rss
02-19-2016, 08:23 PM
من آية : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ ......)
ومن قوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) .
فذلك من التكثير ، فتلك دلالة "كم" الخبرية ، إذ تلك سنة جارية في إهلاك الظالمين ، فلا تتخلف السنة إلا أن يكون ثَمَّ عبرة تعظم في إمهال الظالم ، فهو ، من وجه ، عقاب عاجل أن يسلط على غيره ، لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ ما تَرَكَ وعطل من أمر الدين ، وهو ، من وجه آخر ، تكفير لذنب مؤمن ابْتُلِيَ بظالم يسومه خطة خسف ، وَقَدْ يتخلف العقاب لعل الظالم يرجع عن ظلمه فالقلوب بِيَدِ من يقلبها ، جل وعلا ، فلا يعلم أحد المآل ، والقدرة النافذة والحكمة البالغة يظهران معا في كل حركة في هذا الكون ، فَيَكُونُ الأخذ بالعذاب أخذا لا على جهة الاستئصال ، فيدخل في عموم : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ، فذلك أخذ الاستصلاح ، إن صح اللفظ ، وذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، أن يمهل ، وأن يُرْسِلَ المنذِرَ ، لتقوم الحجة وَيَنْقَطِعَ العذر ، فإن لم يَنْفَعْ ، كانت الحكمة في أخذ الاستئصال ، وَثَمَّ ، فِي الآيتين ، إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فذلك موضع جلال يحسن فيه التَّعْظِيمُ ، فأسند فعل الإهلاك إلى ضمير الفاعلين ، وهو من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة فتظهر آحاده شيئا فَشَيْئًا إذا شاء الرب ، جل وعلا ، ذلك فهو من إحداث الآحاد وإن قدم النوع فهو أول كما الذات أولى مطلقا ، وكذلك الشأن فِي فِعْلِ الأخذ في آي هود ، وهو ، من وجه آخر ، مما أسند إلى اسم الرب ، جل وعلا ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ) ، فذلك موضع تظهر فيه آيات الفعل ، وذلك يدخل في توحيد الرب ، جل وعلا ، بأفعاله ، وهو يندرج ، في توحيد الخبر ، فما يعلم اسم الرب ، جل وعلا ، ووصفه ، ولا يعلم فعله إلا بخبر الوحي ، فذلك من الغيب الذي حجب ، وإن وجد الناظر المتدبر آياته في الكون ، فَحَقَائِقُ الكون الماضية والحاضرة ، شاهدة أن لهذا الكون رب مُدَبِّرٌ يحكم أمره ، ومنها سَنَنُه النافذ في كل أمة ، فمن كفر فَجَزَاؤُهُ الإهلاك والاستئصال فَضْلًا عَمَّا يؤجل من العذاب ، فهو أشد وأبقى ، فَثَمَّ ما أجل ليوم الفصل ، وذلك ما جعل عبد المطلب على شِرْكِهِ ، يقسم إذا رأى ظالما لم يَنَلْ جزاءه في هذا الدار ، أن ثم دارا تَلِيهَا فِيهَا تُسْتَوْفَى الحقوق ، فالجزاء الإلهي ، كما قرر علماء الأخلاق ، مما يواطئ العلم الضروري ، إذ كل عاقل ، ولو طفلا ناقص العقل ليس له من الإدراك إلا مطلق التمييز ولو في بواكيره ، كل عاقل يدرك أن لكل حدثٍ مُحْدِثًا ، وذلك ما يحمل الطفل بغريزة لما تعرف بعد معنى الخوف الذي يدركه البالغ ! ، فهي تدرك العدل ، وَتَرُومُ إنجازه بلا تأجيل ، ذلك ما يحمله أن يُبَادِرَ بالقصاص ، فيلطم من لطمه ، أيا كان ! ، والجزاء الإلهي ، من وجه آخر ، مما يجري فيه الطرد والعكس ، على وجه يُوَاطِئُ صَرِيحَ العقل ، فمن كفر هلك ، كما نصت الآية ، ومن آمن في المقابل فإنه ناج ، ولو نَالَهُ من العسف في هذه الدار ما يَكُون تَكْفِيرًا لسيئ العمل ، وَهُوَ جزاء يتفاوت تبعا للجرم ، فلا يستوي جرم العاصي وجرم الكافر ، فالأول متوعد وعيد التأقيت ، والثاني متوعد على جهة التأبيد ، والأول مآله أن ينجو ما لم يكن عصيانه قادحا في أصل الملة ، والثاني لا ترجى له نَجَاةٌ فَخَبَثُهُ مما لا يَنْفَعُ معه تطهير ولو مكث في النَّارِ إِلَى أبد الآبدين ، ولا يستوي جرم أهل الكتاب مع جرم أهل الأوثان ، فجرم أهل الكتاب أهون وإن اشتركا جميعا في *** الخلود في النار فالتفاوت في الدركات لا في الخروج من العذاب فكلٌّ خالد فهما نوعان يندرجان في *** الكافر ، فالنعيم درجات والعذاب دركات ولكل مقام معلوم بما قضى به الرب المعبود ، جل وعلا ، على وجه يصح به تأويل القدرة والحكمة بما يظهر تَتْرَى من آثارهما بما يصلح أمر هذه الدار ، مدافعة بين الحق والباطل ، وأمر ما يَلِيهَا من دور ، إذ يُنَزَّلُ كلٌّ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي بِهِ تَلِيقُ ، وذلك مما أمر به الشرع ، فـ : "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ، على كلام في إسناده ، ولذلك ذكره مسلم ، رحمه الله ، صدرَ صحيحه في المقدمة بلفظ تمريض ، ونص كلامه : "وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ، فعلقه بصيغة التمريض إيماء إلى التضعيف ، ففي إسناده ميمون بن أبي شبيب ولم يسمع من عائشة ، رضي الله عنها ، فخبره عنها مرسل ، بالمعنى العام للإرسال والذي يعم جميع أنواع الانقطاع لا الصورة الأخص التي بوب لها أهل الشأن بنوع من أنواع علوم الحديث ، وهي ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيعم هذه الصورة ويعم غيرها من صور الانقطاع ، وهو من أجناس الضعيف ، كما قرر أهل الشأن ، وله رواية أخرى ذكرها البيهقي ، رحمه الله ، من طريق عمر بن مخراق عن عائشة ، رضي الله عنها ، وهو ، أيضا ، مرسل إذ لم يسمع منها عمر ، وقد يقال إن اختلاف المخرجين : ميمون بن أبي شبيب ، وعمر بن مخراق ، مما يجعل كلاهما مرسلا من طريق ، فتعتضد الطريقان ويرتقي بهما إلى رتبة الاحتجاج إن سَلِمَا من قادح آخر غير الإرسال على تفصيل في ذلك .
والشاهد أن قَانُونَيِ الكون والشرع يَلْتَئِمَانِ على وَجْهٍ يدل على التوحيد ، فاطراد السنن مئنة من وحدانية من عنه تصدر ، فهو الرب الذي يجري سنن الكون بما يصلح الأبدان ، وهو الإله الذي يجري سنن الشرع بما يصلح الأديان ، فَثَمَّ جزاء منه العاجل في هذه الدار ، ومنه الآجل ، إن في جزاء الخير فضلا ، وهو ما تَأَوَّلَ بِهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَوْلَ رب العالمين جل وعلا : (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) ، فثم زيادة في الأولى ، من منافع الدنيا ، من الفضائل النفسانية كمالا في قوة التصور والتصديق الباطن ، وقوة الحكم الظاهر فتستقيم النفس على سنن الفضيلة في العلم والعمل ، إذ يستقيم صاحبها على سنن الشرع فلا يخالف عن أمره ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، أعظم كرامة ، فالاستقامة على سنن الشريعة أعظم كرامة ، كما أثر عن بعض المحققين ، فلا تعارض الشريعة بحقيقة متوهمة أحدثها أهل البطالة والكسل أن عجزوا أن ينهضوا بأمر الشرع ، فعارضوه بالهوى والذوق ، وقعدوا وأقعدوا الناس معهم وهونوا من شأن العمل بذريعة شهود مقام القدر الذي صار ذريعة إلى تعطيل مقام الشرع في جبرية تخالف النقل والعقل وسائر ما يستدل به أصحاب العقول الناصحة والمروءات الكاملة .
فمنافع الدنيا منها فضائل النفس ، ومنها فضائل البدن ، فالطاعة تكسب البدن قوة ، والوجه بهاء ونضرة ، والنفس منعة وهيبة ، فَتَرُدُّ الطاعة عنها غَوَائِلَ السفهاء ، فهيبة الطاعة من أعظم ما يمتن به الرب ، جل وعلا ، على الطائع ، ولا يُنَالُ ذلك ، بداهة ، إلا بإخلاصٍ يَنْشَأُ منه العمل ، فأخلاق الوحي أخلاق ذات رصيد عظيم من القيم الروحية التي تحقق السعادة العاجلة والنجاة الآجلة ، ومنها فضائل خارجية هي منحة زائدة من الرب ، جل وعلا ، فَامْتَنَّ ، جل علا ، على من شاء بذرية طيبة ، تسبح ربها ، جل وعلا ، وتقيم شرعها ، فهي توضع في ميزانه ، وَابْتُلِيَ بأخرى طالحة يصبر عَلَيْهَا إذ يَرُومُ استصلاحها ، فيثاب على الصبر والمجاهدة وإن لم تُجْدِ التَّرْبِيَةُ نَفْعًا إذا فسد المحل أيا كانت المربي وكم من أفاضل ابتلوا بأبناء لا نفع يرجى منهم في حفظ دين أو إصلاح دنيا ، فهذه فضائل يعجل منها للمؤمن ما يعجل فذلك الفضل ، وَيُبْتَلَى ، من وجه آخر ، أن يحرم بعضها ، فذلك العدل ، فلا يخلو العبد المؤمن من تقصير ، وإن فترة عن الذكر ، فذلك مما يستوجب المؤاخذة ولو عتابا بحرمان من فضل نعمة في هذه الدار ، ولا يخلو من فضل ، إذ ما حرم منه في هذه الدار قد ادخر في دار الجزاء الأوفى ، فآنذاك يَتَمَنَّى الإنسان أن لم تُجَبْ لَهُ دعوة في هذه الدار لعظم ما ادخر من أجورها يَوْمَ الجزاء .
فاطرد الحكم وانعكس ، فإن الآية لا تخلو من دلالة طرد وعكس ، فإن إهلاك من بطر وكفر يدل بِالْمَفْهُومِ على أن من آمن فإنه نَاجٍ من العذاب العاجل ، وذلك ما وَرَدَ النص عليه : (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) ، وتلك دلالة معتبرة في الأخبار والأحكام ، فهي دلالة في العقل واللسان صريحة ، إذ مَنْطِقُ الباطن والظاهر يدل عَلَيْهَا ، فالفؤاد يدل عليها بحركته في المعقولات ، واللسان يفصح عنها في الملفوظات ، ومع ذلك ورد النص عَلَيْهَا ، كما تقدم ، فالطرد والعكس فِيهَا يَظْهَرُ ، فهو يظهر في الأحكام إذ الأمر بالشيء يستوجب النهي عن ضده ، ويظهر في الأخبار إذ إثبات الشيء يستوجب نَفْيَ ضده ، فإن الخبر في الآية يدل على نجاة من آمن ، وَيَرِدُ عليه ما يجد المؤمن في هذه الدار من عذاب ، والجواب والله أعلم : أنه بالنظر في العذاب الذي ينال الظالم مما يهون ، وإن عظم الألم الظاهر ، فالألم الباطن أعظم ، وهو ما يجده أهل الظلم والطغيان ، فثم وحشة في القلب لا يأنس فيها الظالم بربه ، جل وعلا ، بل أشد ساعاته وحشة إذ يخلو بنفسه فَيَنَالُه من الجزاء الوجداني شيء عظيم ، فثم تأنيب الضمير ، وثم خوف واضطراب ، فهو ، أبدا ، خائف تَرْجُفُ بوادره ، وإن كان ظاهره أنه آمن بما حشد من الجند والحرس ، والتاريخ يقص ، وهو الْقَاصُّ العادلُ الواعظ ، أن حرس الطغاة هو الأعظم ، فكان لتيمورلنك من الحرس إثنا عشر ألفا من خيرة الجند ، وهو من هو في السفك والقتل الذي أعاد إلى الأذهان ذكرى جده الخالدة ! ، ذكرى هولاكو إذ استباح حاضرة الخلافة الزاهرة : بغداد بني العباس ، فأعاد تيمور الكرة ، واستباح هذه المرة ! ، دمشق ، حاضرة الخلافة زمنَ بني أمية ، فما حاجة طاغية سفاك كهذا إلى هذا العدد الهائل من الحرس إلا أنه يُسَكِّنَ ما يجيش بفؤاده من مشاعر الخوف والاضطراب ، وثم فقدان للهيبة وإن اصطنعها بمظاهر من الأبهة فهي تخفي ذِلَّةً عظيمة في النفس لا تخطئها عين المستبصر لا المنبهر بآيات الفخامة ال**طنعة ، وزد عليه ما يجده من فساد حال في أهله وولده فتقع بَيْنَهُ وبينهم الوحشة والجفاء ، وبيوت الظالمين وإن كانت عظيمة البهرج إلا أنها خلو من السكينة التي لا تشترى بمال ولا تستجلب بحسن الأثاث وجودة الطعام ، فلا لذة تنال مع ضنك العيش الذي توعد به الرب ، جل وعلا ، من خرج عن شريعة الوحي المحكمة ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فالسكينة واللذة ..... إلخ ، كل أولئك مما لا يقايض بالمال فَلَيْسَ سلعة تُبَاعُ وتشترى ، فغاية المال أن يستجلب أسباب اللذة ، وإن كان ذلك ، أيضا ، مِمَّا يَقْتَصِرُ على الأسباب المحسوسة ، فالأسباب المعقولة لا تشترى بالمال ، فالمعقول لا يشترى بالمحسوس ، فتلك صفقة لا تصح في النقل والعقل ، فقياس العقل الصريح أن يشترى المحسوس بالمحسوس ، والمعقول بالمعقول ، فالمال يشتري الطعام ولكنه لا يشتري شهوة المأكل ، والمال يشتري الدواء ولكنه لا يشتري الشفاء ، فذلك ما لا يكون إلا بإذن رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، والمال يشتري البيت والأثاث ولكنه لا يشتري الطمأنينة والسكينة ، فذلك مما لا ينزل إلا من السماء ، فَامْتَنَّ به ، جل وعلا ، على نَبِيِّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن حول من عصبة الإيمان ، فـ : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فالسكينة من الجند ، فثم عموم في اللفظ : "جنود السماوات والأرض" ، إذ المضاف إلى معرفة من صيغ العموم في اللسان كما قرر أهل الشأن ، فهو يعم الجند المحسوس والجند المعقول ، والجند المغيب كالملائكة والجند المشهود في ساحة النِّزَالِ ، فالسكينة من المعنى المعقول الذي يُنْزِلُهُ ، جل وعلا ، من السماء في قلوب أهل الإيمان ، فهي من كلمات الكون التي تَنْزِلُ من السماء ، فكيف يشترى هذا بمال ؟! ، والظالم في بدنه وإن ظهرت أمارات الصحة عليه لا يخلو من آلام ولو في الباطن ، فضلا عن آلام ا*** ، وانظر في رواد المشافي الفخمة تجد كثيرا من أهل الحظوة قد نالهم الجزاء الطبيعي ، كما يسميه الدكتور ألكسيس كاريل ، فأمراض مستعصية إذ يغلب على أولئك إلا من ندر أنه يقارف من الشهوات ما يشبع غرائزه ، رجاء لذة تسكن ألم الوحشة ، فتصيبه تخمة من اللذة تضر ولا تنفع ، ولو كانت من فضول المباح فكيف إن كانت حراما ظاهر الحرمة إن في اكتسابه أو في إنفاقه ؟! ، فكل أولئك من الألم الذي لا يعدله ألم يعرض للمؤمن ، وإن عظم في ا*** ، إلا أن راحة الضمير تنسخ آثاره ، ولا يكون ذلك إلا مع إيمان يرسخ في القلب ، بل ومع ضعف الإيمان تجد الضعيف وإن غلبه الهم ، تجده إذا نظر في مآل الظالمين ، حمد ربه ، جل وعلا ، أن كان من أهل الحق ، ولو جاء في الذيل ، فأن تكون ذنبا في حق خير أن تكون رأسا في الباطل ، كما أثر عن بعض السلف .
والخبر ، إن تدبر الناظر ، يدل على إنشاء ، إذ ذكر العقوبة يستوجب النهي عما يستجلبها ، فذلك خبر يفيد بنفسه حصول العلم في الفؤاد ، ويفيد ، من وجه آخر ، إنشاء النهي ، وذلك ، أيضا ، مما يطرد وينعكس ، فإن خبر الوعد يستوجب في المقابل الأمر بما يستجلبه .
والفعل : "أَهْلَكْنَا" ، من وجه آخر ، مما تعدى بالهمزة ، فتلك همزة التعدية ، وهي مما دخله الاشتراك ، كما تقدم في مواضع أخرى ، إذ الهمزة ، تستعمل في نداء القريب كما مثل له صاحب "المغني" رحمه الله صدرَ كتابه بقول امرئ القيس :
أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ ******* وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي .
وتستعمل في الاستفهام ، كما في قوله تعالى : (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) ، فذلك إنكار ، و : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) ، فذلك تقرير إذ دخل الاستفهام على النفي فذلك من *** دخول النفي على النفي فيفيد الإثبات ، من هذا الوجه .
وتستعمل في التسوية ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وتعلم باقترانها بـ : "أم" المتصلة التي تفتقر إلى المعادل في سياق التسوية نفيا أو إثباتا فلا تكون بداهة إلا بين طرفين متعادلين في اللفظ والحكم وإن كانا متضادين في المعنى فسواء الوجود والعدم .
وتستعمل في الإزالة كما في قوله تعالى : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) ، أي : أُزِيلُ خفائها ، على قول أشار إليه بعض المحققين ، فيجري ذلك مجرى الإمعان في توكيد المعنى وتقريره .
وثم همزة المضارعة التي يَسْتَتِرُ فاعلها إيجابا كما في قوله تعالى : (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) ، ففاعل : "أقول" مما استتر وجوبا ومرجعه إلى القائل على تقديره بـ : "أنا" ، فهو ضمير المتكلم المفرد .
فدخلها الاشتراك ، من هذا الوجه ، والسياق ، كما تقدم مرارا ، هو الذي يرشح مراد القائل ، فضلا عن حد الألفاظ في نفسها ، فحرف المعجم ، قد يفيد وإن كحرف يدخل في بنية الكلمة كما في همزة التعدية والمضارعة ، وقد يفيد ، من وجه آخر ، كحرف معنى مستقل كما في همزة الاستفهام والتسوية والنداء .
وقد قدم المفعول ، "كم" الخبرية ، إيجابا إذ له الصدارة مطلقا ، فيشبه من هذا الوجه أدوات الاستفهام ، وَتَأَخَّرَ تَمْيِيزُهُ : "من قرية" ، وزيد في الوصف إذ هو مناط التعليل لما تقدم من حكم الإهلاك ، فعلة إهلاكها ليست أنها قرية فذلك معنى لا يستوجب عقوبة الإهلاك وإلا لاستحق جميع الناس الهلاك مؤمنهم وكافرهم ، وإن صح هذا المعنى بالنظر في العقوبة العامة التي تعم البر والفاجر فيجري ذلك مجرى : "أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»" ، فذلك استفهام يحمل معنى الإنكار لا تكذيبا لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما عجبا من ذلك على وجه صيره في ذهن المخاطب مجملا يفتقر إلى البيان ، فسأل مستفهما لا منكرا .
والشاهد أن اسم القرية مطلقا لا يصلح مناط تعليل لحكم الإهلاك ، فَقُيِّدَ أَنْ وُصِفَ بجملة : "بطرت معيشتها" ، والمعيشة ، كما يقول بعض المحققين ، اسم **در ناب عن ال**در وهو العيش فيجري مجرى تبادل الصيغ وإن كانا وثيقي الصلة فدلالتهما واحدة وإن اختلف الدليل في زيادة أو نقصان في اللفظ ، وقد ضمن الفعل : "بطرت" معنى الكفر والخسران فتعدى من هذا الوجه ، والتضمين ، أيضا ، مما اشتهر في اللسان على وجه صير ألفاظه من المشترك ، فثم تضمين في الحروف ، كما في قوله تعالى : (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) ، فضمنت "في" الظرفية معنى باء السببية ، على تقدير : فذلكن الذي لمتتني بسببه ، وذلك باب يصعب حصره وقد صنف فيه من صنف في معاني الحروف ، وثم تضمين في الأسماء وهو يجري مجرى المجاز اشتقاقا ، عند من يجوز المجاز في الشرع واللسان ، كما في قوله تعالى : (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) ، فناب ال**در "كذب" عن اسم المفعول "مكذوب" وهو مئنة من الثبوت ، وذلك مما يجري مجرى المبالغة في تسجيل الجناية .
واسم القرية قد يطلق على الدور أو ساكنيها أو عليهما مَعًا ، فالقري مئنة من الجمع ، فتقول : قريت الماء في الحوض أي : جمعته ، والجمع *** يعم جمع الجماد من الدور وجمع الأحياء من سكانها ، ودلالة السياق قد ترشح أحدهما على وجه لا يلتبس ، فالسياق في هذا الموضع يرشح معنى السكان إذ بقيت المساكن فصحت الإشارة إليها ، أو يقال والله أعلم : إن اللفظ يدل على كلا الوجهين فالإشارة إلى الدور إشارة إلى أطلال فهي آثار لدور كانت ثم جرى عليها القدر النافذ ، فَيَكُونُ ذلك من تَنْزِيلِ المعدوم منزلة الموجود على وجه تصح فيه الإشارة ، ويصح الجمع بين الوجهين وذلك مما قد يستأنس به من يقول بعموم المشترك إن نظر في ذلك أنه دلالة لفظ واحد على وجهين من الجمع يختلفان وإن اشتركا في ال*** الأعم الذي يثبت في الذهن مطلقا ، أو هو مما يجري مجرى الاشتراك المعنوى فالمعنى قد أطلق في الذهن وانقسمت موارده في الخارج فافترقت من جهة القيد في الخارج واجتمعت من جهة الإطلاق في الذهن ، فلا حاجة إلى تكلف القول بالمجاز حذفا إذ كل سياق يتضمن قرينة ترشح معنى على آخر حال الاحتمال ، ففي قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ، يكون المقصود بداهة من عقل في تلك القرية ومن عقل من المسافرين في تلك العير ، إذ أطلق الدابة وأراد من يركبها كما سميت الظعينة بهذا الاسم والظاعن هو الجمل الذي تركبه ، فصح السؤال ، من هذا الوجه ، فتقدير الكلام : واسأل أهل القرية واسأل ركاب العير ، بل قد يقال ، والله أعلم ، أنه لو حمل السؤال على المبالغة في نفي الجناية على تقدير : واسأل القرية سكانها ودورها ! ، فذلك مما اشتهر في لسان العرب فصار عرفا دارجا في كلامهم ، فكثر في كلامهم خطاب الدور والأماكن ، كما في قول أبي البقاء الرندي ، رحمه الله ، في مرثيته الشهيرة ، نونية :
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ ******* فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
ومحل الشاهد :
وسأل بلنسية ما شأن مرسية ******* وأين شاطبة أم أين جيان .
فبلنسية ثغر مشهور شرق الأندلس يطل على مياه المتوسط ، فهو يسأله عن ثغر آخر يقع جنوبه على نفس الضفة الشرقية ، وهو مرسية ، وهما ، بداهة ، مما لا يعقل ، فالأرض لا تعقل وإن نطقت يوم الحشر ، فـ : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) ، فتلك دار أخرى لها من الأحكام ما يخالف حكم هذه الدار .
فاطرد في لسان العرب ، خطاب المكان ، والسؤال عن حال سكانه ، وتحيته تحية العاقل ، كما في قول الشاعر :
ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي ******* وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي .
فلا وجه أن يقال فيه بالمجاز أيضا .
وثم تضمين في الأفعال ، كما في هذا الموضع ، إذ ضمن اللازم : "بطر" معنى المتعدي "كفر". أو "خسر" ، كما ذكر بعض النحاة ، فالكفر جحود ، وهو يفضي إلى الخسران أن تسلب النعمة فالمعنيان ، من هذا الوجه ، صحيحان ، إذ يتلازمان تلازم السبب والمسبَّب ، فكفر النعمة وجحودها سبب في زوالها .
ومن ثم عطف بالفاء تعقيبا : (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) ، ولا تخلو من دلالة وصل إضافي ، فذلك مما يجري مجرى الإطناب في المعنى بإطناب في اللفظ يكافئه ، وقد أشير إليها إشارة البعيد مئنة من التحقير ، وذلك ، أيضا ، مما يجري فيه الاشتراك ، فيشار بـ : "تلك" حال التحقير ، كما في هذا الموضع ، وحال التعظيم ، كما في قوله تعالى : (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ، والسياق ، كما تقدم مرارا ، هو الذي يعين مراد المتكلم .
وقد ضمن اسم الإشارة من وجه آخر ، معنى الفعل الذي يدل على معناه ، فجاز من هذا الوجه أن يكون عاملا في الحال : "لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا" ، فيجري ذلك مجرى الإشارة في البيت المشهور :
عَدَسْ مِا لِعَبَّادٍ عَلَيْك إمَارَةٌ ******* نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلينَ طليقُ
فإن الكوفيين قد جوزوا فيه النيابة على وجه يجري مجرى المجاز إذ ناب اسم الإشارة : "هذا" عن الموصول على تقدير : والذي تحملين طليق ، وحذف عائد الصلة المفعول فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما اشتهر في لسان العرب ، فيكون تقدير الكلام على هذا الوجه : والذي تحملينه طليق ، بينما قال البصريون إن جملة "تحملين" حال من اسم الإشارة ، على قول من جوز مجيء الحال من المبتدأ ، وهو قول سيبويه ، رحمه الله ، كما يذكر بعض المحققين ، وزد عليه أن اسم الإشارة ، كما تقدم ، قد ضمن معنى الفعل "أشير" فجاز من هذا الوجه أن تأتي منه الحال مع أنه جامد غير مشتق ، إذ تأوله البصريون بمشتق وهو الفعل "أشير" ، وأشار بعض المحققين إلى وجه آخر لطيف ، وهو أن تكون جملة "تحملين" حالا من الضمير المستكن في الخبر "طليق" ، وَيَرِدُ على ذلك أن "طليق" ، أيضا ، اسم ، والأصل في الأسماء ألا تعمل ، فعملها ، بداهة ، دون عمل الفعل الذي يعد في لسان العرب أقوى العوامل ، فكيف جاز مجيء الحال من الاسم ، والجواب والله أعلم : أنه اسم مشتق ، والاسم المشتق فرع عن الفعل الذي يشتق منه ، فهو يعمل من هذا الوجه ، فاستكن فيه الضمير الذي يرجع إلى المبتدأ فهو صاحب الحال ، وتقدمت الحال على عاملها المشتق ، كما تَتَقَدَّمُ على عاملها إذا كان فعلا ، إذ المشتق ، كما تقدم ، ينوب عن الفعل ، فـ : "طليق" : "فعيل" بمعنى "مفعول" ، فهو مُطْلَقٌ ، وذلك اسم المفعول من الرباعي : "أطلق" ، فيتحمل الضمير على جهة النيابة عن الفاعل ، على تقديره بـ : "أُطْلِقَ" الذي لم يسم فاعله ، فيكون تقدير الكلام على التقديم والتأخير : وهذا طليق محمولا ، أو : وهذا طليق حال كونه محمولا عليكِ .
فتلك حال مقيدة بها تحصل الفائدة ، فليس المراد مطلق الإشارة إلى تلك المساكن ، وإنما تحصل العبرة بالنظر فيها وهي خاوية على عروشها فَلَمْ تسكن من بعدهم إلا قليلا ، ودلالة الاستثناء هنا تجري ، والله أعلم ، مجرى العدم ، *** تسكن أبدا فاستعار القليل للعديم ، كما في قوله تعالى : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، *** يؤمنوا أبدا بما كان من نقض الميثاق والكفر بالآيات ...... إلخ ، وقد يقال إن الاستثناء في هذا الموضع قد يحمل على آحاد منهم آمنوا كعبد الله بن سلام ، رضي الله عنه ، فـ : (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) ، و : (مِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) .
ومن ثم عطف بما يزيد في العبرة ، لمن تدبر ونظر ، فـ : (كُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ، *** يكن ثَمَّ وارث في هذا الموضع بعينه إلا الرب ، جل وعلا ، وهو مئنة من إهلاك عام استأصل القوم جميعا ، وذلك جار في حده على ما تقدم صدرَ الآية من إسنادٍ إلى ضمير الفاعلين ، فضلا عن دلالة الكينونة الماضية فهي مما يزيد المعنى رسوخا في الذهن ، وزد عليه تعريف الجزأين قبل دخول الناسخ ، على تقدير : نحن الوارثون ، وضمير الفصل : "نحن" الذي يطابق في دلالته المبتدأ "نحن" قبل دخول الناسخ عليه فذلك مما اشترطه أهل الشأن في ضمير الفصل ، وضمير الفصل ، كما اشتهر في كلام النحاة ، نص في التوكيد والحصر ، فتلك وراثة خاصة تدخل في الوراثة العامة في قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) ، وقد حدت أيضا على جهة التعظيم فضلا عن دلالة التوكيد بالمؤكد الناسخ الذي صدر به السياق ، ودلالة الضمير "نحن" ، فهو ، كما تقدم ، ضمير فصل يفيد التوكيد نصا ، وثم تكرار للإسناد إذ حد معنى الوراثة في هذا السياق على جهة المضارعة : "نرث" ، فاستتر فيه ضميره إيجابا ، وقد دلت عليه النون صدر اللفظ فهي مئنة من المضارعة التي يستتر ضميرها إيجابا ، فثم مضارعة يستتر ضميرها جوازا ، كما في "تكتب" ، إن كانت دلالة التاء دلالة المضارعة والتأنيث معا ، كما في قولك عن أنثى : تكتب ، فاستتر الضمير جوازا على تقدير "هي" ، فيصح أن تظهر الفاعل فتقول : تكتب هند ، خلافا لتاء المخاطب المذكر ، فيستتر الضمير فيها إيجابا فلا تقول مخاطبا من اسمه أحمد : تكتب أحمد ، ومثله المضاعة ال**درة بالياء مئنة من الغيبة ، كـ : "يكتب" فاستتر الضمير جوازا على تقدير "هو" ، ويصح إظهاره في سياق آخر ، فتقول : يكتب أحمد .
وثم ، في المقابل مضارعة يستتر ضميرها إيجابا كما في مضارعة **درة بألف تدل على المتكلم ، كما تقدم في قوله تعالى : (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) ، أو أخرى **درة بالنون ، كما في قوله تعالى : (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) ، أو ثالثة **درة بتاء المخاطب المذكر : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) .
ففي آية القصص حد العامل على جهة اسم الفاعل المجموع : "الوارثين" ، وهو فرع عن مضارعه في العمل والمعنى ، وفي هذا السياق جيء بالأصل وهو المضارع واحتماله للضمير أقوى من احتمال اسم الفاعل ، فالدلالة في هذا الموضع أقوى ، ولعل ذلك ، والله أعلم ، أن الوراثة العامة للأرض كلها أعظم في الوصف من الوراثة الخاصة لدور بِعَيْنِهَا .
والله أعلى وأعلم .
ومن قوله تعالى : (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) .
فذلك من التكثير ، فتلك دلالة "كم" الخبرية ، إذ تلك سنة جارية في إهلاك الظالمين ، فلا تتخلف السنة إلا أن يكون ثَمَّ عبرة تعظم في إمهال الظالم ، فهو ، من وجه ، عقاب عاجل أن يسلط على غيره ، لَعَلَّهُ يُرَاجِعُ ما تَرَكَ وعطل من أمر الدين ، وهو ، من وجه آخر ، تكفير لذنب مؤمن ابْتُلِيَ بظالم يسومه خطة خسف ، وَقَدْ يتخلف العقاب لعل الظالم يرجع عن ظلمه فالقلوب بِيَدِ من يقلبها ، جل وعلا ، فلا يعلم أحد المآل ، والقدرة النافذة والحكمة البالغة يظهران معا في كل حركة في هذا الكون ، فَيَكُونُ الأخذ بالعذاب أخذا لا على جهة الاستئصال ، فيدخل في عموم : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ، فذلك أخذ الاستصلاح ، إن صح اللفظ ، وذلك من رحمة الرب ، جل وعلا ، أن يمهل ، وأن يُرْسِلَ المنذِرَ ، لتقوم الحجة وَيَنْقَطِعَ العذر ، فإن لم يَنْفَعْ ، كانت الحكمة في أخذ الاستئصال ، وَثَمَّ ، فِي الآيتين ، إسناد الفعل إلى ضمير الفاعلين مئنة من التعظيم ، فذلك موضع جلال يحسن فيه التَّعْظِيمُ ، فأسند فعل الإهلاك إلى ضمير الفاعلين ، وهو من وصف الفعل الذي يناط بالمشيئة فتظهر آحاده شيئا فَشَيْئًا إذا شاء الرب ، جل وعلا ، ذلك فهو من إحداث الآحاد وإن قدم النوع فهو أول كما الذات أولى مطلقا ، وكذلك الشأن فِي فِعْلِ الأخذ في آي هود ، وهو ، من وجه آخر ، مما أسند إلى اسم الرب ، جل وعلا ، فـ : (كَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ) ، فذلك موضع تظهر فيه آيات الفعل ، وذلك يدخل في توحيد الرب ، جل وعلا ، بأفعاله ، وهو يندرج ، في توحيد الخبر ، فما يعلم اسم الرب ، جل وعلا ، ووصفه ، ولا يعلم فعله إلا بخبر الوحي ، فذلك من الغيب الذي حجب ، وإن وجد الناظر المتدبر آياته في الكون ، فَحَقَائِقُ الكون الماضية والحاضرة ، شاهدة أن لهذا الكون رب مُدَبِّرٌ يحكم أمره ، ومنها سَنَنُه النافذ في كل أمة ، فمن كفر فَجَزَاؤُهُ الإهلاك والاستئصال فَضْلًا عَمَّا يؤجل من العذاب ، فهو أشد وأبقى ، فَثَمَّ ما أجل ليوم الفصل ، وذلك ما جعل عبد المطلب على شِرْكِهِ ، يقسم إذا رأى ظالما لم يَنَلْ جزاءه في هذا الدار ، أن ثم دارا تَلِيهَا فِيهَا تُسْتَوْفَى الحقوق ، فالجزاء الإلهي ، كما قرر علماء الأخلاق ، مما يواطئ العلم الضروري ، إذ كل عاقل ، ولو طفلا ناقص العقل ليس له من الإدراك إلا مطلق التمييز ولو في بواكيره ، كل عاقل يدرك أن لكل حدثٍ مُحْدِثًا ، وذلك ما يحمل الطفل بغريزة لما تعرف بعد معنى الخوف الذي يدركه البالغ ! ، فهي تدرك العدل ، وَتَرُومُ إنجازه بلا تأجيل ، ذلك ما يحمله أن يُبَادِرَ بالقصاص ، فيلطم من لطمه ، أيا كان ! ، والجزاء الإلهي ، من وجه آخر ، مما يجري فيه الطرد والعكس ، على وجه يُوَاطِئُ صَرِيحَ العقل ، فمن كفر هلك ، كما نصت الآية ، ومن آمن في المقابل فإنه ناج ، ولو نَالَهُ من العسف في هذه الدار ما يَكُون تَكْفِيرًا لسيئ العمل ، وَهُوَ جزاء يتفاوت تبعا للجرم ، فلا يستوي جرم العاصي وجرم الكافر ، فالأول متوعد وعيد التأقيت ، والثاني متوعد على جهة التأبيد ، والأول مآله أن ينجو ما لم يكن عصيانه قادحا في أصل الملة ، والثاني لا ترجى له نَجَاةٌ فَخَبَثُهُ مما لا يَنْفَعُ معه تطهير ولو مكث في النَّارِ إِلَى أبد الآبدين ، ولا يستوي جرم أهل الكتاب مع جرم أهل الأوثان ، فجرم أهل الكتاب أهون وإن اشتركا جميعا في *** الخلود في النار فالتفاوت في الدركات لا في الخروج من العذاب فكلٌّ خالد فهما نوعان يندرجان في *** الكافر ، فالنعيم درجات والعذاب دركات ولكل مقام معلوم بما قضى به الرب المعبود ، جل وعلا ، على وجه يصح به تأويل القدرة والحكمة بما يظهر تَتْرَى من آثارهما بما يصلح أمر هذه الدار ، مدافعة بين الحق والباطل ، وأمر ما يَلِيهَا من دور ، إذ يُنَزَّلُ كلٌّ مَنْزِلَتَهُ الَّتِي بِهِ تَلِيقُ ، وذلك مما أمر به الشرع ، فـ : "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ، على كلام في إسناده ، ولذلك ذكره مسلم ، رحمه الله ، صدرَ صحيحه في المقدمة بلفظ تمريض ، ونص كلامه : "وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ" ، فعلقه بصيغة التمريض إيماء إلى التضعيف ، ففي إسناده ميمون بن أبي شبيب ولم يسمع من عائشة ، رضي الله عنها ، فخبره عنها مرسل ، بالمعنى العام للإرسال والذي يعم جميع أنواع الانقطاع لا الصورة الأخص التي بوب لها أهل الشأن بنوع من أنواع علوم الحديث ، وهي ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيعم هذه الصورة ويعم غيرها من صور الانقطاع ، وهو من أجناس الضعيف ، كما قرر أهل الشأن ، وله رواية أخرى ذكرها البيهقي ، رحمه الله ، من طريق عمر بن مخراق عن عائشة ، رضي الله عنها ، وهو ، أيضا ، مرسل إذ لم يسمع منها عمر ، وقد يقال إن اختلاف المخرجين : ميمون بن أبي شبيب ، وعمر بن مخراق ، مما يجعل كلاهما مرسلا من طريق ، فتعتضد الطريقان ويرتقي بهما إلى رتبة الاحتجاج إن سَلِمَا من قادح آخر غير الإرسال على تفصيل في ذلك .
والشاهد أن قَانُونَيِ الكون والشرع يَلْتَئِمَانِ على وَجْهٍ يدل على التوحيد ، فاطراد السنن مئنة من وحدانية من عنه تصدر ، فهو الرب الذي يجري سنن الكون بما يصلح الأبدان ، وهو الإله الذي يجري سنن الشرع بما يصلح الأديان ، فَثَمَّ جزاء منه العاجل في هذه الدار ، ومنه الآجل ، إن في جزاء الخير فضلا ، وهو ما تَأَوَّلَ بِهِ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ قَوْلَ رب العالمين جل وعلا : (وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) ، فثم زيادة في الأولى ، من منافع الدنيا ، من الفضائل النفسانية كمالا في قوة التصور والتصديق الباطن ، وقوة الحكم الظاهر فتستقيم النفس على سنن الفضيلة في العلم والعمل ، إذ يستقيم صاحبها على سنن الشرع فلا يخالف عن أمره ، وتلك ، لو تدبر الناظر ، أعظم كرامة ، فالاستقامة على سنن الشريعة أعظم كرامة ، كما أثر عن بعض المحققين ، فلا تعارض الشريعة بحقيقة متوهمة أحدثها أهل البطالة والكسل أن عجزوا أن ينهضوا بأمر الشرع ، فعارضوه بالهوى والذوق ، وقعدوا وأقعدوا الناس معهم وهونوا من شأن العمل بذريعة شهود مقام القدر الذي صار ذريعة إلى تعطيل مقام الشرع في جبرية تخالف النقل والعقل وسائر ما يستدل به أصحاب العقول الناصحة والمروءات الكاملة .
فمنافع الدنيا منها فضائل النفس ، ومنها فضائل البدن ، فالطاعة تكسب البدن قوة ، والوجه بهاء ونضرة ، والنفس منعة وهيبة ، فَتَرُدُّ الطاعة عنها غَوَائِلَ السفهاء ، فهيبة الطاعة من أعظم ما يمتن به الرب ، جل وعلا ، على الطائع ، ولا يُنَالُ ذلك ، بداهة ، إلا بإخلاصٍ يَنْشَأُ منه العمل ، فأخلاق الوحي أخلاق ذات رصيد عظيم من القيم الروحية التي تحقق السعادة العاجلة والنجاة الآجلة ، ومنها فضائل خارجية هي منحة زائدة من الرب ، جل وعلا ، فَامْتَنَّ ، جل علا ، على من شاء بذرية طيبة ، تسبح ربها ، جل وعلا ، وتقيم شرعها ، فهي توضع في ميزانه ، وَابْتُلِيَ بأخرى طالحة يصبر عَلَيْهَا إذ يَرُومُ استصلاحها ، فيثاب على الصبر والمجاهدة وإن لم تُجْدِ التَّرْبِيَةُ نَفْعًا إذا فسد المحل أيا كانت المربي وكم من أفاضل ابتلوا بأبناء لا نفع يرجى منهم في حفظ دين أو إصلاح دنيا ، فهذه فضائل يعجل منها للمؤمن ما يعجل فذلك الفضل ، وَيُبْتَلَى ، من وجه آخر ، أن يحرم بعضها ، فذلك العدل ، فلا يخلو العبد المؤمن من تقصير ، وإن فترة عن الذكر ، فذلك مما يستوجب المؤاخذة ولو عتابا بحرمان من فضل نعمة في هذه الدار ، ولا يخلو من فضل ، إذ ما حرم منه في هذه الدار قد ادخر في دار الجزاء الأوفى ، فآنذاك يَتَمَنَّى الإنسان أن لم تُجَبْ لَهُ دعوة في هذه الدار لعظم ما ادخر من أجورها يَوْمَ الجزاء .
فاطرد الحكم وانعكس ، فإن الآية لا تخلو من دلالة طرد وعكس ، فإن إهلاك من بطر وكفر يدل بِالْمَفْهُومِ على أن من آمن فإنه نَاجٍ من العذاب العاجل ، وذلك ما وَرَدَ النص عليه : (وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) ، وتلك دلالة معتبرة في الأخبار والأحكام ، فهي دلالة في العقل واللسان صريحة ، إذ مَنْطِقُ الباطن والظاهر يدل عَلَيْهَا ، فالفؤاد يدل عليها بحركته في المعقولات ، واللسان يفصح عنها في الملفوظات ، ومع ذلك ورد النص عَلَيْهَا ، كما تقدم ، فالطرد والعكس فِيهَا يَظْهَرُ ، فهو يظهر في الأحكام إذ الأمر بالشيء يستوجب النهي عن ضده ، ويظهر في الأخبار إذ إثبات الشيء يستوجب نَفْيَ ضده ، فإن الخبر في الآية يدل على نجاة من آمن ، وَيَرِدُ عليه ما يجد المؤمن في هذه الدار من عذاب ، والجواب والله أعلم : أنه بالنظر في العذاب الذي ينال الظالم مما يهون ، وإن عظم الألم الظاهر ، فالألم الباطن أعظم ، وهو ما يجده أهل الظلم والطغيان ، فثم وحشة في القلب لا يأنس فيها الظالم بربه ، جل وعلا ، بل أشد ساعاته وحشة إذ يخلو بنفسه فَيَنَالُه من الجزاء الوجداني شيء عظيم ، فثم تأنيب الضمير ، وثم خوف واضطراب ، فهو ، أبدا ، خائف تَرْجُفُ بوادره ، وإن كان ظاهره أنه آمن بما حشد من الجند والحرس ، والتاريخ يقص ، وهو الْقَاصُّ العادلُ الواعظ ، أن حرس الطغاة هو الأعظم ، فكان لتيمورلنك من الحرس إثنا عشر ألفا من خيرة الجند ، وهو من هو في السفك والقتل الذي أعاد إلى الأذهان ذكرى جده الخالدة ! ، ذكرى هولاكو إذ استباح حاضرة الخلافة الزاهرة : بغداد بني العباس ، فأعاد تيمور الكرة ، واستباح هذه المرة ! ، دمشق ، حاضرة الخلافة زمنَ بني أمية ، فما حاجة طاغية سفاك كهذا إلى هذا العدد الهائل من الحرس إلا أنه يُسَكِّنَ ما يجيش بفؤاده من مشاعر الخوف والاضطراب ، وثم فقدان للهيبة وإن اصطنعها بمظاهر من الأبهة فهي تخفي ذِلَّةً عظيمة في النفس لا تخطئها عين المستبصر لا المنبهر بآيات الفخامة ال**طنعة ، وزد عليه ما يجده من فساد حال في أهله وولده فتقع بَيْنَهُ وبينهم الوحشة والجفاء ، وبيوت الظالمين وإن كانت عظيمة البهرج إلا أنها خلو من السكينة التي لا تشترى بمال ولا تستجلب بحسن الأثاث وجودة الطعام ، فلا لذة تنال مع ضنك العيش الذي توعد به الرب ، جل وعلا ، من خرج عن شريعة الوحي المحكمة ، فـ : (مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) ، فالسكينة واللذة ..... إلخ ، كل أولئك مما لا يقايض بالمال فَلَيْسَ سلعة تُبَاعُ وتشترى ، فغاية المال أن يستجلب أسباب اللذة ، وإن كان ذلك ، أيضا ، مِمَّا يَقْتَصِرُ على الأسباب المحسوسة ، فالأسباب المعقولة لا تشترى بالمال ، فالمعقول لا يشترى بالمحسوس ، فتلك صفقة لا تصح في النقل والعقل ، فقياس العقل الصريح أن يشترى المحسوس بالمحسوس ، والمعقول بالمعقول ، فالمال يشتري الطعام ولكنه لا يشتري شهوة المأكل ، والمال يشتري الدواء ولكنه لا يشتري الشفاء ، فذلك ما لا يكون إلا بإذن رب الأرض والسماء ، جل وعلا ، والمال يشتري البيت والأثاث ولكنه لا يشتري الطمأنينة والسكينة ، فذلك مما لا ينزل إلا من السماء ، فَامْتَنَّ به ، جل وعلا ، على نَبِيِّهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن حول من عصبة الإيمان ، فـ : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) ، فالسكينة من الجند ، فثم عموم في اللفظ : "جنود السماوات والأرض" ، إذ المضاف إلى معرفة من صيغ العموم في اللسان كما قرر أهل الشأن ، فهو يعم الجند المحسوس والجند المعقول ، والجند المغيب كالملائكة والجند المشهود في ساحة النِّزَالِ ، فالسكينة من المعنى المعقول الذي يُنْزِلُهُ ، جل وعلا ، من السماء في قلوب أهل الإيمان ، فهي من كلمات الكون التي تَنْزِلُ من السماء ، فكيف يشترى هذا بمال ؟! ، والظالم في بدنه وإن ظهرت أمارات الصحة عليه لا يخلو من آلام ولو في الباطن ، فضلا عن آلام ا*** ، وانظر في رواد المشافي الفخمة تجد كثيرا من أهل الحظوة قد نالهم الجزاء الطبيعي ، كما يسميه الدكتور ألكسيس كاريل ، فأمراض مستعصية إذ يغلب على أولئك إلا من ندر أنه يقارف من الشهوات ما يشبع غرائزه ، رجاء لذة تسكن ألم الوحشة ، فتصيبه تخمة من اللذة تضر ولا تنفع ، ولو كانت من فضول المباح فكيف إن كانت حراما ظاهر الحرمة إن في اكتسابه أو في إنفاقه ؟! ، فكل أولئك من الألم الذي لا يعدله ألم يعرض للمؤمن ، وإن عظم في ا*** ، إلا أن راحة الضمير تنسخ آثاره ، ولا يكون ذلك إلا مع إيمان يرسخ في القلب ، بل ومع ضعف الإيمان تجد الضعيف وإن غلبه الهم ، تجده إذا نظر في مآل الظالمين ، حمد ربه ، جل وعلا ، أن كان من أهل الحق ، ولو جاء في الذيل ، فأن تكون ذنبا في حق خير أن تكون رأسا في الباطل ، كما أثر عن بعض السلف .
والخبر ، إن تدبر الناظر ، يدل على إنشاء ، إذ ذكر العقوبة يستوجب النهي عما يستجلبها ، فذلك خبر يفيد بنفسه حصول العلم في الفؤاد ، ويفيد ، من وجه آخر ، إنشاء النهي ، وذلك ، أيضا ، مما يطرد وينعكس ، فإن خبر الوعد يستوجب في المقابل الأمر بما يستجلبه .
والفعل : "أَهْلَكْنَا" ، من وجه آخر ، مما تعدى بالهمزة ، فتلك همزة التعدية ، وهي مما دخله الاشتراك ، كما تقدم في مواضع أخرى ، إذ الهمزة ، تستعمل في نداء القريب كما مثل له صاحب "المغني" رحمه الله صدرَ كتابه بقول امرئ القيس :
أفاطِـمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ ******* وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي .
وتستعمل في الاستفهام ، كما في قوله تعالى : (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) ، فذلك إنكار ، و : (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) ، فذلك تقرير إذ دخل الاستفهام على النفي فذلك من *** دخول النفي على النفي فيفيد الإثبات ، من هذا الوجه .
وتستعمل في التسوية ، كما في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) ، وتعلم باقترانها بـ : "أم" المتصلة التي تفتقر إلى المعادل في سياق التسوية نفيا أو إثباتا فلا تكون بداهة إلا بين طرفين متعادلين في اللفظ والحكم وإن كانا متضادين في المعنى فسواء الوجود والعدم .
وتستعمل في الإزالة كما في قوله تعالى : (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) ، أي : أُزِيلُ خفائها ، على قول أشار إليه بعض المحققين ، فيجري ذلك مجرى الإمعان في توكيد المعنى وتقريره .
وثم همزة المضارعة التي يَسْتَتِرُ فاعلها إيجابا كما في قوله تعالى : (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) ، ففاعل : "أقول" مما استتر وجوبا ومرجعه إلى القائل على تقديره بـ : "أنا" ، فهو ضمير المتكلم المفرد .
فدخلها الاشتراك ، من هذا الوجه ، والسياق ، كما تقدم مرارا ، هو الذي يرشح مراد القائل ، فضلا عن حد الألفاظ في نفسها ، فحرف المعجم ، قد يفيد وإن كحرف يدخل في بنية الكلمة كما في همزة التعدية والمضارعة ، وقد يفيد ، من وجه آخر ، كحرف معنى مستقل كما في همزة الاستفهام والتسوية والنداء .
وقد قدم المفعول ، "كم" الخبرية ، إيجابا إذ له الصدارة مطلقا ، فيشبه من هذا الوجه أدوات الاستفهام ، وَتَأَخَّرَ تَمْيِيزُهُ : "من قرية" ، وزيد في الوصف إذ هو مناط التعليل لما تقدم من حكم الإهلاك ، فعلة إهلاكها ليست أنها قرية فذلك معنى لا يستوجب عقوبة الإهلاك وإلا لاستحق جميع الناس الهلاك مؤمنهم وكافرهم ، وإن صح هذا المعنى بالنظر في العقوبة العامة التي تعم البر والفاجر فيجري ذلك مجرى : "أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا كَثُرَ الخَبَثُ»" ، فذلك استفهام يحمل معنى الإنكار لا تكذيبا لصاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم وإنما عجبا من ذلك على وجه صيره في ذهن المخاطب مجملا يفتقر إلى البيان ، فسأل مستفهما لا منكرا .
والشاهد أن اسم القرية مطلقا لا يصلح مناط تعليل لحكم الإهلاك ، فَقُيِّدَ أَنْ وُصِفَ بجملة : "بطرت معيشتها" ، والمعيشة ، كما يقول بعض المحققين ، اسم **در ناب عن ال**در وهو العيش فيجري مجرى تبادل الصيغ وإن كانا وثيقي الصلة فدلالتهما واحدة وإن اختلف الدليل في زيادة أو نقصان في اللفظ ، وقد ضمن الفعل : "بطرت" معنى الكفر والخسران فتعدى من هذا الوجه ، والتضمين ، أيضا ، مما اشتهر في اللسان على وجه صير ألفاظه من المشترك ، فثم تضمين في الحروف ، كما في قوله تعالى : (فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) ، فضمنت "في" الظرفية معنى باء السببية ، على تقدير : فذلكن الذي لمتتني بسببه ، وذلك باب يصعب حصره وقد صنف فيه من صنف في معاني الحروف ، وثم تضمين في الأسماء وهو يجري مجرى المجاز اشتقاقا ، عند من يجوز المجاز في الشرع واللسان ، كما في قوله تعالى : (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) ، فناب ال**در "كذب" عن اسم المفعول "مكذوب" وهو مئنة من الثبوت ، وذلك مما يجري مجرى المبالغة في تسجيل الجناية .
واسم القرية قد يطلق على الدور أو ساكنيها أو عليهما مَعًا ، فالقري مئنة من الجمع ، فتقول : قريت الماء في الحوض أي : جمعته ، والجمع *** يعم جمع الجماد من الدور وجمع الأحياء من سكانها ، ودلالة السياق قد ترشح أحدهما على وجه لا يلتبس ، فالسياق في هذا الموضع يرشح معنى السكان إذ بقيت المساكن فصحت الإشارة إليها ، أو يقال والله أعلم : إن اللفظ يدل على كلا الوجهين فالإشارة إلى الدور إشارة إلى أطلال فهي آثار لدور كانت ثم جرى عليها القدر النافذ ، فَيَكُونُ ذلك من تَنْزِيلِ المعدوم منزلة الموجود على وجه تصح فيه الإشارة ، ويصح الجمع بين الوجهين وذلك مما قد يستأنس به من يقول بعموم المشترك إن نظر في ذلك أنه دلالة لفظ واحد على وجهين من الجمع يختلفان وإن اشتركا في ال*** الأعم الذي يثبت في الذهن مطلقا ، أو هو مما يجري مجرى الاشتراك المعنوى فالمعنى قد أطلق في الذهن وانقسمت موارده في الخارج فافترقت من جهة القيد في الخارج واجتمعت من جهة الإطلاق في الذهن ، فلا حاجة إلى تكلف القول بالمجاز حذفا إذ كل سياق يتضمن قرينة ترشح معنى على آخر حال الاحتمال ، ففي قوله تعالى : (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) ، يكون المقصود بداهة من عقل في تلك القرية ومن عقل من المسافرين في تلك العير ، إذ أطلق الدابة وأراد من يركبها كما سميت الظعينة بهذا الاسم والظاعن هو الجمل الذي تركبه ، فصح السؤال ، من هذا الوجه ، فتقدير الكلام : واسأل أهل القرية واسأل ركاب العير ، بل قد يقال ، والله أعلم ، أنه لو حمل السؤال على المبالغة في نفي الجناية على تقدير : واسأل القرية سكانها ودورها ! ، فذلك مما اشتهر في لسان العرب فصار عرفا دارجا في كلامهم ، فكثر في كلامهم خطاب الدور والأماكن ، كما في قول أبي البقاء الرندي ، رحمه الله ، في مرثيته الشهيرة ، نونية :
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ ******* فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
ومحل الشاهد :
وسأل بلنسية ما شأن مرسية ******* وأين شاطبة أم أين جيان .
فبلنسية ثغر مشهور شرق الأندلس يطل على مياه المتوسط ، فهو يسأله عن ثغر آخر يقع جنوبه على نفس الضفة الشرقية ، وهو مرسية ، وهما ، بداهة ، مما لا يعقل ، فالأرض لا تعقل وإن نطقت يوم الحشر ، فـ : (يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا) ، فتلك دار أخرى لها من الأحكام ما يخالف حكم هذه الدار .
فاطرد في لسان العرب ، خطاب المكان ، والسؤال عن حال سكانه ، وتحيته تحية العاقل ، كما في قول الشاعر :
ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي ******* وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي .
فلا وجه أن يقال فيه بالمجاز أيضا .
وثم تضمين في الأفعال ، كما في هذا الموضع ، إذ ضمن اللازم : "بطر" معنى المتعدي "كفر". أو "خسر" ، كما ذكر بعض النحاة ، فالكفر جحود ، وهو يفضي إلى الخسران أن تسلب النعمة فالمعنيان ، من هذا الوجه ، صحيحان ، إذ يتلازمان تلازم السبب والمسبَّب ، فكفر النعمة وجحودها سبب في زوالها .
ومن ثم عطف بالفاء تعقيبا : (فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا) ، ولا تخلو من دلالة وصل إضافي ، فذلك مما يجري مجرى الإطناب في المعنى بإطناب في اللفظ يكافئه ، وقد أشير إليها إشارة البعيد مئنة من التحقير ، وذلك ، أيضا ، مما يجري فيه الاشتراك ، فيشار بـ : "تلك" حال التحقير ، كما في هذا الموضع ، وحال التعظيم ، كما في قوله تعالى : (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) ، والسياق ، كما تقدم مرارا ، هو الذي يعين مراد المتكلم .
وقد ضمن اسم الإشارة من وجه آخر ، معنى الفعل الذي يدل على معناه ، فجاز من هذا الوجه أن يكون عاملا في الحال : "لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا" ، فيجري ذلك مجرى الإشارة في البيت المشهور :
عَدَسْ مِا لِعَبَّادٍ عَلَيْك إمَارَةٌ ******* نَجَوْتِ وَهَذَا تَحْمِلينَ طليقُ
فإن الكوفيين قد جوزوا فيه النيابة على وجه يجري مجرى المجاز إذ ناب اسم الإشارة : "هذا" عن الموصول على تقدير : والذي تحملين طليق ، وحذف عائد الصلة المفعول فذلك ، كما تقدم في مواضع سابقة ، مما اشتهر في لسان العرب ، فيكون تقدير الكلام على هذا الوجه : والذي تحملينه طليق ، بينما قال البصريون إن جملة "تحملين" حال من اسم الإشارة ، على قول من جوز مجيء الحال من المبتدأ ، وهو قول سيبويه ، رحمه الله ، كما يذكر بعض المحققين ، وزد عليه أن اسم الإشارة ، كما تقدم ، قد ضمن معنى الفعل "أشير" فجاز من هذا الوجه أن تأتي منه الحال مع أنه جامد غير مشتق ، إذ تأوله البصريون بمشتق وهو الفعل "أشير" ، وأشار بعض المحققين إلى وجه آخر لطيف ، وهو أن تكون جملة "تحملين" حالا من الضمير المستكن في الخبر "طليق" ، وَيَرِدُ على ذلك أن "طليق" ، أيضا ، اسم ، والأصل في الأسماء ألا تعمل ، فعملها ، بداهة ، دون عمل الفعل الذي يعد في لسان العرب أقوى العوامل ، فكيف جاز مجيء الحال من الاسم ، والجواب والله أعلم : أنه اسم مشتق ، والاسم المشتق فرع عن الفعل الذي يشتق منه ، فهو يعمل من هذا الوجه ، فاستكن فيه الضمير الذي يرجع إلى المبتدأ فهو صاحب الحال ، وتقدمت الحال على عاملها المشتق ، كما تَتَقَدَّمُ على عاملها إذا كان فعلا ، إذ المشتق ، كما تقدم ، ينوب عن الفعل ، فـ : "طليق" : "فعيل" بمعنى "مفعول" ، فهو مُطْلَقٌ ، وذلك اسم المفعول من الرباعي : "أطلق" ، فيتحمل الضمير على جهة النيابة عن الفاعل ، على تقديره بـ : "أُطْلِقَ" الذي لم يسم فاعله ، فيكون تقدير الكلام على التقديم والتأخير : وهذا طليق محمولا ، أو : وهذا طليق حال كونه محمولا عليكِ .
فتلك حال مقيدة بها تحصل الفائدة ، فليس المراد مطلق الإشارة إلى تلك المساكن ، وإنما تحصل العبرة بالنظر فيها وهي خاوية على عروشها فَلَمْ تسكن من بعدهم إلا قليلا ، ودلالة الاستثناء هنا تجري ، والله أعلم ، مجرى العدم ، *** تسكن أبدا فاستعار القليل للعديم ، كما في قوله تعالى : (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا) ، *** يؤمنوا أبدا بما كان من نقض الميثاق والكفر بالآيات ...... إلخ ، وقد يقال إن الاستثناء في هذا الموضع قد يحمل على آحاد منهم آمنوا كعبد الله بن سلام ، رضي الله عنه ، فـ : (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) ، و : (مِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) .
ومن ثم عطف بما يزيد في العبرة ، لمن تدبر ونظر ، فـ : (كُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) ، *** يكن ثَمَّ وارث في هذا الموضع بعينه إلا الرب ، جل وعلا ، وهو مئنة من إهلاك عام استأصل القوم جميعا ، وذلك جار في حده على ما تقدم صدرَ الآية من إسنادٍ إلى ضمير الفاعلين ، فضلا عن دلالة الكينونة الماضية فهي مما يزيد المعنى رسوخا في الذهن ، وزد عليه تعريف الجزأين قبل دخول الناسخ ، على تقدير : نحن الوارثون ، وضمير الفصل : "نحن" الذي يطابق في دلالته المبتدأ "نحن" قبل دخول الناسخ عليه فذلك مما اشترطه أهل الشأن في ضمير الفصل ، وضمير الفصل ، كما اشتهر في كلام النحاة ، نص في التوكيد والحصر ، فتلك وراثة خاصة تدخل في الوراثة العامة في قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) ، وقد حدت أيضا على جهة التعظيم فضلا عن دلالة التوكيد بالمؤكد الناسخ الذي صدر به السياق ، ودلالة الضمير "نحن" ، فهو ، كما تقدم ، ضمير فصل يفيد التوكيد نصا ، وثم تكرار للإسناد إذ حد معنى الوراثة في هذا السياق على جهة المضارعة : "نرث" ، فاستتر فيه ضميره إيجابا ، وقد دلت عليه النون صدر اللفظ فهي مئنة من المضارعة التي يستتر ضميرها إيجابا ، فثم مضارعة يستتر ضميرها جوازا ، كما في "تكتب" ، إن كانت دلالة التاء دلالة المضارعة والتأنيث معا ، كما في قولك عن أنثى : تكتب ، فاستتر الضمير جوازا على تقدير "هي" ، فيصح أن تظهر الفاعل فتقول : تكتب هند ، خلافا لتاء المخاطب المذكر ، فيستتر الضمير فيها إيجابا فلا تقول مخاطبا من اسمه أحمد : تكتب أحمد ، ومثله المضاعة ال**درة بالياء مئنة من الغيبة ، كـ : "يكتب" فاستتر الضمير جوازا على تقدير "هو" ، ويصح إظهاره في سياق آخر ، فتقول : يكتب أحمد .
وثم ، في المقابل مضارعة يستتر ضميرها إيجابا كما في مضارعة **درة بألف تدل على المتكلم ، كما تقدم في قوله تعالى : (سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) ، أو أخرى **درة بالنون ، كما في قوله تعالى : (إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) ، أو ثالثة **درة بتاء المخاطب المذكر : (إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ) .
ففي آية القصص حد العامل على جهة اسم الفاعل المجموع : "الوارثين" ، وهو فرع عن مضارعه في العمل والمعنى ، وفي هذا السياق جيء بالأصل وهو المضارع واحتماله للضمير أقوى من احتمال اسم الفاعل ، فالدلالة في هذا الموضع أقوى ، ولعل ذلك ، والله أعلم ، أن الوراثة العامة للأرض كلها أعظم في الوصف من الوراثة الخاصة لدور بِعَيْنِهَا .
والله أعلى وأعلم .