rss
09-15-2013, 12:37 PM
?لماذا لا يجب أن يكون لنتائج العلم انعكاس على إدارة الحياة الاجتماعية?
عنوان التدوينة هي سؤال وجهه لي الأستاذ عبد الله المطيري عبر تويتر (https://twitter.com/Abdullaht407/status/341837517697449984)، مستفسراً عن الفقرة الأخيرة في تدوينتي حول وجود الإرادة الحُرة (http://www.som1.net/?p=4058). وللإجابة عن هذا السؤال بإيجاز أقول:
هناك مسافة شاسعة بين العِلم بوصفه حقائق موضوعية تماماً، وبين المجتمع بوصفه مجال يختلط فيه كل شيء بما فيها الدوافع الذاتية والحقائق الموضوعية. فمحاولة الانتقال بالنتائج من مجال العلم إلى مجال الحياة الاجتماعية تتطلب أن تكون الحقيقة مؤكدة بالمعنى الحرفي، وهذا يستحيل في غير العلوم البحتة -كما هو معروف في فلسفة العلوم- لأن الإثبات في هذه الحالة يكون عبر استقراء الحوادث، وهي عملية يتخللها جزء من الشك -ولابد- ولايمكن أن يُتوصل منها إلى حقائق صارمة. خلاف طريقة الإثبات في الرياضيات مثلاً. فهنا يجب أن تُعاد صيغة السؤال لتصبح “لماذا لا يجب أن يكون لنتائج العِلم غير الصارمة انعكاس على إدارة الحياة الاجتماعية ؟”
كثيراً ما يواجه علماء الأحياء الاجتماعية (http://en.wikipedia.org/wiki/Sociobiology)*بالاتهام بأنهم مؤدلجون، وبأن نظرياتهم العلمية كثيراً ما تسعى لتبرير الجرائم التي عادة ما يرتكبها الرجل. وذلك عبر ادعائهم بأن الاغتصاب على سبيل المثال يعود إلى مكوّن جيني طبيعي، وبالتالي فالمُغتصب ليس مسؤولاً تماماً عن أفعاله قدر ماهو مُبرمج على فعل ذلك والاستجابة لدوافعه الجينية. وهكذا على منفصمي الشخصيات ومرتكبي الجرائم وغيرهم وربما يسقط الأمر على وولف سينجر الذي قفز بفرضية وهم الإرادة الحُرة (http://www.som1.net/?p=4058) إلى المجتمع ليجعل من الجريمة عملية آلية وليست نابعة من إرادة ومسؤولية المجرم. فكل هذا يبدو حجة قوية لتعطيل تقدم البحث العلمي، وقد يصبح تهديداً لكثير من العلماء أو المهتمين بالعلم حتى لا يعلنوا نتائجهم التي قد تصادم المجتمع حتى لا يُواجهوا بمثل هذه التهم.
أقف إلى جانب العِلم بدون شك بمعنى تحفيز البحث وعدم الخوف من النتائج أياً كانت.. ولكن يجب أن ندرك جيداً ماذا نعني بكلمة (العِلم). فالرياضيات ليست مثل الأحياء، والأحياء ليست مثل علم الاجتماع أو الاقتصاد (والتي يتحفظ البعض على تسميتها بالعلوم أساساً) فكل علم من هذه العلوم له مستوى من الأدلة والوسائل التي تختلف في مستوى قطعيتها.
فلكي نحل الإشكال، يجب أن نؤكد على الفرق بين الحقائق وبين القِيم. فمسألة ما إذا كان هناك مكوّن جيني للاغتصاب أو لا هذا سؤال علمي بحت. فحتى لو كان هناك جين مسؤول عن ذلك، هذا لايجعل المجرم معذوراً أو مقبولاً. ولا يجعله حتى أقل مسؤولية عن فعله، لأنه لا أحد يؤمن بأن ذلك الجين حرفياً*يُجبر الرجل على الجريمة فوراً بدون أي عوامل أخرى. على الأكثر، ذلك الجين يجعل الرجل ميالاً إلى الجريمة -في حال ثبوته علميا بالطبع-، ولكن هذه الإعدادات الجينية يمكن التغلب عليها بالتدريب والتعليم والذي يعني أن الشخص مطلوب منه مجهود أكبر ليقاوم أثر الجين. وكذا بخصوص الإرادة، حيث يوجد في أدمغتنا شبكة معقدة للغاية تكوّن قراراتنا وذات الشبكة التي تقود الشخص إلى الجريمة يمكن أن تقوده إلى تركها، حسب المؤثرات المُفتعلة. ونفس الأمر ينطبق على باقي المشكلات العلمية ذات العلاقة بالمجتمع.
وعلى المستوى العملي، لدينا مثال قريب وهو زيجات الأقارب، والتي تزيد فيه نسبة توارث أمراض معينة. فهل ثبوت هذا الأمر يصلح أساساً لمنع زيجات الأقارب على الإطلاق ؟ من الجنون فعل ذلك لأننا نرى أن هناك حالات كثيرة للغاية من زيجات الأقارب التي لم تورث مثل هذه الأمراض. ولو أن مسألة الفحص قبل الزواج التي توجه النصح للزوجين فيها كثير من الفائدة إلا أنها يجب أن تظل بعيدة عن صبغ العلاقات الاجتماعية بشكل معين، أي تظل بعيدة عن إتمام قرار الزواج من عدمه.
الخلاصة أنه أياً كان الجواب أو الحقائق التي تقدمها لها العلوم، الأخلاق والتشريعات لايجب أن تُستنتج منها. مايفعله العلم -أي علم- هو محاولة إخبارنا بالحقائق التي علينا أن نتعايش مع وجودها. وقد ذكرت في التدوينة السابقة بأن مايقدمه العلم قد يؤثر فقط في إعادة تقييم تبريراتنا الأخلاقية فقط. فالنظرة للمجرم قد تتغير أخلاقياً لكن مسؤوليته وعقوبته على الجريمة لايمكن أن تتغير لهذا السبب. لأن عقوبته على الجريمة طريقة لتمكين حياة رغيدة في المجتمع وليس لتطهير المجرم من أفعاله أو ماشابه.
تدوينات أخرى:
قراءة في **** “وجدة” للمخرجة هيفاء المنصور (http://www.som1.net/?p=4125)
http://feeds.feedburner.com/~r/som1/zkVn/~4/NT3cCQXhUOY
عنوان التدوينة هي سؤال وجهه لي الأستاذ عبد الله المطيري عبر تويتر (https://twitter.com/Abdullaht407/status/341837517697449984)، مستفسراً عن الفقرة الأخيرة في تدوينتي حول وجود الإرادة الحُرة (http://www.som1.net/?p=4058). وللإجابة عن هذا السؤال بإيجاز أقول:
هناك مسافة شاسعة بين العِلم بوصفه حقائق موضوعية تماماً، وبين المجتمع بوصفه مجال يختلط فيه كل شيء بما فيها الدوافع الذاتية والحقائق الموضوعية. فمحاولة الانتقال بالنتائج من مجال العلم إلى مجال الحياة الاجتماعية تتطلب أن تكون الحقيقة مؤكدة بالمعنى الحرفي، وهذا يستحيل في غير العلوم البحتة -كما هو معروف في فلسفة العلوم- لأن الإثبات في هذه الحالة يكون عبر استقراء الحوادث، وهي عملية يتخللها جزء من الشك -ولابد- ولايمكن أن يُتوصل منها إلى حقائق صارمة. خلاف طريقة الإثبات في الرياضيات مثلاً. فهنا يجب أن تُعاد صيغة السؤال لتصبح “لماذا لا يجب أن يكون لنتائج العِلم غير الصارمة انعكاس على إدارة الحياة الاجتماعية ؟”
كثيراً ما يواجه علماء الأحياء الاجتماعية (http://en.wikipedia.org/wiki/Sociobiology)*بالاتهام بأنهم مؤدلجون، وبأن نظرياتهم العلمية كثيراً ما تسعى لتبرير الجرائم التي عادة ما يرتكبها الرجل. وذلك عبر ادعائهم بأن الاغتصاب على سبيل المثال يعود إلى مكوّن جيني طبيعي، وبالتالي فالمُغتصب ليس مسؤولاً تماماً عن أفعاله قدر ماهو مُبرمج على فعل ذلك والاستجابة لدوافعه الجينية. وهكذا على منفصمي الشخصيات ومرتكبي الجرائم وغيرهم وربما يسقط الأمر على وولف سينجر الذي قفز بفرضية وهم الإرادة الحُرة (http://www.som1.net/?p=4058) إلى المجتمع ليجعل من الجريمة عملية آلية وليست نابعة من إرادة ومسؤولية المجرم. فكل هذا يبدو حجة قوية لتعطيل تقدم البحث العلمي، وقد يصبح تهديداً لكثير من العلماء أو المهتمين بالعلم حتى لا يعلنوا نتائجهم التي قد تصادم المجتمع حتى لا يُواجهوا بمثل هذه التهم.
أقف إلى جانب العِلم بدون شك بمعنى تحفيز البحث وعدم الخوف من النتائج أياً كانت.. ولكن يجب أن ندرك جيداً ماذا نعني بكلمة (العِلم). فالرياضيات ليست مثل الأحياء، والأحياء ليست مثل علم الاجتماع أو الاقتصاد (والتي يتحفظ البعض على تسميتها بالعلوم أساساً) فكل علم من هذه العلوم له مستوى من الأدلة والوسائل التي تختلف في مستوى قطعيتها.
فلكي نحل الإشكال، يجب أن نؤكد على الفرق بين الحقائق وبين القِيم. فمسألة ما إذا كان هناك مكوّن جيني للاغتصاب أو لا هذا سؤال علمي بحت. فحتى لو كان هناك جين مسؤول عن ذلك، هذا لايجعل المجرم معذوراً أو مقبولاً. ولا يجعله حتى أقل مسؤولية عن فعله، لأنه لا أحد يؤمن بأن ذلك الجين حرفياً*يُجبر الرجل على الجريمة فوراً بدون أي عوامل أخرى. على الأكثر، ذلك الجين يجعل الرجل ميالاً إلى الجريمة -في حال ثبوته علميا بالطبع-، ولكن هذه الإعدادات الجينية يمكن التغلب عليها بالتدريب والتعليم والذي يعني أن الشخص مطلوب منه مجهود أكبر ليقاوم أثر الجين. وكذا بخصوص الإرادة، حيث يوجد في أدمغتنا شبكة معقدة للغاية تكوّن قراراتنا وذات الشبكة التي تقود الشخص إلى الجريمة يمكن أن تقوده إلى تركها، حسب المؤثرات المُفتعلة. ونفس الأمر ينطبق على باقي المشكلات العلمية ذات العلاقة بالمجتمع.
وعلى المستوى العملي، لدينا مثال قريب وهو زيجات الأقارب، والتي تزيد فيه نسبة توارث أمراض معينة. فهل ثبوت هذا الأمر يصلح أساساً لمنع زيجات الأقارب على الإطلاق ؟ من الجنون فعل ذلك لأننا نرى أن هناك حالات كثيرة للغاية من زيجات الأقارب التي لم تورث مثل هذه الأمراض. ولو أن مسألة الفحص قبل الزواج التي توجه النصح للزوجين فيها كثير من الفائدة إلا أنها يجب أن تظل بعيدة عن صبغ العلاقات الاجتماعية بشكل معين، أي تظل بعيدة عن إتمام قرار الزواج من عدمه.
الخلاصة أنه أياً كان الجواب أو الحقائق التي تقدمها لها العلوم، الأخلاق والتشريعات لايجب أن تُستنتج منها. مايفعله العلم -أي علم- هو محاولة إخبارنا بالحقائق التي علينا أن نتعايش مع وجودها. وقد ذكرت في التدوينة السابقة بأن مايقدمه العلم قد يؤثر فقط في إعادة تقييم تبريراتنا الأخلاقية فقط. فالنظرة للمجرم قد تتغير أخلاقياً لكن مسؤوليته وعقوبته على الجريمة لايمكن أن تتغير لهذا السبب. لأن عقوبته على الجريمة طريقة لتمكين حياة رغيدة في المجتمع وليس لتطهير المجرم من أفعاله أو ماشابه.
تدوينات أخرى:
قراءة في **** “وجدة” للمخرجة هيفاء المنصور (http://www.som1.net/?p=4125)
http://feeds.feedburner.com/~r/som1/zkVn/~4/NT3cCQXhUOY