rss
09-15-2013, 12:37 PM
رسالة إلى حمزة.. (2)
صديقي حمزة. لقد مرّ عام.
عام على نشر رسالتي الأولى إليك (http://www.som1.net/?p=3853). لم أتصور أن تخبو كل التفاصيل وتستمر الحياة. في الحقيقة، كنت أتصور هذا لكني أقصد أنني مذنب بطريقة ما…
أتساءل دوماً في سجنك الطويل هذا ماذا تفعل؟ هل ياترى تحصي النمل التي تغدو وتروح ؟ أم تكتب على الجدار ما لاتحب أن تنساه حينما تخرج ؟ وكم ستظل في هذا الحال حتى تمل ؟ هل ياترى تعرف الملل كما نعرفه نحن ؟ في الحقيقة هذه تعتبر أسئلة تافهة أشغل بها نفسي عن السؤال الذي أخاف أن أواجهه.. :
هل نحن مذنبون حين ننساك ؟
أقول نحن لأغمر نفسي وسط الجماعة فيكون نصيبي من الذنب أقل، لا أريد أن أنصب نفسي ضد نفسي. نتشاغل عن المواجهة بالدخول في تفاصيل الحياة. وبطرح الأسئلة التي لاتكشف لنا بغتة حجم الدمار الذي نعيش فيه. الدمار الذي يتمثل في أن نكتب فيه عنك بضعة أحرف ثم ننسى. نكتب بضعة أحرف في الحقيقة لكي ننسى وننغمس مرة أخرى. نريد أن نقتل هذا الضمير الذي لا يريد أن ينام.
تصورت أن اللغة ليست سوى وسيلة رخيصة لنعلن بها أفكارنا ومشاعرنا. ولكن في الحقيقة الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل هي وسيلة نعيد بها ضمائرنا إلى النوم. حينما يصحو الضمير نتحدث أو نكتب حتى لو كنا نؤمن أنه لايوجد لما نكتبه أي فائدة، فقط نريد أن نلتمس لأنفسنا العذر للمزيد من الانغماس اليومي “بسلام”. نكتب ونكتب ونكتب كما نغني أغنية النوم حتى تنام الضمائر الثقيلة، دون أن “نفعل” شيئاً. لأننا نوقن من دواخلنا أن الفعل أبلغ اللغات على الإطلاق، وأن هذا الفعل بالضبط هو مانحاول الاختفاء عنه وتفاديه. كم يبدو “الفعل” ثقيلاً يعكر علينا السلام اليومي الذي ننعم فيه.. فأي حضيض من السلام اليومي سنصل له يا ترى ؟
ما أسهل الكلام وما أرخص الكتابة يا صديقي، وما أصعب الفعل وما أثمنه. تنام في السجن منذ عام وثلاثة أشهر، ونحن ننام في بيوتنا ونسافر ونضحك ونأكل كما نشتهي، ونعتقد أننا بكلمات قليلة سوف نتفاداك. لن يقدر ألمك سوى محبوك: أمك وأبوك، أما نحن فلا تعول علينا يا صديقي.
لا تعول علينا لأننا سنمل من كثرة الكلام وكثرة الكتابة، لأننا سنمل من كثرة التحليل والقيل والقال، **يرنا الملل. نحاول إقناع أنفسنا أننا لا نملك من الأمر شيئاً وأن مهمتنا تنتهي عند بضع دعوات بأن يفرج الله عنك ونمضي سالمين، هذا كل مانريده وهو أن نمضي سالمين. سنكتب ونتحدث بالقدر الذي يجعلنا نشعر بأداء واجبنا فحسب. نريد أن نغني حتى تنام ضمائرنا. لايوجد لنا دافع للفعل الذي يتجاوز الكلام والكتابة فهذا سيعكر الصفو اليومي.. الذي لانريد له أن يتعكر.
حياة في الحضيض لا تشبهها أي حياة. لا أعرف عما تفعله في السجن ولكني موقن تماماً أن حياتك في السجن هي “أفعل” بكثير من كل حرف نكتبه ومن كل سلام نعيشه. لا يعرف أحد -كالعادة- كم ستقضي في السجن لكني مؤمن أن كل لحظة حياة تعيشها في السجن ستعود إليك بألف حياة حين تخرج منه غداً. ستختلف لديك التعريفات، وربما اللغة بأسرها، أعني خصوصاً تلك اللغة التي أكبر بكثير من الكلمات. سترى حياة مختلفة للغاية عن تلك التي نعيشها، وترى صوراً وألواناً مختلفة عن تلك التي نألفها. حينها، اصمُد وتمسك بعالمك بكلتا يديك.. واحذر. أعني احذر منا، فلن نحتمل وجودك ولن نحتمل انفرادك. سنحاول أن نجعل حياتك أرخص ثمناً ولغتك أقل قيمة وأفعالك أقل شأناً. سنجرك نحو الانغماس والشرب من ماء التفاصيل الآسن وتشرب حتى تغرق فيه ثم لا ترفع رأسك أبداً كما أغرقتنا من قبل. اهرب بعيداً إلى نعيمك الذي لن نراه.. فنحن منغمسون فحسب.
لقد أغرقتنا بالفعل تلك التفاصيل الحقيرة ياصديقي.
لا أود الإطالة، فذاك الذي كتبت الرسالة من أجله قد غط في النوم، أعني الضمير -أو سمه ماشئت. في العام الماضي كان ينام بصعوبة، أما الآن فأرى أنه قد نام بسرعة. ومن ثم سأعود لأنغمس وأعيش، مع كل دعواتي الصادقة لك بالفرج العاجل.
فهد.
تدوينات أخرى:
قراءة في **** “وجدة” للمخرجة هيفاء المنصور (http://www.som1.net/?p=4125)
http://feeds.feedburner.com/~r/som1/zkVn/~4/MWQwU9Zizbk
صديقي حمزة. لقد مرّ عام.
عام على نشر رسالتي الأولى إليك (http://www.som1.net/?p=3853). لم أتصور أن تخبو كل التفاصيل وتستمر الحياة. في الحقيقة، كنت أتصور هذا لكني أقصد أنني مذنب بطريقة ما…
أتساءل دوماً في سجنك الطويل هذا ماذا تفعل؟ هل ياترى تحصي النمل التي تغدو وتروح ؟ أم تكتب على الجدار ما لاتحب أن تنساه حينما تخرج ؟ وكم ستظل في هذا الحال حتى تمل ؟ هل ياترى تعرف الملل كما نعرفه نحن ؟ في الحقيقة هذه تعتبر أسئلة تافهة أشغل بها نفسي عن السؤال الذي أخاف أن أواجهه.. :
هل نحن مذنبون حين ننساك ؟
أقول نحن لأغمر نفسي وسط الجماعة فيكون نصيبي من الذنب أقل، لا أريد أن أنصب نفسي ضد نفسي. نتشاغل عن المواجهة بالدخول في تفاصيل الحياة. وبطرح الأسئلة التي لاتكشف لنا بغتة حجم الدمار الذي نعيش فيه. الدمار الذي يتمثل في أن نكتب فيه عنك بضعة أحرف ثم ننسى. نكتب بضعة أحرف في الحقيقة لكي ننسى وننغمس مرة أخرى. نريد أن نقتل هذا الضمير الذي لا يريد أن ينام.
تصورت أن اللغة ليست سوى وسيلة رخيصة لنعلن بها أفكارنا ومشاعرنا. ولكن في الحقيقة الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل هي وسيلة نعيد بها ضمائرنا إلى النوم. حينما يصحو الضمير نتحدث أو نكتب حتى لو كنا نؤمن أنه لايوجد لما نكتبه أي فائدة، فقط نريد أن نلتمس لأنفسنا العذر للمزيد من الانغماس اليومي “بسلام”. نكتب ونكتب ونكتب كما نغني أغنية النوم حتى تنام الضمائر الثقيلة، دون أن “نفعل” شيئاً. لأننا نوقن من دواخلنا أن الفعل أبلغ اللغات على الإطلاق، وأن هذا الفعل بالضبط هو مانحاول الاختفاء عنه وتفاديه. كم يبدو “الفعل” ثقيلاً يعكر علينا السلام اليومي الذي ننعم فيه.. فأي حضيض من السلام اليومي سنصل له يا ترى ؟
ما أسهل الكلام وما أرخص الكتابة يا صديقي، وما أصعب الفعل وما أثمنه. تنام في السجن منذ عام وثلاثة أشهر، ونحن ننام في بيوتنا ونسافر ونضحك ونأكل كما نشتهي، ونعتقد أننا بكلمات قليلة سوف نتفاداك. لن يقدر ألمك سوى محبوك: أمك وأبوك، أما نحن فلا تعول علينا يا صديقي.
لا تعول علينا لأننا سنمل من كثرة الكلام وكثرة الكتابة، لأننا سنمل من كثرة التحليل والقيل والقال، **يرنا الملل. نحاول إقناع أنفسنا أننا لا نملك من الأمر شيئاً وأن مهمتنا تنتهي عند بضع دعوات بأن يفرج الله عنك ونمضي سالمين، هذا كل مانريده وهو أن نمضي سالمين. سنكتب ونتحدث بالقدر الذي يجعلنا نشعر بأداء واجبنا فحسب. نريد أن نغني حتى تنام ضمائرنا. لايوجد لنا دافع للفعل الذي يتجاوز الكلام والكتابة فهذا سيعكر الصفو اليومي.. الذي لانريد له أن يتعكر.
حياة في الحضيض لا تشبهها أي حياة. لا أعرف عما تفعله في السجن ولكني موقن تماماً أن حياتك في السجن هي “أفعل” بكثير من كل حرف نكتبه ومن كل سلام نعيشه. لا يعرف أحد -كالعادة- كم ستقضي في السجن لكني مؤمن أن كل لحظة حياة تعيشها في السجن ستعود إليك بألف حياة حين تخرج منه غداً. ستختلف لديك التعريفات، وربما اللغة بأسرها، أعني خصوصاً تلك اللغة التي أكبر بكثير من الكلمات. سترى حياة مختلفة للغاية عن تلك التي نعيشها، وترى صوراً وألواناً مختلفة عن تلك التي نألفها. حينها، اصمُد وتمسك بعالمك بكلتا يديك.. واحذر. أعني احذر منا، فلن نحتمل وجودك ولن نحتمل انفرادك. سنحاول أن نجعل حياتك أرخص ثمناً ولغتك أقل قيمة وأفعالك أقل شأناً. سنجرك نحو الانغماس والشرب من ماء التفاصيل الآسن وتشرب حتى تغرق فيه ثم لا ترفع رأسك أبداً كما أغرقتنا من قبل. اهرب بعيداً إلى نعيمك الذي لن نراه.. فنحن منغمسون فحسب.
لقد أغرقتنا بالفعل تلك التفاصيل الحقيرة ياصديقي.
لا أود الإطالة، فذاك الذي كتبت الرسالة من أجله قد غط في النوم، أعني الضمير -أو سمه ماشئت. في العام الماضي كان ينام بصعوبة، أما الآن فأرى أنه قد نام بسرعة. ومن ثم سأعود لأنغمس وأعيش، مع كل دعواتي الصادقة لك بالفرج العاجل.
فهد.
تدوينات أخرى:
قراءة في **** “وجدة” للمخرجة هيفاء المنصور (http://www.som1.net/?p=4125)
http://feeds.feedburner.com/~r/som1/zkVn/~4/MWQwU9Zizbk