المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من الثناء على الصدر الأول


rss
02-19-2016, 08:23 PM
من الثناء على الصدر الأول
ومن قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ" ، فثم انتقال من صورة محسوسة ، وهي أمنة النجوم للسماء فتبقى السماء ما بقيت النجوم ، كما يقول أهل العلم ، فإذا انكدرت النجومُ انشقت السماء فكانت وردة كالدهان وذلك إيذان بتخريب العالم العلوي فيكون الحشر يوم ا***اب ، فاستعيرت هذه الصورة المحسوسة إلى صورة معقولة ، فيجري ذلك مجرى التشبيه الضمني ، إذ ليس ثم تشبيه قياسي صريح تَتَحَقَّقُ فيه أركان التشبيه ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمنة لأصحابه ، رضي الله عنهم ، وتلك أكمل حال ، وبعدها كان النقص ، فإن عصر الخلافة الراشدة ، وإن كان أعظم عصور الإسلام بعد النبوة ، فضلا أنه التأويل الصحيح لسياسة الوحي ودولة الشريعة بِأَيْدٍ بَشَرِيَّةٍ غير معصومة ، إلا أنه بالنظر فِيمَا قَبْلَهُ من عصر النبوة ، لا يخلو من نَقْصٍ ، فتلك ، كما تقدم ، سنة الرب ، جل وعلا ، فلا يكون كمال إلا وبعده نقص إلا أن القوم كانوا أمنة لهذه الأمة في سلمهم وحربهم ، فكانوا أعدل طباق هذه الأمة في النظر والاستدلال ، فكان الإجماعُ إجماعَهم الذي انضبط ما لم ينضبط في أعصار تلت ، وكان نظرهم في الشريعة أسد نظر ، إذ لهم من العلم باللسان ولهم من العلم بشواهد الحال وَقَرَائِنِ السياق ما ليس لغيرهم ، فكان النقص بعدهم أعظم إذ أتى الأمة ما أتاها من الفتن التي نَقَصَت فيها الحال ، وَإِنْ ظَلَّتِ الشريعة حاكمة في الجملة وإن طَرَأَ النقص في تحقيق مَنَاطِهَا بما أصاب النفوس من الأثرة وما غلب عليها من شهوة الجاه والثروة ، فضلا أن نصوصا منها قد جرى عليها ما جرى من التأويل ، فكانت الجناية العظيمة على نصوص الشريعة الصحيحة الصريحة ، فكان النقص في السياسة ، وكان النقص في أخلاق الجماعة ، كان أولئك فَرْعًا عن نقص في الديانة ، وكان ذلك ، كما تقدم ، مما أسهم في ازدهار ظاهرة الزهد الذي تحول بعد ذلك إلى تصوف أخص نهج في حد المحبة نهجا غاليا إذ كان ذريعة إلى مقالات ظاهرة البطلان ، بل ونافية لأصل الإيمان ، كالفناء بِمَعْنَاهُ الأفحش ، وهو فناء الوجود الذي يفضي إلى اتصال بذات الم**** ، أو يَنْفِي الأغيار فيصير الكل واحدا ، فكانت مقالات الحلول والاتحاد ...... إلخ ، ومنشأ الأمر ، كما تقدم ، زهد مشروع حصل فيه نوع غلو أفضى إلى ما أفضى من المحدثات العظيمة التي تقدح في أصل الشريعة ، وإن لم يكن ذلك دفعة ، إذ تُنْقَضُ العرى عروة عروة ، وذلك مئنة من نقص في المحبة المشروعة ، وإن زعم صاحبه أنه يحب الله ، جل وعلا ، فَتِلْكَ دَعْوَى دَلِيلُهَا الاتباع ، وهو معنى يَسْتَغْرِقُ جميع موارد التكليف الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ ، فمن أحدث في الدين فقد نقض الدعوى ، فاختلج دون الحوض ، وذلك ما أخبر عنه صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ مَعِي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" ، فثم قصر بتعريف الجزأين : "أنا" فهو معرف بالإضمار ، و : "فرطكم" فهو معرف بالإضافة ، وذلك مما تعظم به المنة أن يكون الفرط الذي يهيئ الأمر هو خَيْرَ الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، ودلالة "أل" في "الحوض" مئنة من العهد ، وثم توكيد بقسم مقدر دلت عليه اللام الداخلة على الجواب : "ليرفعن" ، فضلا عن دلالة التوكيد بالنون المثقلة ، وذلك من المتشابه الذي يستوجب الرَّدَّ إلى محكم النصوص التي دلت على عدالة الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وهو ما بلغ حد التواتر في لفظه ومعناه ، فألفاظه قد بلغت الغاية في الصحة ، ومعانيه قد بلغت الغاية في الصراحة ، فلا يُرَدُّ كل أولئك بمتشابه في لفظه ، إن سُلِّمَ أن ذلك من المتشابه ، فإن الجمع يمكن على وجه لا تعارض فيه يقضي بِرَدِّ بعض وقبول آخر ، بل يُرَدُّ بعضٌ إلى بعضٍ ، ولا يكون تَعَارُضٌ مع اختلاف المحل أو الجهة ، فمحل المدح هو العام ، ومحل الذم هو الاستثناء لطائفة فهي خلاف الأصل فلا يقبل الانتقال عن الأصل إلا بدليل يخصص ، فَفِيهِ زيادة علم ، ولا يجوز تعميم الحكم ، إذ الخاص ، كما تقدم ، استثناء عارض ، فكيف يحكم الاستثناء على الأصل ؟! ، فضلا أنه يعارض جملا أثنت على المجموع على وجه بَلَغَ حد الإحكام وذلك يجري مجرى الأخبار التي لا يجوز نسخها ، إذ يستوجب ذلك تكذيب الوحي ، فضلا عن تجهيله أنه زَكَّى أقواما عدالتهم قد قدحت ، ومروءتهم قد خرمت ، ودلالة النص تشهد أنهم قلة مرذولة ، فالنكرة : "رجال" في سياق الإثبات مئنة من الإطلاق ، كما قرر أهل الأصول ، وذلك يصدق بواحد من العام ، أو ببعض آحاد فلا يَلْزَمُ منه عموم كذلك الذي ادعاه بعض من أحدث في الدين فاستجاز الطعن في خير العالمين بعد الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام ، وتشهد له رواية : "يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي" ، فإنها مئنة من القلة في العدد فذلك من أَغْرَاضِ التصغير في لسان العرب ، وهذا الخبر من المتواتر الذي حظي بقبولٍ عظيم فرواه الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، وإجماعهم على رواية أو فُتْيَا مما يَزِيدُ فِيهَا قوة ليست لِغَيْرِهَا ، فذلك مما جعله بعض أهل العلم حجة في الإجماع ، ولو كان دون الإجماع المعتبر في كلام أهل الأصول ، فثم من اعتبر إجماع الخلفاء الأربعة ، وهو مما نسب إلى الشافعية ، رحمهم الله ، في الجملة ، وإن كان نص الشافعي ، رحمه الله ، أنه يرجح القول الذي يجمع عليه الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، وإن وجد المخالف ، فذلك مما يصلح في باب الترجيح ، ولا يصلح إجماعا مع وجود المخالف إلا على قول من لا يعتد بخلاف الواحد أو الاثنين في انعقاد الإجماع كما نَقَلَ ذلك أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية ، رحمهم الله ، عن القاضي أبي خازم ، رحمه الله ، وهو مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، أَيْضًا ، الفخر الرازي من الشافعية ، وأبو جعفر الطبري ، وهو من المجتهدين الُمُسْتَقِلِّينَ أصحاب المذاهب ، مع نسبة إلى الشافعي رحمه الله ، ولا تُوجِبُ هذه النسبة المطلقة تَبَعِيَّةً مخصوصة في الاجتهاد والفتيا فتشبه ، من وجه ، نسبة أمثال أبي يوسف ومحمد بن ا***ن الشيباني إلى الإمام أبي حنيفة ، رحمه الله ، فلأبي جعفر الطبري ، رحمه الله ، مذهب مستقل ، وإن اندثر ، وهو المذهب الذي كان يُعْرَفُ بالمذهب الجريري نسبة إلى اسمه : محمد بن جرير الطبري ، فإجماع الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، إجماع بلازم قولٍ لأحمد ، رحمه الله ، فلا يخرج عن قولهم إلى قول غيرهم ، فهو حجة ، ولا يلزم من ذلك أنه إجماع بالمعنى الاصطلاحي عند أهل الأصول ، فغاية الأمر أنه مما يرجح به بين الأقوال حال التعارض ، كما ذهب إلى ذلك الشافعي ، رحمه الله ، في قول ، فإذا اختلف الصحابة على قولين ، وكان الأربعة في طرف فهو الراجح الذي يقدم ، فيكون ذلك من وجوه الترجيح بين الفتاوى المتعارضة ، وقال في قول ثان : لا يرجح بذلك وإنما يطلب الترجيح من سواهما فيكون الترجيح بدليل من خارج ، فلا يخلو إجماعهم من اعتبار وإن لم يَرْقَ أن يبلغ حد الإجماع المعتبر في كلام أهل الأصول لا سيما إن كان ثم مخالف ، فإجماعهم ، من وجه آخر ، قد يجري مجرى الإجماع السكوتي ، إن لم يعلم له مخالف ، وذلك ، عند التدبر والنظر ، يَجْرِي وَلَوْ كَانَ المفتي وَاحِدًا منهم أو من غيرهم من فقهاء الصحابة ، رضي الله عنهم ، ممن اشتهر بالفتوى ، واشتهر قَوْلُهُ ، ولم يخالف نَصًّا ، ولم يعلم له مخالف ، مع انْتِفَاءِ الشبه المانعة كَأَنْ يكون المخالف مِمَّنْ يَرَى الخلاف سَائِغًا ، فضلا أن يكون مِمَّنْ يَرَى أن كل مجتهد في مسائل الخلاف السائغ **يب ولو في حق نفسه وحق من قلده ، أو لم يجد فسحة من الوقت أن يَنْظُرَ في المسألة .
وقد ختم السياق بما يَرْفَعُ الإجمال وَيُبْطِلُ الشبهة ، فـ : "إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" ، فتصدير السياق بالمؤكد الناسخ يحمل على التعليل بلفظ صريح وإن كان ظنيا يحتمل فالاشتراك فيه بين التوكيد والتعليل حاصل ، والسياق ، كما تقدم مرارا ، هو الذي يدل على مراد المتكلم ، فقد يجب الترجيح بين الدلالات فثم تعارض يمنع الجمع ، وقد يجوز الجمع بل ويحسن في مواضع إثراءً للسياق ، فيكون ذلك ، من وجه ، مما يستأنس به من جوز دلالة المشترك على جميع وجوهه .
فـ : "إِنَّكَ لاَ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" ، فحذف عائد الموصول وهو الرابط بَيْنَهُ وَبَيْنَ صلته ، حُذِفَ إيجازا فذلك مما اطرد في لسان العرب في حذف عائد الصلة المفعول ، على تقدير : "إنك لا تدري ما أحدثوه بعدك" ، ودلالة الإبهام في الموصول : "ما" مئنة من التعظيم فقد أحدثوا أمرا عظيما ، وذلك يحمل على ما كان من ردة بعد وفاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فيحمل نص كهذا على أمثال مسيلمة وصحبه ومن قضى في الرَّدَّةِ على الكفر ، لا من رجع إلى حَظِيرَةِ الإسلام بعد أن شفى الصديق ، رضي الله عنه ، وساوسهم بسيف ماض لا يَعْرِفُ التَّرَدُّدَ فذلك فساد في الرأي عظيم ، فلا يدخل فيه أمثال الأشعث بن قيس وعمرو بن معد يكرب ال**يدي ، رضي الله عنهما ، وإن كان ثم خلاف هل ينفي ذلك عنه وصف الصحبة ، فَثَمَّ من أبطل الصحبة بِالرِّدَّةِ الْعَارِضَةِ ، فيثبت له حال رجوعه إلى الإسلام لقب التابعي إذ أدرك البقية الباقية من الصحابة الذين ثَبَتُوا على الإسلام وهم الجمهور الأعظم ، *** تكن الردة في المهبط والمهجر ، مكة والمدينة وفيهما جمهور الصحابة الذين طالت ملازمتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، *** يكن شيء من الردة في الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وإنما كان في فئام ممن وفدوا على المدينة ولم يحصل لهم من الصحبة إلا مطلق اللقاء دون من صاحب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم زمانا طويلا فصنع بين يديه على آي من الوحي يتنزل ، فذلك من جاوز قنطرة التعديل بالإجماع ، وهم جمهور من تقدم من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، حتى شرط بعض المحققين في الصحبة قدرا زائدا على مطلق اللقاء فاشترط طول الملازمة .
وَعُظْمُ الرسالة قد نقل من طريق أولئك الأفاضل ، ولذلك انصرف القدح إليهم ما لم ينصرف إلى آحاد من الصحابة لم يثبت لهم ، كما تقدم ، إلا مطلق اللقاء ، فلا يروي الواحد منهم إلا الخبر أو الاثنين ، فالقدح فيه لا يؤتي أكله عند القادح ما يُؤْتِيهِ من القدح في جمهور من تقدم من طبقات الصحابة الأولى ، أو القدح في مشهورٍ له في نقل الشريعة باع طويل كأبي هريرة ، رضي الله عنه ، فالشبهات التي أثيرت حوله قد بلغت حد التصنيف من مارق لئيم ! ، فعجبا لمن انتصر لمن ارتد ، وقدح في الصديق وصحبه ، رضي الله عنهم ، أنهم قتلوا المسلمين واستباحوا دماءهم ، فحكموا بإسلام من جهر بالردة ، وحكموا بردة من له قدم راسخة في الصحبة ! ، فأي إحداث في الدين أعظم من ذلك ؟! ، فما أجدر أولئك أن يكونوا هم المختلجين على الحوض إذ قدحوا في عدالة من نقل خبره ، فلا شربوا منه إذ قدحوا في نقلته ، وذلك قياس العدل ، فالخبر يعمهم بمعناه ، ويعم كل منافق أظهر الإسلام وأبطن ضده ، وقد كان منهم جملة في المدينة وحولها لم يعلمها النبي الخاتم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ثم علمها وأعلم حذيفة ، رضي الله عنه ، بها ، فكان يعلم أسماء المنافقين لا سيما بعد تآمرهم أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غِيلَةً في تبوك ، فكان ثم منافقون ، كما في آي التوبة ، فـ : (مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) ، ودلالة التبعيض في : "من" : تَنْفِي العموم المستغرق ، فضلا أن لفظ "منافقون" ، يجري ، أيضا ، مجرى الإطلاق ، إذ هو نكرة في سياق الإثبات ، فيصدق بواحد أو آحاد ، لا بالجميع أو المجموع إلا آحادا ، كما زعم من زعم ممن قدح في عدالة الصدر الأول كله ! ، وحذيفة ، رضي الله عنه ، ممن تأخرت وفاته حتى 36هـ ، *** يشهد ما كان من قتال الفتنة ولكنه عاصر من خاض فيه ، ولهم الشرف والمكانة في دولة الخلافة ، وله القدم الراسخة في الحكم والسياسة ، ولو كان منهم منافق مطعون في دينه وهو ، مع ذلك رئيس مقدم لكان سكوته خيانة للدين وأهله ! ، فكيف وسعه أن يسكت عن نفاق الأمة كلها أو جلها ! ، وهي تفتح البلاد وتدخل الناس في دين قد ارتد طباقه الأول ! ، فذلك إضلال للناس لا هداية بموجب الوظيفة الرئيسة لأمة الشريعة ، وظيفة : (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) ، فذلك ، أيضا ، من التعديل الذي تواتر نقله وأحكم معناه ، إذ الخطاب وإن عم جميع طباق الأمة إلا أنه ينصرف بادي الرأي إلى الطباق الأول بِمُقْتَضَى خطاب المواجهة ، وهو وإن كان له دلالة إنشاء ، إلا أن معنى الخبر فيه ثابت ، وقد قيدت الخيرية ، وهي ، كما يقول بعض المحققين ، خيرية مطلقة في العلم والعمل ، أن كان لهم من عناية الوحي ما لم يكن لغيرهم فصنعوا على عينه ، فضلا أنهم من شهد نزوله فلهم من قرائن الحال ، ولهم من العلم باللسان ما أفادهم عقل معانيه ، فنقلهم الأصح ، وفهمهم الأدق ، ولو عند مَنْ لم يحتج بأقوالهم ، كما اشتهر في كلام الشافعي ، رحمه الله ، في الجديد ، على تفصيل في ذلك ، فلا يستفاد من قوله في الجديد ما يدل أنه لا يحتج بأقوالهم ، وإنما يرد بعضها إذا خالفت دليلا أقوى ، فيجري ذلك ، كما يقول بعض الأصوليين ، مجرى الترجيح بين الأدلة ، ولا يلزم من الترجيح بينها إبطال الاحتجاج بها ، فلا يكون ترجيح خبر على خبر إبطالا لدلالة السنة ! ، فذلك ما لا يتصور ، فكذلك الشأن في ترجيح آية على قياس ، أفيكون ذلك إبطالا لدلالة القياس أم يقال إن القياس في هذا الموضع بعينه قياس فاسد الاعتبار إذ خالف نصا أو إجماعا فلا يكون ذلك إبطالا لحجية القياس جملة ! ، فكذلك الشأن في قول الصحابي ، بل قد أثر عن الشافعي في الجديد ما يدل على الاحتجاج بقول الصحابي فهو يقدمه على القياس الذي أَنْزَلَهُ مَنْزِلَةَ الضرورة ، فلا يصار إليه إلا مع عدم الدليل المنقول ، ومنه ما نقل عن الصحابة ، رضي الله عنه ، سواء أتفقوا فذلك ما يجري مجرى الإجماع ، ولو سكوتا ، كما في إرث الجدة وتحريم المتعة والحكم بالرجم وإن نسخ لفظه ، أم أفتى بعضهم واشتهر قوله ولم يعلم له مخالف ، فذلك قد يجري مجرى الإجماع السكوتي ولكنه ، بداهة ، دون الأول ، أم اختلفوا فخلافهم خير من اختلاف من جاء بعدهم لقرب العهد بالنبوة ، والقرب منها مظنة الخير ، ولو في محل خلاف ، إذ لم يكن خلاف في الأصول ولم تظهر الفرق المحدثة في الدين في عصرهم ما ظهرت في أعصار تلت لما فشا الخلاف وانتشر ، فبزغ في آخر عهد الخلافة مقالات في السياسة فكان منشأ الخلاف ، ما كان من قتال الفتنة وما نجم عنه من حدوث مقال التشيع الذي أحدثه ابن سبأ ليفسد الدين بالغلو في آل البيت ، رضي الله عنهم ، كما أفسد شاءول الطرسوسي دين المسيح عليه السلام بالغلو فيه ، ومع ذلك كان التشيع مبدأ أمره ، كان في الجملة ، مقالا غلب عليه طابع السياسة انتصارا لفئام يظن من ينصرها أنها أحق بأمر الحكم والسياسة ، *** يكن ثم خلاف في مسائل عظمت فيها الجناية بعد ذلك في الإلهيات ومسائل الإيمان فضلا عما داخل تلك المقالات بعد ذلك من مقال الفلسفة وأهل الباطن ، فغلو الباطنية قد خرج من رحم التشيع وتلك خاصة المذاهب التي تغرق في الغلو فيكون انتحال الزنادقة لها أيسر ، إذ عقول أصحابها أضعف ، فما أيسر إفسادها بالإمعان في الغلو حت يبلغ الأمر حد المروق من الدين جملة وتفصيلا ، وتلك وصاية أئمة الباطنية لدعاتهم ، كما ذكر أمثال الباقلاني ، رحمه الله ، فمعظم من أضلوا كانوا من أتباع هذا المذهب الذي جمع الغلو وضعف العقل وضحالة العلم بالشرع فيغلب على أتباعه الجهل والتقليد ، وذانك ، عند التدبر والنظر ، يقترنان بالغلو ، فمن غلا في متبوع فهو جاهل بأحكام الشريعة التي ذَمَّتِ التقليد وَحَرَّمَتْهُ ، على تفصيل في تقليد المذاهب الفقهية المتبوعة على وجه لا يصل إلى حد الغلو بتقديم نص المذهب على نص الوحي في الكتاب والسنة ، وهو جاهل بقدر من يزعم أنه خصم لمتبوعه ، فهو يغلو في مدح متبوعه ويغلو في ذم من خالفه في علم أو عمل ، في اجتهاد في سياسة أو حرب ، كما وقع بين الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في الجمل وصفين ، فيغلو في ذم المخالف إذ يجهل فضله حتى يبلغ به الأمر أن يخرجه من الدين كله ! ، فالجهل يفضي إلى الغلو في المدح أو الذم ، وهو يقترن بتقليد مذموم لمن غلا في حبه فهو يغلو بالضرورة في اتباعه ولو في موضع ثبت يقينا أنه خالف فيه الوحي ، وإن اعتذر عنه فلا يتصور من فاضل من آحاد النظار والمجتهدين أن يتعمد مخالفة النص فكيف بالصدر الأول ، رضي الله عنهم ، ولهم من الفضل والديانة ، ولهم من العلم بأحكام الشريعة نصا ولسانا ما ليس لغيرهم ، فانتفاء القصد في المخالفة مُنْتَفٍ من باب أولى ، والاعتذار عنهم يَثْبُتُ من باب أولى ، فكان هذا الأمر في مبدأ أمره مما غلب عليه طابع السياسة ، فضلا أن الغالب على الشيعة الأوائل لا سيما في الكوفة أنهم لم يكفروا جمهور الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وإنما انحصر خلافهم في تقديم علي على عثمان ، رضي الله عنهما ، في الفضل لا في الخلافة ، وذلك مورد خلاف سائغ وإن كان الراجح قول الجمهور أن الخلفاء الأربعة ، رضي الله عنهم ، مرتبون في الفضل ترتيبهم في الخلافة ، فضلا أن هذا التقديم إزراء بإجماع المهاجرين والأنصار على بيعة عثمان ، رضي الله عنه ، وزد عليه أنه أفضى إلى شر عظيم أن بذرت بذرة الغلو شيئا فشيئا ، فذلك من استدراج الشيطان باتباع خطواته فلا يخرج الناس عن الحق جملة وإنما يجتهد في التحايل ليحرفهم عن منهاجه شيئا فشيئا ، *** يكن في مقال المتقدمين شيء من القدح فضلا عن الكفر ، بل إن من قدح لم يكن يقدح في الدين على وجه يفضي إلى الكفر ، وإنما كان يقدح على وجه يغلب عليه الطابع السياسي فكان الخلاف في مسألة اجتهاد في استيفاء حد أفضت إلى خلاف في السياسة والحرب لا على قاعدة دينية *** يكفر أحد الفريقين الآخر ، ولم يكن الأمر ، ولو عند المقدمين في الفريقين ، لم يكن نزاعا على سلطان ، وإن كان في الفريقين من غلبه الهوى لا سيما وجمهور من خاض في الأمر لم يكن من الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، وإنما كان ممن حدث عهده بالإسلام *** يَنَلْ من النبوة ما نال الأوائل الذين كف معظمهم ، واجتهد بعضهم فخاض في الأمر ، فكان الخلاف السائغ الذي رفع الحكم والإثم ، وكان الصلح الذي أَثْنَى عليه خير الخلق صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان السكوت خيرا من الخوض ، كما أثر عن ابن عبد العزيز ، رحمه الله ، فـ : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ، ***ا أجمع القوم حسن الكلام ، ولما اختلفوا حسن الصمت ! ، كما أثر عن ا***ن ، رضي الله عنه ، فقد شهدوا وَغِبْنَا ، وعلموا وجهلنا ، فأنى للغائب أن يحكم على الشاهد ؟! ، وأنى للجاهل أن يحكم على العالم ؟! ، فكلامه جار على القياس الصريح ، فتلك مذاهب قد حدثت في عهدهم ، ولكنها لم تخالف ، بادي أمرها ، إلا في مسائل سياسة ومسائل أسماء وأحكام فظهر الغلو في التكفير في مقال الخوارج ، ولم تغلظ المحدثات في عهدهم ، وهو محل الشاهد ، ما غلظت في عصور تلت لما ظهرت بدع القدر ، وكان لها ظهور في آخر عصرهم فشهدها جملة من صغارهم واشتدوا في النكير على أهلها ، كما في حديث ابن عمر ، رضي الله عنهما ، وفيه : "«لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا، فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ»" ، وهو معدود في الجملة من صغار الصحابة ، ثم عظم الانحراف بظهور مقال التعطيل ...... إلخ من المحدثات التي حدثت تَتْرَىَ ، *** تكن المقالات زمن الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، لم تكن في أول أمرها تخالف في أصول الدين ، وإن كان ثم غلو وخروج عن حد الشرع بل والعقل في كثير من مقالها ، وهو ما ازداد بعد ذلك وفحش فدخلها من الانحراف ما دخل وجمعت من باطل القول من كل مذهب ما أفضت إليه الحال في الأعصار المتأخرة ، لا سيما بعد استيلاء الأعاجم على مقاليد الحكم بسقوط دولة بني أمية وصيروة الأمر إلى بني العباس وقد غلب على عصبتهم العجمة ، وذلك نقص في المنطق باطنا وظاهرا فمظنة النقص فيه أعظم لا سيما مع بزوغ قرن الشعوبية ، واستتار بعض أولئك بشعار الإسلام ليستر زندقة باطنة يذكي نارها ما حمل أولئك من ثقافات الأمم القديمة وفيها من باطل القول ما فيها فكان مرجع كثير من الفلسفات الباطنية والمقالات الغالية كالحلول والاتحاد ... إلخ كان مرجعها إلى ثقافات شرقية قديمة كالثقافات الهندية والبوذية والفارسية .

وفي سياق آخر : :مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ" :
فثم قياس استند إلى مقدمتين مذكورتين ، ونتيجة محذوفة دل عليها السياق على جهة التلازم فحسن حذفها من هذا الوجه إذ ينصرف إليها الذهن بداهة ، فثم مقدمة أولى : من مر علي شرب ، فذلك عموم أول استفيد من دلالة الشرط الوضعية في الشريعة العربية ، أنيط فيه المشروط وهو محط الفائدة ، بالشرط ، فأنيط الشرب بالمرور وثم مقدمة ثانية : ومن شرب لم يظمأ أبدا ، ودلالة التأبيد آكد في البشرى في سياق الوعد لمن منح ، وآكد في المساءة في سياق الوعيد لمن حرم ، فنتيجة هذا القياس في العقل الصريح أن : من مر لم يظمأ أبدا ، إذ لا بد أنه يشرب فمن قضي عليه ألا يشرب فهو محجوب مُخْتَلَجٌ مُحَالٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هذا الشرف ، فـ : لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ ، فثم ، كما تقدم ، توكيد بقسم مقدر دلت عليه اللام المذكورة ، وهي لام الجواب وهي ، كما ذكر صاحب "المغني" رحمه الله ، *** أعم تندرج تحته ثلاثة أجوبة :
جواب لو كما في قوله تعالى : (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ)
وجواب لولا كما في قوله تعالى : (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى)
وجواب القسم ، وهو محل الشاهد ، ويجمعها كلها أنها موارد إثبات فدخول اللام يرشح هذا الإثبات فلا يحسن دخولها على المنفي ، وفي التنزيل : (لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا) ، وإن ورد ذلك في بعض كلام العرب فمن الشواهد الشهيرة في كتب النحو على ذلك قول الشاعر :
ولو نعطي الخيار لما افترقنا ******* ولكن لا خيار مع الليالي .
وهو قليل فضلا أنه مما لا يجوز في الكلام مع أي ناف آخر غير "ما" كما يذكر بعض ال**نفين .


فَثَمَّ ، وهو محل الشاهد ، توكيد بلام القسم ، ونون التوكيد المثقلة في : "لَيَرِدَنَّ" ، وثم توطئة بالنكرة : "أقوام" ، وهي ، كما تقدم ، نكرة في سياق الإثبات المؤكد بالقسم فلا تفيد إلا الإطلاق فتحصل حقيقتها في الخارج بأدنى قدر من آحادها ، وهي ، موطئة لما بعدها فهو مناط الفائدة : "أعرفهم ويعرفوني" ، فَثَمَّ مشاكلة في اللفظ والمعنى على جهة المضارعة تكلما وخطابا ولا تخلو من دلالة الجناس اشتقاقا ، فكلاهما اشتق من مادة واحدة وهي : "عرف" ، بل وكلاهما يندرج في نفس النوع من أنواع الصرف ، وهو الفعل الأعم والمضارع الأخص وإنما اختلفا بالنظر في اللفظ تكلما وخطابا ، فيعرفهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل قد أخبر بعضهم بذلك قبل وفاته ! ، كما أخبر مسيلمة إذ تأول الرؤيا ، فـ : "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِيَ يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنَّ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَانِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي، فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ، وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ" .
وقد حمل التعصب المخالف أن يجاوز كل حدود النقل والعقل ، فانبرى ينافح عن مسيلمة وأضرابه ، ويطعن في قوم : (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) ، فهم الذين ناجزوا أولئك الحربَ ، *** يقبلوا منهم إلا الإسلام أو السيف ، فصار من ثبت على الدين ونافح دونه ثم فتح به الأرض ، صار هو من بَدَّلَ ، وصار المرتد الناكص هو الثابت الراسخ ، ولن ينقضي العجب من حال المتعصب إن في إثباته أو نفيه فهو يخالف ضرورات النقل والعقل وا*** وما شئت من أدلة الاستدلال الصحيحة الصريحة .

ولو تدبرت لوجدت النص وإن خص أولئك إلا أنه يعم بمعناه كل من أحدث في الدين ما ليس منه سواء أكان ذلك ردة كاملة أم نقضا لكمال الإيمان الواجب فلكلٍّ ممن بدل وأحدث في الأمر ما ليس له من الرَّدِّ ، لكلٍّ منهم حظ من هذا الوعيد ، بقدر جنايته على الشريعة ، وله ، أيضا ، حظ من دعاء المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم : "سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي" ، فصدر الكلام بالمفعول المطلق الذي ناب عن عامله على تقدير الدعاء أن : اللهم اسحقهم سحقا ، فهو ، من هذا الوجه ، خبر أريد به الإنشاء ، فضلا عن دلالة التوكيد بتقدير العامل المحذوف متبوعا بال**در المؤكِّد ، فعم بالدعاء كل من غَيَّرَ ، فعم بالموصول الاسمي : "من" ، الذي اتصل بلام هي مئنة من الاستحقاق والاختصاص وذلك آكد في النكاية ، وأطلق الفعل : "غَيَّرَ" فعم جميع وجوه التغيير ، سواء أكان ناقضا لأصل الدين أم لكماله الواجب كما تقدم ، فَتَغْيِيرُ الشرع سبب تستجلب به النقم العاجلة فضلا عن العقوبة الآجلة ، وتأمل ، وهو محل شاهد حاضر عمت به البلوى في هذا العصر ، تأمل حال المجتمعات الإسلامية في الشرق بعد عقود من العلمانية الفكرية والعلمانية السياسية والعلمانية الاجتماعية ، وهي الأخطر ، لأنها العلمانية التي تمس الواقع فقد ساهمت بما تسلحت به من إرجاء في العقد وبطالة في التصوف المتأخر ، وتحالف آثم مع جميع قوى الشر في الداخل وفي الخارج ، فَتَحَالُفٌ مع أصحاب النحل المحدثة ، وتحالف مع أصحاب الملل المبدلة ، مع أنها تزعم أنها لادينية تقيم بُنْيَانَهَا على نظرية دنيوية محضة لا تستند إلى الوحي في تهذيب الأخلاق وتربية الأجيال ، فالقيم الاجتماعية الصادرة عن استحسان الجماعة أو استقباحها دون **در للتحسين أو التقبيح يتجاوز عقلها الجمعي الذي صار المستمد التشريعي ، هذه القيم هي مستند العلمانية ، كما تزعم ، فما بالها تستدعي الدين في معاركها مع الدين الحق ، فتستدعي الملة الباطلة والنحلة الفاسدة لإثارة الحروب الدينية والصراعات المذهبية ، فالمجتمعات الإسلامية بعد هذه العقود من الهدم والإفساد ، قد صارت هشة بما يكفي أن تَنْقَسِمَ على نفسها اجتماعيا تمهيدا ، كما يقول بعض الكتاب ، لتقسيمها سياسيا في جولة جديدة من جولات سايكس بيكو تجزئة لما تجزأ ، وما كان للجولة الأولى أن تنجح إلا بعد فساد عظيم طال العقد والشرع أواخر أيام الرجل المريض ، كما أن التقسيم الجديد الجاري على قدم وساق ما كان لينجح إلا بعد فساد أعظم في ظل دول الاستبداد التي أقامها المحتل على أنقاض الخلافة ونصب على رأسها أعداء للدين يبغضونه ما لا يبغضه أعداؤه من الكفار الأصليين ، فكان أولئك سَبَبًا رئيسا في ازدياد الفوضى إذ الاستبداد يعمق الانقسام بِمَا يوقعه بَيْنَ الناس من التحريش والإفساد ، فيكون غزوهم بعد ذلك أيسر فلا حاجة إلى جيوش إلا في أضيق الحدود ، فالقوم قد كفونا المؤنة لما خرجوا عن أمر الشرعة ، *** يبق لهم منها إلا رسوم باهتة ، فدعهم يقتل بعضهم بعضا في الطرقات لا يدري القاتل فيم قَتَلَ ولا المقتول فيم قُتِلَ كما أخبر المعصوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالهرج في ظل العلمانية هرج يتزايد ، وهو يعم كل حركة في المجتمع ، لا سيما إن أمنت العقوبة بحصانة سياسية أو أدبية تفسح لصاحبها مجالا واسعا من الحريات المنفلتة في قتل الآخرين وتعذيبهم وسرقة أموالهم والاعتداء على أعراضهم .... إلخ على وجه ينقض مقاصد الشريعة الرئيسة في حفظ ضرورات لم يعد لناظر يجد لها موضعا إلا في الكتب ! .
وكما قال بعض المفكرين : إن هذه شعوب قابلة للاستعباد ، فسهل على من يستعبدها ذلك ، فأردف آخر يكمل ما بدأه الأول : فهي شعوب قابلة للإفساد فسهل على من يفسدها ذلك :
ما يبلغ الأعداء من جاهل ******* ما يبلغ الجاهل من نفسه .

فكيف إن كان جهله بالوحي ، أعظم معلوم ، وكيف إن كان جهله مركبا ، فاستبدل الذي هو أدنى من باطل النقل وفاسد العقل ، بالذي هو خير من الوحي المحكم دليلا صحيحا واستدلالا صريحا .

وإلى مزيد من الفوضى مع احتجاب شمس النبوة لا سيما مع الطعن في حجيتها ، تصريحا أو تلميحا ، والطعن في نقلتها فذلك من موارد الإجماع بين أعداء الرسالة في الداخل من المحدثين في الدين والمنافقين والمرتدين ..... إلخ ، وفي الخارج من أهل الكتاب ومن لا كتاب لهم ولا دين ! ، فمن خاصم خبرا خاصم ناقله لزوما فذلك من التلازم العقلي الصريح ، وهو الذي التزمه خصوم الوحي فأصابوا في الدلالة من هذا الوجه المرذول وما أقل ما يصيبون وما أفسد ما يلتزمون ! وإن كان التلازم في مقالهم صحيحا بالنظر في معناه المجرد ، واللازم الأعظم الذي يفر منه بعض ويقر به آخر ، هو الطعن في شخص صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالطعن في أصحابه فالطعن في الصاحب طعن فيمن يصاحب ، كما أن الطعن في فراش الرجل طعن فيه ولو باتهام نزلت البراءة منه من السماء .


والله أعلى وأعلم .