rss
02-19-2016, 08:23 PM
عن قصص التنزيل
القص مادة وردت في التنزيل ، وهي كسائر المعاني الكلية المطلقة في الذهن مما تنقسم في الخارج إلى موارد تختلف في دلالاتها المقيدة وإن اندرجت كلها في ال*** العام المطلق ، فالقص منه قص ا*** أثرا ، كما في قوله تعالى : (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) ، أي : تَتَبَّعِي أَثَرَهُ ، وقص المعنى خبرا كما في قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فَثَمَّ نَفْيٌ لِلْكَيْنُونَةِ في : (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) ، وذلك ، كما تقدم فِي مَوَاضِعَ سَابِقَةٍ ، أَبْلَغُ من النفي المجرد ، وثم توطئة بالخبر : (حَدِيثًا) فقد أُرِيدَ ما بعده ، وهو الوصف : "يُفْتَرَى" ، فَنَفَى الافتراء على جهة المضارعة فهي مئنة من الديمومة والاستمرار في الحال والاستقبال ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فـ : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، فَثَمَّ نَفْيٌ تسلط على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة المضارعة ، وقد استعار الإتيان المحسوس للإتيان المعقول على جهة الاستعارة المكنية إذ شبه الباطل بإنسان يتحرك ، وحذف المشبه به وَكَنَّى عنه بوصف من أوصافه وهو الإتيان والمجيء ، وقد يقال ، والله أعلم ، إن الإتيان *** عام تَنْقَسِمُ موارده في الخارج فَمِنْهُ إِتْيَانُ المعنى ومنه إِتْيَانُ ا*** ، والسياق هو الذي يرشح المراد ، فليس ثم مجاز في الإتيان في هذا الموضع إذ انصرف ال*** الأعم إلى نوع أخص ، وهو إتيان المعاني فهي مما يرد على الذهن ، ومما يحكم به على الحقائق فيحكم عليها بالصحة أو البطلان ، وبالنفع أو الضر ..... إلخ ، فلا يحكم على الكتاب بالباطل ، وثم استيفاء لوجوه القسمة : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ، فضلا عن دلالة التوكيد بِتِكْرَارِ النفي بـ : "لا" ، ومن ثم أردف باللازم ، فلازم أنه قد سلم من الباطل أنه حق محض ، وذلك ما دل عليه الشطر الثاني : (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، وهو ، من وجه آخر ، ثالث الأخبار ، بعد : (إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) ، فذلك خبر أول : "لكتاب" موطئ لما بعده من الوصف : "عزيز" وقد أكد الخبر : "لكتاب" باللام المزحلقة الداخلة عليه فتأخرت في اللفظ كراهية استفتاح الكلام بحرفين لهما نفس الدلالة المعنوية وإن اختلفا في اللفظ ، ومن ثم ثَنَّى بالخبر الثاني : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ، بلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال ، بل وربما لكماله إذ الخبر إما أن يكون عين المبتدأ فلا يفتقر إلى رابط ، كما مثل النحاة بقول القائل : نطقي بسم الله الرحمن الرحيم ، فالجملة المحكية هي نفس المبتدأ ، وإما أن يكون حكما عليه ، سواء أكان مشتقا كما في قولك : زيد شجاع ، أم جامدا يؤول بمشتق كما في قولك : زيد أسد ، أم جامدا من كل وجه كما في قولك : زيد أخوك ، فهو يفيد في جميع الأحوال : إسناد حكم إلى المبتدأ ، والسياق جار على المطرد المشهور من لسان العرب إذ قدم الخبر المفرد ثم ثَنَّى بخبر الجملة ، ومن ثم جاء الخبر الثالث : (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، وهو لازم من لوازم انْتِفَاءِ الباطل ، وهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى التعليل فَعِلَّةُ سلامته الباطل أنه تنزيل من حكيم حميد ، فيكون من هذا الوجه جوابا لسؤال مقدر في الذهن دل عليه السياق اقتضاء : فما علة سلامته من الباطل ؟! ، فجاء الجواب : أنه تنزيل من حكيم حميد ، والتنزيل مئنة من التكرار وذلك آكد في التثبيت ، فـ : (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) ، وأيسر في الحفظ والجمع ، فـ : (قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) ، ودلالة "من" : دلالة ابتداء لغاية ، فَصَدَرَ الكلامُ منه ، جل وعلا ، صدور الوصف من الموصوف على جهة المشيئة بالنظر في آحادة الحادثة شيئا فشيئا بِتَوَالِي نجوم الوحي تَنَزُّلًا على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وختم بوصفين يلائمان السياق ، وبدأ بالأخص وهو وصف الحكيم ، فالكتاب العزيز قد أحكمت آياته خبرا وحكما ، قصصا وعقدا وشرعا وسياسة وأخلاقا .... إلخ ، وما تشابه منه ، بادي الرأي في ذهن الناظر لا في نفس الأمر ، فهو جزئي إذ قد يخفى على بعض ولكنه لا يخفى على الجميع بل قد يخفى على المجموع الأعظم لا الجميع فلا بد أن يدرك فحواه آحاد ، ولو واحدا ، به تقوم الحجة الرسالية التي لا تندثر وإن خفيت آثارها في مواضع ، فسرعان ما يزول الاشتباه عند من حقق ودقق إذا رد ما تشابه إلى ما أحكم ، وتلك طريق أهل التحقيق ، فـ : (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ، وأما أهل التشكيك فطريقهم أنهم : (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) ، التأويل المذموم بترجيح المرجوح بلا مرجح معتبر من نقل صحيح أو عقل صريح ، فليس إلا محض التحكم ، فضلا عن التلاعب بالألفاظ ، بادي الرأي ، على طريق باطنية يُحَمَّلُ اللفظ فيها ما لا يحتمل ولو من وجه بعيد مرجوح فليس إلا التلاعب بصحائح المنقول ، والمخالفة لصرائح المعقول ، فهو الذكر الحكيم الذي صدر من حكيم ، فهو الوصف الأخص ، كما تقدم ، حميد ، فهو الوصف الأعم إذ يستغرق جميع موارد الجمال ، ومنها الحكمة ، فيكون ذلك من التدرج في المدح من الأخص إلى الأعم ، فسلم التنزيل بداهة من النقص الذي يعتري كلام البشر إلا من عصم من الأنبياء ، فكلام غيرهم يدخله الخطأ إما سهوا في رواية خبر مكذوب أو إفتاء بقول مرجوح ، فيدخله الخطأ إن في الخبر أو في الإنشاء ، إن سهوا أو عمدا ، فتعظم الجناية في العمد ما لا تعظم في الخطأ ، بل الأصل التجاوز عن الخطأ إلا إن كان ثم تقصير كتساهل في الرواية فَيَتَحَمَّلُ عن كل أحد أو يحدث بكل ما سمع ، أو تساهل في الفتوى فيبادر ، وإن كان لها أهلا ، فيبادر أن يفتي دون أن يحيط بالنازلة وما احتف بها من قرائن ، أو يتكاسل فيقلد وليس فرضه التقليد كأن يكون مجتهدا قد بَلَغَ من العلم مَبْلَغًا يوجب عليه الاجتهاد مع انتفاء العارض من ضيق وقت أو توقف فلا يترجح عنده شيء فيقلد من هو أعلم منه ولو في هذا الباب دون غيره على القول بِتَجَزُّءِ الاجتهاد ، فيكون المجتهد في باب الصلاة مقلِّدا في باب الحج ، فيتوقف في مسائل في الحج يُقَلِّدُ فيها من هو أعلم منه في باب الحج ، وإن كان هو أعلم من مقلَّدِه في باب الصلاة ، على تفصيل في مسألة جواز التقليد للمجتهد ، فبابه في حقه أضيق من بابه في حق عامة المكلفين ، وذلك قياس العقل الصريح إذ لا يستوي من يعلم ومن لا يعلم ، فذلك ما نفاه التنزيل باستفهام إنكار وإبطال على تأويل الاستفهام في قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) ، على النفي ، وقد أتبع بما يرشح هذه الدلالة الصريحة إذ قصر الذكرى على أولي الألباب الذين يَنْتَفِعُونَ بعقولهم الصريحة أن يُفَرِّقُوا بين المختلفين ، وهو ما ورد في مواضع أخرى بالاستفهام ، وصرح به في غيرها بالنفي ، فـ : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ، و : (هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) ، و : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، و : (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) ، فهذه كلها مواضع ورد فيها الاستفهام نائبا في الدلالة المعنوية عن النفي وإن خالفه في اللفظ ، وثم مواضع جاء فيها النفي الصريح ، فـ : (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) ، و : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، و : (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) ، و : (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ، فحذف الطرف الآخر للعلم به بداهة بقرينة السياق إذ يراجح بين من تقدم ومن تأخر ، من جاء قبل ومن جاء بعد ، فكلها من أمثلة التنزيل التي استجمعت صحة النقل وصراحة الفهم وفصاحة اللفظ وبلاغة المعنى ، فاستجمعت الكمالات من كل وجه ، والجامع المشترك انتفاء التسوية بين ضدين في المعنى ، أو متطابقين في اللفظ ، سواء أكان طباق إيجاب ، كما في قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ، أم طباق سلب كما في قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، فمحط الفائدة هو الصلة ، وقد اشتقت الأولى من العلم ، واشتقت الثانية من ضده الذي ورد على حد النفي ، فَلَمَّا ثبت الضد في الحقيقة انتفت التسوية في الحكم ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس العقل الصريح الذي اطرد في التنزيل ، إذ العقل قاض أن يفرق في الحكم بَيْنَ المختلفات ، وأن يسوى ، من وجه آخر ، بَيْنَ المتماثلات .
فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فأكد بلام ابتداء أو لام قسم مقدر ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير : (فِي قَصَصِهِمْ) ، فَتَقْدِيُم ما حقه التأخير صورة قياسية للحصر والتوكيد في لسان العرب .
وذلك قصص بَلَغَ الغاية في الحق ، فـ : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) ، فثم جملة من المؤكدات ، فتوكيد بالناسخ ، وتوكيد باللام المزحلقة وضمير الفصل الذي دخلت عليه ، وزد عليه تعريف الجزأين ، والتوطئة بالخبر : "القصص" ، فمحط الفائدة هو الوصف "الحق" ، فضلا عن دلالة الإشارة القريبة فذلك مما يقربه إلى الذهن وذلك آكد في ترسيخ المعنى وتقريره .
وهو القصص الذي بلغ الغاية في ا***ن ، فلا يعدله قصص ، فـ : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) ، فذلك موضع تعظم فيه المنة ، فحسن أن يحد على جهة الجمع مئنة من التعظيم ، فجاء المسند إليه على جهة الضمير المجموع ، وجاء المسند على جهة الفعل المضارع المبدوء بِنُونٍ تدل على المعنى المجموع ، فالمضارعة مما تستحضر به المنة ، ولو بعد انقضاء زمن الخطاب ، فهي مئنة من الديمومة والاستمرار ، وتكرار الإسناد ، ظاهرا في المبتدأ "نحن" ومستترا الاستتار الواجب في عامله : "نقص" ، كل أولئك مما يُقَرِّرُ المعنى ، فهو أحسن القصص إذ هو أصدقه في الفحوى وأفصحه في المبنى وأبلغه في المعنى ، فدلالة الباء ، من هذا الوجه ، مئنة من السببية ، إذ سبب هذا القص الذي بلغ الغاية في ا***ن أنه قرآن نَزَلَ من السماء بِرَسْمِ العصمة والتحدي بالإعجاز في اللفظ وفي المعنى ، فإعجاز المعنى ، كما يقول بعض المحققين ، هو إعجاز الخبر ، فهو غيب لا يعلمه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ لم يتل كتابا ولم يخطه بِيَمِينِهِ ولم يجلس إلى معلِّم من أهل الكتاب الأول ، فالسبر والتقسيم يستوجب الحكم أنه من عند الله ، جل وعلا ، وَحْيًا ، فذلك الوصف المسكوت عنه لظهور معناه بعد إِبْطَالِ أَضْدَادِهِ الدائرة ، وثم من جعل الإعجاز الخبري نوعا مستقلا يباين إعجاز المعنى فإعجاز المعنى إعجاز في الفصاحة والبلاغة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، يعم سائر وجوه الإعجاز الأخرى : الخبري والتشريعي والعلمي ... إلخ فكلها قد حد على أفصح لفظ وأبلغ معنى .
فسبب ا***ن الظاهر في القصص أنه وحي قد سلم من النقص ، وقد أشير إليه إشارة القريب مئنة من يسر تَنَاوُلِهِ تلاوة وتدبرا ، فـ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) .
فأكد صدر الختام لآي يوسف ، أكد المعنى ، كما تقدم ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، وزد على ما تقدم من وجوه التوكيد ، زد عليه تَنْكِيرَ العبرة فهو مئنة من التعظيم فهي عبرة عظيمة لمن اعتبر ، وتخصيص أولي الألباب من جهة الانتفاع يجري مجرى التعريض بمن نظر *** ينتفع ، فليست له بعبرة من هذا الوجه ، وإن كانت عبرة تجزئ في إقامة الحجة ، ومن ثم استأنف بالنفي قبل الإثبات ، تخلية قبل التحلية ، فذلك من التلازم العقلي الصريح ، فَنَفَى الافتراء ، إذ العبرة مئنة من الصدق في الخبر والعدل في الحكم فلا يكون ثم افتراء ، فذلك النفي ، ومن ثم استدرك على جهة الوصل العكسي كما يقول أهل الدلالات ، إذ الاستدراك مئنة من مخالفة ما تقدم ، فأثبت ضد ما نفى من الافتراء : (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ، فضده الصدق ، فـ : ما كان افتراء ولكن كان تصديق الذي بين يديه ، فحذف العامل في المؤخر ، الفعل الناسخ "كان" ، إذ تقدم ذكره ، فدل المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف ، وقد أطنب بالوصل الإضافي بالعطف : (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وهو جار مجرى التكافؤ ، إذ الموصوف واحد ، فتلك دلالة ترادف من وجه ، والأوصاف متغايرة ، فتلك دلالة تباين من وجه آخر ، فثم عطف ترادف إن نظر في حقيقة الموصوف فهو واحد ، وثم عطف تغاير إن نظر في الأوصاف فهي متباينة ، وتلك دلالة التكافؤ كما حدها أهل الدلالات ، فاجتمع فيها الضدان ، الترادف والتغاير على وجه صحيح لانفكاك الجهة ، فمحل الترادف وهو الموصوف غير محل التغاير وهو الأوصاف الثابتة لهذا الموصوف الواحد كما في دلالات الأسماء ا***نى في مبحث الإلهيات ، فالأسماء من جهة العلمية مترادفات إذ تدل على ذات واحدة هي الذات القدسية ، ومن جهة الوصفية متباينات إذ تدل على صفات مختلفة اشتقت منها ، فثم دلالة جمود هي دلالة العلمية على ذات واحدة ، وثم دلالة اشتقاق هي دلالة الوصفية على معان عدة ، ثبوتية للكمال وسلبية للنقص ، وما أخطأ من أخطأ من المعطلة إلا أنه جعل الأسماء ذات دلالة علمية جامدة دون أن يثبت الدلالة المعنوية فنفى الصفات وأثبت الأسماء جوامد قد أفرغت من معانيها التي تدل عليها بالاشتقاق ، فوقع في تناقض لا يخفى يستوجب لو سُلِّمَ لصاحبه أن تبطل دلالات الألفاظ على المعاني التي اشتقت منها فتهدر جملة كثيرة من العلل في الأحكام .
ولا تخلو الأوصاف في آية يوسف ، لا تخلو ، عند التدبر والنظر ، من دلالة تلازم ، وهو يجري مجرى الترادف الجزئي ، فالتصديق والتفصيل في القصص ، والتفصيل ، من وجه آخر ، مما خص ، فيقتصر على النافع الذي يَنْبَنِي عليه عمل ، فليس تفصيلا للدقائق ، كما اطرد في الكتب الأولى ، ففيها عناية بسرد الدقائق ، على وجه يدل على يد بشرية سطرت فهي تجمع الأخبار وتدونها فيدخل في جمعها من النقص ما تنزه عنه الوحي ، فالتحديث عنها في هذه المواضع يجري مجرى التحديث عن كتب التاريخ ، وفيها يحصل من التساهل ما لا يجوز مثله في العقائد والأحكام ، فيجوز الاستئناس بما فيها من دقائق لا ينبني عليها عمل كما أنه يجوز الاستئناس بما ورد في كتب التاريخ ما لم يَنْبَنِ عليها عمل ، فقد يكون الخبر قصصا ، ولكنه يدل على عقد أو شرع ، أو يكون في نفسه خبرا مجردا ولكنه صار بعد ذلك مظنة اختلاف بين الفرق كما يضرب المثل في مثل هذه المواضع بما وقع من فتنة الاقتتال بين الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في الجمل وصفين ، فلا يجوز بداهة النقل من أي كتاب ، أو رواية أي خبر تقع اليد عليه بذريعة أن ذلك من الأخبار ! ، والأخبار يجوز فيها من التساهل ما لا يجوز في العقائد والأحكام ، فإن الحجة السابقة تُبْطِلُ نفس الدعوى إذ لم يعد ذلك من القصص المحكي ، وإنما صار مناط خلاف علمي وعملي لا زالت آثاره إلى يوم الناس هذا ، فلا زالت قوى الشر تنفخ في الرماد لتشعل نارا حتى قال من قال بأن ا***ن ، رضي الله عنه ، لو وجد من القوة ما يجده القوم الآن ما أقدم على الصلح المشئوم ! ، الذي مدحه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" ، فتلك دعوى تَسْتَلْزِمُ تكذيب خبر صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل وتسفيه رأيه باستقباح ما استحسن ، ولو تدبرت ، لوجدت ذلك فرعا عن تقديم العقل على النقل ، وإن شئت الدقة فقل الهوى على الوحي ، فصاحبه قدم ما يرى إن في التحسين أو التقبيح على ما نزل من الوحي ، فذلك خبر غيب لا يكون فيه اجتهاد ، فلا يعلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا بتوقيف من الوحي ، وإن ضيق الخناق على المخالف فما أيسر أن يطعن في صحة الخبر بلا معيار في الرواية إلا أنه لم يوافق ما رأى بقياسه أو ذاق بوجدانه ! .
فالتفصيل إنما يكون لما ينفع ، فذلك مورد تخصيص دل عليه التنزيل ، فـ : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فيقص عليهم الجمل الرئيسة من مسائل الخلاف التي ينبني عليها عمل لا الخلاف في دقائق القصص وفضول النظر مما لا ينبني عليه عمل فذلك من الجدل المذموم إذ لا يفضي إلا إلى إضاعة الوقت والجهد وحصول الإحن في الصدور ، فكلٌّ يغالب الخصم ويروم الظهور عليه إن بحق أو بباطل ، وذلك ما يغلب على مناظرات الخصوم ، كما حكى أبو حامد الغزالي ، رحمه الله ، إذ يَنْصَحُ أحد تلاميذه ألا يصغي كثيرا ! لمن يتقاذفه الخصوم من الحجج حال الجدال في الفقه إذ يقع فيها من التلفيق شيء ليس باليسير ! ، فكان التصديق والتفصيل النافع فتلك الذرائع ، ومن ثم عطف الغايات من الهدى والرحمة ، فـ : (هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقد نكرت مئنة من التعظيم ، فضلا عما تقدم من دلالة التعريض بمن لم يؤمن ، فهي تختص بأهل الإيمان ، وإن عم هداها بالنظر في هدى البيان والإرشاد لا هدى التوفيق والإلهام فلا يكون ذلك إلا لأهل الإيمان ، وإن عمت رحمتها بالنظر في رحمة النبوة العامة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، و : (مَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة ، ورحمته منها المخلوق وهو ما طبع عليه من خلال الرفق واللين ، ومنها غير المخلوق ، وهو ما جاء به من الوحي كتابا وسنة ، فكل أولئك من الرحمة العامة ، فالرحمة الخاصة التي تحصل بالامتثال لا تكون إلا لأهل الإيمان ، فَتَلْزَمُ غيرهم تكليفا وإن لم ينتفعوا بها أن خذلوا *** يسددوا أن يهتدوا بها على وجه يوجب التصديق والامتثال الذي به تحصل الرحمة ، وقد مهد بالموطئ ، أيضا ، فثم عموم دل عليه اسم الجمع : (لِقَوْمٍ) ، الذي دخلت عليه اللام مئنة من الاستحقاق والاختصاص فضلا من ربك ، جل وعلا ، على وجه يواطئ مقتضى الحكمة البالغة أن توضع أسباب الهداية في المحال القابلة لها فذلك الفضل وأن توضع في المقابل أسباب الضلال في المحال القابلة لها فذلك العدل ، وثم تخصيص بالوصف : (يُؤْمِنُونَ) الذي حد على جهة المضارعة مئنة من ديمومة واستمرار ولا يخلو من دلالة استحضار لهذه الصورة المثلى في الاستدلال والامتثال ، وقد أطلق الإيمان فعم الإيمان بكل خبر ، وعم ، من وجه آخر ، أجزاء القسمة الشرعية من الاعتقاد والقول والعمل فعم جميع محال التكليف ، فهم يؤمنون بالكتاب كله ، أخباره وأحكامه ، فيصدقون الأخبار ويمتثلون الأحكام ، ويردون ما تشابه منه إلى ما أحكم .
فهذا القصص لا يسرد تَسْلِيَةً ، وإن كان ذلك مما يحصل تَبَعًا ، وقد يُرَادُ من وجه آخر معتبر ، إذ به يحصل التثبيت ، فـ : (كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) ، ويحصل به التحدي لمن كَتَمَ وبدل ، فـ : (اسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) ، ويحصل به ، من وجه آخر ، التكليف سواء أكان لازما لشخص الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لشخص من ينوب عنه في حمل أعباء الرسالة تَبْلِيغًا وَتَبْيِينًا ، ودفعا وطلبا ، وفتحا ونشرا ، فيعم كل من ناب عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جهاد الحجة والبرهان وجهاد السيف والسنان ، فيحصل به التكليف اللازم أن : (اصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) ، وهو تكليف أردف بالعلة على جهة النص الصريح وإن كان ظني الدلالة لحصول الاشتراك في دلالة : "أن" ، فهي نص في التوكيد وهي ، مع ذلك ، مما يصلح للتعليل وقد يجتمع فيها الوجهان ، كما في هذا الموضع ، فذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة المشترك على كلا الوجهين في نفس الموضع على جهة الشمول لا الإبدال كما اشتهر من دلالة المشترك ، فصح الجمع بين التوكيد والتعليل ، وحسن الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين المعلول المتقدم والعلة المتأخرة ، فثم تداخل في التعليل ، فَعِلَّةُ القص أن يمتثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكليف الصبر ، وعلة التكليف بالصبر أن غايته الخير فالعاقبة للمتقين ، ودلالة التقوى أعم من دلالة الصبر الأخص ، فهو نوع يندرج في *** التقوى الأعم ، وذلك ما يجري مجرى الاستبدال ، كما يقول أهل الدلالات ، إذ استبدل الأعم بالأخص فذلك مما يَزِيدُ في معنى اللفظ ودلالته وذلك آكد في حصول الفائدة .
فيحصل التكليف اللازم بالصبر ، كما تقدم ، ويحصل التكليف المتعدي كما في آي الأعراف ، فـ : (اقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، فهو مما يتعدى نفعه إلى غيره ، ودلالة "أل" في "القصص" قد اجتمع فيها الاستغراق الحقيقي لجملة من القصص ، والاستغراق المعنوي فقد جمعت أكمل الأوصاف ، فهي ، كما تقدم ، أحسن القصص ، ومن ثم أردف بالعلة على وجه يحتمل الاشتراك ، أيضا ، فـ : "لعل" نص في الترجي المحتمل ، وهي ، من وجه آخر ، مما يستعمل في باب التعليل ، فتكافئ اللام من هذا الوجه ، فحصل الاشتراك ، أيضا ، فالتعليل بها يجري مجرى التعليل الصريح بلفظ ظني الدلالة يحتمل التعليل وغيره على وجه جاز فيه هنا ، أيضا ، الجمع بين وجهي المشترك في موضع واحد ، فهي علة من وجه ، وذلك ما تَمَنَّاه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى عوتب في ذلك ، فـ : (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ، وهو ، أيضا ، ما يَتَمَنَّاه كل داع إلى الحق ، فأهل الحق أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق إذ يسدون النصح مجردا ، فَرَائِدُهم في ذلك إمامهم المقدَّم الرسول المعظَّم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) .
والله أعلى وأعلم .
القص مادة وردت في التنزيل ، وهي كسائر المعاني الكلية المطلقة في الذهن مما تنقسم في الخارج إلى موارد تختلف في دلالاتها المقيدة وإن اندرجت كلها في ال*** العام المطلق ، فالقص منه قص ا*** أثرا ، كما في قوله تعالى : (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ) ، أي : تَتَبَّعِي أَثَرَهُ ، وقص المعنى خبرا كما في قوله تعالى : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فَثَمَّ نَفْيٌ لِلْكَيْنُونَةِ في : (مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى) ، وذلك ، كما تقدم فِي مَوَاضِعَ سَابِقَةٍ ، أَبْلَغُ من النفي المجرد ، وثم توطئة بالخبر : (حَدِيثًا) فقد أُرِيدَ ما بعده ، وهو الوصف : "يُفْتَرَى" ، فَنَفَى الافتراء على جهة المضارعة فهي مئنة من الديمومة والاستمرار في الحال والاستقبال ، وذلك آكد في تقرير المعنى ، فـ : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، فَثَمَّ نَفْيٌ تسلط على ال**در الكامن في الفعل فأفاد العموم من هذا الوجه ، فضلا عن دلالة المضارعة ، وقد استعار الإتيان المحسوس للإتيان المعقول على جهة الاستعارة المكنية إذ شبه الباطل بإنسان يتحرك ، وحذف المشبه به وَكَنَّى عنه بوصف من أوصافه وهو الإتيان والمجيء ، وقد يقال ، والله أعلم ، إن الإتيان *** عام تَنْقَسِمُ موارده في الخارج فَمِنْهُ إِتْيَانُ المعنى ومنه إِتْيَانُ ا*** ، والسياق هو الذي يرشح المراد ، فليس ثم مجاز في الإتيان في هذا الموضع إذ انصرف ال*** الأعم إلى نوع أخص ، وهو إتيان المعاني فهي مما يرد على الذهن ، ومما يحكم به على الحقائق فيحكم عليها بالصحة أو البطلان ، وبالنفع أو الضر ..... إلخ ، فلا يحكم على الكتاب بالباطل ، وثم استيفاء لوجوه القسمة : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ، فضلا عن دلالة التوكيد بِتِكْرَارِ النفي بـ : "لا" ، ومن ثم أردف باللازم ، فلازم أنه قد سلم من الباطل أنه حق محض ، وذلك ما دل عليه الشطر الثاني : (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، وهو ، من وجه آخر ، ثالث الأخبار ، بعد : (إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) ، فذلك خبر أول : "لكتاب" موطئ لما بعده من الوصف : "عزيز" وقد أكد الخبر : "لكتاب" باللام المزحلقة الداخلة عليه فتأخرت في اللفظ كراهية استفتاح الكلام بحرفين لهما نفس الدلالة المعنوية وإن اختلفا في اللفظ ، ومن ثم ثَنَّى بالخبر الثاني : (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) ، بلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال ، بل وربما لكماله إذ الخبر إما أن يكون عين المبتدأ فلا يفتقر إلى رابط ، كما مثل النحاة بقول القائل : نطقي بسم الله الرحمن الرحيم ، فالجملة المحكية هي نفس المبتدأ ، وإما أن يكون حكما عليه ، سواء أكان مشتقا كما في قولك : زيد شجاع ، أم جامدا يؤول بمشتق كما في قولك : زيد أسد ، أم جامدا من كل وجه كما في قولك : زيد أخوك ، فهو يفيد في جميع الأحوال : إسناد حكم إلى المبتدأ ، والسياق جار على المطرد المشهور من لسان العرب إذ قدم الخبر المفرد ثم ثَنَّى بخبر الجملة ، ومن ثم جاء الخبر الثالث : (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، وهو لازم من لوازم انْتِفَاءِ الباطل ، وهو ، من وجه آخر ، يجري مجرى التعليل فَعِلَّةُ سلامته الباطل أنه تنزيل من حكيم حميد ، فيكون من هذا الوجه جوابا لسؤال مقدر في الذهن دل عليه السياق اقتضاء : فما علة سلامته من الباطل ؟! ، فجاء الجواب : أنه تنزيل من حكيم حميد ، والتنزيل مئنة من التكرار وذلك آكد في التثبيت ، فـ : (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ) ، وأيسر في الحفظ والجمع ، فـ : (قُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا) ، ودلالة "من" : دلالة ابتداء لغاية ، فَصَدَرَ الكلامُ منه ، جل وعلا ، صدور الوصف من الموصوف على جهة المشيئة بالنظر في آحادة الحادثة شيئا فشيئا بِتَوَالِي نجوم الوحي تَنَزُّلًا على صاحب الشرع صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وختم بوصفين يلائمان السياق ، وبدأ بالأخص وهو وصف الحكيم ، فالكتاب العزيز قد أحكمت آياته خبرا وحكما ، قصصا وعقدا وشرعا وسياسة وأخلاقا .... إلخ ، وما تشابه منه ، بادي الرأي في ذهن الناظر لا في نفس الأمر ، فهو جزئي إذ قد يخفى على بعض ولكنه لا يخفى على الجميع بل قد يخفى على المجموع الأعظم لا الجميع فلا بد أن يدرك فحواه آحاد ، ولو واحدا ، به تقوم الحجة الرسالية التي لا تندثر وإن خفيت آثارها في مواضع ، فسرعان ما يزول الاشتباه عند من حقق ودقق إذا رد ما تشابه إلى ما أحكم ، وتلك طريق أهل التحقيق ، فـ : (يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) ، وأما أهل التشكيك فطريقهم أنهم : (يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) ، التأويل المذموم بترجيح المرجوح بلا مرجح معتبر من نقل صحيح أو عقل صريح ، فليس إلا محض التحكم ، فضلا عن التلاعب بالألفاظ ، بادي الرأي ، على طريق باطنية يُحَمَّلُ اللفظ فيها ما لا يحتمل ولو من وجه بعيد مرجوح فليس إلا التلاعب بصحائح المنقول ، والمخالفة لصرائح المعقول ، فهو الذكر الحكيم الذي صدر من حكيم ، فهو الوصف الأخص ، كما تقدم ، حميد ، فهو الوصف الأعم إذ يستغرق جميع موارد الجمال ، ومنها الحكمة ، فيكون ذلك من التدرج في المدح من الأخص إلى الأعم ، فسلم التنزيل بداهة من النقص الذي يعتري كلام البشر إلا من عصم من الأنبياء ، فكلام غيرهم يدخله الخطأ إما سهوا في رواية خبر مكذوب أو إفتاء بقول مرجوح ، فيدخله الخطأ إن في الخبر أو في الإنشاء ، إن سهوا أو عمدا ، فتعظم الجناية في العمد ما لا تعظم في الخطأ ، بل الأصل التجاوز عن الخطأ إلا إن كان ثم تقصير كتساهل في الرواية فَيَتَحَمَّلُ عن كل أحد أو يحدث بكل ما سمع ، أو تساهل في الفتوى فيبادر ، وإن كان لها أهلا ، فيبادر أن يفتي دون أن يحيط بالنازلة وما احتف بها من قرائن ، أو يتكاسل فيقلد وليس فرضه التقليد كأن يكون مجتهدا قد بَلَغَ من العلم مَبْلَغًا يوجب عليه الاجتهاد مع انتفاء العارض من ضيق وقت أو توقف فلا يترجح عنده شيء فيقلد من هو أعلم منه ولو في هذا الباب دون غيره على القول بِتَجَزُّءِ الاجتهاد ، فيكون المجتهد في باب الصلاة مقلِّدا في باب الحج ، فيتوقف في مسائل في الحج يُقَلِّدُ فيها من هو أعلم منه في باب الحج ، وإن كان هو أعلم من مقلَّدِه في باب الصلاة ، على تفصيل في مسألة جواز التقليد للمجتهد ، فبابه في حقه أضيق من بابه في حق عامة المكلفين ، وذلك قياس العقل الصريح إذ لا يستوي من يعلم ومن لا يعلم ، فذلك ما نفاه التنزيل باستفهام إنكار وإبطال على تأويل الاستفهام في قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ) ، على النفي ، وقد أتبع بما يرشح هذه الدلالة الصريحة إذ قصر الذكرى على أولي الألباب الذين يَنْتَفِعُونَ بعقولهم الصريحة أن يُفَرِّقُوا بين المختلفين ، وهو ما ورد في مواضع أخرى بالاستفهام ، وصرح به في غيرها بالنفي ، فـ : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ، و : (هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ) ، و : (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ، و : (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ) ، فهذه كلها مواضع ورد فيها الاستفهام نائبا في الدلالة المعنوية عن النفي وإن خالفه في اللفظ ، وثم مواضع جاء فيها النفي الصريح ، فـ : (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) ، و : (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، و : (لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ) ، و : (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ، فحذف الطرف الآخر للعلم به بداهة بقرينة السياق إذ يراجح بين من تقدم ومن تأخر ، من جاء قبل ومن جاء بعد ، فكلها من أمثلة التنزيل التي استجمعت صحة النقل وصراحة الفهم وفصاحة اللفظ وبلاغة المعنى ، فاستجمعت الكمالات من كل وجه ، والجامع المشترك انتفاء التسوية بين ضدين في المعنى ، أو متطابقين في اللفظ ، سواء أكان طباق إيجاب ، كما في قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ) ، أم طباق سلب كما في قوله تعالى : (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) ، فمحط الفائدة هو الصلة ، وقد اشتقت الأولى من العلم ، واشتقت الثانية من ضده الذي ورد على حد النفي ، فَلَمَّا ثبت الضد في الحقيقة انتفت التسوية في الحكم ، وذلك ، كما تقدم مرارا ، قياس العقل الصريح الذي اطرد في التنزيل ، إذ العقل قاض أن يفرق في الحكم بَيْنَ المختلفات ، وأن يسوى ، من وجه آخر ، بَيْنَ المتماثلات .
فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، فأكد بلام ابتداء أو لام قسم مقدر ، فضلا عن تقديم ما حقه التأخير : (فِي قَصَصِهِمْ) ، فَتَقْدِيُم ما حقه التأخير صورة قياسية للحصر والتوكيد في لسان العرب .
وذلك قصص بَلَغَ الغاية في الحق ، فـ : (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) ، فثم جملة من المؤكدات ، فتوكيد بالناسخ ، وتوكيد باللام المزحلقة وضمير الفصل الذي دخلت عليه ، وزد عليه تعريف الجزأين ، والتوطئة بالخبر : "القصص" ، فمحط الفائدة هو الوصف "الحق" ، فضلا عن دلالة الإشارة القريبة فذلك مما يقربه إلى الذهن وذلك آكد في ترسيخ المعنى وتقريره .
وهو القصص الذي بلغ الغاية في ا***ن ، فلا يعدله قصص ، فـ : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) ، فذلك موضع تعظم فيه المنة ، فحسن أن يحد على جهة الجمع مئنة من التعظيم ، فجاء المسند إليه على جهة الضمير المجموع ، وجاء المسند على جهة الفعل المضارع المبدوء بِنُونٍ تدل على المعنى المجموع ، فالمضارعة مما تستحضر به المنة ، ولو بعد انقضاء زمن الخطاب ، فهي مئنة من الديمومة والاستمرار ، وتكرار الإسناد ، ظاهرا في المبتدأ "نحن" ومستترا الاستتار الواجب في عامله : "نقص" ، كل أولئك مما يُقَرِّرُ المعنى ، فهو أحسن القصص إذ هو أصدقه في الفحوى وأفصحه في المبنى وأبلغه في المعنى ، فدلالة الباء ، من هذا الوجه ، مئنة من السببية ، إذ سبب هذا القص الذي بلغ الغاية في ا***ن أنه قرآن نَزَلَ من السماء بِرَسْمِ العصمة والتحدي بالإعجاز في اللفظ وفي المعنى ، فإعجاز المعنى ، كما يقول بعض المحققين ، هو إعجاز الخبر ، فهو غيب لا يعلمه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ لم يتل كتابا ولم يخطه بِيَمِينِهِ ولم يجلس إلى معلِّم من أهل الكتاب الأول ، فالسبر والتقسيم يستوجب الحكم أنه من عند الله ، جل وعلا ، وَحْيًا ، فذلك الوصف المسكوت عنه لظهور معناه بعد إِبْطَالِ أَضْدَادِهِ الدائرة ، وثم من جعل الإعجاز الخبري نوعا مستقلا يباين إعجاز المعنى فإعجاز المعنى إعجاز في الفصاحة والبلاغة ، وهو ، لو تدبر الناظر ، يعم سائر وجوه الإعجاز الأخرى : الخبري والتشريعي والعلمي ... إلخ فكلها قد حد على أفصح لفظ وأبلغ معنى .
فسبب ا***ن الظاهر في القصص أنه وحي قد سلم من النقص ، وقد أشير إليه إشارة القريب مئنة من يسر تَنَاوُلِهِ تلاوة وتدبرا ، فـ : (لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) .
فأكد صدر الختام لآي يوسف ، أكد المعنى ، كما تقدم ، فـ : (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) ، وزد على ما تقدم من وجوه التوكيد ، زد عليه تَنْكِيرَ العبرة فهو مئنة من التعظيم فهي عبرة عظيمة لمن اعتبر ، وتخصيص أولي الألباب من جهة الانتفاع يجري مجرى التعريض بمن نظر *** ينتفع ، فليست له بعبرة من هذا الوجه ، وإن كانت عبرة تجزئ في إقامة الحجة ، ومن ثم استأنف بالنفي قبل الإثبات ، تخلية قبل التحلية ، فذلك من التلازم العقلي الصريح ، فَنَفَى الافتراء ، إذ العبرة مئنة من الصدق في الخبر والعدل في الحكم فلا يكون ثم افتراء ، فذلك النفي ، ومن ثم استدرك على جهة الوصل العكسي كما يقول أهل الدلالات ، إذ الاستدراك مئنة من مخالفة ما تقدم ، فأثبت ضد ما نفى من الافتراء : (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) ، فضده الصدق ، فـ : ما كان افتراء ولكن كان تصديق الذي بين يديه ، فحذف العامل في المؤخر ، الفعل الناسخ "كان" ، إذ تقدم ذكره ، فدل المتقدم المذكور على المتأخر المحذوف ، وقد أطنب بالوصل الإضافي بالعطف : (وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) ، وهو جار مجرى التكافؤ ، إذ الموصوف واحد ، فتلك دلالة ترادف من وجه ، والأوصاف متغايرة ، فتلك دلالة تباين من وجه آخر ، فثم عطف ترادف إن نظر في حقيقة الموصوف فهو واحد ، وثم عطف تغاير إن نظر في الأوصاف فهي متباينة ، وتلك دلالة التكافؤ كما حدها أهل الدلالات ، فاجتمع فيها الضدان ، الترادف والتغاير على وجه صحيح لانفكاك الجهة ، فمحل الترادف وهو الموصوف غير محل التغاير وهو الأوصاف الثابتة لهذا الموصوف الواحد كما في دلالات الأسماء ا***نى في مبحث الإلهيات ، فالأسماء من جهة العلمية مترادفات إذ تدل على ذات واحدة هي الذات القدسية ، ومن جهة الوصفية متباينات إذ تدل على صفات مختلفة اشتقت منها ، فثم دلالة جمود هي دلالة العلمية على ذات واحدة ، وثم دلالة اشتقاق هي دلالة الوصفية على معان عدة ، ثبوتية للكمال وسلبية للنقص ، وما أخطأ من أخطأ من المعطلة إلا أنه جعل الأسماء ذات دلالة علمية جامدة دون أن يثبت الدلالة المعنوية فنفى الصفات وأثبت الأسماء جوامد قد أفرغت من معانيها التي تدل عليها بالاشتقاق ، فوقع في تناقض لا يخفى يستوجب لو سُلِّمَ لصاحبه أن تبطل دلالات الألفاظ على المعاني التي اشتقت منها فتهدر جملة كثيرة من العلل في الأحكام .
ولا تخلو الأوصاف في آية يوسف ، لا تخلو ، عند التدبر والنظر ، من دلالة تلازم ، وهو يجري مجرى الترادف الجزئي ، فالتصديق والتفصيل في القصص ، والتفصيل ، من وجه آخر ، مما خص ، فيقتصر على النافع الذي يَنْبَنِي عليه عمل ، فليس تفصيلا للدقائق ، كما اطرد في الكتب الأولى ، ففيها عناية بسرد الدقائق ، على وجه يدل على يد بشرية سطرت فهي تجمع الأخبار وتدونها فيدخل في جمعها من النقص ما تنزه عنه الوحي ، فالتحديث عنها في هذه المواضع يجري مجرى التحديث عن كتب التاريخ ، وفيها يحصل من التساهل ما لا يجوز مثله في العقائد والأحكام ، فيجوز الاستئناس بما فيها من دقائق لا ينبني عليها عمل كما أنه يجوز الاستئناس بما ورد في كتب التاريخ ما لم يَنْبَنِ عليها عمل ، فقد يكون الخبر قصصا ، ولكنه يدل على عقد أو شرع ، أو يكون في نفسه خبرا مجردا ولكنه صار بعد ذلك مظنة اختلاف بين الفرق كما يضرب المثل في مثل هذه المواضع بما وقع من فتنة الاقتتال بين الصدر الأول ، رضي الله عنهم ، في الجمل وصفين ، فلا يجوز بداهة النقل من أي كتاب ، أو رواية أي خبر تقع اليد عليه بذريعة أن ذلك من الأخبار ! ، والأخبار يجوز فيها من التساهل ما لا يجوز في العقائد والأحكام ، فإن الحجة السابقة تُبْطِلُ نفس الدعوى إذ لم يعد ذلك من القصص المحكي ، وإنما صار مناط خلاف علمي وعملي لا زالت آثاره إلى يوم الناس هذا ، فلا زالت قوى الشر تنفخ في الرماد لتشعل نارا حتى قال من قال بأن ا***ن ، رضي الله عنه ، لو وجد من القوة ما يجده القوم الآن ما أقدم على الصلح المشئوم ! ، الذي مدحه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" ، فتلك دعوى تَسْتَلْزِمُ تكذيب خبر صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم بل وتسفيه رأيه باستقباح ما استحسن ، ولو تدبرت ، لوجدت ذلك فرعا عن تقديم العقل على النقل ، وإن شئت الدقة فقل الهوى على الوحي ، فصاحبه قدم ما يرى إن في التحسين أو التقبيح على ما نزل من الوحي ، فذلك خبر غيب لا يكون فيه اجتهاد ، فلا يعلمه صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا بتوقيف من الوحي ، وإن ضيق الخناق على المخالف فما أيسر أن يطعن في صحة الخبر بلا معيار في الرواية إلا أنه لم يوافق ما رأى بقياسه أو ذاق بوجدانه ! .
فالتفصيل إنما يكون لما ينفع ، فذلك مورد تخصيص دل عليه التنزيل ، فـ : (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) ، فيقص عليهم الجمل الرئيسة من مسائل الخلاف التي ينبني عليها عمل لا الخلاف في دقائق القصص وفضول النظر مما لا ينبني عليه عمل فذلك من الجدل المذموم إذ لا يفضي إلا إلى إضاعة الوقت والجهد وحصول الإحن في الصدور ، فكلٌّ يغالب الخصم ويروم الظهور عليه إن بحق أو بباطل ، وذلك ما يغلب على مناظرات الخصوم ، كما حكى أبو حامد الغزالي ، رحمه الله ، إذ يَنْصَحُ أحد تلاميذه ألا يصغي كثيرا ! لمن يتقاذفه الخصوم من الحجج حال الجدال في الفقه إذ يقع فيها من التلفيق شيء ليس باليسير ! ، فكان التصديق والتفصيل النافع فتلك الذرائع ، ومن ثم عطف الغايات من الهدى والرحمة ، فـ : (هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقد نكرت مئنة من التعظيم ، فضلا عما تقدم من دلالة التعريض بمن لم يؤمن ، فهي تختص بأهل الإيمان ، وإن عم هداها بالنظر في هدى البيان والإرشاد لا هدى التوفيق والإلهام فلا يكون ذلك إلا لأهل الإيمان ، وإن عمت رحمتها بالنظر في رحمة النبوة العامة ، فـ : (مَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) ، و : (مَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ) ، فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رحمة ، ورحمته منها المخلوق وهو ما طبع عليه من خلال الرفق واللين ، ومنها غير المخلوق ، وهو ما جاء به من الوحي كتابا وسنة ، فكل أولئك من الرحمة العامة ، فالرحمة الخاصة التي تحصل بالامتثال لا تكون إلا لأهل الإيمان ، فَتَلْزَمُ غيرهم تكليفا وإن لم ينتفعوا بها أن خذلوا *** يسددوا أن يهتدوا بها على وجه يوجب التصديق والامتثال الذي به تحصل الرحمة ، وقد مهد بالموطئ ، أيضا ، فثم عموم دل عليه اسم الجمع : (لِقَوْمٍ) ، الذي دخلت عليه اللام مئنة من الاستحقاق والاختصاص فضلا من ربك ، جل وعلا ، على وجه يواطئ مقتضى الحكمة البالغة أن توضع أسباب الهداية في المحال القابلة لها فذلك الفضل وأن توضع في المقابل أسباب الضلال في المحال القابلة لها فذلك العدل ، وثم تخصيص بالوصف : (يُؤْمِنُونَ) الذي حد على جهة المضارعة مئنة من ديمومة واستمرار ولا يخلو من دلالة استحضار لهذه الصورة المثلى في الاستدلال والامتثال ، وقد أطلق الإيمان فعم الإيمان بكل خبر ، وعم ، من وجه آخر ، أجزاء القسمة الشرعية من الاعتقاد والقول والعمل فعم جميع محال التكليف ، فهم يؤمنون بالكتاب كله ، أخباره وأحكامه ، فيصدقون الأخبار ويمتثلون الأحكام ، ويردون ما تشابه منه إلى ما أحكم .
فهذا القصص لا يسرد تَسْلِيَةً ، وإن كان ذلك مما يحصل تَبَعًا ، وقد يُرَادُ من وجه آخر معتبر ، إذ به يحصل التثبيت ، فـ : (كُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ) ، ويحصل به التحدي لمن كَتَمَ وبدل ، فـ : (اسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) ، ويحصل به ، من وجه آخر ، التكليف سواء أكان لازما لشخص الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أو لشخص من ينوب عنه في حمل أعباء الرسالة تَبْلِيغًا وَتَبْيِينًا ، ودفعا وطلبا ، وفتحا ونشرا ، فيعم كل من ناب عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في جهاد الحجة والبرهان وجهاد السيف والسنان ، فيحصل به التكليف اللازم أن : (اصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) ، وهو تكليف أردف بالعلة على جهة النص الصريح وإن كان ظني الدلالة لحصول الاشتراك في دلالة : "أن" ، فهي نص في التوكيد وهي ، مع ذلك ، مما يصلح للتعليل وقد يجتمع فيها الوجهان ، كما في هذا الموضع ، فذلك مما يستأنس به من يجوز دلالة المشترك على كلا الوجهين في نفس الموضع على جهة الشمول لا الإبدال كما اشتهر من دلالة المشترك ، فصح الجمع بين التوكيد والتعليل ، وحسن الفصل فلا وصل بعاطف لشبه كمال الاتصال بين المعلول المتقدم والعلة المتأخرة ، فثم تداخل في التعليل ، فَعِلَّةُ القص أن يمتثل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تكليف الصبر ، وعلة التكليف بالصبر أن غايته الخير فالعاقبة للمتقين ، ودلالة التقوى أعم من دلالة الصبر الأخص ، فهو نوع يندرج في *** التقوى الأعم ، وذلك ما يجري مجرى الاستبدال ، كما يقول أهل الدلالات ، إذ استبدل الأعم بالأخص فذلك مما يَزِيدُ في معنى اللفظ ودلالته وذلك آكد في حصول الفائدة .
فيحصل التكليف اللازم بالصبر ، كما تقدم ، ويحصل التكليف المتعدي كما في آي الأعراف ، فـ : (اقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) ، فهو مما يتعدى نفعه إلى غيره ، ودلالة "أل" في "القصص" قد اجتمع فيها الاستغراق الحقيقي لجملة من القصص ، والاستغراق المعنوي فقد جمعت أكمل الأوصاف ، فهي ، كما تقدم ، أحسن القصص ، ومن ثم أردف بالعلة على وجه يحتمل الاشتراك ، أيضا ، فـ : "لعل" نص في الترجي المحتمل ، وهي ، من وجه آخر ، مما يستعمل في باب التعليل ، فتكافئ اللام من هذا الوجه ، فحصل الاشتراك ، أيضا ، فالتعليل بها يجري مجرى التعليل الصريح بلفظ ظني الدلالة يحتمل التعليل وغيره على وجه جاز فيه هنا ، أيضا ، الجمع بين وجهي المشترك في موضع واحد ، فهي علة من وجه ، وذلك ما تَمَنَّاه صاحب الرسالة صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى عوتب في ذلك ، فـ : (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) ، وهو ، أيضا ، ما يَتَمَنَّاه كل داع إلى الحق ، فأهل الحق أعلم الناس بالحق وأرحمهم بالخلق إذ يسدون النصح مجردا ، فَرَائِدُهم في ذلك إمامهم المقدَّم الرسول المعظَّم صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فـ : (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ) .
والله أعلى وأعلم .