المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حادثة تدافع مشعر منى ، بين الناصحين والمطبلين !


rss
09-26-2015, 07:39 PM
حادثة تدافع مشعر منى ، بين الناصحين والمطبلين !
حادثة تدافع مشعر منى ، بين الناصحين والمطبلين !

مما نكد فرحة عيد الأضحى المبارك ويوم الحج الأكبر على كثير من المسلمين ؛ هو ذلك الحادث الأليم المتمثل بحادثة تدافع بعض الحجاج في مشعر منى ، والذي نتج عنه وفاة 717 حاج وإصابة أكثر من 800 حاج اخر رحمهم الله جميعا وشفاء ال**ابين منهم ، وهذا الحدث العظيم الذي حزن له جميع المسلمون ، ولهول الفاجعة التي سبقتها فاجعة سقوط رافعة الحرم ؛ فقد حث هذا الحدث كثير من الكتاب والمثقفين والمغردين من جميع بلدان العالم الإسلامي أن يكتبوا ويناقشوا ويوجهوا النقد بكل صراحة لبعض الجهات والخطط والتنظيمات المتبعة في الحج ، وكثير من هذه الأقلام من أبناء المملكة صاحبة رؤية متزنة وطرح متعقل ، ومع هول الفاجعة جعل تلك الأقلام تنبذ عنها غشاء المجاملة والخوف ؛ لتصارح وتنتقد بعض الجهات والخطط في الحج .

لكن ما إن أظهرت تلك الأقلام ذلك النقد الذي كان أغلبه نقداً خجولاً وعلى استحياء ؛ إلا وتصدى لهؤلاء الناقدين والناصحين جيش من المطبلين والمزمرين بردود مسيسة وتتكأ على العصبية الوطنية الجاهلية ، وكانت تلك الردود كلها تخوين واتهام للنوايا بالتحريض والرقص على الأشلاء ومن هذا الكلام الرخيص ، بل وصل الأمر بالتحريض اللئيم بالمنادة والمطالبة بسجن هذا وطرد ذاك ، وكأن الدولة وخدماتها أمر مقدس لا يمكن نقده ، مع أن الجميع يدرك تقصير الدولة في ملفات تنموية اخر مهمة وليس في شؤون الحج فقط !

والتطبيل وكثرة المديح بنشر صور رجال الأمن في ( صورة متعمدة ومثالية ) وهم يسقون أو يرشون الماء على الحجاج ويساعدون في مشيهم وسيرهم وركوبهم ؛ أقول كل هذه الصور التي يحاول الإعلام أن ينشرها ؛ لا تفيد في التغطية على القصور أو في الرد على الناصحين والناقدين للخطط التنظيمية ، وإلا فلا أحد يزايد على طيبة وتعاون رجال الأمن الميدانين خصوصاً في الحج وهم أبناؤنا وإخوننا وأهل هذا البلد ، وللتذكير لإولئك المطبلين أن رجال الأمن والعسكر القائمين على الميدان ليس لهم علاقة في الخطط التنظيمية والتفويجية لنرد على المنتقدين بتلك الصور المثالية !
فالمسؤلية تقع على القائمين على غرف العملية والتنظيم والتفويج وليس على أولئك الميدانيين الذين ليس لهم إلا تنفيذ الأوامر المرسومة لهم .
ولا أعلم أي بلادة إحساس أن يحاول أولئك وبكل قوة أن يبرروا ذلك الحدث ويتهموا الموتى بالفوضى ؛ فقط من أجل أن يدفعوا التهمة ويبرروا التقصير الحاصل من بعض الجهات الحكومية ، ويتناسوا أولئك الضحايا من الحجيج المتكومة على بعضها بشكل مأساوي .

وقبل الإسهاب بالحديث عن هذا الموضوع يجب الإنصاف والاعتراف أن الدولة بذلت وتبذل جهوداً كبيرة للمشاعر ولموسم الحج خصوصاً ، لكن هذا لا يمنع من الاعتراف بقصور وخلل كبير في بعض الخدمات والخطط .
ومما يجب التذكير به أيضاً رداً على من يستغل هذا الحدث خصوصاً من الفرس وأذنابهم ، أن المملكة حكومةً وشعباً لم تقم يوماً ما بتعمد قتل الحجاج والتفجير بهم كما فعل أخوانهم وأبناؤهم في سنوات ماضية ، وجميل ما أشار إليه خطيب الحرم آل طالب في خطبة الجمعة ؛ حيث قال : ( إن من السخرية المريرة أن يصطنع النواحة من له تاريخ إجرامي في الحرم بقتل وتفجير فيه وإلحاد فيه )
وقوله : ( ومن عجائب متصنعي البكاء على المسلمين أنهم هم من يبعثون الميليشيات في العراق و اليمن و سوريا لقتل الآلاف في العراق وسوريا واليمن وتهجير الملايين وتخزين الأسلحة في بلاد المسلمين. )

لكن يجب علينا ألا يكون استغلال الحدث من أولئك الناعقين من الفرس وأذنابهم ؛ سبباً لنا لتكميم أفواهنا والتعامي عن أخطائنا وعيوبنا ؛ إذ لا يمكن أن يكون هناك نجاح لأي عمل - لا سيما الأعمال والمشاريع العظيمة كموسم الحج - إلا بالصراحة والشفافية بيننا ، فنحن لدينا قبلة أكثر من مليار مسلم .
فالنفاق الوطني لن يقضي على الأخطاء والقصور الحادث في مكة أو المشاعر .
فبلادنا مليئة بالخبرات الإدارية والفنية ؛ ***اذا لا يستفاد منها ؟!
بل مالمانع من الإستفادة من الخبرات الغير سعودية المسلمة لتطوير وسائل تنظيم الحج ؟!

ولنكن صادقين مع أنفسنا ، كثير منا ذهب وسافر لمعظم مدن وعواصم العالم المتحضرة ومنها بعض المدن والأماكن الإسلامية كدبي واسطنبول وماليزيا وغيرها ، والجميع شاهد تطور تلك المدن بكافة خدماتها ، وشاهد كيف هو النقل العام في تلك المدن بتعدد وسائله كالقطار والمترو والباصات الكبيرة بمساراتها الخاصة ومحطاتها المتنوعة ...
بالله عليكم ما هو وجه المقارنة بين تلك المدن المتحضرة وبين أشرف وأقدس بقعة على وجه الأرض ( مكة المكرمة ) ؟!
أجزم أن الإجابة - بعد حرقة قلب - أن مكة شرفها الله وللأسف الشديد تعتبر متخلفة حضارياً بالنسبة لتلك المدن والعواصم !

فمكة المكرمة قبلة مليار مسلم ، والمدينة التي لاتنام طوال العام ليلاً ونهارا ؛ ليس لها مطار خاص ، وليس فيها شبكة نقل عام متطورة كمدن العالم المتحضرة !

ثم يأتي أحدنا ويطبل ويضخم دور الدولة وكأنها جعلت مكة من أفضل مدن العالم !

وأظن أنه لا تنقصنا الأموال والكوادر لجعل مكة المكرمة ومشاعرها تضاهي وتنافس تلك المدن المتحضرة بخدماتها ووسائلها المدنية !

فقطار المشاعر الذي ضخم إعلامياً ، والذي لا يخدم إلا جهة من المشاعر وثلث الحجاج تقريباً ؛ تذمر منه الكثير من الحجاج العام الماضي وصاحب ذلك التذمر رداً قاسياً من أمثال أولئك المطبلين ، والجميع يذكر قضية نقد الداعية العريفي العام الماضي وما صاحبها ، لكن المشكلة استمرت بل تضاعفت ، وحصل هذا العام تذمر كبير من خدمة قطار المشاعر من كثير من الحجاج مع أنه لا يعمل إلا أسبوع في العام ، وصاحب ذلك إجهاد وتعب لكثير من الحجاج ؛ أليس ذلك قصور وإهمال ؟!


وأعتقد أن الدولة نجحت في الحلقة الأقوى في موسم الحج ، والمتمثلة بإنشاء المشاريع الضخمة كتوسعة المسجد الحرام ، ومشروع الجمرات ، وجزء من مشروع قطار المشاعر .
لكن أعتقد أن الجهات الحكومية قد فشلت في الحلقة الأضعف في الحج ، والمتمثلة بالنظافة والتنقل وتوفير الخدمات العامة بشكل مناسب .
مع أن مكة المكرمة ما زالت تحتاج إلى مشاريع كبرى لاسيما في النقل العام .

وأجزم أن موسم الحج ؛ بفضل الله ثم بفضل المشاريع الكبيرة كجسر الجمرات وتوسعة الحرم ؛ يتحمل أضعاف أعداد الحجاج الحاليين لو تم توفير وسائل النقل الحديثة وإدارة حشود الحجاج بمهنية فنية عالية .

أم عند الحديث عن مستوى النظافة بالمشاعر المقدسة ، وحدث عن النظافة في موسم الحج ولا حرج !
فالحاج في المشاعر يمشي ويلبي ويذكر الله على أكوام من النفايات !
ولا تكاد ترى عمال النظافة في المشاعر ، وإذا رأيتهم فهم مع قائمة المتسولين ، فتجده يتسول تاركاً أكوام النفايات تحت قدميه بلا حسيب ولا رقيب !
مع غياب الوسائل الحديثة في التنظيف !
ودورات المياة - أكرمكم الله - مع قلتها في المشاعر - تفتقر لأدنى وسائل الصيانة والنظافة !

وعند الحديث عن النظافة في موسم الحج يجب التذكير بأمر مهم ، وهو أن من أكبر وأهم أسباب ضعف النظافة وكثرة الأوساخ في موسم الحج ، الفوضى الإحتسابية بالتصدق بالأطعمة وال******* بلا تنظيم وترتيب وأماكن مخصصة .

ومما يجب أن تحزم فيه الدولة ، موضوع الحج بدون تصريح من قبل حجاج الداخل ، فالموضوع وإن كان مطروح أمنياً وإعلامياً من سنوات ، إلا أن هناك تساهل في تطبيقه ، فمئات الألوف من حجاج الداخل تدخل المشاعر سنوياً بلا تصريح ، فتنظيم الحج بالتصاريح الرسمية ومع الحملات ال**رحة يجعل موسم الحج أكثر تنظيماً ؛ ويساعد الجهات الحكومية على تطبيق خططها التنظيمية في موسم الحج ، لكن لنجاح هذا الأمر يجب قبل ذلك أن نقضي أو نخفف من غلاء الأسعار الحاصل في الحملات وقبل ذلك مؤسسات الطوافة ، فيجب أن تلزم مؤسسات الطوافة وحملات الحج ألا تأخذ من الحاج إلا مقابل خدمتها وتعبها ، أما المكان فمشعر منى وقف للمسلمين لا يجوز أخذ الأموال الطائلة عليه .


وفي نهاية هذا المقال ، يحسن أن أختمه بنقل هذه المقطوعة الرائعة لمعالي الشيخ صالح الحصين - رحمه الله - رئيس شؤون الحرمين سابقاً ، في مقالة مهمة ودقيقة له عن كوارث الحج ، إذ يقول : ( نعرف من سنن الله أن الإنسان الذي يعرف الله عند ما يتجاوز قدر نفسه باستشعار العجب ورؤية العمل ، والإعجاب بحوله وقدراته وإعلان ذلك تمدحاً به وفخراً ، فإنه يجرى تذكيره بحاله وحقيقة حوله وقوته ، وحدود قدراته وإمكانياته .
وأخشى أن المواسم التي وقعت فيها الكوارث صاحبها نوع مبالغة في الإعجاب بالذات ورؤية العمل .

فكانت هذه الكوارث تذكيراً لنا بأن نستشعر الفقر إليه ونقر بعجزنا وضعف حيلتنا ونعلم إنه لا حول ولا قوة لنا إلا به .

من ناحية أخرى فإن الجزاء الإلهي على **ادمة أوامر الله قد تظهر في صور شتى .

ولابد أيضاً من الاقتصاد في التمدح بجهودنا وقدراتنا ، وإظهار العجب بها ، والغفلة عن استشعار الفقر إلى الله ، والاستعانة به ، وإعلان ذلك .

ثم أن يتم التركيز على معالجة الأسباب المباشرة لحوادث الزحام والاستعانة في ذلك بخبرات المختصين ، وقد صار علم الحركة علماً يحضى بالعناية في الجامعات ومراكز البحث العلمي ، ونبغ فيه علماء وخبراء ، ينبغي الاستفادة منهم . )

وفي الختام : يجب أن نستشعر عظيم المسئولية لتنظيم هذا الموسم العظيم ، وألا نضيق ذرعاً بأصوات الناقدين والناصحين ، فموت وهلاك بعض الحجاج ليس بالأمر السهل فما بالك إذا كانوا بأعداد كبيرة كهذه الفاجعة ، ويجب علينا أن نستفيد من جميع الخبرات والمقترحات ، فالحج تظاهر ومشهد إسلامي عظيم في وقت قصير يتطلب إظهاره بمظهر لائق ومناسب ، ولن يكون ذلك إلا بالجهود المخلصة البعيدة عن الجشع والطمع ، إضافة للإستفادة من الخبرات الإدارية والفنية والأمنية ( الداخلية والخارجية ) لإنجاح موسم الحج .

اسأل الله أن يوفق الجهات المسؤولة عن الحج لتدارك الأخطاء المتكررة في الحج ، وإظهار هذا الموسم العظيم بصورته اللائقة .
والله ولي التوفيق .