يُريد أن يبقى تعيساً شقياً ضالاً مُضلاً عليه أن يتَّبع أي شيء في الأرض على أن لا يكون من هُدى الرحمن، فهُدى الرحمن محصور ومحدود بما علمهُ الخالق للإنسان، ولن يكون هُناك علم آخر أو مفاهيم وقيَّم أخرى تُفيد الإنسان غير ما تعلمه الإنسان من خالقهِ ومُبدعهِ الرحمن.
إذا فكَّر أو تخيل أي إنسان كان بأنَّ هُناك علماً حقيقياً ومُفيداً للإنسان لم يتعلمهُ من خالقهِ الرحمن عندما علَّمهُ الأسماء كلها وعلم البيان ولكن تعلمهُ في الأرض فقط، فهذا يعني والعياذ بالله بأنَّ هُناك قصوراً وتقصيراً في تعليم الله للإنسان والعياذ بالله، فهذا هو التكبُّر والغرور بعينه بل هو المرض الذي يُصيب الإنسان ليعيش مُعذباً مُهاناً بعيداً عن رحمة الرحمن، فيدخل جهنَّم بعدها ولا يقرب الجِنان.
دعونا نتوقف هُنا للحظة ونكون واقعيين ومنطقيين في تعاملنا مع حقائق الأمور ثُم نُقارن بين علوم الإنسان الوضعية والتي أوجدها البشر وبين علم الرحمن الذي علَّمهُ للإنسان فنسيه وفضَّل عنهُ العلوم المُتناقلة بين البشر من جيل إلى آخر كنوع من تعظيم وتمجيد لعمل وعقل أو فهم الإنسان، فالبشر هُنا إنما يحرصون كل الحرص على أن لا ينسوا علومهم أي علوم البشر الوضعية، وفيما يخص علم الرحمن فلا نجد من يهتَّم أو ينتبه بأن هُناك علم قد تعلمهُ من الرحمن فنسيه، وبالتالي فليس هُناك حرص أو اهتمام من الناس على أن يسعوا في تذكر هذا العِلم، وهذا ما نلمسه ومُثبت على أرض الواقع دون مُبالغة أو تلفيق الاتهامات.
نعود إلى مسألة المُقارنة بين علوم الإنسان الوضعية التي حرص الإنسان على عدم نسيانها وبين علم الرحمن الذي نسيه ولم يهتم بتذكره:
1- علم الطب الوضعي عند الإنسان يُستفاد منهُ في معالجة مرضى البشر من أمراضهُم سواء كانت عضوية أم نفسية، ولكن علم الله المُتمثل بعلم الأسماء إنما يُستفاد منهُ بإنهاء وجود المرض أصلاً فلا يمرض أبداً، فمن أفضل ؟؟؟؟
2- علم الهندسة الوضعي عند الإنسان يُستفاد منهُ في البناء والتعمير وإيجاد مناخ ومُحيط أفضل لحياة الإنسان، ولكن علم الله المُتمثل بعلم الأسماء إنما يُستفاد منهُ باستعادة أفضل مناخ وأعظم مُحيط عاشهُ الإنسان، فمن أفضل ؟؟؟؟
3- علم الفيزياء الوضعي عند الإنسان إنما يُستفاد منهُ في معرفة خصائص المواد وصفاتها لتحويرها بالصورة التي تخدم الإنسان، ولكن علم الله المُتمثل بعلم الأسماء إنما يُستفاد منهُ بتحوير وتسخير كل شيء خلقهُ الله ليكون في خدمة الإنسان وتحت إدارتهِ كما أمر الله جميع خلقهِ أن يسجدوا للإنسان بأمر الله ويُطيعوه بمشيئة الرحمن، فمن أفضل ؟؟؟؟
4- علم الكيمياء الوضعي عند الإنسان يُستفاد منهُ في معرفة تركيب المواد ومكوناتها لتغييرها بما يخدم الإنسان، ولكن علم الله المُتمثل بعلم الأسماء إنما يُستفاد منهُ بممارسة قوى الإنسان فتُتماشا المواد مع رغباته بمشيئة الله، فمن أفضل ؟؟؟؟
وبنفس المنطق والأسلوب نستطيع أن نُثبت أفضلية علم الله على كل علم البشر وعلم الجان بل وعلم أيٍ كان من مخلوقات الرحمن، وذلك بالرغم من كوننا لسنا بحاجة أصلاً إلى أي إثبات أو مقارنة هُنا، فليس هُناك أي علم من مخلوق يٌقارن بعلم الخالق الفتاح العليم ذاته والعياذ به.
أما بخصوص ما قُمنا بهُ من مُقارنة هُنا إنما كان للرد على مقولة أن أخذ العلوم من الله أو من كتبهِ السماوية كالقرآن إنما ذلك يُمثِل إهانة لله ولدين الله بحجة كون الله وعلم الله ودينه أقدس من أن يُدنَّس بعلم أرضي يتغير ويتبدل باستمرار لكونهُ مأخوذ من عقول البشر، ولذلك فإننا نجد هؤلاء يرفضون أخذ العلوم من القرآن أو من أقوال الرحمن، ويصرون على أنَّ كل ما يخص الدين والخالق الديان يجب أن يبقى بين جدران ولا يُستفاد منهُ بأي طريقة كانت، وكأن الدين هُنا عبارة عن طقوس وترانيم ليس لها أي قيمة أو معنى في الحياة والعياذ بالله، وهذا القول شائع بل طاغي على أغلب الناس في الوقت الحاضر، وهو سبب عدم قبول علم الأسماء بين العلوم، بل ومحاربتهِ بكل الوسائل مهما كانت أو تكون.
هذهِ الحرب ضد عِلم الله المُتمثل بعلم الأسماء إنما كان أول من ابتدئها هو إبليس اللعين، أما من يُحافظ عليها إلى الآن هُم أعوانه الملاعين من الإنس والجان، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة الفرقان: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)، حيث نجد هُنا إصرار الإنسان على عدم معرفة الرحمن أو علمهِ وأي شيء يخصهُ سُبحانه لا إله إلا هو.
فرفض الناس السجود للرحمن إنما يعني رفضهِم للقبول بعلم الأسماء وذلك سببهُ الجهل والضلالة التي في الناس، ولن ينصلح حالهُم طالما هُم يتبعون الجهل والجهلاء ويقولون عنهُم عُلماء، فما قيمة هؤلاء العلماء إذا كانت نتيجة من يتَّبِعهُم ومن يسير ورائهُم الخلود في النار سواء كانوا من الإنس أو الجان.
المسألة يا أحبتي بالله وكما قلناها سابقاً وكما يقولها الخالق سُبحانه في سورة النساء: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)، هي أن كل ما يضنهُ الإنسان خير ومنفعة لهُ، فإنه في حقيقتهِ عبارة عن رحمة من الله، وفهم الناس الخاطئ للعلم ولحقيقة العلم تجعل الناس يضنون بأنهُ منهُم ومن علومهِم وأفكارهِم أو ذكائهِم وليس من الله أو من علم الله وعلم الأسماء على الرغم من كونهِ كذلك وهم يعلمون ولكن يُكابرون.
لهذا السبب نجد بأنَّ عدم استمرارية الخير والمنفعة مع المجتمعات البشرية إنما يعود إلى الغرور والفساد الذي يُصيبهم نتيجة الفهم الخاطئ في عدم إرجاع الفضل لصاحب الفضل وهو الله سُبحانه جل جلاله.
وبما إننا ندرك ذلك جيداً، فإننا نتمنا على الله أن يُبقي الخير والمنفعة فينا ما أحيانا وألا يُضلنا ويُضل أعمالنا كما أضلَّ غيرنا من الناس.
فيما تقدم من تهيئة إنما كان لنساعد الناس على فهم شرحنا وتفسيرنا لآيات وسور سورة الرحمن والتي من شأنها إزاحة ودحض كل التشكيك الحاصل حول هذهِ السورة بالذات من سور القرآن، خصوصاً ونحن نجد العديد من التساؤلات عن سبب تكرار الآية الخاصة بسؤال الرحمن عن تلك الآلاء التي يُشكك ويُكذب بها الإنس والجان.
هذا التشكيك قد جاء على الرغم من كون آيات سورة الرحمن واضحة وجلية للعيان، ولكن علم الخالق سُبحانه بالغيب وإدراكه للفتن التي تُصيب الإنسان والتي تجعلهُ يجهل حقيقة رحمة الله بعباده المُخلصين وبالناس أجمعين والتي تجعله لا يُدرك حقيقة سورة الرحمن، جعلهُ سُبحانهُ يُكرر ذلك السؤال كنوع من الإصرار والتحدي للإنس والجان بأنَّ رحمة الله موجودة وقائمة بل هي عظيمة وفريدة لمن يعلم بعلم الأسماء والذي هو بذاتهُ أي علم الأسماء هو رحمة عظيمة وهو سر أعظم من ضمن الأسرار التي يفتح الله بها ومن خلالها بصيرة الإنسان ليرى الأمور على حقيقتها بعيداً عن اللبس والتزوير، وهو الأمر الذي يُلاحظهُ المتتبع لأجزاء السر الأعظم ولتفسيرنا لآيات سورة الرحمن والتي تختلف كلياً عن التفاسير السابقة الخاصة بهذهِ الآية العظيمة، وكأن الخالق سُبحانه أنزل هذهِ الآية الكريمة لتكون مقياس لمدى عِلم الإنسان ولمدى معرفة الناس برحمة الخالق بهِم سُبحانه.
فما قيمة الإنسان وعلم الإنسان إذا لم يعرف من خلاله رحمة خالقهِ به؟
لقد جاء في سورة الرحمن وبعد تدرجنا في آياتهِ الحِسان حيث وصلنا إلى قولهِ تعالى: كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59)، في هذهِ الآية الكريمة نقرأ قولهُ تعالى (َ كَأَنَّهُنَّ) وهذهِ الأداة تُفيد تشبيه ظاهر الشيء، وكما قلنا سابقاً بأنَّ عظمة الرحمن اقتضت في آيات سورة الرحمن أن يتعرف المرء على المقصود من خلال الإشارة إليه وليس عن طريق ذكره، وهذا يدعم قولنا بأن آيات سورة الرحمن إنما هي في حقيقتها سور مُستقلة تنتهي كل منها بسؤالهِ سُبحانه عمَّا إذا فهِم الإنس والجان رحمة الرحمن من خلال آياتهِ العِظام، وهو الأسلوب الأمثل ليختم بهِ الخالق الواحد الديَّان سوره المجموعة في سورة واحدة ألا وهي سورة الرحمن.
إذاً (كَأَنَّهُنَّ) تُفيد الإشارة إلى المظهر الخارجي في وصفهِ، وبوجود نون النسوة هُنا نفهم بأن التشبيه يخص الإناث المُقيمين في الجنَّتين والمتهيئات لاستقبال عباد الرحمن الفائزين بالجِنان سواء كانوا إنس أم جان، ذكور أم إناث.
أما وصفهِ سُبحانه لهُنَّ بقولهِ (الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ) نفهم منه بأن أجساد هؤلاء النسوة الحِسان سوف يكون في مظهرهِ يشبه الياقوت الخالص النقي ذو الحُمرة الفريدة والجذابة عندما يُغلَّف ويُكسى بطبقة رقيقة تشبه المُرجان في نقاء بياضه وإشراقة صفائهِ.
قد يصعب على الإنسان تخيل وفهم ذلك الجمال الرائع والخلاب عندما يكون قلب الشيء لونهُ أحمر جذَّاب وسطح ذلك الشيء أبيض شفاف، فكون الياقوت يتَّسم باللون الأحمر الفريد، وكما نعلم بأنَّ اللون الأحمر يُثير عند الإنسان الإعجاب والرغبة والحماس والدهشة، فما بالك عِندما يُكسى بطبقة بيضاء تُشعِر الإنسان بالنقاء والطهارة والصفاء، وهذان اللونان الفريدان في تأثيرهما على الإنسان عندما يكونان بهذا التنسيق الرائع في تجسيده لهيكل وجسم تلك الحِسان بحيث يكون الجزء الصلب المُمثل بالعظام لونهُ كالمرجان والجزء الليِّن والناعِم الرقيق يكون في بياض ونقاء المرجان، ليصدق قول الرسول الكريم (يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم من ا***ن)، حيث جاء الحديث الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر , ثم الذين يلونهم كأشد كوكب دري في السماء إضاءة , قلوبهم على قلب رجل واحد لا اختلاف بينهم ولا تباغض , لكل امرئ منهم زوجتان من الحور العين , يرى مخ سوقهن من وراء العظم واللحم من ا***ن) صدق رسول الله عليه الصلاة والسلام.
بعد هذا الوصف والتفسير في وصف مظهر وشكل هؤلاء الحِسان، ويبقى العلم عند الله وحده، هل يكون الجواب لسؤال الرحمن الموجه للإنس والجان: فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59)، غير الجواب الطبيعي والمنطقي ألا وهو: نعوذ بالله أن نُكذِب أو ننكُر بأيٍ من نعمك وأفضالك علينا يا ألله.

ترقبوا مِنَّا المزيد إذا شاء الرحمن.

والحمد لله حمداً كثيراً على نعمه والصلاة والسلام على رسولهُ محمد الذي ائتمنه على خلقه ومن آمن به.

محمد "محمد سليم" الكاظمي