rss
05-21-2015, 05:43 PM
قصّــــــــة اللاجــــــــــئ الوحيــــــــــــــــــــ ـــد
قرأتها فأعجبتني للشاعر الجزائري السعيد محرش
بعد انقضاء صلاة الصبح بقليل ، و قف شيخ من بين الجموع ، متوسّط القامة ، معتدل القوام ، في الأربعينات من العمر ، على محيّاه مخايل النّعمة ، رغم الأسمال البالية التي كان يستر بها جسده النّحيل ، الذي أذبلته عجرفة الأيام و قساوة الدّهر التي بدت جليّة في سمْته البائس و عينيه الحزينتين ، ثمّ فجأة مزّق بصوته الرّخيم ذلك الصّمت المطبق على الأجواء و هشّم السّكون الذي احتواها بُعَيْد الصّلاة ، فقال أنا أخوكم جواد من سوريا كان لي وطن ، فأين الوطن ؟ ! لقد أصبحت شريدا في غير الوطن ، أتجرّع مرارة غربتي و احتسي لوعة الفراق ، و نفسي تحترق بلهيب الذكرى التي أثقلت الخطى و عبّت بجسدي المنهك الإعياء ، و نفثت في قلبي المتألّم ألوان الشّقاء ، فلا غزارة الدمع السّخين تُسري عني ، و لا المواساة تدفع ما ألمّ بي من بلاء .
كان لي قصر فسيح بحلب و ضيعة كبيرة و زوجة تسرّني رؤيتها ، إذ تستقبلني عند عودتي بثغر باسم و وجه باش ، و أبناء كنت أظنّهم عدّة غدي و حسبتهم سندي و عكازي عند شيبتي إذا أدبرت الصّحة و نخر الزّمن الأبدان و أوهنها بالعلل ، بيد أنّ القضاء حال دون ذلك و أبى إلا أن يسلبني إياهم بقذيفة جعلتهم شلوا ممزّعا ، فعدت عودا على بدئ فردا بعد أن كنت زوجا و أبا . و بتّ بعدهم جسدا بلا روح ، خاوي من كل حسّ ، هائما على وجهي بين الدّروب و الأزقّة ، حتّى ينهكني التّعب ، فأجلس و أسند ظهري إلى أحد الأسوار شارد الذهن ، غاديا رائحا في أودية الهموم ، منقطعا في تلك اللحظات عن الزّمان و موجودا في غير المكان ، عيني تحدّق في المارة لكنّها لا تراهم ، أستقبل حينها طيف أحد أبنائي ، فأضمّه بين ذراعيّ بشوق و لهفة ، ثمّ أفيق من سكرة الذكريات على وقع أقدام تقترب منّي و ترمي بين يدي دريهمات أو خبز رغيف ، فتخنقني العبرة و الدموع و يهزّني أنين الألم و أنا أتمنى في ذلك الوقت المرّ أن يسدل الموت الستار و يخطّ بيده القويّة نهاية لأيامي المضنية ، فأجعل رأسي على ركبتي و أبكي ما شاء الله لي أن أبكي .
لقد نهشت قلبي صروف الدّهر و غيره ، كنت ذا مال فيما مضى ، يدي العليا و الأيادي تستجديني ، و ها أنا ذا اليوم أمدّ كفّ السّؤال ذليلا ، فباتت يدي السفلى بعد أن ساء الحال ، و أجهش بالبكاء فأبكى من حضر ، وسرعان ما ترنّح و سقط على الأرض ، فهرعنا نحوه نتحسّسه ، فوجدناه قد فارق المسكين الحياة ، فوا أسفاه عليه و على المكلومين أمثاله .
السعيد محرش
الطارف ـ الجزائر ـ
قرأتها فأعجبتني للشاعر الجزائري السعيد محرش
بعد انقضاء صلاة الصبح بقليل ، و قف شيخ من بين الجموع ، متوسّط القامة ، معتدل القوام ، في الأربعينات من العمر ، على محيّاه مخايل النّعمة ، رغم الأسمال البالية التي كان يستر بها جسده النّحيل ، الذي أذبلته عجرفة الأيام و قساوة الدّهر التي بدت جليّة في سمْته البائس و عينيه الحزينتين ، ثمّ فجأة مزّق بصوته الرّخيم ذلك الصّمت المطبق على الأجواء و هشّم السّكون الذي احتواها بُعَيْد الصّلاة ، فقال أنا أخوكم جواد من سوريا كان لي وطن ، فأين الوطن ؟ ! لقد أصبحت شريدا في غير الوطن ، أتجرّع مرارة غربتي و احتسي لوعة الفراق ، و نفسي تحترق بلهيب الذكرى التي أثقلت الخطى و عبّت بجسدي المنهك الإعياء ، و نفثت في قلبي المتألّم ألوان الشّقاء ، فلا غزارة الدمع السّخين تُسري عني ، و لا المواساة تدفع ما ألمّ بي من بلاء .
كان لي قصر فسيح بحلب و ضيعة كبيرة و زوجة تسرّني رؤيتها ، إذ تستقبلني عند عودتي بثغر باسم و وجه باش ، و أبناء كنت أظنّهم عدّة غدي و حسبتهم سندي و عكازي عند شيبتي إذا أدبرت الصّحة و نخر الزّمن الأبدان و أوهنها بالعلل ، بيد أنّ القضاء حال دون ذلك و أبى إلا أن يسلبني إياهم بقذيفة جعلتهم شلوا ممزّعا ، فعدت عودا على بدئ فردا بعد أن كنت زوجا و أبا . و بتّ بعدهم جسدا بلا روح ، خاوي من كل حسّ ، هائما على وجهي بين الدّروب و الأزقّة ، حتّى ينهكني التّعب ، فأجلس و أسند ظهري إلى أحد الأسوار شارد الذهن ، غاديا رائحا في أودية الهموم ، منقطعا في تلك اللحظات عن الزّمان و موجودا في غير المكان ، عيني تحدّق في المارة لكنّها لا تراهم ، أستقبل حينها طيف أحد أبنائي ، فأضمّه بين ذراعيّ بشوق و لهفة ، ثمّ أفيق من سكرة الذكريات على وقع أقدام تقترب منّي و ترمي بين يدي دريهمات أو خبز رغيف ، فتخنقني العبرة و الدموع و يهزّني أنين الألم و أنا أتمنى في ذلك الوقت المرّ أن يسدل الموت الستار و يخطّ بيده القويّة نهاية لأيامي المضنية ، فأجعل رأسي على ركبتي و أبكي ما شاء الله لي أن أبكي .
لقد نهشت قلبي صروف الدّهر و غيره ، كنت ذا مال فيما مضى ، يدي العليا و الأيادي تستجديني ، و ها أنا ذا اليوم أمدّ كفّ السّؤال ذليلا ، فباتت يدي السفلى بعد أن ساء الحال ، و أجهش بالبكاء فأبكى من حضر ، وسرعان ما ترنّح و سقط على الأرض ، فهرعنا نحوه نتحسّسه ، فوجدناه قد فارق المسكين الحياة ، فوا أسفاه عليه و على المكلومين أمثاله .
السعيد محرش
الطارف ـ الجزائر ـ