ahlam1399
11-15-2013, 02:30 PM
ما هو مسجد الضرار ؟
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
______________________
ما هو مسجد الضرار ؟
السؤال:
ما هو مسجد الضرار ، ولماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه ؟
الجواب :
الحمد لله
قصة مسجد الضرار وردت في القرآن الكريم ، في سورة التوبة ،
الآية/107-108 ، حيث يقول الله تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا
مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِّرِينَ )
وتفاصيل القصة وردت في كتب التفسير المسندة من طريق علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس ? كما في تفسير ابن أبي حاتم (رقم/
10060) بسند صحيح ، ومن طرق صحيحة أخرى إلى جماعة
من التابعين ، ولما كان أصل تفسير القصة ثابتا عن ابن عباس
رضي الله عنهما بالسند الصحيح ، كان ذلك كافيا في توضيح
الحادثة ، والآثار الأخرى الواردة عن تلاميذ ابن عباس من
التابعين وغيرهم تزيد القصة وضوحا وبيانا .
وقد جمع الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية جمعا حسنا
ومرتبا يغني عن التطويل في النقل عن الكتب والتحقيق فيها .
قال رحمه الله :
" سبب نزول هذه الآيات الكريمات : أنه كان بالمدينة قبل مَقدَم
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له : "
أبو عامر الراهبُ " ، وكان قد تَنَصَّر في الجاهلية وقرأ علْم أهل
الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج
كبير ، ***ا قَدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إلى المدينة
، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية ،
وأظهرهم الله يوم بدر ، شَرِق اللعين أبو عامر بريقه ، وبارز
بالعداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي
قريش ، فألَّبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحد ، فكان
من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله ، وكانت العاقبة للمتقين .
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في
إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيب ذلك اليوم ،
فجرح في وجهه ، وكُسِرت ربَاعِيتُه اليمنى السفلى ، وشُجَّ رأسه ،
صلوات الله وسلامه عليه .
وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ،
فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، ***ا عرفوا كلامه
قالوا : لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه
وسبُّوه . فرجع وهو يقول : والله لقد أصاب قومي بعدي شَر .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره ،
وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرَّد ، فدعا عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدًا طريدًا ، فنالته هذه الدعوة .
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمرَ الرسول صلوات الله
وسلامه عليه في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم
يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوعده ومَنَّاه ، وأقام
عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق
والريب يعدهم ويُمنَّيهم أنه سيقدمُ بجيش يقاتل به رسول الله صلى
الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه ، وأمرهم أن يتخذوا له
مَعقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كُتُبه ، ويكونَ مرصدًا
له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد
قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله
عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته عليه
السلام فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء
منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه الله من الصلاة فيه
فقال : ( إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله ) ، ***ا قفل
عليه السلام راجعًا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا
يوم أو بعض يوم ، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضِّرار ، وما
اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم
مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى ، فبعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هَدَمه قبل مقدمه المدينة .
كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وهم أناس
من الأنصار ، ابتنوا مسجدًا ، فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدًا
واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن **** ، فإني ذاهب إلى قيصر
ملك الروم ، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه .
***ا فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد
فرغنا من بناء مسجدنا ، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة .
فأنزل الله عز وجل : ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) إلى ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
وكذا رُوي عن سعيد بن جُبير ، ومجاهد ، وعروة بن ال**ير ،
وقتادة ، وغير واحد من العلماء .
وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار ، عن الزهري ، ويزيد بن رومان ،
وعبد الله بن أبي بكر ،
وعاصم بن عُمَر بن قتادة ، وغيرهم ، قالوا :
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ? يعني من تبوك - حتى نزل
بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب
مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا
رسول الله ، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة
والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه .فقال : ( إني
على جناح سَفر وحال شُغل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم - ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه ) ،
***ا نزل بذي أوان أتاه خبرُ المسجد ، فدعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن
عدي ? أو : أخاه عامر بن عدي - أخا بني العجلان فقال :
( انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه ) . فخرجا
سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدّخشم
، فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي . فدخل
أهله فأخذ سَعَفا من النخل ، فأشعل فيه نارًا ، ثم خرجا يَشتدَّان حتى
دخلا المسجد وفيه أهله ، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه . ونزل
فيهم من القرآن ما نزل : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا )
إلى آخر القصة .
وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا :
1-خذام بن خالد ، من بني عُبَيد بن زيد ، أحد بني عمرو بن عوف ، ومن داره أخرج مسجد الشقاق .
2-وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد .
3-ومعتِّب بن قُشير ، من بني ضُبَيعة بن زيد .
4-وأبو حبيبة بن الأذعر ، من بني ضُبَيعة بن زيد .
5-وعَبَّاد بن حُنَيف ، أخو سهل بن حنيف ، من بني عمرو بن عوف .
6-وجارية بن عامر .
7-وابناه : مُجَمِّع بن جارية .
8- وزيد بن جارية .
9-ونَبْتَل بن الحارث ، من بني ضبيعة .
10-وبحزج وهو من بني ضبيعة .
11-وبجاد بن عُثمان وهو من بني ضُبَيعة .
12-ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر .
وقوله تعالى : ( وَلَيَحْلِفُنَّ ) أي : الذين بنوه : ( إِنْ أَرَدْنَا إِلا
الْحُسْنَى ) أي : ما أردناه ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس .
قال الله تعالى : ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) أي : فيما قصدوا
وفيما نوَوا ، وإنما بنوه ضِرارا لمسجد قُباء ، وكفرا بالله ، وتفريقًا
بين المؤمنين ، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله ، وهو أبو عامر
الفاسق ، الذي يقال له : " الراهب " لعنه الله .
وقوله : ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ) نهي من الله لرسوله صلوات الله
وسلامه عليه ، والأمة تَبَع له في ذلك ، عن أن يقوم فيه ، أي :
يصلي فيه أبدا .
ثم حثه على الصلاة في مسجد قُباء الذي أسس من أول يوم بنائه
على التقوى ، وهي طاعة الله وطاعة رسوله ، وجمعا لكلمة
المؤمنين ، ومَعقلا وموئلا للإسلام وأهله ؛ ولهذا قال تعالى :
( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ )
والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء ؛ وقد صرح بأنه مسجد
قباء جماعة من السلف ، رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .
ورواه عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن الزهري ، عن عُرْوَة بن ال**ير .
وقاله عطية العوفي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والشعبي ،
وا***ن البصري ، ونقله البغوي عن سعيد بن جُبَير ، وقتادة .
وقد ورد في الحديث الصحيح : أن مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي هو في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على
التقوى .
وهذا صحيح ، ولا منافاة بين الآية وبين هذا ؛ لأنه إذا كان مسجد
قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (4/210-214).
وانظر : " تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في كتاب الكشاف "
للزيلعي (2/99-102)، " الدر المنثور " للسيوطي (4/284
_288)، " زاد المعاد " (3/549)، " السيرة النبوية " لابن
هشام (5/211) وغيرها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق الذي كان يقال له
أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، وكان المشركون
يعظمونه ، ***ا جاء الإسلام حصل له من ا***د ما أوجب مخالفته
للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفراره إلى الكافرين ، فقام طائفة من
المنافقين يبنون هذا المسجد ، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا ،
والقصة مشهورة في ذلك ، *** يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به
ورسوله ، بل لغير ذلك " انتهى.
" اقتضاء الصراط المستقيم " (431)
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" مسجد الضرار بني على نية فاسدة ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ
حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) والمتخذون هم المنافقون ، وغرضهم من ذلك :
1- مضارة مسجد قباء : ولهذا يسمى مسجد الضرار .
2- الكفر بالله : لأنه يقرر فيه الكفر - والعياذ بالله - ؛ لأن الذين اتخذوه هم المنافقون.
3- التفريق بين المؤمنين : فبدلا من أن يصلي في مسجد قباء
صف أو صفان يصلي فيه نصف صف ، والباقون في المسجد
الآخر ، والشرع له نظر في اجتماع المؤمنين .
4- الإرصاد لمن حارب الله ورسوله يقال: إن رجلا ذهب إلى الشام ،
وهو أبو عامر الفاسق ، وكان بينه وبين المنافقين الذين اتخذوا
المسجد مراسلات ، فاتخذوا هذا المسجد بتوجيهات منه ،
فيجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والخديعة للرسول صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ، قال الله تعالى : ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا
الْحُسْنَى ) ، فهذه سنة المنافقين: الأيمان الكاذبة " انتهى.
" مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (9/226-227)
والله أعلم .
________________
ال**در/
الإسلام سؤال وجواب
_______________________
</p>
<span id="twitter_btn" style="margin-left: 6px; ">
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله الرحمن الرحيم
______________________
ما هو مسجد الضرار ؟
السؤال:
ما هو مسجد الضرار ، ولماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيه ؟
الجواب :
الحمد لله
قصة مسجد الضرار وردت في القرآن الكريم ، في سورة التوبة ،
الآية/107-108 ، حيث يقول الله تعالى : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا
مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكَاذِبُونَ . لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ
أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ
الْمُطَّهِّرِينَ )
وتفاصيل القصة وردت في كتب التفسير المسندة من طريق علي بن
أبي طلحة عن ابن عباس ? كما في تفسير ابن أبي حاتم (رقم/
10060) بسند صحيح ، ومن طرق صحيحة أخرى إلى جماعة
من التابعين ، ولما كان أصل تفسير القصة ثابتا عن ابن عباس
رضي الله عنهما بالسند الصحيح ، كان ذلك كافيا في توضيح
الحادثة ، والآثار الأخرى الواردة عن تلاميذ ابن عباس من
التابعين وغيرهم تزيد القصة وضوحا وبيانا .
وقد جمع الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية جمعا حسنا
ومرتبا يغني عن التطويل في النقل عن الكتب والتحقيق فيها .
قال رحمه الله :
" سبب نزول هذه الآيات الكريمات : أنه كان بالمدينة قبل مَقدَم
رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها رجل من الخزرج يقال له : "
أبو عامر الراهبُ " ، وكان قد تَنَصَّر في الجاهلية وقرأ علْم أهل
الكتاب ، وكان فيه عبادة في الجاهلية ، وله شرف في الخزرج
كبير ، ***ا قَدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مهاجرًا إلى المدينة
، واجتمع المسلمون عليه ، وصارت للإسلام كلمة عالية ،
وأظهرهم الله يوم بدر ، شَرِق اللعين أبو عامر بريقه ، وبارز
بالعداوة ، وظاهر بها ، وخرج فارًّا إلى كفار مكة من مشركي
قريش ، فألَّبهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
فاجتمعوا بمن وافقهم من أحياء العرب ، وقدموا عام أحد ، فكان
من أمر المسلمين ما كان ، وامتحنهم الله ، وكانت العاقبة للمتقين .
وكان هذا الفاسق قد حفر حفائر فيما بين الصفين ، فوقع في
إحداهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأصيب ذلك اليوم ،
فجرح في وجهه ، وكُسِرت ربَاعِيتُه اليمنى السفلى ، وشُجَّ رأسه ،
صلوات الله وسلامه عليه .
وتقدم أبو عامر في أول المبارزة إلى قومه من الأنصار ،
فخاطبهم واستمالهم إلى نصره وموافقته ، ***ا عرفوا كلامه
قالوا : لا أنعم الله بك عينا يا فاسق يا عدو الله ، ونالوا منه
وسبُّوه . فرجع وهو يقول : والله لقد أصاب قومي بعدي شَر .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دعاه إلى الله قبل فراره ،
وقرأ عليه من القرآن ، فأبى أن يسلم وتمرَّد ، فدعا عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يموت بعيدًا طريدًا ، فنالته هذه الدعوة .
وذلك أنه لما فرغ الناس من أحد ، ورأى أمرَ الرسول صلوات الله
وسلامه عليه في ارتفاع وظهور ، ذهب إلى هرقل ملك الروم
يستنصره على النبي صلى الله عليه وسلم ، فوعده ومَنَّاه ، وأقام
عنده ، وكتب إلى جماعة من قومه من الأنصار من أهل النفاق
والريب يعدهم ويُمنَّيهم أنه سيقدمُ بجيش يقاتل به رسول الله صلى
الله عليه وسلم ويغلبه ويرده عما هو فيه ، وأمرهم أن يتخذوا له
مَعقلا يقدم عليهم فيه من يقدم من عنده لأداء كُتُبه ، ويكونَ مرصدًا
له إذا قدم عليهم بعد ذلك ، فشرعوا في بناء مسجد مجاور لمسجد
قباء ، فبنوه وأحكموه ، وفرغوا منه قبل خروج النبي صلى الله
عليه وسلم إلى تبوك ، وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ، ليحتجوا بصلاته عليه
السلام فيه على تقريره وإثباته ، وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء
منهم وأهل العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه الله من الصلاة فيه
فقال : ( إنا على سفر ، ولكن إذا رجعنا إن شاء الله ) ، ***ا قفل
عليه السلام راجعًا إلى المدينة من تبوك ، ولم يبق بينه وبينها إلا
يوم أو بعض يوم ، نزل عليه الوحي بخبر مسجد الضِّرار ، وما
اعتمده بانوه من الكفر والتفريق بين جماعة المؤمنين في مسجدهم
مسجد قباء الذي أسس من أول يوم على التقوى ، فبعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى ذلك المسجد من هَدَمه قبل مقدمه المدينة .
كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ( وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ ) وهم أناس
من الأنصار ، ابتنوا مسجدًا ، فقال لهم أبو عامر : ابنوا مسجدًا
واستعدوا بما استطعتم من قوة ومن **** ، فإني ذاهب إلى قيصر
ملك الروم ، فآتي بجند من الروم وأخرج محمدًا وأصحابه .
***ا فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : قد
فرغنا من بناء مسجدنا ، فنحب أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة .
فأنزل الله عز وجل : ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ ) إلى ( وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )
وكذا رُوي عن سعيد بن جُبير ، ومجاهد ، وعروة بن ال**ير ،
وقتادة ، وغير واحد من العلماء .
وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار ، عن الزهري ، ويزيد بن رومان ،
وعبد الله بن أبي بكر ،
وعاصم بن عُمَر بن قتادة ، وغيرهم ، قالوا :
أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ? يعني من تبوك - حتى نزل
بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وكان أصحاب
مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك ، فقالوا : يا
رسول الله ، إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة
والليلة الشاتية ، وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه .فقال : ( إني
على جناح سَفر وحال شُغل - أو كما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم - ولو قد قدمنا إن شاء الله تعالى أتيناكم فصلينا لكم فيه ) ،
***ا نزل بذي أوان أتاه خبرُ المسجد ، فدعا رسول الله صلى الله
عليه وسلم مالك بن الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف ، ومعن بن
عدي ? أو : أخاه عامر بن عدي - أخا بني العجلان فقال :
( انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه ) . فخرجا
سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف ، وهم رهط مالك بن الدّخشم
، فقال مالك لمعن : أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي . فدخل
أهله فأخذ سَعَفا من النخل ، فأشعل فيه نارًا ، ثم خرجا يَشتدَّان حتى
دخلا المسجد وفيه أهله ، فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه . ونزل
فيهم من القرآن ما نزل : ( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا )
إلى آخر القصة .
وكان الذين بنوه اثني عشر رجلا :
1-خذام بن خالد ، من بني عُبَيد بن زيد ، أحد بني عمرو بن عوف ، ومن داره أخرج مسجد الشقاق .
2-وثعلبة بن حاطب من بني عبيد وهو إلى بني أمية بن زيد .
3-ومعتِّب بن قُشير ، من بني ضُبَيعة بن زيد .
4-وأبو حبيبة بن الأذعر ، من بني ضُبَيعة بن زيد .
5-وعَبَّاد بن حُنَيف ، أخو سهل بن حنيف ، من بني عمرو بن عوف .
6-وجارية بن عامر .
7-وابناه : مُجَمِّع بن جارية .
8- وزيد بن جارية .
9-ونَبْتَل بن الحارث ، من بني ضبيعة .
10-وبحزج وهو من بني ضبيعة .
11-وبجاد بن عُثمان وهو من بني ضُبَيعة .
12-ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر .
وقوله تعالى : ( وَلَيَحْلِفُنَّ ) أي : الذين بنوه : ( إِنْ أَرَدْنَا إِلا
الْحُسْنَى ) أي : ما أردناه ببنيانه إلا خيرًا ورفقًا بالناس .
قال الله تعالى : ( وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) أي : فيما قصدوا
وفيما نوَوا ، وإنما بنوه ضِرارا لمسجد قُباء ، وكفرا بالله ، وتفريقًا
بين المؤمنين ، وإرصادًا لمن حارب الله ورسوله ، وهو أبو عامر
الفاسق ، الذي يقال له : " الراهب " لعنه الله .
وقوله : ( لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ) نهي من الله لرسوله صلوات الله
وسلامه عليه ، والأمة تَبَع له في ذلك ، عن أن يقوم فيه ، أي :
يصلي فيه أبدا .
ثم حثه على الصلاة في مسجد قُباء الذي أسس من أول يوم بنائه
على التقوى ، وهي طاعة الله وطاعة رسوله ، وجمعا لكلمة
المؤمنين ، ومَعقلا وموئلا للإسلام وأهله ؛ ولهذا قال تعالى :
( لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ )
والسياق إنما هو في معرض مسجد قباء ؛ وقد صرح بأنه مسجد
قباء جماعة من السلف ، رواه علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس .
ورواه عبد الرزاق ، عن مَعْمَر ، عن الزهري ، عن عُرْوَة بن ال**ير .
وقاله عطية العوفي ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، والشعبي ،
وا***ن البصري ، ونقله البغوي عن سعيد بن جُبَير ، وقتادة .
وقد ورد في الحديث الصحيح : أن مسجد رسول الله صلى الله عليه
وسلم الذي هو في جوف المدينة هو المسجد الذي أسس على
التقوى .
وهذا صحيح ، ولا منافاة بين الآية وبين هذا ؛ لأنه إذا كان مسجد
قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم بطريق الأولى والأحرى " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (4/210-214).
وانظر : " تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في كتاب الكشاف "
للزيلعي (2/99-102)، " الدر المنثور " للسيوطي (4/284
_288)، " زاد المعاد " (3/549)، " السيرة النبوية " لابن
هشام (5/211) وغيرها.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وكان مسجد الضرار قد بني لأبي عامر الفاسق الذي كان يقال له
أبو عامر الراهب ، وكان قد تنصر في الجاهلية ، وكان المشركون
يعظمونه ، ***ا جاء الإسلام حصل له من ا***د ما أوجب مخالفته
للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفراره إلى الكافرين ، فقام طائفة من
المنافقين يبنون هذا المسجد ، وقصدوا أن يبنوه لأبي عامر هذا ،
والقصة مشهورة في ذلك ، *** يبنوه لأجل فعل ما أمر الله به
ورسوله ، بل لغير ذلك " انتهى.
" اقتضاء الصراط المستقيم " (431)
ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" مسجد الضرار بني على نية فاسدة ، قال تعالى : ( وَالَّذِينَ
اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ
حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) والمتخذون هم المنافقون ، وغرضهم من ذلك :
1- مضارة مسجد قباء : ولهذا يسمى مسجد الضرار .
2- الكفر بالله : لأنه يقرر فيه الكفر - والعياذ بالله - ؛ لأن الذين اتخذوه هم المنافقون.
3- التفريق بين المؤمنين : فبدلا من أن يصلي في مسجد قباء
صف أو صفان يصلي فيه نصف صف ، والباقون في المسجد
الآخر ، والشرع له نظر في اجتماع المؤمنين .
4- الإرصاد لمن حارب الله ورسوله يقال: إن رجلا ذهب إلى الشام ،
وهو أبو عامر الفاسق ، وكان بينه وبين المنافقين الذين اتخذوا
المسجد مراسلات ، فاتخذوا هذا المسجد بتوجيهات منه ،
فيجتمعون فيه لتقرير ما يريدونه من المكر والخديعة للرسول صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابه ، قال الله تعالى : ( وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا
الْحُسْنَى ) ، فهذه سنة المنافقين: الأيمان الكاذبة " انتهى.
" مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين " (9/226-227)
والله أعلم .
________________
ال**در/
الإسلام سؤال وجواب
_______________________
</p>
<span id="twitter_btn" style="margin-left: 6px; ">