عودة قطاع الإنتاج بماسبيرو إلى الواجهة تحيي أمجاد الدراما المصرية | حنان مبروك | صحيفة العرب
عودة قطاع الإنتاج بماسبيرو إلى الواجهة تحيي أمجاد الدراما المصرية حنان مبروك المؤسسة العريقة تسعى إلى استعادة ثقة الجمهور عبر محتوى يهتم بالبعد الاجتماعي المصري والعربي ويعالج قضايا معاصرة. الخميس 2026/02/19 من كواليس تصوير “أولاد الراعي”، إنتاج ماسبيرو “الدراما قوة لا تسلية، ومصدر تأثير عظيم” على حد قول الكاتب عبداللطيف خالد، وهذا بالفعل ما أكدته الهيئة الوطنية (المصرية) للإعلام أو ما يعرف بـ”ماسبيرو”، والتي قدّمت على مدار عقود مجموعة من أهم المسلسلات التي شكّلت علامات فارقة في تاريخ الدراما المصرية والعربية، وكان لها تأثير عميق في وعينا الجمعي. كانت مصر رائدة في إنتاج الدراما مع أول مسلسل تلفزيوني بعنوان “هارب من الأيام” الذي بث عام 1962، وذلك عقب افتتاح مبنى ماسبيرو بفترة وجيزة، ليستمر بعدها إنتاج أعمال درامية بارزة لا تزال خالدة في وجدان المشاهد العربي. من أبرز هذه الأعمال “ليالي الحلمية” الذي رصد تحولات المجتمع المصري عبر حقب زمنية متعاقبة، و”رأفت الهجان” الذي جسّد بطولات المخابرات المصرية في إطار وطني مشوّق، و”الشهد والدموع” الذي عالج صراعات العائلة والطبقات الاجتماعية بعمق إنساني. كما يبرز “بوابة الحلواني” بوصفه عملا تاريخيا غنائيا وثّق مرحلة مهمة من تاريخ مصر الحديث، مؤكداً قدرة الدراما التلفزيونية على المزج بين التوثيق والإبداع الفني. تبني ماسبيرو لإستراتيجية شاملة تقوم على تطوير المحتوى والإنتاج المشترك والانفتاح على صيغ درامية جديدة، يأتي بهدف استعادة الجمهور بعد سنوات من تراجع الإنتاج وفي سياق الدراما الاجتماعية ذات الطابع الواقعي تحتل أعمال مثل “المال والبنون” مكانة خاصة لدى الجمهور العربي لما تطرحه من قضايا أخلاقية وصراعات ممتدة بين الأجيال، فيما جاء “أبنائي الأعزاء شكرًا” ليعكس تحولات الأسرة المصرية وعلاقة الآباء بالأبناء في إطار اجتماعي دافئ. هذه الأعمال وغيرها رسّخت مكانة ماسبيرو كمنصة للإبداع الجاد، وأسهمت في ترسيخ صورة الدراما المصرية كأحد أهم روافد الثقافة العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وكانت لماسبيرو الريادة في التأسيس لثقافة عرض المسلسلات خلال شهر رمضان، وفي حين كنا نشاهد مسلسلا واحدا ترافقه مجموعة من الفوازير مثل “فوازير حول العالم” التي قدمتها شريهان، إلى جانب برامج مسابقات وبرامج دينية ترفه عن المسلمين قليلا خلال شهر مخصص للعبادة، صرنا اليوم أمام أعداد هائلة من المسلسلات تصرف المسلم عن عبادته وتختصر شهر رمضان في الترفيه. ومنذ ثورة 2011، همشت ماسبيرو، واتجهت القوى الناعمة ومنتجو الدراما إلى القطاع الخاص، لا يُعرف هل كان الأمر طبيعيا يواكب كل التحولات الكبرى التي شهدتها مصر أم أنه نتيجة التذبذبات السياسية والأزمة الاقتصادية الخانقة. وبعد غياب دام نحو 15 عاما، ومع بدأ استقرار البلاد واستعدادها لمرحلة ازدهار متوقعة، تعود ماسبيرو هذا العام إلى الواجهة بخطة تطوير شاملة تعكس رغبة واضحة في استعادة دورها الريادي. وعاد قطاع الإنتاج داخل الهيئة بقوة إلى المنافسة خلال شهر رمضان من خلال تقديم أعمال جديدة، في خطوة تؤكد أن المؤسسة العريقة تسعى إلى استعادة ثقة الجمهور عبر محتوى يهتم بالبعد الاجتماعي المصري والعربي ويعالج قضايا معاصرة بلغة درامية قادرة على المنافسة، فإلى جانب اهتمام صناع الدراما بإنتاج أعمال تخاطب المشاهد المصري، أنتجوا أيضا مسلسلا عن القضية الفلسطينية هو “صحاب الأرض”. وتعرض الهيئة ثمانية مسلسلات هي “أولاد الراعي”، بطولة ماجد المصري وخالد الصاوي وأحمد عيد ونيرمين الفقي وأمل بوشوشة، وتأليف ريمون مقار، وإخراج محمود كامل، و”صحاب الأرض”، بطولة منة شلبي وإياد نصار وعصام السقا، وتأليف عمار صبري ومحمد هشام عبية، وإخراج بيتر ميمي، و”روج أسود”، بطولة رانيا يوسف وداليا مصطفى ومي سليم، وتأليف أيمن سليم، وإخراج محمد عبدالرحمن حماقي، و”السرايا الصفرا”، بطولة وفاء عامر وعمرو عبدالجليل وسارة سلامة وإيهاب فهمي ومنة عرفة، وتأليف حسين مصطفى محرم، وإخراج جوزيف نبيل. ◄ إلى جانب اهتمام صناع الدراما بإنتاج أعمال تخاطب المشاهد المصري، أنتجوا أيضا مسلسلا عن القضية الفلسطينية هو “صحاب الأرض” كما يعرض مسلسل “المصيدة”، بطولة حنان مطاوع وخالد سليم وسلوى خطاب، وتأليف يحيى حمزة، وإخراج مصطفى أبوسيف، و”وصية جدو”، بطولة بيومي فؤاد وحمزة العيلي وليلى عز العرب، وتأليف سندس عادل وبلال الشاعر ومحمد عمروسي، وإخراج محمد الأنصاري، و”الضحايا”، بطولة صلاح عبدالله وندى بسيوني وميرنا وليد ووفاء سالم وعمرو رمزي، وتأليف وإخراج حاتم صلاح الدين. ويعرض مسلسل “قطر صغنطوط”، بطولة محمد رجب والفنان أحمد بدير، وتأليف محمد سمير مبروك، وإخراج هاني حمدي. وإلى جانب المسلسلات التلفزيونية أطلقت أيضا إذاعة “دراما إف إم” كأول إذاعة متخصصة في المسلسلات في العالم العربي، مع أرشيف ضخم يتجاوز ألفي مسلسل إذاعي، في محاولة لإحياء تقاليد الدراما الإذاعية وتعزيز حضورها في المشهد الإعلامي الحديث. وإضافة إلى جهود التحديث واستعادة موقعها في المشهد الدرامي العربي، تواصل قناة “ماسبيرو زمان” عرض وترميم كلاسيكيات الدراما والفوازير التي شكلت وجدان أجيال، مثل “بوجي وطمطم” و”محمد رسول الله”، لتقديمها بصورة تليق بقيمتها الفنية وتاريخها، ولتعريف الأجيال الجديدة بكنوز إبداعية أسهمت في ترسيخ ملامح الشخصية المصرية. ويبرر استمرار “ماسبيرو زمان” في ترميم وعرض كلاسيكيات الفن العربي، بأن الهوية الثقافية لا تُبنى إلا على أساس متين من الذاكرة المشتركة. ويأتي تبني ماسبيرو لإستراتيجية شاملة تقوم على تطوير المحتوى والإنتاج المشترك والانفتاح على صيغ درامية جديدة، بهدف استعادة الجمهور بعد سنوات من تراجع الإنتاج، ولإعادة توظيف كنوزها الفنية في تعزيز الوعي ومواجهة الأفكار المتطرفة، وتأكيد قيم الاعتدال والانتماء، ومواكبة السياسة الثقافية المصرية والتوصيات الأخيرة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي شدد على ضرورة التزام الدراما تحديدا بعرض أعمال ترتقي بمستوى الوعي والثقافة لدى الجمهور وتبتعد عن الاستعراض المبالغ فيه لقضايا العنف والمخدرات ووقف تمجيد الخيانة والبلطجة، واحترام مؤسسات الدولة، ودعم دور الأسرة والمرأة. وبين الماضي العريق والطموح المتجدد، تبقى ماسبيرو أكثر من مجرد مبنى على ضفاف النيل؛ إنها ذاكرة وطن، ومنبر ثقافة، وأحد أهم أعمدة الدراما التي صنعت وما زالت تصنع ملامح الوجدان المصري والعربي. ويمكن القول إن هذه العودة مبشرة، تؤكد أن مبنى ماسبيرو يظل الركيزة التاريخية الأساسية للدراما المصرية والعربية، وأحد أهم رموز القوة الناعمة لمصر في محيطها العربي، وينتظر أن تكون الانطلاقة الجديدة استكمالا للدور الكبير الذي لعبه هذا الصرح في تعزيز الوعي والوجدان الجمعي العربي، ويعود مدرسة فنية تخرج فنانين حقيقيين يسعون خلف الفن ورسائله وليس خلف الشهرة والمال فقط. حنان مبروك صحافية تونسية 9




