ahlam1399
09-17-2013, 08:10 PM
لمحة عن العمارة في العصر الإسلامي وأثرها على العمارة العالمية
مقدمة :
اكتسح الإسلام في غضون نصف قرن، كزوبعة صحراوية، بلاداً تمتد من الحجاز إلى أعمدة هرقل غرباً، وإلى حدود الهند شرقاً، فتح بلاداً ما كانت المدنية قد وصلتها. وامتدت سيطرته فشملت رقعة من الأرض أوسع من رقعة الامبراطورية الرومانية في أعظم فترة من سلطانها. واحتضن عدة شعوب، كان فنها المعماري يختلف عن فن روما، وهوأحياناً أعرق من روما وأقدم.
وعلى الرغم من أن الفاتحين العرب الأوائل لم يمتلكوا حساً فنياً معمارياً بل كانوا منصرفين لأمور الجهاد والصلاة، حال أي أمة مجندة ألهبها الدين، إلا أنّهم عندما نهضوا بأعباء الحكم لم يروا مفراً من الاهتمام بفنون العمارة، فاعتمدوا بداية على صناع محليين جيء بهم من مختلف الأ**ار المفتوحة. وعلى الرغم من جهل العرب في أمور الهندسة المعمارية في أوائل عهد الفتوح، فإن الحقيقة الساطعة عن العمارة الإسلامية هي أنها بقيت نسيج وحدها في كل البلاد وكل العصور التي مر بها الإسلام، مع بقاء أصولها معقدة غاية التعقيد. هنالك شيء يميزها عن آثار جميع المدارس المعمارية المحلية التي كانت أداة فنية لخلقها.
وربما كان الدين الإسلامي هو العامل الذي حرَّرمجموعة أساليب البناء المختلفة وربط فيما بينها، فأخرج أسلوباً ذا نمط واحد متمايز. ذلك أن الابنية التي شادها العرب في أوائل سنوات حكمهم كانت مساجداً وقصوراً بالدرجة الأولى. وأهم أثر للعصور التي تلتها ظل أيضاً لا يعدو المساجد والأبنية الدينية كالمدارس والتكايا التي لم يخلُ أحدها من مسجد.
الجوامع الاولى في العصر الإسلامي:
يعتبر مسجد (المدينة) البسيط الذي بناه الرسول محمد (ص) في السنة /622 م/ الطراز المحتذى للمساجد الأخرى. فهو قطعة أرض مربعة تحيطها جدران مبنية من الآجر والحجر. إلا الجزء الذي يؤمُّ فيه الرسول ال**لين فقد كان مسقوفاً بسعف النخيل. وكان ال**لون يركعون مقتبلين جهة الشمال. وهي ناحية أورشليم المدينة المقدسة. إلى أن تغيرت هذه (القبلة) سنة /624 م/ من أورشليم إلى مكة المكرمة.
ثم بنى عمرو بن العاص مسجداً آخراً عام /642 م/ في الفسطاط (القاهرة اليوم) وقيل إنَّه كان خالياً من فناء مكشوف (صحن) وأنه كان يحتوي على شيء جديد هو منصَّة مرتفعة (منبر). وبعدها بسنوات قليلة استحدثت المقصورة وهي حجاب فاصل أو شِبَاْكٌ من الخشب يحجب الإمام عن الجماعة. وظهر المحراب لتعيين القبلة. وهكذا تكونت في ظرف ثمانين أو تسعين سنة من بناء أول مسجد في المدينة ، كل الميِّزات الرئيسيِّة لمسجد الصلاة (الجامع).
إن الانتقال من الضَّرورة المجرَّدة إلى محاولات التَّسامي والطموح كان سريعاً جدَّاً بشكل يُدْهَشُ له المرء حين يتأمَّل صرامة حياة الجّهاد والعبادة التي كان يحياها العدد العظيم من المسلمين، فها نحن بعد أقل من عشرين عاماً من بناء مسجد الرسول نقف أمام بناء رائع من الحجر بطابع فخم وزخارف بديعة هو قبة الصخرة. وهو المكان الذي عرج منه الرسول الكريم إلى السماء فضلاً عن ذلك فقد بقي هذا المسجد فريداً في طرازه، ولم تظهر محاولة واحدة خلال أربعة قرون على الأقل للتمثل به، أي العزوف عن مسقط الجامع المربع. عند هذه النقطة لا يسعنا إلا النفوذ إلى قلب الجدل الحاد الذي لا يزال مستعر الإوار حول أصل فن العمارة الإسلامية. وكونها أخذت فكرة القبة من الكاتدرائيات المجاورة. وعلى الرغم من أن قبة الصخرة يشبه هذه المباني من بعض النواحي، ومن الممكن أن يكون المعمار ال**مم على اطلاع عليها خاصة أنها كانت تشكل نمط العمارة السائدة في تلك الفترة لكنه تمكن من إعطاء المبنى خصوصيته التي تناسب عصره ووظيفته مشكلاً طرازاً معمارياً خاصاً تميزت به العمارة الإسلامية على مر العصور.
بعد مسجد قبة الصخرة يأتي الجامع الأموي في دمشق حسب التسلسل الزمني وأهم ما يميزه أن الأقواس الموجودة في باحته لها شكل يشبه (حدوة الفرس) الذي قدر له أن يصير من أهم مميزات فن العمارة الإسلامية في الغرب لِعِلَّة غير معروفة. إنَّ التَّصميم غير الاعتيادي لهذا الجّامع ربما عاد تأثيره إلى أساليب عمارة الكنائس السُّورية التي حُوِّلَتْ إلى مساجد. أما المحراب فيقول شيوخ الجوامع بأن الغرض منه كان مساعدة الأعمى على التعرف إليه عندما يتلمس طريقه.
العمارة في العصر الإسلامي الذهبي:
فلنقوم الآن بتعقب خطواتنا إلى بلاد مابين النَّهرين حيث أقيمت عدة مساجد من اللِّبن تماشياً مع الأسلوب المعتاد في البلاد. تقوم هذه المساجد بمثابة همزة وصل بين مسجد المدينة البسيط في المدينة المنوَّرة ومسجد ابن طولون الضَّخم في القاهرة. ويُعَدٌّ مسجد الأخيضر مثالاً ساطعاً على ذلك فهو يحتل أهمية جوهرية حيث نجد في أسلوب تصميم أقواسه جرثومة الأقواس الحادة التي أصبحت فيما بعد أهم طابع لفن العمارة القوطية في الغرب.
أمَّا المسجد الجامع بسامراء فهو ذو سعة هائلة وأهمية تاريخية جليلة، وذلك بسبب وجود القباب المقرنصة -- المقرنصات هي مجموعة من العناصر المختلفة الأشكال المربوطة بعضها ببعض وتستخدم في تزيين أو تغطية الفراغات المختلفة -- الذي يعود بأصله إلى الهند البوذية أما وجوده في الفن العربي وكل ما طرأ عليه من تغيير وتطوير فلا بد من عزوه إلى الإسلام حصراً. وأهم من كل هذا استعمال الدعامات المُثَمَّنِة التي تحمل على أطرافها أعمدة رخامية تُسَمَّى "سويريَّات" والتي انتقلت لاحقاً وعلى نطاق كبير إلى العمارة الغربية. أما المئذنة الحلزونية فعلى الرغم من إبداع تصميمها إلا أنها بقيت عقيمة ولم تسهم في مجال التقدم المعماري.
وما حَلَّتْ نهاية القرن الثالث عشر إلا وكثير من الأبنية الإسلامية قد بني وبقي قائماً في كل أقطار العالم الإسلامي، وهنا علينا أن نضيف الهند وتركيا إلى قائمة هذه الأقطار. واسبانيا التي اشتهرت بقصرين على درجة عظيمة من الأهمية هما قصر (الحمراء) و(الكازار)، وهما جديران بالذكر نظراً للزخارف المحتشدة فيهما والتي لم يشوه الوقت جمالها. وفي القاهرة أُبْدِعَتْ مجموعة من المساجد والأضرحة استمرَّ بناؤها حتى السنة /1517 م/ وهو زمن استيلاء الأتراك على المدينة. وبعدها غلب أسلوب البناء العثماني على المساجد القليلة التي بنيت. وخاصَّة استعمال القِبَّة التي قُدِّرَ لها أن تصبح الميِّزة المفضَّلة الكبرى للعمارة الإسلامية، كان شكلها في القاهرة مرتفعاً في العادة، أما في إيران وتركستان فقد أعطيت الأفضلية للقباب البصلية المنحرفة، بينما اتخذت قباب القسطنطينية (استنبول ابتداءاً من /1456 م/ ) شكل القباب البيزنطيّة المنخفضة، قباب **ر في القرن الخامس عشر كانت مزدانة بزخارف محزمة من الخارج.
خاتمة:
بتلخيص كل النقاط التي وردت سابقاً، يتضح لنا أن دَيْنَ الإسلام المتراكم على العالم الغربي في فن العمارة هو دَيْن كبير. فمن الأقواس المدببة إلى الزخارف والمقرنصات. وفي اسبانيا بقي العمل بالزخارف العربية منتشراً حتى زمن متأخر.
وبالتالي نجد أن العمارة الإسلامية ليست عمارة دينية وإنما عمارة مرتبطة بالحضارة الإسلامية ككل. أي أنها لا تقتصر فقط على المساجد والجوامع، بل امتدت لتشمل جميع أنواع الأبنية التي تحتاجها الحياة اليومية من قصور وأسواق وحمامات.
مقدمة :
اكتسح الإسلام في غضون نصف قرن، كزوبعة صحراوية، بلاداً تمتد من الحجاز إلى أعمدة هرقل غرباً، وإلى حدود الهند شرقاً، فتح بلاداً ما كانت المدنية قد وصلتها. وامتدت سيطرته فشملت رقعة من الأرض أوسع من رقعة الامبراطورية الرومانية في أعظم فترة من سلطانها. واحتضن عدة شعوب، كان فنها المعماري يختلف عن فن روما، وهوأحياناً أعرق من روما وأقدم.
وعلى الرغم من أن الفاتحين العرب الأوائل لم يمتلكوا حساً فنياً معمارياً بل كانوا منصرفين لأمور الجهاد والصلاة، حال أي أمة مجندة ألهبها الدين، إلا أنّهم عندما نهضوا بأعباء الحكم لم يروا مفراً من الاهتمام بفنون العمارة، فاعتمدوا بداية على صناع محليين جيء بهم من مختلف الأ**ار المفتوحة. وعلى الرغم من جهل العرب في أمور الهندسة المعمارية في أوائل عهد الفتوح، فإن الحقيقة الساطعة عن العمارة الإسلامية هي أنها بقيت نسيج وحدها في كل البلاد وكل العصور التي مر بها الإسلام، مع بقاء أصولها معقدة غاية التعقيد. هنالك شيء يميزها عن آثار جميع المدارس المعمارية المحلية التي كانت أداة فنية لخلقها.
وربما كان الدين الإسلامي هو العامل الذي حرَّرمجموعة أساليب البناء المختلفة وربط فيما بينها، فأخرج أسلوباً ذا نمط واحد متمايز. ذلك أن الابنية التي شادها العرب في أوائل سنوات حكمهم كانت مساجداً وقصوراً بالدرجة الأولى. وأهم أثر للعصور التي تلتها ظل أيضاً لا يعدو المساجد والأبنية الدينية كالمدارس والتكايا التي لم يخلُ أحدها من مسجد.
الجوامع الاولى في العصر الإسلامي:
يعتبر مسجد (المدينة) البسيط الذي بناه الرسول محمد (ص) في السنة /622 م/ الطراز المحتذى للمساجد الأخرى. فهو قطعة أرض مربعة تحيطها جدران مبنية من الآجر والحجر. إلا الجزء الذي يؤمُّ فيه الرسول ال**لين فقد كان مسقوفاً بسعف النخيل. وكان ال**لون يركعون مقتبلين جهة الشمال. وهي ناحية أورشليم المدينة المقدسة. إلى أن تغيرت هذه (القبلة) سنة /624 م/ من أورشليم إلى مكة المكرمة.
ثم بنى عمرو بن العاص مسجداً آخراً عام /642 م/ في الفسطاط (القاهرة اليوم) وقيل إنَّه كان خالياً من فناء مكشوف (صحن) وأنه كان يحتوي على شيء جديد هو منصَّة مرتفعة (منبر). وبعدها بسنوات قليلة استحدثت المقصورة وهي حجاب فاصل أو شِبَاْكٌ من الخشب يحجب الإمام عن الجماعة. وظهر المحراب لتعيين القبلة. وهكذا تكونت في ظرف ثمانين أو تسعين سنة من بناء أول مسجد في المدينة ، كل الميِّزات الرئيسيِّة لمسجد الصلاة (الجامع).
إن الانتقال من الضَّرورة المجرَّدة إلى محاولات التَّسامي والطموح كان سريعاً جدَّاً بشكل يُدْهَشُ له المرء حين يتأمَّل صرامة حياة الجّهاد والعبادة التي كان يحياها العدد العظيم من المسلمين، فها نحن بعد أقل من عشرين عاماً من بناء مسجد الرسول نقف أمام بناء رائع من الحجر بطابع فخم وزخارف بديعة هو قبة الصخرة. وهو المكان الذي عرج منه الرسول الكريم إلى السماء فضلاً عن ذلك فقد بقي هذا المسجد فريداً في طرازه، ولم تظهر محاولة واحدة خلال أربعة قرون على الأقل للتمثل به، أي العزوف عن مسقط الجامع المربع. عند هذه النقطة لا يسعنا إلا النفوذ إلى قلب الجدل الحاد الذي لا يزال مستعر الإوار حول أصل فن العمارة الإسلامية. وكونها أخذت فكرة القبة من الكاتدرائيات المجاورة. وعلى الرغم من أن قبة الصخرة يشبه هذه المباني من بعض النواحي، ومن الممكن أن يكون المعمار ال**مم على اطلاع عليها خاصة أنها كانت تشكل نمط العمارة السائدة في تلك الفترة لكنه تمكن من إعطاء المبنى خصوصيته التي تناسب عصره ووظيفته مشكلاً طرازاً معمارياً خاصاً تميزت به العمارة الإسلامية على مر العصور.
بعد مسجد قبة الصخرة يأتي الجامع الأموي في دمشق حسب التسلسل الزمني وأهم ما يميزه أن الأقواس الموجودة في باحته لها شكل يشبه (حدوة الفرس) الذي قدر له أن يصير من أهم مميزات فن العمارة الإسلامية في الغرب لِعِلَّة غير معروفة. إنَّ التَّصميم غير الاعتيادي لهذا الجّامع ربما عاد تأثيره إلى أساليب عمارة الكنائس السُّورية التي حُوِّلَتْ إلى مساجد. أما المحراب فيقول شيوخ الجوامع بأن الغرض منه كان مساعدة الأعمى على التعرف إليه عندما يتلمس طريقه.
العمارة في العصر الإسلامي الذهبي:
فلنقوم الآن بتعقب خطواتنا إلى بلاد مابين النَّهرين حيث أقيمت عدة مساجد من اللِّبن تماشياً مع الأسلوب المعتاد في البلاد. تقوم هذه المساجد بمثابة همزة وصل بين مسجد المدينة البسيط في المدينة المنوَّرة ومسجد ابن طولون الضَّخم في القاهرة. ويُعَدٌّ مسجد الأخيضر مثالاً ساطعاً على ذلك فهو يحتل أهمية جوهرية حيث نجد في أسلوب تصميم أقواسه جرثومة الأقواس الحادة التي أصبحت فيما بعد أهم طابع لفن العمارة القوطية في الغرب.
أمَّا المسجد الجامع بسامراء فهو ذو سعة هائلة وأهمية تاريخية جليلة، وذلك بسبب وجود القباب المقرنصة -- المقرنصات هي مجموعة من العناصر المختلفة الأشكال المربوطة بعضها ببعض وتستخدم في تزيين أو تغطية الفراغات المختلفة -- الذي يعود بأصله إلى الهند البوذية أما وجوده في الفن العربي وكل ما طرأ عليه من تغيير وتطوير فلا بد من عزوه إلى الإسلام حصراً. وأهم من كل هذا استعمال الدعامات المُثَمَّنِة التي تحمل على أطرافها أعمدة رخامية تُسَمَّى "سويريَّات" والتي انتقلت لاحقاً وعلى نطاق كبير إلى العمارة الغربية. أما المئذنة الحلزونية فعلى الرغم من إبداع تصميمها إلا أنها بقيت عقيمة ولم تسهم في مجال التقدم المعماري.
وما حَلَّتْ نهاية القرن الثالث عشر إلا وكثير من الأبنية الإسلامية قد بني وبقي قائماً في كل أقطار العالم الإسلامي، وهنا علينا أن نضيف الهند وتركيا إلى قائمة هذه الأقطار. واسبانيا التي اشتهرت بقصرين على درجة عظيمة من الأهمية هما قصر (الحمراء) و(الكازار)، وهما جديران بالذكر نظراً للزخارف المحتشدة فيهما والتي لم يشوه الوقت جمالها. وفي القاهرة أُبْدِعَتْ مجموعة من المساجد والأضرحة استمرَّ بناؤها حتى السنة /1517 م/ وهو زمن استيلاء الأتراك على المدينة. وبعدها غلب أسلوب البناء العثماني على المساجد القليلة التي بنيت. وخاصَّة استعمال القِبَّة التي قُدِّرَ لها أن تصبح الميِّزة المفضَّلة الكبرى للعمارة الإسلامية، كان شكلها في القاهرة مرتفعاً في العادة، أما في إيران وتركستان فقد أعطيت الأفضلية للقباب البصلية المنحرفة، بينما اتخذت قباب القسطنطينية (استنبول ابتداءاً من /1456 م/ ) شكل القباب البيزنطيّة المنخفضة، قباب **ر في القرن الخامس عشر كانت مزدانة بزخارف محزمة من الخارج.
خاتمة:
بتلخيص كل النقاط التي وردت سابقاً، يتضح لنا أن دَيْنَ الإسلام المتراكم على العالم الغربي في فن العمارة هو دَيْن كبير. فمن الأقواس المدببة إلى الزخارف والمقرنصات. وفي اسبانيا بقي العمل بالزخارف العربية منتشراً حتى زمن متأخر.
وبالتالي نجد أن العمارة الإسلامية ليست عمارة دينية وإنما عمارة مرتبطة بالحضارة الإسلامية ككل. أي أنها لا تقتصر فقط على المساجد والجوامع، بل امتدت لتشمل جميع أنواع الأبنية التي تحتاجها الحياة اليومية من قصور وأسواق وحمامات.